من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
الصائد والحبالة والقترة
قال:
وخشنا من مال الفتى إن أراحَهاأضاعَ ويرجو نفعَها حين تعزُب
يعني حبالة الصائد، أن أراحها أي ردها إلى أهلها خالية فقد أخفق، وإن عزبت عنه فذهبت علم أن فيها صيدا ذهب بها. وقال آخر:
الشركُ يا نزالٌ غير مجمودٍ لكالنَشاقَى ولي المفَاسيدُ
النشاقي العلائق التي قد نشبت في الحبالة، والمفاسيد التي قطعت الحبالة فأفلتت، يقول: ما أفلت فذهب جعلته لي وما علق جعلته لك فهذا شرك غير محود، وواحد المفاسيد مفسدة.
وقال آخر في الأنشاق:
مناتين أبرام كأنَّ أكفَّهمأكفُ ضبابٍ اُنشِقَّتْ في الحبائل
وقال آخر وهجا رجلا ميتا:
كأن الظباءَ العُفرِ يعلمنَ أنهوثيق عُرى الأربيّ في العشرَاتِ
لَبيقَ إذا ما خَطّ بالنابِ أثرةتبينَ بالخَوفا في البكَراتِ
يقول هو صاحب صيد ومهنة ليس بكريم ولا سيد، والأربي مواثق الحبالة وهي مثل الأواخي وهي الأربة، والأربة العروة عروة الآري والاخية، والخَوفاء حلقة في الخف أثرة من أثر تأثيره. وقال امرؤ القيس:
بعثنا ربيئاً قبل ذلك مخمِلاًكذئبِ الغضا يمشي الضراءَ ويتّقي
المخمل الذي يخفي شخصه، ويتقي الناس وقيل يلبس الخمل وقوله ايضاً يصف الربىء:
فجاء خفياً يسفنُ الأرضَ بطنهترى الترب منه لاصقأ كل مَلصَقِ
يسفن يمسح. وقول أبي دواد للصائد.
أوف فارقُب لنا الأوابد واربأوانقص الأرض إنها مذكارُ
أي تنبت ذكور البقل فالمشي فيه أخفى.
فأتانا يسعى تفرّش أم البيض شدا وقد تعالى النهار
أتانا الصائد يعدو كما تعدو النعامة وهو في ذلك خفيف يخفي وطأه. وقوله يصف الثور:
كأنه أوثار
قد تقدم تفسيره. وقال الطرماح وذكر الثور:
فلما غدا استذرَى له سمط رملةلحوليْنِ أدنى عهده بالدواهِ
استذرى استتر له، سمط رملة أي صاحب رملة وأخو رملة يعني صائدا، أقرب عهده بالادهان حولان.
وبالغسلِ إلا أن يمير عصارةعلى رأسه من حشوِ أليسَ جائن
الغسل الخطمي، يقول هو بعيد العهد بالدهن والغسل إلا أن يخرج ما في كرش ثور مما يصيد فيعصره على رأسه، والحشو ما في جوفه من العلف، والأليس الشجاع المبرز الذي لا يبرح، والحائن الذي حانت منيته، وقال رؤبة:
يرمي ويرجو الممكنات اللِيسا
الليس جمع أليس وهو الذي لا يبرح. وقال الطرماح:
أخو قنصَ يهفو كأنّ سراتَهورجليْه سلم بين حبلى مشاطِنِ
يهفو يمر مرا سريعا، وسراته أعلى ظهره، شبه رجليه إذا عدا وتحرك ظهره بسلم وهو دلو، بين حيلين ينزعان بها والدلو تضطرب
وتمايل، والمشاطن الذي يشاطنه رجل آخر ينزع هذا وينزع هذا، والمساحل نحوه، وقال مالك بن خالد الخُناعي:
حتى أشبّ له رامٍ بمُحدَلةذو مِرّة بِدوارِ الصيدِ هَمّاسُ
المحدلة التي غمز طائفها إلى مؤخرها ثم عطفها إلى مقدمها. وأنشد الأصمعي لأبي حية:
ومصونةٌ دفغتْ فلما أقبلَتْعطفَتْ طوائفها على الأقبالِ
ذو مرة أي ذو عقل، بدوار الصيد أي بمداورته وهو مصدر داورته دواراً، همّاس يمر مرا خفيا.
يدنى الحشيف عليها كي يواريهاونفسَه وهو للأطمار لبّاس
الحشيف الثوب الخلق يدنيه على القوس ليسترها ويستر نفسه.
فقامَ في سِيتَيْها فانتحَى فرَمىوسهمه لبناتِ الجوفِ مسّاسُ
قام في سيتيها أي قام بينهما، إنتحى تحرف، وبنات الجوف الأفئدة قال أبو عمرو: الأمعاء والكبد. وقال آخر من هذيل وذكر أتانا:
أتيحَ له أقيدر ذو حَشيفٍغبيّ في نجاشتهِ زَلوج
الأقيدر القصير العنق، وغبي خفي إذا نجش الوحش وهو أن يحوشها نحو الرامي، زلوج خفيف على الأرض.
ويُهلك نَفَسه إن لم ينلْهافحُقَّ له سَحير أو بَعيج
يقول يهلك نفسه باللوم إن فاته شيء من الوحش أي يخطئه، سحير يصيب سَحْره والسحر الرئة، والبعيج المبعوجَ البطن أي المشقوقة. وقال أسامة الهذلي وذكر حمارا:
فلما تولى صادراً واستراثُهغبيُّ سَفاةٍ في المقابرِ صائدُ
استراثه استبطأه، غبي سفاة يعني أنه قد غبى في قترته أي خفي فيها، والسفا التراب الذي خرج من القترة، يقول كأنه في قبر من قترته.
مُقيت إذا لم يرمِ لاهو يائسولا هو حتى يخفُقُ النجمُ راقدُ
مقيت مقدّر إذا لم يرم، يخفق النجم يغيب. وقال أمية بن أبي عائذ يذكر حمارا وآتنا:
فأسلكَها مرصداً حافظابه ابن الدُجَى لاطئاً كالطحالِ
مرصدا موضعا يرصد فيه، حافظا يحفظها من أن تزيغ وتجور.
ومثله قول الآخر أبو خراش:
فلما رأى أن لا نجاءَ وضمّهإلى الموتِ لِصبِ حافظ وقفيلِ
ابن الدجى صائد والدجى جمع دُجية وهي القترة كما قالوا للدليل
هو ابن فلاة، وقوله لاطئا كالطحال يريد أنه في قترته لازق كما لزق الطحال بالجنب.
مفيداً معيداً لأكلِ القَنيص ذا فاقةٍ ملحِماً للعِيال
له نسوة عاطلات الصدور عُوجٌ مراضيعٌ مثل السعاليَ
ملحم يقول هو مرزوق من الصيد والقنيص والقنص واحد وهو الصيد، ويقال ملحم للعيال أي يطعم عياله اللحم، عاطلات لا حلَى عليهن من الهزال.
وقال كعب بن زهير وذكر حميراً وردت:
فصادَفَ ذا شكوةٍ لاصقالصوقَ البرام يظنَّ الظنونا
قصيز البنانِ دقيق الشوييقول أيأتينَ أم لا يجينا
يعني صائداً، والبرام القراد. وقال الطرماح وذكر حماراً:
صادفْت طلوا طويلَ الطويحافظَ العين قليلَ السَآم
منطو في مستوَى دُجيةكانطواءِ الَحرِ بببن السِلامِ
الطلو الخفيف الجسم يريد صائداً، والدجية القترة، والحر الأبيض من الحيات، والسلام الحجارة، والصائد يوصف بخفة الجسم.
وقال الهذلي أبو ذؤيب:
كأنه في حواشي ثوبه صُرَد
يلحسن الرَصفَ له قَصْبةسمحج المتنِ هتوف الخطامِ
الرصف عقب السهم وجمعه رصاف، والقصبة القوس، والسمحج الطويلة الظهر، الخطام الوتر، هتوف مصوت.
إن ينل صيداً يكن جلهلعجايا قوتهم بالِلحام
أو يصادف خفقاً يصِفهمبعتيقِ الخَشلِ دون الطعامَ
عجايا واحدتها عجيّ وهي التي ماتت أمهاتها فسقيت من ألبان غيرها يتتبع بها مواضع اللبن يعني ولد الصائد، والخفق أن لا يصادف شيئاَ، وعتيق الخشل يقال انه سويق المقل، والخشل نوي المقل، وجعله هاهنا المقل نفسه. وقال رؤبة وذكر الصائد:
لايشتكي صدغيه من داءِ الودَقِفباتَ والنفس من الحرصِ الفَشقَ
في الزرب لو يمضغ شرياً ما بزق
الودقة نكتة تخرج في العين من بياض والذي يشتكي عينه يصيبه عليه الصداع، وجمع الودقة ودْق ولكنه حركه وأخرجه على المصدر كأنه قال ودِق ودَقا، والفشق الانتشار يقال ظبي أفشق القرنين، يريد
أن حرصه قد انتشر، والشري الحنظل، يقول قد صمّت مخافة أن يسمع الوحش صوته. ومثله:
فباتَ يخفي صوتَه والريحاوالنفَسَ العالي والتسبيحا
وقال الشماخ:
وحلأها عن ذي الأراكةِ عامرأخو الخضر يرمي حيثُ تكوى النواحز
حلأها منعها من الماء، والخضر من محارب، والنواحز التي بها نحاز فتكوى في جنوبها وأصول أعناقها. وقال صخر الغي وذكر الوعول والقاض:
خفيّ الشخص مقتدرٌ عليهايسنّ على ثمائِلها السماما
الثميلة ما بقي في الجوف من الطعام، يريد أنه يرمي بطونها وخواصرها، والسمام جمع سَم يريد السهام. وقال ذو الرمة وذكر الحمير:
وقد أسهرت ذا أسهم باتَ جادلله فوقُ زُجّي مرفقيه وحاوِح
جادل منتصب، والزج طرف المرفق، وحاوح صوت، يقول هو بارك على مرفقيه لا ينام. ومثله قوله يذكره:
كأنه خشيةَ الاخطاء محموم
وقوله:
أو كان صاحب أرض أو به مُوم
الأرض الرعدة، والوم البِرسام، وقال أبو حية:
وفي الجانب الأقصى الذي ليس ضربةًبرمح بلي حرّان زُرق معابِله
يعني القانص، قال: ليس يكون قدر ضربة برمح، ثم قال: بلى - ومثل هذا كثير، قال:
فلا تبعدنَ يا خير عمرو بن جندبِبلى ان من زارَ القبورَ ليبعدا
وقال كعب بن زهير يصف الصائد:
لطيف كصمدّادِ الصفا لا يغرّهبمرتقبِ وحشيّه وهو نائمُ
وقد فسر في الأبيات في الهوام. وقال الشماخ وذكر عين ماء:
عليها الدُجى المستنشآتُ كأنهاهوادج مشدود عليها الجزائز
الدجى القُتَر، المستنشآت المستحدثات، شبهها بالهوادج لأن الصائد يبنى على قترته شجر الثمام والحشيش ثم يقبّبه، والجزائز العهن
واحدها جزيزة. وقال أبو النجم يذكر الصائد والحية في القترة:
وهو كذي الشوق إلى زِيالهاإن لم يرَ الصحةَ في اعتزالِها
زيالها فراقها، يريد إن لم ير الصواب في اعتزالها لأنه لو خرج من قترته أتاه السبع فأكله أو نذِرت به الوحش فصبر على مقاساتها وقال يصف القترة:
بيت حتوف مُكفَأ مردوحا
مكفأ له كفاء مرسل من خلفه، ردحتُ البيت وأردحته. وقال خداش بن زهير:
وأوس لنا ركن الشمالِ بأسهمٍخفافٍ وناموس سديد حمائرُه
أوس اسم صائد، والناموس القترة، والحمائر صفائح حجارة واحدتها حمارة. وقال حميد الأرقط:
بيت حتوف أردِحت حمائره
وقال الكميت:
تخذَّ الطمر مئزراً وتردّيغير ما قدرة به الطمرورا
الطمر الخلق والطمرور أيضاً كذلك، يقول لم يقدر على ذلك قال امرؤ القيس:
بعثنا ربيئاً قبل ذلك مُخمِلاًكذئبِ الغضا يمشي الضَراء ويثقَّى
وقد مضى تفسيره. وقال كعب بن زهر وذكر القانص:
فلمارأى الصيدَ يوماً وأشرَعَتزوي سهمَه غاوٍ من الجنِ حارِم
قال أبو عمرو: يقولون ليس من وحشية إلا وعليها جني، وهو مثل بيت النابغة:
يقول راكبها الجني مرتفقاًهذا لكنّ ولحم الشاة محجور
حارم حرمه الصيد. وقال أمية بن أبي عائذ الهذلي وذكر رامياً:
يصيب الفريص وصدقاً يقول مرحَى وإيحى إذا ما يواليِ
إذا أصاب قال مرحى وإذا ثنى قال إيحى يقال ذلك عند الفرح والتعجب.
وقال امرؤ القيس وذكر رامياً:
فهو لاتنمي رميتهماله لاعدّ من نفَرِه
يقول لا تجوز الوضع الذي رماها فيه حتى تموت، وقوله لا عد كل من نفره يدعو عليه بالموت، يقول إذا عد أهله لم يعد معهم ولم يرد وقوع الفعل ولكنه كما يقال قاتله الله.
وقال أوس بن حجر وذكر رامياً أخطأ.
فعض بابهامِ اليمين ندامةًولهف سراً أمه وهو لاهف
عض أبهام يمينه لأن القوس في يساره فقال: يا لهف أمّتاه لئلا يسمعِ الوحش.
وقال أبو خراش:
منيباً وقد أمسى تقدمَ وردَهاأقيدر محموز القِطاع نذيلُ
القطاع جمع قِطْع وهو نصل قصير عريض، محموز شديد يقال حمز اللبن إذا أشتدت حموضته، والأقدر القصير اعنق يعني الصائد، تقدم فقعد على طريقها ويقال نذَل ونَذيل وسمج وسَميج.
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع