من «أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
ومنها مخاطبة الممدوح من الملوك بمثل مخاطبة المحبوب والصديق، مع الإحسان والإبداع
وهو مذهب له: تفرد به، واستكثر من سلوكه، اقتدار منه، وتبحراً في الألفاظ والمعاني، ورفعا لنفسه عن درجة الشعراء، وتدريجا لها إلى مماثلة الملوك، في قوله لكافور:
وما أنا بالباغي على الحب رشوةضعيف هوى يبغي عليه ثواب
وما شئت إلا أن أدل عواذليعلى أن رأيي في هواك صواب
وأعلم قوماً خالفوني فشرقواوغربت، أني قد ظفرت وخابوا
إذا نلت منك الود فالمال هينوكل الذي فوق التراب تراب
وقوله له (وقد أهداه مهرا أسود):
فلو لم تكن في مصر ما سرت نحوهابقلب المشوق المستهام المتيم
وقوله لابن العميد (يودعه):
تفضلت الأيام بالجمع بيننافلما حمدنا لم تدمنا على الحمد
فجد لي بقلب إن رحلت فإننيمخلف قلبي عند من فضله عندي
وقوله لعضد الدولة:
أروح وقد ختمت على فؤاديبحبك أن يحل به سواكا
فلو أني استطعت حفظت طرفيفلم أبصر به حتى أراكا
من قصيدة تشتمل على أبيات من هذا الطراز، سأكتبها في آخر الباب وكقوله لسيف الدولة:
مالي أكتم حباً قد بري جسديوتدعي حب سيف الدولة الأمم؟
إن كان يجمعنا حب لغرتهفليت أنا بقدر الحب نقتسم
يا أعدل الناس إلا في معاملتيفيك الخصام، وأنت الخصم والحكم
إذا رأيت نيوب الليث بارزةفلا تظنن أن الليث يبتسم
أعيذها نظرات منك صادقةأن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظرهإذا استوت عنده الأنوار والظلم
يا من يعز علينا أن نفارقهموجداننا كل شيء بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمةلو أن أمركم من أمرنا أمم
إن كان سركم ما قال حاسدنافما لجرح - إذا أرضاكم - ألم
وبيننا، لو رعيتم ذاك، معرفةإن المعارف في أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكمويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان من شرفيأنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي تقتضي كل مرحلةلا تستقل بها الوخادة الرسم
لئن تركنا ضميراً عن ميامنناليحدثن لمن ودعتهم ندم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدرواألا تفارقهم فالراحلون هم
شر البلاد بلاد لا صديق بهاوشر ما يكسب الإنسان ما يصم
وشر ما قنصته راحتي قنصشهب البزاة سواء فيه والرخم
وهي - على براعتها، واستقلال أكثر أبياتها بأنفسها - تكاد تدخل في باب إسادة الأدب بالأدب، وقد تقدم ذكره.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع