من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)
الباب الثالث والعشرون وصف مشي النساء
قال الأعشى، وهو من نادر تشبيهات العرب:
غَرَّاءُ فَرْعاءُ مَصْقولٌ عوارِضُهاتَمشي الهُوَيْنا كما يمشي الوَجي الوَحِلُ
كأنَّ مِشْيَتها من بيتِ جارَتِهامَرُّ السحابةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
وقد شبهوا مرور السحاب بمشي النساء أيضاً؛ ويكون هذا من قبيل التشبيهات التي تجيء طرداً وعكساً.
قال الشاعر في الليل:
كأنَّ قرونَ الخُرَّدِ العينِ أُسْبِلَتْعلى وَجْههِ أَوْ ظُلمةَ الهَجْرِ والصَدِّ
وعكسه مسلم بن الوليد فقال:
أَجِدَّكِ ما يُدْرِيكِ أنْ رُبَّ لَيْلةٍكأنَّ دُجاها من قُرونِكِ تُنشَرُ
وقال ابن الرومي:
أَرقُ من الماءِ الذي في حُسامهِوأَنفذُ من حدَّيْهِ حين يُجرَّدُ
وقال المتنبي:
كَفِرَنْدي فِرَنْدُ سَيْفي الجُرَازِلذَّةُ العينِ عُدَّةٌ للبِرازِ
امرؤ القيس:
وإذْ هي تمشي كمشْيِ النَّزِيفِ يصرَعُهُ بالكَثِيبِ البُهُرْ
فَتُورُ القِيامِ قَطيعُ الكَلامِ تفْتَرُّ عن ذي غُرُوبٍ خَصِرْ
قيس:
مريضاتُ أَوْبات التهادي كأَنماتخافُ على أَحشائها أن تَقَطَّعا
تَسِيبُ انْسيابَ الأَيْمِ أَخصَرَهُ النَّدىفَرَفَّعَ من أَعطافِه ما تَرَفَّعا
المؤمل:
شَوْقاً إلى قُطُفِ الخُطاحورِ العيونِ كَواعبِ
تَيَّمْننَي بأَنامِلٍومضاحكٍ وحواجبِ
ربيعة الرقي:
مَشيْنَ تأوداً خلفي رُوْيداًكَمِثْل هَجائنٍ أَقْبَلْنَ حُلاّ
وجَرَّدْن البُرودَ مُرفَّلاتٍعلى إِثْر الفتى حتى اضْمَحلاّ
ذو الرمة:
إِذا مَشَيْنَ مِشْيةٌ تأَوُّدا
هزَّ القنا لانَ وما تَأوَّدا
يَركُضْن رَيْطَ اليمنِ الْمُعَضَّدا
آخر:
يَمشينَ مشيَ قطا البِطاحِ تَأَوُّداًقُبَّ البُطونِ رواجِحَ الأَكفالِ
فَكأَنَّهنَّ إِذا أردْنَ زِيارَتييَقْلَعنَ أرجلَهُنَّ من أَوْحالِ
آخر:
قِصارُ الخُطا يمشينَ هوْناً كأَنَّمادَبيبُ القَطا بل هنَّ منهن أَوْجَلُ
إِذا نَهضت أَعجازُها خَرجت بهابِمُنْبَهِراتٍ غيرَ أَنْ لا تَخَزَّلُ
فلا عيبَ فيها غَيرَ أَنَّ سريعَهاقَطوفٌ، وأَلا شيءَ منهنَّ أَكسلُ
وأما قول كثير:
عَنَيْبُ قصيراتِ الحِجالِ ولم أَرِدْقِصارَ الخُطا شَرُّ النِساء البَحاتِرُ
فليس من هذا القبيل.
وبعد فلا شيء إلا وله مدح وذم. ألا ترى أن الأعشى يقول:
وإِذا تَجيءُ كتيبةٌ مَلْمومةٌشَهْباءُ يَخْشى الذائدون نِهالَها
كُنْتَ المُقَدَّمَ غيرَ لابِسِ جُنَّةٍبالسيفِ تَضْرِبُ مُعْلِماً أَبطالَها
ثم قال الغساني:
يَغْشى السيوفَ بوجهه وبنحرهويُقيم هامَته مُقامَ المِغْفَرِ
ما إِن يُريدُ اذا الرماحُ شَجَرْنَهَدِرعاً سوى سِربالِ طيبِ العُنْصُرِ
فتمدح بخوض الحرب متجرداً من الجبن بسالة.
وأخبرني أبو الفرج الأصفهاني، وكان عنده رواية ديوان كثير، أن كثيراً أنشد عبد الملك بن مروان:
عَلى ابنِ أَبي العاص دِلاصٌ حَصينَةٌأَجادَ المُسدّي سَرْدَها وأَذَالَها
يَؤُودُ ضعيفَ القوم حملُ قَتِيرِهاويَسْتَضِلْعُ القرمُ الأَشمُّ احتمالَها
فقال عبد الملك: هلا قلت كما قال الأعشى!؟ فقال كثير: وصفتك بالحزم، ووصف صاحبه بالخرق.
وقرأت في الشذور من أخبار أبي تمام، أنه أنشد عبد الله بن طاهر قوله:
وقَلْقَلَ نأْيٌ من خُراسان جَأْشَهافقلتُ: اطمئني. أَنضَرُ الروْضِ عازِبُهْ
فقال عبد الله بن طاهر: جعلتني مجهولاً غير معلم. ولم يبلغني ما قال أبو تمام في الجواب.
ابن عائشة:
هيفُ الخُصور قواصِدُ النَبْلِقَتَّلْننا بِلواحِظٍ نُجْلِ
فَكأَنَّهُنَّ إِذا أَردْنَ خُطاًيَقلعْن أَرْجُلَهنَّ من وَحْلِ
ذو الرمة:
إِذا الخَزُّ تحت الحَضْرَميَّاتِ لُثْنَهُبِمُرتَجَّة الأَردافِ مِثلِ القَصائمِ
لحفن الحَصى أنيارَه ثم خُضْنَهُنُهوضَ الهِجانِ الموُعِثاتِ الجَواشِمِ
رُويداً كما اهتزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْأَعالِيَها مَرُّ الرِياح النَّواسِمِ
ابن ميادة:
مُنَعَّمةُ الأَطراف هِيفٌ خُصورُهاكواعبُ تمشي مِشْيةَ الخيلِ في الوَحْلِ
وأَعناقُها أَعْناقُ غِزلانِ عالِجٍوأَعيُنُها من أَعين البَقَرِ النُجْلِ
وأَثلاثُها السُفلى بُرادِيُّ ساحلٍوأَثلاثُها الوُسطى نقاً من نقا الرملِ
وأَثلاثُها العُليا غُصونٌ فُروعُهاعَناقِيدُ تُغْذى بالدِّهانِ وبالغِسْلِ
الأشجع:
وجاريةٍ لم تسرِقِ الشمسُ نظرةًإِليها ولم يَعْبَثْ بأَيامها الدهرُ
وماجَتْ كموْج الماء بينِ ثِيابِهايَجُورُ بها شَطرٌ ويعدِلُها شطرُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع