تجاوز إلى المحتوى

من «نضرة الإغريض في نصرة القريض» للمظفر العلوي (ت ٦٥٦هـ)

بابُ الاستعارة

الاستعارة من أشرف صنعة الكلام وأجلّها، وكان القدماء يسمّونها الأمثالَ فيقولون: فلان كثير الأمثال. ولقبُها بالاستعارة ألزمُ لأنه أعَمّ، ولأن الأمثالَ كلَّها ليس تجري مجرى الاستعارة، ألا ترى قول السُّلَيْك بن السُّلَكَة وقد وقع عليه رجلٌ وهو نائم فضغطَه السُلَيكُ، فحبَقَ الرجل، فقال السليك: أضرطاً وأنتَ الأعلى! فأرسلها مثلاً، وقد أورد الشيءَ على حقيقته. ومن أبرع ما قيل في الاستعارة قول ذي الرّمّة:

أقامتْ به حتى ذوى العودُ في الثّرىوساقَ الثُّريّا في مُلاءَتِه الفجْرُ

قال أبو عمرو بن العلاء: كانتْ يدي في يد الفرزدق فأنشدته بيت ذي الرمة، فقال: أُنشِدُكَ أم أدعُك؟ قال: قلت: بل أنشِدْني، فقال: أقامَت به حتى ذوى العودُ والثّرى، ثم قال: العود لا يذوي مهما أقام في الثرى، ثم قال: ولا أعلمُ كلاماً أحسنَ من قوله: وساقَ الثريّا في مُلاءَته الفجْرُ، ولا مُلاءَة له وإنما هي استعارة. وقال ابن المعتزّ: العود لا يذوي ما دام في الثّرى. قال الصّولي: اجتمعتُ وجماعةً من فرسان الشعر عند عبد الله بن المعتز، وكان بعِلمِ البديع محقِّقاً ينْصُرُ دعواه لسانُ مذاكرتِهِ، فلم يبقَ مسلَكٌ من مسالكِ الشر إلا وسلكناه، وأوردْنا أحسن ما قيل في معناه، الى أن قال ابنُ المعتز: ما أحسنُ استعارةٍ للعرب اشتملَ عليها بيتٌ من الشر؟ فقال الأسدي: قول لبيد:

وغداةَ ريحٍ قد كشَفْتُ وقرّةٍإذْ أصبَحتْ بيدِ الشّمالِ زمامُها

فجعل للشمال يداً وللغداةِ زِماماً، فقال ابن المعتزّ: هذا حسن وغيرُه أحسن منه، وقد أخذَه من قول ثعْلَبة بن صُعَيْر المازني يصفُ نَعامةً وظَليماً:

فتذكّرا ثَقَلاً رثيداً بعدَماألْقَتْ ذُكاءُ يمينَها في كافِرِ

الثَّقَل: بيضُ النعام، والرثيد: المنضود بعضُه على بعض، وذُكاء: الشمس، وكافر: الليل، جعل للشمس يميناً ملقاةً في الليل. قال: وقول ذي الرّمة أعجب إليّ منه وإنْ تأخّر زمانُه، حيث يقول:

ألا طرَقَتْ مَيٌّ هَيوماً بذِكْرِهاوأيْدي الثُريّا جُنَّحٌ في المغاربِ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا بارك الله»

وقال بعضُنا: قولُ لبيد أحسن:

ولقد حَمَيْتُ الحيَّ تحمِلُ شكَّتيفُرُطٌ، وشاحي إذ غدَوْتُ لجامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

يقال: فرسٌ فُرُط إذا تقدّم الخيلَ وسبقها. قال ابنُ المعتز: هذا حسن، وانظروا الى قول الهُذَليّ:

ولو أنني استودَعْتُهُ الشّمسَ لارتَقَتْإليه المنايا عينُها ورسولُها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «يقولون لي لو كان بالرمل لم يمت»

ثم قال: هذا بديع، وأبدعُ منه في استعارة لفظ الاستيداع قولُ الحُصَيْن بن الحُمام المُرّي حيث يقول:

نُطاردُهُم نستودِعُ البيضَ هامَهُمْويستودعونا السَّمْهَريَّ المُقَوَّما

في هذا البيت معنىً لطيف يدلّ على إقدامهم وتأخّر خصومهم، فاعرِفْه من لفظه، وقال بعضُنا: قول ذي الرمة أحسن:

أقامت به حتى ذَوى العودُ في الثّرىوساق الثريّا في مُلاءَتِه الفجْرُ

فقال ابنُ المعتز: هذا هو الغاية، وذو الرمة أبدعُ الناس استعارة. قال الصّولي: فكأنه والله نبّهني على ذي الرمّة، فقلت: بل قوله أحسن:

ولما رأيتُ الليلَ والشمسُ حيّةٌحياةَ الذي يقضي حُشاشةَ نازِعِ

فقال ابن المعتز: اقتَدَحْتَ زنْدَك فأوْرَى يا أبا بكر، هذا بارعٌ جداً، ولكن قد سبقَه الى هذه الاستعارة جرير وأجاد بقوله:

تُحْيي الرّوامِسُ رَبْعَها فتُجِدُّهُبعدَ البِلَى، وتُميتُهُ الأمطار
للشاعر جرير، من قصيدة «لولا الحياء لعادني استعبار»

قال: وهذا بيت حسن قد جمع الاستعارة والمُطابقة، لأنه جاء فيه بالإحياء والإماتة والبِلى والجِدّة، ولكنْ ذو الرّمة قد استولى ذِكرَ الإحياء والإماتة في موضع آخر فأحسنَ بقوله:

ونَشْوانَ من طِولِ النُعاس كأنّهُبحَبْلَين في أنشوطةٍ يترجّحُ
إذا ماتَ فوق الرّحْلِ أحْيَيْتُ روحَهبذِكْراكِ والعيسُ المراسيل جُنَّحُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»

قال الصّولي: وانصرفْنا وما من الجماعة إلا من قد غمرَهُ بحْرُ ابنِ المعتز في عِلم الشعر، وحُسْن تصرّفهِ في الكلام.

وأقول: إنّ أوّل مَن استعارَ في الشِّعر امرؤ القيس، فمن استعاراته قولُه:

وليلٍ كموْجٍ اليَمِّ مُرْخٍ سُدولَهعليّ بأنواع الهمومِ ليَبْتَلي
فقلت له لما تمطّى بجَوْزِهوأردف أعْجازاً وناءَ بكَلكَلِ

وقال زهير:

صَحا القلبُ عن سَلْمى وأقصرَ باطلُهْوعُرِّيَ أفراسُ الصِّبى ورَواحلُهْ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

قال الأصمعي: أول من عرّى أفراس الصِّبى طُفَيل بقوله:

فأصبحتُ قد عنّفْتُ بالجهلِ أهلَهوعُرِّيَ أفراسُ الصِّبى ورواحِلُهْ

وقال العُدَيْل بن الفَرْخ:

تكون لنا بيضُ السيوف مَعاذَةًإذا طِرْن بالأيدي كلَمْحِ العقائِقِ

وقال أيضاً:

مَن الطاعِنُ الجبّار، والخيلُ بينهاعجاجٌ تهادى نقْعُهُ بالسّنابِكِ

الاستعارة تَهادى، والقرينةُ بالسنابك. وقال مُزاحم العُقَيْلي:

سجَنْتُ الهوى في الصّدْرِ حتى تطلّعَتْبناتُ الهوى يُعْوِلْنَ من كلِّ مُعْوِلِ
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة

جعل صدرَه سِجناً للهوى، وجعل للهوى بناتٍ، وإنما يعني همومَه، وجعلها متَطلِّعةً، وجعلها مُعْوِلَةً، وهذه من الاستعارات الحسَنةِ. وقالت الخنساء:

لدى مأزِقٍ بينها ضيِّقٍتجُرُّ المنيةُ أذْيالَها

جعلتْ للمنية أذيالاً وجعلَتْها مجرورةً والقرينة لفظية. وقال مُزاحم العُقيلي يصِف فَلاةً:

تموتُ الرياحُ الهُوجُ في حَجَراتِهاوهيهاتَ من أقطارِها كلُّ مَنْهَل
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة

وقال جرير:

ورأيت راحلةَ الصِّبا قد قصّرتْبعدَ الذّميلِ وملّتِ التَّرحالا

وقال أيضاً:

غداةَ ابتَقرْنا بالسيوفِ أجِنّةًمن الحرْبِ في مَنْتوجَةٍ لم تُطَرَّقِ

ابتقرنا، افتعلنا من البَقر وهو شقُّ البطن للحُبْلى وغيرها، فاستعار للحرب بطناً وأوجب عليها بَقْراً، واستخراج جنينها. والتطريق أن يعْسُرَ خروج الولد، وهذه استعارة للحرب حسنة. وقال العائذي:

ونحنُ بنو حربٍ غذَتْنا بثَدْيِهاوقد شمِطَتْ أصداغُها وقرونُها

وقال حاجب بن زُرارة:

ومِثلي إذا لم يُجْزَ أكرَمَ سعيهِتكلّمُ نُعْماه بفِيها فتَنطِقُ

ومن هذا البيت أخذ نُصَيْب قولَه:

فعاجُوا فأثْنَوا بالذي أنتَ أهلُهُولو سكَتوا أثنَتْ عليكَ الحقائِبُ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»

وقال الفرزدق:

والشيبُ ينهضُ في الشبابِ كأنّهُليلٌ يَصيحُ بجانبَيْهِ نهارُ

أخذهُ ابنُ هَرْمة فقال:

وقد صاحَ في الليلِ النّهارُ كأنّهخِلافَ الدُجى أقرابُ أبْلَقَ أقْرَحا

وقال ابن مُقْبِل:

لدُنْ غُدْوَةً حتى نزَعْنَ عشيّةًوقد مات شطرُ الشّمْسِ والشطْرُ مُدْنِفُ
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

وقال سليمان بن عمّار السُلَميّ:

وموْلًى كداءِ البطنِ ليسَ بزائلٍتدِبُّ أفاعيه لَنا والعقارِبُ

أقام قوارصَ كلامِه مقامَ الأفاعي والعقارب، وهذه استعارة حسنة قرينتُها لفظية وهي قوله: تدِبُّ. وقال جَحْشُ بن زيدٍ الحَنَفي:

فَطَمْنا بني كعبٍ عن الحرب بعدَهاولاقَوْا من الأبطال وقعاً غَشَمْشَما

القرينةُ في هذا البيت معنويّة، وذلك أنه قد استقرّ عندَهُم تشبيهُ الحرب بالناقة على صِفاتٍ مختلفة، وأنهم يذكرون أخلافها وأنها تدِرُّ وتُحلب، فلما استقرّ عندَهم وكثُرَ بينهم كان اطِّراحُه وإيرادُه عندهم واحداً، وهذا معنى لطيف فاعْرفْهُ. وقال عجلان بنُ لأيٍ الثّعلبي:

عجِبْتُ لداعي الحرب والحربُ شامِذٌلَقاحٌ بأيْدينا تُحَلُّ وتُرْحَلُ

الشامِذُ: الناقةُ شَمذت تشْمِذُ بالكسر شِماذاً إذا لُقِحَتْ فشالَت بذنَبِها. وقال صابرُ بنُ صفوان الهُذَلي الحنَفيّ:

وقدأشعلَتْ نيرانَها الشمسُ واصْطَلىبها غَضْوَرُ البيداءِ حتى تلهّبا

وقال المُحْرِز بن المُكعبِر الضّبّي:

سالتْ عليهِ شِعابُ العِزِّ حين دَعاأصحابَهُ بوجوهٍ كالدنانيرِ

هذه استعارة حسنة قرينتُها لفظية، وهي قولُه: سالتْ عليه شعابُ العِزِّ فذكر السّيْلَ مع الشِعاب، ولو قال: سالَ عليه العزُّ لم يكُ حسَناً. وقال رجلٌ من بَلْعنبر:

قومٌ إذا الشرُّ أبْدى ناجِذَيْهِ لهُمْطاروا إليه زَرافاتٍ ووِحدانا
للشاعر قريط بن أنيف العنبري، من قصيدة «لو كنت من مازن لم تستبح إبلي»

وأنشد الأصمعي:

وما زِلتُ أرْشو الدّهرَ صَبْراً على التيتَسوءُ الى أن سرّني فيكُمُ الدّهْرُ

جعل الصبْرَ رِشوةَ للدهر ليُعينَه وهي استعارة حسنة. وقال قُرْطُ بن حارثة العامري الكلبي:

إنّما شيّبَ الذُؤابةَ منيوشجاني تناصرُ الأحزانِ

الاستعارةُ في تناصر. وقال أبو دَهْبَل الجُمَحي:

أقول والرّكْبُ قد مالَتْ عمائِمُهمْوقد سَقى القومَ كأس النّشوةِ السّمَرُ

وقال ذو الرمة:

سقاهُ الكَرى كأسَ النُعاسِ فرأسُهُلدِين الكَرى من آخِر الليل ساجِدُ

وقال حمزة بن بَيْض الحنَفيّ:

وأقام في رأسي المشيبُ فراعَنيضيفٌ لَعَمْرُ أبيكَ ليسَ برائِمِ
وحنَى قناتي ثمّ وتّر قوسَهورَمى بأسْهُمِهِ فشكّ قوائِمي

وقال الأفوهُ الأْوديّ:

إنما نِعْمةُ قومٍ مُتعَةٌوحياةُ المرءِ ثوْبٌ مُستعار
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «إن ترى رأسي فيه قزعٌ»

جعل الحياةَ ثوباً وجعله مُسْتعاراً. وقال ابنُ ميّادة يصف الألحاظ:

وبَرَيْنَ، لمّا أن أردْنَ نِضالَنانَبْلاً بلا ريشٍ ولا بِقداحِ

لما استقرّ النبلُ للحظ استعار النضال والريشَ، والقرينة هنا لفظيّة. وقال الآخر:

أخذْنا بأطرافِ الأحاديثِ بينناوسالَتْ بأعناقِ المطيِّ الأباطِحُ

وقال عمر بن أبي ربيعة المخْزومي:

وهْيَ مكنونةٌ تحيّرَ منهافي أديمِ الخدّيْنِ ماءُ الشّبابِ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قال لي صاحبي ليعلم ما بي»

وأنشد ثعْلَب:

إذا ما أتاهُ السائِلونَ توقّدَتْعليهِ مصابيحُ الطّلاقَةِ والبِشْرُ
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة

وقال مِحْجَن بن عُطارِد العنْبري:

تُحدّثُني أنّ البليّةَ قد أتَتْوأنّ سِنينَ المحْلِ قد صاحَ هامُها

وهذه استعارة حسنة. والاستعاراتُ في المنظوم والمنثور تتجاوز حدَّ كل حدٍ محصور، فيما أتينا به مَقْنَع.

ومن الألقاب المقدّم ذكرها:

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول في وصف الشعر وأحكامه وبيان أحواله وأقسامه

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.