من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)
الباب الثامن والأربعون في الحنين إلى الأوطان وتذكر من بها من القطان روي أن النبي ﷺ سمع صوتا فارتاع فقيل له في ذلك فقال ظننت أن ساكنا أزعج من منزله، وجاء أيضا حب الوطن من الإيمان وقال ابن عباس (لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى أحد الرزق وكانت العرب إذا سافرت أخذت معها من تربة بلدها تست
القاضي الفاضل:
بالله قل للنيل عني أننيلم أشف من ماء الفرات غليلا
وسل الفؤاد فإنه لي شاهدأن كان طرفي بالبكاء بخيلا
قال الأصمعي:
يا قلب كم خلفت ثم بثنيةوأظن صبرك أن تكون جميلا
دخلت البادية فنزلت على بعض الأعراب فقلت أفدني فقال إذا شئت أن تعرف وفاء الرجل وحسن عهده وكرم أخلاقه وطهارة مولده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وبكائه على ما مضى من زمانه ولما أشرف الإسكندر على الموت أوصى أن يحمل في تابوت ذهب إلى بلد الروم حبا في وطنه ولما أدركت يوسف ﵇ الوفاة أوصى أن يحمل إلى مقابر آبائه فمنع أهل مصر أولياءه فلما بعث الله موسى ﵇ وأهلك فرعون حمله إلى مقابرهم فقبره ﵇ بأرض المقدس وروي أن أبان قدم على رسول الله ﷺ المدينة فقال له يا أبان كيف تركت مكة قال تركتهم وقد حيدوا وتركت الأذخر وقد أغدق وتركت الثمام وقد خاص فاغرورقت عينا رسول الله ﷺ وقيل لأعرابي أتشتاق إلى وطنك قال كيف لا أشتاق إلى رملة كنت جنين ركامها ورضيع غمامها:
وكنا ألفناه ولم تك مألفاوقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن
كما تؤلف الأرض التي لم يطلب بهاهواء ولا ماء ولكنها وطن
آخر:
طيب الهواء ببغداد يؤرقنيشوقا إليها وإن عاقت مقادير
فكيف أصبر عنها اليوم إذ جمعتطيب الهواء بين ممدود ومقصور
ذكرت بهذين البيتين ما أنشدنيه من لفظه لنفسه الوزير العلامة فخر الدين بن مكانس وهو من مخترعاته:
إن الهوائين يا معشوق قد عبثابالروح والجسم في سر وفي علن
فالروح تكفيك بالمدود قد تلفتوالجسم حوشيت بالمقصور فيك فني
وقال الشيخ بدر الدين الدماميني:
أقول لمهجتي كم ذا ألاقيمن البلوى بظبي فيك قاسي
أذكره بأشجاني فينسىفأفديه غزالا في كناس
أعرابي:
وتشكو إلى الدار فرقة أهلهاوبي مثل ما بالدار من فرقة الأهل
سلميان المحاربي:
إذا لم تكن ليلى بنجد تغيرتبشاشة دنيا أهل نجد وطيبها
آخر:
فما أحسن الدنيا وفي الدار خالدوأقبحها لما تجهز غازيا
ذو الرمة:
وقفت على ربع لمية ناقتيفما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثهتكلمني أحجاره وملاعبه
بشار:
وقفت بها صحبي تطلب عراصهابدمعي وأنفاسي براح وتمطر
آخر:
منازل لم تنظر بها العين نظرةفتقلع إلا عن دموعي سواكب
البحتري:
أرى بين ملتف الآراك منازلاموائل لو كانت مهاها موائلا
فكن مسعدا فيهن إن كنت عاذراوسر مبعداً عنهن إن كنت عاذلا
الوائلي وهو أحسن ما قيل فيه:
سقيت ربوع الظاعنين فإنهغنى لك عن ما العيون الهواطل
ولمؤلفه:
وقفنا بربع الحب والحب راحلنحاول رجعاه لنا ونحاول
وألقت دموع العين فيه سائلالها من عبارات الغرام دلائل
إذا نفحة الأحباب منها تقسمتتطيب بها أسحارنا والأصائل
تثير غرامي ساجعات غصونهافمنها على الحالين هاجت بلابل
مراتع إلا في مرابع لذاتيمطالع أقماري بها والمنازل
قال ابن حمديس الصقلي:
ذكرت صقلية والأسىيهيج للقلب تذكارها
فإن كنت أخرجت من الجنةفإني أحدث أخبارى
ولولا ملوحة ماء البكاحسبت دموعي أنهارها
الكفيك لما فارق بغداد:
لهفي على بغداد من بلدةكانت من الأسقام لي جنة
كأنني عند فراقي لهاآدم لما فارق الجنة
القاضي عبد الوهاب المالكي:
سلام على بغداد مني تحيةوحق لها من السلام المضاعف
لعمرك ما فارقتها قاليا لهاوإني بشط جانبيها العارف
ولكنها ضاقت على برحبهاولم تكن الأقدار ممن يساعف
فكانت كخل كنت أهوى دنوّهوتأتي به أخلاقه فيخالف
وللعلامة ذو الوزارتين لسان الدين بن الخطيب عند فراقه الأندلس في واقعته المشهورة:
أموطني الذي أزعجت عنهولم أرزي به مال ولا دم
لئن أزعجت عنك بغير قصد قصدفقبلي فارق الفردوس آدم
وقال ابن الرومي:
بلد صحبت بها الشبيبة والصبىولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيتهوعليه أغصان الشباب تميد
قال علي بن عبد الكريم الصبي تأني ابن الرومي بقصيدته التي مدح بها سليمان بن عبد الله بن ظاهر وقال أنصفني وقال الحق أيما حسن قولي في الوطن:
ولي وطن آليت أن لا أبيعهوأن لا أرى غيري له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمةكنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبب أوطان الرجال إليهممآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمعهود الصبا فيها فجنوا لذلكا
أم قول الأعرابي:
أحب بلاد الله ما بين مدعجإلي وسلمى أن يصوب غمامها
بلاد بها عشق الشباب تمائميوأول أرض مس جلدي ركامها
فقلت بل قولك لأنه ذكر المواطن وحببها وأنت ذكرت العلة في ذلك.
وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة من رسالة كتبها إلى السيد زين الدين عمر الجعفري خطيب جامع التوبة بدمشق وينهى بعده الذي أضرم من شوقه الشهابي تارة وأخلى من زكاته لحجلية مطاره وتركه ملقى في الصهريج كأنه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة فلا بد والحالة هذه من آه على دمشق التي هي جنة من تاه وباهى وجيران جيرونها إلى أغار داء لسان الحب سماها:
فما قلت إيه بعدها لمسامرمن الناس إلا قال قلبي آها
غيره:
فيا وطني إن فاتني بك سالفمن الدهر فلينعم لساكنك البال
أي والله طالما حن الملوك إليها وأنشد ودمعه كالمطر سلام الله يا مطر عليها:
مطر من العبرات خدي أرضهحتى الصبا ومقلتي سماؤه
وقال الشيخ جلال الدين بن خطيب داريا فسح الله في أجله ونقلتهما من خطه:
خليليّ إن وافيتما الشام ضحوةوعاينتما الشقراء والغوطة الخضرا
قفا واقرآ عني سلاما كتبتهبدمعي على مقري ولا تنسيا مطرا
يكتب أبياته الرائية:
يا صاحبيّ إذا الثنايا أشرقتولمحتما منها ثغور أزاهر
استنشقا ذاك النسيم فإنهمما تحمل من شمائل هاجر
وقال الشيخ شرف الدين بن عنين:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةوظلك يا مقري علي ظليل
وهل أريني بعدما شطت النوىولي في ذرى روض هناك مقيل
دمشق فبي شوق إليها مبرحوإن لج واش أو ألح عذول
بلاد بها الحصباء در وتربهاعبير وأنفاس الشمال شمول
تسلسل فيها ماؤها وهو مطلقوصح نسيم الروض وهو عليل
ولما خرج الرشيد إلى أخذ أخته علية معه فلما صارت بالمرج عملت شعرا وصاغت فيه لحنا من الرمل وكتبت الأبيات ليلا على بعض الفساطيط في طريق الرشيد فلما دخل مضرب الحرم يصر به فقرأه فإذا هو:
ومغترب بالمرج يشكو شجوهوقد غاب عنه المسعدون على الحب
إذا ما أتاه الركب من نحو أرضهتنشق تستشفى برائحة القرب
فلما قرأه علم أنه من فعل علية وإنها قد اشتاقت إلى العراق وإلى أهلها فأمر بردها.
الوليد بن زيدون يتشوق إلى مكان يدعى بالزهراء وكان اجتماعه وولادة محبوبته:
إني ذكرتك في الزهراء مشتاقاوالأفق طلق مرأى الروض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائلهكأنه رق لي فاعتل إشفاقا
والروض عن مائه الفضي مبتسمكما حللت عن اللبات أطواقا
لا أسكن الله قلبا عن تذكركمفلم يطر بجناح الشوق خفاقا
لو شاء حملي نسيم الريح حين سرىوافاكم بفتى أضناه ما لاقا
فالىن أحمد ما كنا بعدكمسلوتم وبقينا نحن عشاقا
وقال الشيخ مهذب الدين أبو الفرج عبد الله بن أسعد الموصلي الشافعي الدهان ﵀ يتشوق إلى دمشق المحروسة:
سقى دمشق وأياما مضت فيهامواطر السحب ساريها وغاديها
من كل أدهم صهال له شيةصفراء يسترها طورا ويبديها
ولا يزال جنين النبت ترضعهحوامل المزن في أحشاء أرضيها
فما قضى حبه قلبي لسربهاولا قضى نحبه ودي لواديها
ولا تسليت عن سلسال ربوتهاولا نسيت بيتي جار جاريها
كأن أنهارها ماضي ظبا حشيتخناجرا من لجين في حواشيها
وأهالها حين حلى الغيث عاطلهامكللاً واكتسى الأوراق عاريها
وحاك في الأرض صوب المزن مخملهينيرها بغواديه ويسديها
ديباجة لم تدع حسنا مفوقهاإلا أتاه وما أبقى مواشيها
ترنو إليك بعين النور ضاحكةإذ بات عين من الوسميّ يبكيها
والدوح ربا لها ريا قد اكتملتشبابها حين ما شابت نواصيها
نشوى تغني لها ورق الحمام علىأوراقها ويد الأنواء تسقيها
صفا لها الشرب فاخضرت أسافلهاحتى صفا الظل فابيضت أعاليها
وصفق النهر والأغصان قد رقصتفنقطته بدر من تراقيها
كأنما رقصها أو هي قلائدهاوخانها النظم فانتالت لآليها
وأعين الماء قد أجرت سواقيهاوالأعين النخل قد جارت سواقيها
وقابل الغصن غصن مثله وشدتأقمارها فأجابتها قماريها
فللحاظ وللأسماع ما اقترحتمن وجه شادنها أو صوت شاديها
إذا العزيمة عن فرط الغرام ثنتقلبا تثني له غصن فيثنيها
ريم إذا جلبت حسنا ولواحظهللنفس حتى بخديه فيحييها
جناية طرفه المحور جانبهاوآس عارضه المخضر آسيها
تقبل الكأس خجلى كلما شرعتفي ماء فيه فقاسته بما فيها
أشتاق عيشي بها قدما فتذكرنيأيامي السود بيضا في لياليها
ونحن في جنة لا ذاق ساكنهابؤساً ولا عرفت بأساً مغانياها
سماء دوح تردّ الشمس صاغرةعنا وتبدي نجوماً من نواحيها
ترى النجوم بها من كل ناحيةممدودة كنجوم الزهر أيديها
إذا الغصون مززناها لنيل جنىصارت كواكبها حصباً أراضيها
من كل صفراء مثل الماء يانعةكأنها جمر نار في تلظيها
شهية الطعم تحلو عند أكلهابهية اللون تحلى عند رائيها
يا ليت شعري عل بعداء ذاكرتيعصابة لست طول الدهر ناسيها
عندي أحاديث وجد بعد بعدهمأظل أجحدها والعين ترويها
كم لي بها صاحب عندي له نعمكثيرة وإياد لا أؤديها
فارقته غير مختار فصاحبنيصبابة منه تخفيني وأخفيها
رضيت بالكتب بعد القرب فانقطعتحنى رضيت سلاماً في حواشيها
أن يعلني غير ذي فضل فلا عجبيسمى على سابقات الخيل هانيها
والماء يعلوه أقداؤها رجلأخفى الكواكب نوراً وهو عليها
لو كان جد بحد ما تقدمنيعصابة قصرت عني مساعيها
ما في خمولي من عار على أدبيبل ذاك عار على الدنيا وما فيها
الأديب الفاضل الكامل صفوان بن أدريس المريسي يتشوق إلى مرسيه وطنه:
لعل رسول البرق يغنم الأجرافينثر عني ماء عبرته نثرا
معاملة أربو بها غير مذنبفأقضيه دمع العين عن نقطة بحرا
ليسقي من تدمير قطرا محببايقر بعين القطرات يشرب القطرا
وتقرضه دون اللجين وإنماتوفيه عيني من مدامعها تترا
وما ذاك تقصير به غير انهسجية ماء البحر أن يروى الزهرا
خليلي قوما فاحسبا طرق الصبامخافة أن يحمي بزفرتي الحرا
فإن الصباريح عليّ كريمةبآية ما يجري من الجنة الصغرى
خليلي أعني أرض مرسيه المنىولولا توخي الصدق سميتها الكبرى
ووكري الذي منه درجت فليتنيفجعت بريش العزم كي الزم الوكرا
وما روضة الخضراء قد مثلت بهامجرتها نهراً وأنجمها زهرا
بأبهج منها والخليج مجرةوقد فضحت أزهار ساحتها الزهرا
هنالك بين الغصن والقطر والصباوزهر الربى ولدت آدابي الغرا
إذا نظم الغصن الحيا قال خاطريتعلم نظام النثر من ههنا شعرا
وإن نثرت ريح الصبا زهر الربىتعلمت حل الشعر تسكبه نثرا
فوائد أشجار هناك اقتبسهاولم أر روضا غيره يقرؤ السحرا
كأن هزيز الريح يمدح روضهافملأ فاها من أزاهيره درا
أيا رتعات الحسن هل فيك نظرةمن الجرف الأعلى إلى السكة الغرا
فانظر من هذي لتلك كأننيأغير إذا غازلتها أختها الأخرى
هي الكاعب الحسناء تمم حسنهاوقدت لها أوراقها حلالا خضرا
إذا خطبت أعطت دراهم زهرهاوما عادة الحسناء أن تنقد المهرا
وقامت بعرس الأنس قينة أيكهاأغاريدها تسترقص الغصن النضرا
ول في خليج بلبس الحوت درعهولكنه لا يستطيع بها نصرا
إذا ما بدا فيها الهلال رأيتهكصفحة سيف وسمها نبعة صفرا
وإن لاح فيها البدر شبهت متنهبسطر لجين ضم من ذهب عشرا
وفي جرفي روض هناك تجافيالنهر تود الأفق لو زاره فجرا
كأنهما خلان صفيا معاً وقدبكيا من رقة ذلك الهرا
وكم بأبيات الحديد عشيةمن الأنس ما فيه سوى أنه مرا
عيانا كأن الدهر عض بحينهافاحلت بساط البرق أفراسها الثغرة
عليهن أجرى خليل دمعي بوجنتيإذا ركبت حمرا يادينها الصفرا
أعهدي بالفرش المنعم دوحهسقتك دموعي إنها مزنة شكرا
فكم فيك من يوم أغر محجلنقضت أمانيه فحليتها ذكرا
على مذنب كالبحر من فرط حسنهتود الثريا أن يكون لها نحرا
سقت أدمعي والقطر أيهما انبرىبقا الرملة البيضاء فالنهر فالجسرا
وإخوان صدق لو قصدت حقوقهملما فارقت عيني وجوههم الزهرا
ولو كنت أقضي حق نفسي ولم أكنلما بت استجلي فراقهم المرا
وما اخترت هذا البعد إلا ضرورةوهل تسجر العين أن تفقد السفرا
قضى الله أن تنأى بي الدار عنهمأراد بذاك الله أن أعتب الدهر
ووالله لو نلت المنى ما حمدتهاوما عادة المشغوف أن يحمد الهجرا
أيانس باللذات قلبي ودونهممرام بحد الركب في طيها شهرا
فديتهم بانوا وضنو بكتبهمولا خبرا منهم لقيت ولا خبرا
ولولا علا هماتهم لعنيتهمولكن عراب لخيل لا تحمل الزجرا
ضربت غبار البيد في مهرق السرىبحيث جعلت الليل في ضربه حبرا
وحققت ذاك الضرب جمعاً وعدةوطرحاً وتجميلاً فأخرج لي صفرا
كأن زماني حاسب متعسفيطارحني كسراً أما يحسن الجبرا
ولست وإن طاشت سهامي يائسفإن مع العسر الذي لم يبق يسرا
ولمؤلفه عفا الله عنه:
تذكرت أوطاني ويا حبذا الذكرىلتلك القصور البيض والربوة الخضرا
وأشجار واديها وبهجة جنسكهاوقد نقرا الشج
ورفى دفه نقرا
وتجعيد ذاك الما وميل غصونهفهذا به كسر وهذا به سكرى
وما أحسن الميعاد ممن تحبهبمقسمه الأسنى وليلته القمرا
إذ الناس في هرج ومرج بلهوهموقلبي بمن أهواه في بلدة أخرى
ترى كل حزب لاهياص بسرورهوكل له شغل به قد غدا مغزي
إذا اصبحوا هزوا الشمائل بالندافينظر منه فوق أعطافهم درا
كرام إذا ولو طار نداهموللبائس المسكين يبغي به الأجرا
فآه على تلك العشايا وطيبهاوآه على حلو الزمان الذي مرا
فيا عاشق المعشوق لا تبد سلوةعن المزة الفيحاء والجبهة الغرا
إذا زرع اللوان وأخضر أرضهفلا تذكروا مصر ولا تذكروا الأهرا
ويا من يجاري أو يضاهي بغيرهاتأمل فذا الميدان دونك والشقرا
خليلي أحيا من ذكرت ومنزليبعيشكما قولا قفا نبك من ذكرى
ولمؤلفه أيضاً يرثي دمشق المظلومة ويصف ما جرى بها من التيار في سنة ثلاث وثمانمائة:
أجريت جمر الدمع من أجفانيحزناً على الشقراء والميدان
وتلاعبت أهدابها بمدامعيلعب المكأة بأرؤس الفرسان
وتوقدت نيران حزني إذ رأتتلك الربوع مواقد النيران
لهفي على تلك البروج وحسنهاحفت بهن طوارق الحدثان
لهفي على وادي دمشق ولطفهوتبدل الغزلان بالثيران
نزلوا ظلال الدوح فلا تسلما حل بالأغصان والكثبان
سقطت غصون البان من قاماتهالما سمعن نواعق الغربان
وشكا الحريق فؤادها لما رأتنور المنازل أبدلت بدخان
جناتها في الماء منها أضرمتفعجبت للجنات في النيران
كانت معاصم نهرها فضيةوالآن صرن كذائب العقبان
ماذاك إلا تركهم فبحت بهافتخضبت منها بأحمر قان
كرهت جداولها حوافز خيلهمفتسابقت هرباً كخيل رهان
خافت خدود الأرض من أفعالهمفتمثلت بعوارض الريحان
أذكيت نار الصدر يا ورقاؤهاوتأثرت بلواعج الأشجان
تبكي على غصن وأندب قامةفجميعنا نبكي على الأغصان
واحسرتاه على دمشق وقولهاسبحان من بالمغل قد أبلان
عاداني الدهر الخئون بمغلهوالعجم منه وقبلهم غازاني
فعساك تأخذ ثأرها من مغلهمبالحل ثالث سبعة وثمان
لو عاينت عيناك جامع تنكزوالبركتين بحسنها الفتان
وتعطش المرحين من أورادهاوتهدم المحراب والإيوان
لأتت جفونك بالدموع ملوناًدمعاً حكى اللؤلؤ على المرجان
قطرات جفن ترجمت عن حرقتيفكائهن قلائد العقبان
أبني أمية أين عين وليدكموالمغل تفتل في ذرى الأركان
شربوا الخمور بصحنه حتى انتشواألقوا عرابدهم على النسوان
لم يرحموا طفلاً بكى فقلوبهمفي الفتك صخر لا أبو سفيان
قصوا جناح النسر بعد نهوضهيا ليته لو فاز بالطيران
ألواحه أجرت دموعي أسطراكتبت على اللوحين من أجفاني
إن أنكروا يوم الحساب فعالهمفشهيدنا عثمان ذو القرآن
لهفي على كتب العلوم ودرسهاصارت معانيها بغير بيان
أعروسنا لك أسوة بحماتنافي ذا المصاب فأنتما أختان
غابت بدور الحسن عن هالاتهافاستبدلت من غرها بهوان
ناحت نواعير الرياض لفقدهمفكأنها الأفلاك في الدوران
شتتهم أيدي سبايا دهرناوتلوت آي الجمع بالفرقان
حزني على الشهباء قبل حماتناهو أول وهي المحل الثاني
لا تدع الأحزان يا شقراءناالسبق للشهباء في الأحزان
رتعت كلاب المغل في غزلانهاوتحكمت في الحور والولدان
لهفي على تلك الشعور وطولهاجرت بها الأعناق كالارسان
لهفي عليك محاسناً لهفي علي??ك عرائساً لهفي عليك مغاني
لهفي عليك منازلاً ومنازهاومقام فردوس وباب جنان
إن قال لحظي قال سيفي ضاربأو قال طرفي قال حد سنان
أدمشق آهاتي عليك كثيرةكالدمع في جفن الكئيب العاني
حسراتها لا تنقضي من خاطريهي شغل أفكاري ونصب عياني
لي انه لي حرقة لي لهفةلي حسرة لي لوعة وكفاني
أمنازل الأحباب كيف تبدلتتلك الربى بمقاتل الفرسان
إن لم أسل ماء العيون مجارياًماء الغمام بها فما أجفاني
لا تنه جفن الصب في جريانهدعني وشانك يا غمام وشأني
العين والإنسان قد فقدا معاًلأبكيك يا عيني ويا إنساني
لم ادر من أبكي وأندب حسرةللقصر للشرفين للميدان
للجبهة الغراء أم خلخالهاللمزة الفيحاء أم للوان
لا يحجر المشتاق عن تذكارهايا حاجري بالظلم والعدوان
شوّق بها قلبي أقل لك منشدالك أن تشوقني إلى الأوطان
وإذا أتيت بما جرى في ربعهافعليّ أن ابكي بدمع قاني
ما كان أهنى العيش في ساحاتهاوالدار داري والزمان زماني
أسفي على أيامها لا تنقضيما كان أهناها وما أهناني
أيام لا ماء السرور مكدرأرعى نضير العيش بل يرعاني
ولقد وقفت على ربوع حبائبيفندبتهن نوادب الأحزان
ولقد وقفت على الديار منادياًبلسان مغترب وعبرة عاني
يا دار أين حبائبي أجابتنيعنها الحريق بألسن النيران
حكم القضا فيهم ونفذ حكمهفتشتتوا فرقاً بكل مكان
يا رب لم شتاتهم بمحمدسر الوجود وبهجة الأكوان
إن لم نلذ في أمرنا بجنانهفبمن يلوذ ويستجير الجاني
أترى الإله مؤيداً سلطانناحتى أقول وعشت بالسلطان
يا رب فعل الذنب أصل بلائنافاصفح وجد للذنب بالغفران
واغسل بماء إلا من وجه رجائناواصرف بفضلك حاضر الطغيان
واجمع على جسماننا أرواحهايا جامع الأرواح بالجسمان
تقي الدين السروجي يقول:
وافي رضيع النبت من ذاك الحمىنجياً تدور على الربى كاساته
سفح سفحت عليه دمعي في ثرىكالمسك ضاع من الفتاة فتاته
وفي المثل لولا حب الوطن لخرب بلد السوء الكريم يحن إلى جنابه كما يحن الأسد إلى غابة، وما ارق قول مزار بن هباش الطائي:
سقى الله أطلالا بالية الحمىوإن كن قد أبدين للناس ما بيا
منازل لو مرت بهن جنازتيلقال صداها حاملاً أنزلا بيا
لسان الدين بن الخطيب:
ياجنة فارقت من غرفاتهادار القرار بما اقتضته ذنوبي
أسفي على ما ضاع من خطي بهالاتنقضي زفراته ونحيبي
إن أشرقت شمس شرقت بعبرتيوتفيض في وقت الغروب غروب
حتى لقد علمت ساجعة الضحىشجوى وجانحة الأصيل شجوني
وشهادة الإخلاص توجب رجعتيلنعيمها من غير مس لغوب
وله:
سلام على تلك المعاهد إنهامراتع الأوفى وعهد صحابي
ويأنسة العهد أنعمي فلطالماسكبت على مثواك ماء شبابي
أنشدني صاحبنا الأعز الشيخ محمد الأندلسي الخياط رحمه الله تعالى قال أنشدني الشيخ شمس الدين أبو عبد الله المشرقي ﵀:
اشتاق الغرب وأصبوا إليمعاهد فيها وعصر الصبا
يا صاحبي نحواي والليل قدأرخى جلابيب الدجى وأحتبا
لا تعجباً من ناظر ساهدبات يراعي أنجما غيبا
القلب في آثارها طائرلما رآها تقصد المغربا
ورد عليّ من سيدي وأخي الجناب الشهابي بن حجر أعزه الله تعالى كتاب من مكة المشرفة إلى دمشق المحروسة وفي أثنائه من متجدداته:
أسر غرامي من عزول وحاسدفاعلان صبري لا يشابه أسراري
بليت بمن لم يدر مقدار صبوتيفهو لهفي بعد الرحيل على الداري
نقلت من كتاب فوات الوفيات تأليف صلاح الدين الكتبي في ترجمة طراد بن علي بن عبد العزيز أبي فراس السلمي الدمشقي الكاتب المعروف بالبديع مات متولي مصر سنة أربع وعشرين وخمسمائة:
يا نسيناً هب مسكاً عبقاًهذه أنفاس ريا جلقا
كف عني والهوى ما زادنيبرد أنفاسك إلا حرقا
ليت شعري نقضوا أحبابنايا حبيب النفس ذاك الموثقا
يا رباح الشوق نحوهمعارضاً من سحب عيني غدقا
وانثري عقد دموعي طالماكان منظوماً بأيام اللقا
واشتهرت هذه الأبيات وغنى بها المغنون، قال بعضهم: مررت يوماً بشوارع القاهرة وقد ظهرت جمال كثيرة حمولها تفاح من الشام فعبقت روايح تلك الحمول فأكثرت التلفت وكانت أمامي امرأة سائرة ففطنت لماذا داخلني من الإعجاب إلى تلك الرائحة فأومأت إلي وقالت هذه أنفاس رياجلقا.
ونقلت من مجموع بخط العلامة المؤرخ قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان تغمده الله برحمته قال النبي صلى الله عليه وسلملأصيل الخزعي يا أصيل كيف تركت مكة قال تركتها وقد أحجن ثمامها سلمها وأغدق أذخرها فقال النبي ﷺ دع القلوب في أماكنها.
تفسير ما فيه من الألفاظ الغريبة أحجن الثمام إذا خرجت حجنته وهي خصومه والثمام نبت ضعيف له خوص وأثمر السلم إذا خرج والسلم شجر من الغضا الواحدة سلمة وأغدق الأذخر إذا ظهرت ثمرته والأذخر نبت، ونقلت من خط الحافظ اليغموري كانت الأمتعة الثمينة والذخائر النفيسة تأتي إلى مصر وتباع ولا ينظر إليها يوسف ﵇ وإذا جاءت أحمال صوف من كنعان لا تحل إلا بين يديه.
مرض عمار بن عباد حين ولى الرقة فما كاد ينجح فيه دواء فقال له طبيبه سببه الهواء فبعث إلى بغداد فحمل الهواء في جراب فكان يفتح كل يوم في وجهه جراب إلى أن برئ.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع