تجاوز إلى المحتوى

من «الأفضليات» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)

مما جمع المدح بالشيء وضده، وهو من ضروب التوجيه

من ذلك ما قيل في وصف عزة مولانا - خلد الله ملكه - وكرمه، ومدحه بحماية الشيء الذي على يده إراقة دمه، وهو مذهب الشعراء في امتداح ملوك العرب؛ لأنه يصفونهم بدفعهم عن النعم وذبهم، وإباحة حماها للوافدين عليهم والنازلين بهم، على أن عظمته تأبى إلا عقر البدر تنزها عن عقر البدن، كما أنه لا يقنع في القرى بدون إقطاع القرى وتسويغ المدن. والذي قيل:

يمنع السرح من تعدي الأعاديبطوال القنا وبتر السيوف
فهي في الخوف أمنها من مغيروهي في الأمن حتفها للضيوف

وهذا معنى قول ابن حيوس:

تبيت حداد البيض أوفى حتوفهاوتضحي حجازاً دونها في المراتع
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «محل لهم بين النقا والأجارع»

وقوله:

تتوقع الأذواد منه عاقراما زال يحمي سرحها ويذود
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما الحسان فما لهن عهود»

وقوله:

وتمنع ما تحوي لتعطيه ندىوغيرك لا ينفك يعطي ليمنعا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «كذا في طلاب المجد فليسع من سعى»

فأراد أنك تمنع إباء وعزة ما تعطيه كرما ومنحة، وغيرك يعيط ذلة ومهنة ليصون ذخيرةً وقنيةً. والأصل في هذا قوله:

لنا إبل غر يضيق بها الفضاويفتر عنها أرضها وسماؤها
فمن دونها أن تستباح دماؤناومن دوننا أن تستذم دماؤها
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
حمى وقرى فالموت دون مرامهاوأهون خطب يوم حق فناؤها

وكرر ابن حيوس هذا المعنى، فقال وأحسن:

تضحي سيوفك للبلاد مفاتحافإذا فتحت جعلتها أقفالا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «النجم أقرب من مداك منالا»

على أنه مأخوذ من نصف بيت لأبي تمام، وهو قوله: أصبحت مفتاح الثغور وقفلها

وهذا عكس ما اتفق لأبي تمام مع الكميت، لأنه أخذ معنى نصف بيت من شعره، فأورده في بيتين. قال أبو تمام:

وطول مقام المرء في الحي مخلقلديباجتيه فاغترب تتجدد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»
فإني رأيت الشمس زيدت محبةإلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

والذي للكميت:

ولو لم تغب شمس النهار لملت

وللمعري:

السمهرية ليس يشرف قدرهاحتى يسافر لدنها عن غابه
والعضب لا يشفي امرأ من ثأرهإلا بفقد نجاده وقرابه
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

ولابن حيوس: كالمسك يزداد قدرا حين يغترب فأما قول مهيار:

ما اجتزن بالآذان كن مفاتحاوعلى قلوب عداكم أقفالا
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «حسبوا العلا خفا وكن ثقالا»

فكل من بيتي حبيب وابن حيوس أصنع منه؛ وذلك أنهما جعلا الأقفال للشيء الذي كانت عليه مفاتيح، ومهيار جعل المفاتيح والأقفال لغيرين. ووصف ابن حيوس السيوف بأنها مفاتح البلاد أوقع موصف مهيار الأبيات بأنها مفاتح الآذان. وقد ذكر أبو تمام المفتاح في غير موضع من شعره، فمن ذلك قوله:

للجود باب في الأنام ولم تزلمذ كنت مفتاحا لذاك الباب

وقد قال بعض المعترضين عليه: أتى إلى ممدوحه نجعله مفتاحاً، فهلا قال كما قال ابن الرومي:

قبِّل أنامله فلسن أناملاًلكنهن مفاتح الأرزاق
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «يا من يقبل كف كل مخرق»

فقيل له: لا تعجبن من هذا؛ فقد جعل ربه كذلك بقوله:

والله مفتاح باب المقفل الأشب

وعلى ذكر الأقفال وفتحها فقد أحسن الناشئ في قوله يصف اليويو:

مملك لنفوس الطير ينسفهانسفا فيقبض أجساما وأرواحا
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
كأنما أقفلت بالأهب أنفسهافكان بالكف للأقفال فتاحا
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

وقال ابن حيوس متصرفا في المعنى المقدم ذكره:

وبهم زلزلت بمن قارعوا الأرض وهم أمنها من الزلزال
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ضل من يستزير طيف الخيال»

وكرره فقال:

تتزلزل الدنيا إذا غضبوا فإنبلغوا الرضى أمنت من الزلزال
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما كان قبلك في الزمان الخالي»

وقال فيما يقارب هذا المعنى:

ثغور العدى إن رمتموهن كالفلاوكل فلاة رمتم منعها ثغر
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «كفى الدين عزا ما قضاه لك الدهر»

وقال:

أخفت الآمنين سطى فلماعفوت غدوت أمن الخائفينا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «أما وبديع ما تأتي يمينا»

ولأبي نصر المنازي:

لقد عرض الحمام لنا بسجعإذا أصغى له ركب تلاحى
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة
شجى قلب الخلي فقال: غنىوبرح بالشجي فقال: ناحا

ومن مليح ما في هذه الأبيات:

ضعيف الصبر فيك وإن تقاوىوسكران الفؤاد وإن تصاحى
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة
كذاك بنو الهوى سكرى صحاةكأحداق المها مرضى صحاحا
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة

فأما قول ابن الرومي:

عيني لعينك حين تنظر مقتللكن عينك سهم حتف مرسل
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «عيني لعينك حين تنظر مقتل»
ومن العجائب أن شيئا واحداهو منك سهم وهو مني مقتل

فليس من هذا الباب إلا أن فيه نوعا من مجانسته، وضربا من مناسبته، وهو من بديع ما ابتكره، وغريب ما اخترعه.

وكذلك قوله في وصف القوس:

توددت حتى لم أجد متودداوأمللت أقلامي عتابا مرددا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «توددت حتى لم أجد متوددا»
كأني استدني بك ابن حنيةٍإذا النزع أدناه من الصدر أبعدا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «توددت حتى لم أجد متوددا»

وقوله أيضاً فيها:

تشكي المحب وتلقى الدهر شاكيةكالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أجنت لك الوجد أغصان وكثبان»

وقد أحسن ابن حيوس في قوله:

أرى كل معوج المودة يصطفىلديكم ويلقى حتفه من تقوما
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما»
حتى الناس من قبل القسي لتقتنىوثقف منآد القنا ليحطما

على أن صدر البيت الثاني مأخوذ من قول كشاجم في وصفها: قد قومت للرمي بالتعويج إلا أنه أحكم الأخذ والتركيب، وتصرف التصرف البديع الغريب، وقد اقتضت الأبيات في القوس ذكر الحكاية العجيبة في إتقان الصناعة في الرماية عنها، وهي أن راميين عرض لهما أسد، فقال أحدهما للآخر: اكفني عينه اليمنى أكفك اليسرى، فرمياه عن يد، فأعمياه وسلما.

ولبعض الأندلسيين:

تقوس بعد طول العمر ظهريوداستني الليالي أي دوس
فأمشي والعصا تمشي أماميكأن قوامها وتر لقوسي

وعلى ذكر التشبيه فمن غريبه قول الآخر:

وألزمته ألحاظ طرف يحبهفليس بمرتد ولا بمغمض
إلى أن ثنت عيني الشمول كأننيألاحظه سكرا بأجفان مبغض

من المدح الذي قلت أمثاله، وعزت أشباهه، وعدمت له النظائر، وعقمت عنه الخواطر قول حسن بن عبد الصمد:

سبقت مكارمه مواعده فلميوسم بإنجاز ولا بمطال

وقاله:

ضنت أكفهم علا وسختمالا فما كرموا ولا بخلوا

وقول الجرجاني:

ما قال لاقط مذ حلت تمائمهبخلا بها فوجدنا الجود في البخل

والتوصل إلى المدح بالبخل من أغرب ما نتجه خاطر.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأفضليات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.