من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من أدب إبراهيم بن العباس الموصلى
قال إبراهيم بن العباس الموصلى: والله ما اتّكلت فى مكاتبة قط إلّا على ما يجلبه خاطرى، ويجيش به صدرى، إلّا قولى فى فصل: وصار ما كان يحرزهم يبرزهم، وما كان يعقلهم يعتقلهم. وقولى فى رسالة أخرى: «فأنزلوه من معقل إلى عقّال، وبدّلوه آجالا بآمال»، فإنى ألممت فى هذا بقول الصريع:
موف على مهج فى يوم ذى رهجكأنه أجل يسعى إلى أمل
وفى المعنى الأول يقول أبو تمام:
فإن يبن حيطانا عليه فإنماأولئك عقّالاته لا معاقله
وكان يقول: ما تمنّيت كلام أحد أن يكون لى إلّا قول عبد الحميد بن يحيى:
الناس أصناف متباينون، وأطوار متفاوتون، منهم علق مضنّة لا يباع، وغل مظنّة لا يبتاع.
ورد كتاب بعض الكتاب إلى إبراهيم بن العباس بذم رجل ومدح آخر؛ فوقّع فى كتابه: إذا كان للمحسن من الجزاء ما يقنعه، وللمسىء من النّكال ما يقمعه، بذل المحسن الواجب عليه رغبة، وانقاد المسىء للحق رهبة. فوثب الناس يقبّلون يده.
ووقع لرجل متّ إليه بحرمة: تقدمت بحرمة مألوفة، ووسيلة معروفة، أقوم بواجبها، وأرعاها من جميع جوانبها.
وإبراهيم بن العباس هو القائل:
لنا إبل كوم يضبق بها الفضاوتغبرّ منها أرضها وسماؤها
فمن دونها أن تستباح دماؤناومن دوننا أن يستذمّ دماؤها
حمى وقرى فالموت دون مرامهاوأيسر خطب يوم حقّ فناؤها
وقال الصولى: وجدت بخط عبد الله بن أبى سعيد إبراهيم بن العباس أنشده لنفسه:
وعلّمتنى كيف الهوى وجهلتهوعلّمكم صبرى على ظلمكم ظلمى
وأعلم مالى عندكم فيردّنىهواى إلى جهلى فأرجع عن علمى
فقلت: أسبقك إلى هذا أحد؟ فقال: العباس بن الأحنف بقوله:
تجنّب يرتاد السلوّ فلم يجدله عنك فى الأرض العريضة مذهبا
فعاد إلى أن راجع الوصل صاغراوعاد إلى ما تشتهين وأعتبا
قال الصولى: وأظن أنّ ابن أبى سعيد غلط فى هذه الرواية؛ لأن الأشبه بقول ابن العباس: «فعاد إلى أن راجع الوصل صاغرا» قوله:
كم قد تجرعت من غيظ ومن حزنإذا تجدّد حزن هوّن الماضى
وكم سخطت وما باليتم سخطىحتى رجعت بقلب ساخط راضى
وأنشد له:
لمن لا أرى أعرضت عن كلّ من أرىوصرت على قلبى رقيبا لقاتله
أدافعه عن سلوة وأردّهحياء إلى أوصابه وبلابله
وقال فى هذا النحو:
وأنت هوى النفس من بينهموأنت الحبيب وأنت المطاع
وما بك إن بعدوا وحدةولا معهم إن بعدت اجتماع
وقال الطائى:
إذا جئت لم أحزن لبعد مفارقوإن غبت لم أفرح بقرب مقيم
فيا ليتنى أفديك من غربة النوىبكلّ أخ لى واصل وحميم
وأصل هذا من قول مالك بن مسمع للأحنف بن قيس: «ما أشتاق للغائب إذا حضرت، ولا أنتفع بالحاضر إذا غبت».
وقال إبراهيم بن العباس:
تدانت بقوم عن تناء زيارةوشطّ بليلى عن دنوّ مزارها
وإنّ مقيمات بمنعرج اللّوىلأقرب من ليلى وهاتيك دارها
وليلى كمثل النار ينفع ضوءهابعيدا نأى عنها ويحرق جارها
كأنه نظر إلى قول النّظار الفقعسىّ:
يقولون هذى أمّ عمرو قريبةدنت بك أرض نحوها وسماء
ألا إنما بعد الخليل وقربهإذا هو لم يوصل إليه سواء
وقوله: «وليلى كمثل النار» كقول العباس بن الأحنف:
أحرم منكم بما أقول وقدنال به العاشقون من عشقوا
صرت كأنّى ذبالة نصبتتضئ للنّاس وهى تحترق
وقال إبراهيم بن العباس:
أميل مع الصديق على ابن عمىوآخذ للصديق من الشقيق
وإن ألفيتنى حرّا مطاعافإنك واجدى عبد الصّديق
أفرّق بين معروفى ومنّىوأجمع بين مالى والحقوق
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع