من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
شمس الدين ابن دانيال الحكيم
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
محمد بن دانيال بن يوسف الموصلي الحكيم الفاضل الأديب، شمس الدين صاحب النظم الحلو والنثر العذب والطباع الداخلة والنكت الغريبة والنوادر العجيبة؛ قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: هو ابن حجاج عصره، وابن سكرة مصره، وضع كتاب " طيف الخيال " فأبدع طريقه، وأغرب فيه فكان هو المطرب والمرقص على الحقيقة؛ أخبرني الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس قال: كان الحكيم شمس الدين ابن دانيال له دكان كحل داخل باب الفتوح، فاجتزت عليه أنا وجماعة من أصحابه، فرأينا عليه زحمة ممن يكحله، فقالوا: تعالوا نخايل على الحكيم، فقلت لهم: لا تشاكلوه تخسروا معه، فلم يسمعوا وقالوا: يا حكيم تحتاج إلى عصيات؟ يعنون أن هؤلاء الذين يكحلهم يعمون ويحتاجون إلى العصا، فقال بسرعة: لا، إلا إن كان فيكم من يقود لله تعالى، فمروا خجلين؛ وله من هذا النوع غرائب ينقلها المصريون عنه. وكانت وفاته بالديار المصرية في شهور سنة عشر وسبعمائة
فمن نظمه، قال لغزاً في سرموزة:
وجارية هيفاء ممشوقة القدلها وجنة أبهى احمراراً من الورد
من اليمنيات التي حر وجههايفوق صقالاً صفحة الصارم الهندي
وثيقة حبل الوصل منذ صحبتهافلست أراه قط منتقض العهد
وفي وصلها أمسى الشقاء ميسراًوجاوز في تيسيره غاية الجهد
ولم أر وجهاً قبلها كل ساعةعلى الترب ألقاها معفرة الخد
ومن عجبي أني إذا ما وطئتهاتئن أنيناً دونه أنة الوجد
مباركة عندي ولا برحت إذاًمدورة الكعبين شؤماً على ضد وقال أيضاً:
قلت لمولاي السنيالمحسن المستحسن
من قال إنك ما تنافإن عبدك ما يني وقال أيضاً:
ولرب ليل بالخليج قطعتهإذ بت منه ساهراً بالشاطي
أمسى الضياء منادمي وحشاه ليمحشوه بغرائب الأخلاط
ولشقوتي بتنا معاً في مضجعمترديين على الثرى ببساط
عصفت علي رياحه فوجدتهاأقوى هبوباً من رياح شباط
قد كنت أنعس لانتشاق فسائهغشياً فيوقظني بصوت ضراط
ما زلت أنشق منه ريحاً منتناًحتى استحال إلى الخراء مخاطي
يا أيها المفتوق من أرياحههذي النصيحة فيك للخياط
وقال أيضاً في فرسه:
قد كمل الله برذوني لمنقصةوشانه بعد ما أعماه بالعرج
أسير وهو يعرج بيكأنه ماشياً ينحط من درج
فإن رماني على ما فيه من عرجفما عليه إذا مت من حرج
وقال في الشيخ ابن ثعلبة وقد ترك الغناء واللهو وتصوف في المشتهى من روضة مصر:
لطمت بعدك الخدود الدفوفوتحاملت تلك الصروف الكفوف
وتساوى عند الرقاق وقد مات لدينا ثقيلها والخفيف
وعلت ضجة المواصل حزناًوالندامى على السرور عكوف
وجرت أدمع الرواويق حتىعاد منها النزيف وهو نزيف
وبدا الشمع وهو من سيلان الدمع إنسان عينه مطروف
يا إمام الملاح دعوة قاضفي قضايا المجون ليس يحيف
كيف ذقت الخشوع هل هو حلويا حريفي بالله أو حريف
تبت لله توبة الشيخ إن الزهد لا يحتوي عليه الضعيف
لا تكن راسب المقر فما يرسب في المستقر إلا الكثيف
وإذا قمت للصلاة فقم ثعلبة ناشقاً فأنت نظيف
وإذا ما خلوت في خلوة المسجد قل للمريد عندي ضيوف
وإذا ما أخرجت كيسك بالمعلوم قل للحضور هذا سفوف
حبذا زهدك التليد فما أنت به في الشيوخ إلا ظريف
قسماً يا قلبة البين إنيقرم الشوق للقا ملهوف
أترجى منك الرجوع قريباًطمعاً فيك والمحب عطوف وقال أيضاً:
أصبحت أفقر من يروح ويغتديما في يدي من فاقة إلا يدي
في منزل لم يحو غيري قاعداًفإذا رقدت رقدت غير ممدد
لم يبق فيه سوى رسوم حصيرةومخدة كانت لأم المهتدي
ملقى على طراحة في حشوهاقمل كمثل السمسم المتبدد
والفأر يركض كالخيول تسابقتمن كل جرداء الأديم وأجرد
هذا وكم ناشر طاوي الحشايبدو كمثل الفاتك المتردد
هذا ولي ثوب تراه مرقعاًمن كل لون مثل ريش الهدهد
وقال أيضاً:
قد عقلنا والعقل أي وثاقوصبرنا والصبر مر المذاق
كل من كان فاضلاً كان مثليفاضلاً عند قسمة الأرزاق وقال أيضاً:
ما عاينت عيناي في عطلتيأدبر من حظي ولا بختي
قد بعت عبدي وحماري وقدأصبحت لا فوقي ولا تحتي وقال أيضاً:
يا سائلي عن حرفتي في الورىوضيعتي فيهم وإفلاسي
ما حال من درهم إنفاقهيأخذه من أعين الناس وقال أيضاً:
رأيت سراج الدين للصفع صالحاًولكنه في علمه فاسد الذهن
أستره بالكف خوف انطفائهوآفته في طفئه كثرة الدهن
وقال وقد صلبوا ابن الكازروني وفي عنقه جرة خمر في الأيام الظاهرية:
لقد كان حد الخمر من قبل صلبهخفيف الأذى إذ كان في شرعنا جلدا
فلما بدا المصلوب قلت لصاحبيألا تب فإن الحد قد جاوز الحدا
وقال أيضاً:
لقد منع الإمام الخمر فيناوصير حدها حد اليماني
فما جسرت ملوك الجن خوفاًلأجل الخمر تدخل في القناني وقال أيضاً:
كم قيل لي إذ دعيت شمساًلا بد للشمس من طلوع
فكان ذاك الطلوع داءسما إلى السطح من ضلوعي
وقال أيضاً:
يا رشاً لحظه الصحيح العليلكل صب بسيفه مقتول
لك ردف غادرته رهن خصروهو رهن كما علمت ثقيل وقال أيضاً:
يا لائمي في العذار مهلاًفأنت بالعذل لي مهيج
الحسن قد زادني غراماًإذ رقم الورد بالبنفسج
وكل ديباج خد ظبيإن لم يكن معلماً فدحرج
وقال أيضاً:
يقولون سيف الدين من أجل علقهجفاك فلا تأمن غوائل حقده
فقلت ألا يا قوم ما أنا جاهلفأدخل بين السيف عمداً وغمده
وقال وقد أبطلت المنكرات في أيام حسام الدين لاجين:
احذر نديمي أن تذوق المسكراأو أن تحاول قط أمراً منكرا
لا تشرب الصهباء صرفاً قرقفاًوتزور من تهواه إلا في الكرى
أنا ناصح لك إن قبلت نصيحتياشرب إذا ما رمت سكراً سكرا
والرأي عندي ترك عقلك سالماًمن أن تراه بالمدام تغيرا
ذي دولة المنصور لاجين الذيقهر الملوك وكان سلطان الورى
إياك تأكل أخضراً في عصرهيا ذا الفقير يصير جسمك أحمرا
والمزر يا مسعود دعه جانباًواشرب من اللبن المخيض مبكرا
وبني حرام احفظوا أيديكمفالوقت سيف والمراقب قد درى
توبوا وصلوا داعيين لملكهفيه تنالون النعيم الأكبرا
وقال أيضاً وقد دعي إلى عرس:
دعوتني للعرس يا سيديفكدت أن أحضر من أمس
وها أنا الليلة في داركمفالكلب ما يهرب من عرس
وقال في برهان الفاحشة وقد صفع وهو أرمد:
صفع البرهان وما رجمافبكى من بعد الدمع دما
قد كان شكا رمداً صعباًفازداد بذاك الصفع عمى
ورمى النوروز أخادعهحتى باتت تشكو ورما
أدماه القوم بآخرةكانت حوراً لا بل أدما
نزلوا سحراً في ساحلهفرأى الإصباح بهم ظلما
من كل فتى بالنطع بدامثل القصار إذا احتزما
فسقاه بها صرفاً سبعاًوسقاه بها سبعين بما
وقال أيضاً:
في وصف حسنكم تكل الألسنوجمالكم فهو الجمال الأحسن
يا سادة غابوا فمات تصبريوبكيتهم حتى بكاني المسكن
لي فيكم ظبي ذكرت لحسنهعين الجنان أجم أحور أعين
قاسي الفؤاد علي ولكن عطفهمثلي على غمز الصبابة لين
باد ولكن في الضمير محجبسهل ولكن بالرماح محصن
حلفوا بأن الورد زهرة خدهصدق الوشاة وعارضاه سوسن
متلون الميثاق لكن وجههبسوى الحياء الطلق لا يتلون
في خط عارضه ونقطة خالهشكل يصادر في الهوى ويبرهن
وقال أيضاً في شرح حاله وشكوى زوجته:
قل لقاضي الفسوق والإدبارعضد البله عمدة الفجار
والذي قد غدا سفينة جهلوله من قرونه كالصواري
بك أشكو من زوجة صيرتنيغائباً بين سائر الحضار
غيبتني عني بما أطعمتنيفأنا الدهر مفكر في انتظار
غبت حتى لو أنهم صفعونيقلت كفوا بالله عن صفع جاري
فنهاري من البلادة ليلفي التساوي والليل مثل النهار
دار رأسي عن باب داري فباللهأخبروني يا سادتي أين داري
ملكتني عيارة وعياراًحتى زادت بالدردبيس عياري
أين مخ الجمال من طبع مخيفي التساوي وأين مخ الحمار
غفر الله لي بما رحت للبحر من البرد أصطلي بالنار
وتجردت للسباحة في الآل لظني به الزلال الجاري
ولكم قد عصبت رجلي برؤياأوطأتني حلماً على مسمار
ولكم رمت قلع ضرسي ضروببعد ما ضر غاية الإضرار
فإذا بي قلعت بعد عنائيواجتهادي القوي من أوزاري
ورحى حزتها لطحن فما زلت ظلالاً أدور حول المدار
وأنادي وقد سئمت من الركض إلى أين منتهى مضماري
أنا أختار لو قعدت من الجهد ولكن أمشي بغير اختيار
أنا أنسى أني نسيت فلا يخشى سميري إذاعة الأسرار
أنا سطل الشرائحي بما أودعت من عجة ومن أبزار
ولكم قد رأيت في الماء شيخاًوهو جاث في الجب كالعيار
شيخ سوء كالثلج ذقناً ولكنوجهه في سواده كالقار
أشبه الناس بي وقد يشبه التيس أخاه في حومة الجزار
فاعتراني رعب وناديت ما كنت إخال اللصوص في الأزيار
أين ترسي وأين درعي الحقينيأم عمرو بصارمي البتار
إن أمت كنت في الغزاة شهيداًأو أعش كنت شاطر الشطار
ثم أثخنت ذلك الزير ضرباًبحسامي حتى هوى لانكسار
وجرى الماء فاختشيت وإلاكدت أقفو الآثار في التيار
أنا كالبان في قوامي وإن أفردتني كنت في التهارش ضاري
أنا مثل الخروف قرناً وإن أسقط فإني أعد في الأقذار
أنا لو رمت للعلاج طبيباًما تعديت دكة البيطار
بعد ما كنت من ذكائي أدريأن بابي من صنعة النجار
أحزر البيض قبل ما يكسروهأن فيه البياض فوق الصفار
وبعيني نظرت كوز نحاسكان عندي أقوى من الفخار
وكثير مني على شيب رأسيحفظ هذي الأشياء مثل الكبار
وقال موشحاً يعارض به أحمد الموصلي:
غصن من البان مثمر قمرايكاد من لينه إذا خطرا يعقد
بديع حسن سبحان خالقه... مسك ذكي الشذا لناشقه... أبيض ثغر يبدي لعاشقه...
نمل عذار يحير الشعرا... وفوق شعر يستوقف النهرا أسود يا بأبي شادن فتنت به... يهواه قلبي على تقلبه... مذ زاد في التيه من تجنبه...
أحرمني النوم عند ما نفرا... حتى لطيف الخيال حين سرى قيد جوى أذاب الحشا فحرقني... ونيل دمعي جرى فغرقني... لكنه بالدمع خلقني...
فرحت أمشي في الدمع منحدراذاك لأني غدوت منكسرا مفرد وأما موشح أحمد الموصلي فإنه قوله:
بي رشأ عندما رنا وسرى... باللحظ للعاشقين إذ أسرا قيد بما بأجفانه من الوطف... وما بأعطافه من الهيف... وما بأردافه من الترف...
ذا الأسمر اللدن ردني سمرا... وفي فؤادي من قده سمرا أملد السحر من لحظه ومقلته... والرشد من فرقه وغرته... والغي من صدغه وطرته...
بدر لصبح الجبين قد سترا... بليل شعر فانظر له سترى أسود إن قلت بدراً فالبدر ينخسف... أو قلت شمس فالشمس تنكسف... أو قلت غصن فالغصن ينقصف...
وسنان جفن سما عن النظرا... وكل طرف إليه قد نظرا سهد يزهو بثغر كالدر والشهب... والطلع والأقحوان والحبب... رصع شبه اللجين في الذهب...
حوى الثريا من ثغره أثراً... له الذي أدمعي به نثرا نضد حاجبه مشرف على شغفي... عارضه شاهد على أسفي... ناظره عامل على تلفي...
به غرامي قد شاع واشتهرا... وسيفه في الحشا إذا شهرا يغمد عذاره النمل في الفؤاد سعى... والنحل من ثغره الأقاح رعى... ويوسف أيدي النسا قطعا...
بالنور من وجهه سبا الشعراوردني بالجفا وما شعرا مكمد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع