تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح الواحدي

القسم الأول

﷽

وبه نستعين

هذه مآخذ على الشيخ الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي في شرح ديوان أبي الطيب، أحمد بن الحسين المتنبي. من ذلك قوله:

فَفِي فُؤَاد المُحِبِّ نَارُ جَوىًأحَرُّ نَارِ الجَحيمِ أبْرَدُهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

قال: الجحيم: النار الشديدة التوقد، العظيمة؛ يقول: أحر النار، العظيمة المتوقدة،

أبرد نار الهوى، يعني أن نار الهوى أشد حرارة.

وأقول: إن نار الجحيم على تفسيره إضافة الشيء إلى نفسه، وذلك غير جائز، وإنما الجحيم هاهنا من أسماء النار في الآخرة نحو: جهنم، ولظى، وسقر، فعلى هذا يحسن إضافة النار إلى الجحيم، تخصيصاً لها؛ لأنها أعظم نار، وأحرها، وأشدها. وهذا الذي قصد المتنبي، وفي ذلك كثرة غلو، وقلة تحرج، بجعل أبرد نار للهوى أشد حرارة من أحر نار للجحيم، وهو مجاز شعري، لا يتحرج منه مثل المتنبي.

وقوله:

في مِثْلِ ظَهْرِ المِجَنِّ مُتَّصِلٍبِمِثْلِ بَطْنِ المِجَنِّ قَرْدَدُهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

قال: القَرْدَدُ: أرض فيها نجاد ووهاد، وظهر المجن ناتٍ وبطنه لاطٍ فهو كالصعود والهبوط؛ أراد: يسبقه تأيدها في مفازة مثل ظهر المجن متصل قرددها بمثل بطن المجن؛ أي: أرضها الصلبة بمفازة أخرى مثل بطن المجن.

فيقال له: القَرْدَدُ: المكان الغليظ المرتفع، وليس كما ذكرت، من إنه أرض فيها نجاد ووهاد. وإنما غره ذكر ظهر المجن وبطنه، فظن إنه تشبيه بأرض واحدة، وإنما هو تشبيه أرضين؛ مرتفعة ومنخفضة، متصلة إحداهما بالأخرى، وقد بين ذلك بقوله: في مَفَازٍة مثل ظَهْرِ المجن إلى آخره. فتناقض في كلامه ولم يشعر!

وقوله:

له أيَاد إليَّ سَالِفَةٌأُعَدُّ مِنْهَا ولا أُعَدِّدُهَا

قال: إليَّ من صلة معنى الأيادي، لا من صلة لفظها؛ لأنه يقال: له عندي يد، ولا يقال: له إليَّ.

وأقول: يريد بمعنى الأيادي الإحسان؛ لأنه يقال: له إحسان إلي، ولا يقال: له أياد إلي، فيقال له: إلي، هنا، بمعنى عند، وقد استُعمل ذلك كثيرا؛ منه قول الراعي:

الطويل

ثَقَالٌ إذا رَادَ النَّسَاءُ، خَريدةٌصَنَاعٌ فقد سَادَتْ إليَّ الغَوانِيَا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ألم يسأل الركب الديار العوافيا»

أي: عندي

وقال أبو كبير:

أمْ لا سَبيلَ إلى الشَّباب، وذِكْرُهُأشْهَى إليَّ من الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
للشاعر أبو كبير الهذلي، اقرأ القصيدة

أي: عندي.

وقول غيرهما.

وقال في معنى البيت: قال أبو الفتح: أي: أنا أحدها، كما قال الجماز:

لا تَنْتِفَنِّي بعد ما رشْتَنِيفإنني بعضُ أياَدِيكَا
للشاعر الجمّاز، اقرأ القصيدة

ثم قال: يريد إنه وهب له نفسه!

قال الواحدي: وهذا فاسد؛ لأنه ليس في البيت ما يدل على إنه خلَّصه من ورطة، أو أنقذه من بلية، أو أعفاه من قصاص وجب عليه، ولكنه يقول: أنا غَذِيُّ نعمته، وربيب إحسانه، فنفسي من جملة نعمه.

فيقال: أما استشهاده بالبيت على ما ذكر، فحسن ليس فيه طعن. وأما قوله: يريد إنه وهب له نفسه، فيريد إنه كان في جهد من العيش، وعلى شفاً من الفقر فأنقذه بعطائه وحبائه، فقوله غير فاسد بما فسَّرته وألزمته وذهبت به عن غير وجهه لتوجه عليه الأخذ، بل هو مطابق لما رأيته من حيث لا تعلم.

وقوله:

يا ليتَ بي ضَرْبةً أُتيحَ لهاكما أُتِيحَتْ له مُحَمَّدُهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

قال: كان هذا العلوي قد أصابته في بعض حروبه ضربة على وجهه، فقال: ليت الضربة التي قُدَّر لها مُحمَّدها - يعني الممدوح - كما قُدرت له، كانت بي؛ أي: ليتني فديته من تلك الضربة، فوقعت بي دونه. ويجوز أن يكون الممدوح أتاح

وجهه للضربة حين ثبت في الحرب فجُرح فتمنى المتنبي رتبته في الشجاعة، وأضاف محمداً إلى الضربة إشارة إلى أنها كسته الحمد فأكثرت حتى صار محمداً بها.

فيقال له: الوجه الأول الذي اعتمدت عليه، بتقديمك له، فاسد لأنه لا يسوغ له أن يفديه من ضربة كسته حمداً على قولك، ولم تؤثر فيه بل أثر فيها. فهذا التمني بمعنى الدعاء على الممدوح على هذا الوجه. والوجه الصحيح هو الثاني، وهو إنه تمنى رتبته في الحال التي قُدرت له من الشجاعة.

وقوله: وأضاف محمدا إلى الضربة إشارة إلى أنها كسته الحمد وأكثرت حتى صار محمدا بها خطأ من وجهين:

أحدهما: إنه جعل الضربة كسته حمدا، وذلك بالعكس بل اكتست به، ويدل على ذلك قوله فيما بعد:

واغْتَبَطَتْ إذْ رَأتْ تَزَيُّنَهَبمثِلِه والجِرَاحُ تَحسُدُهَا

يعني: أن الضربة فرحت، لما تزينت بالممدوح، في حال حسد الجراح لها؛ لأنها تمنت أن تكون مكانها، لما حصل لها من الشرف به دونها.

والوجه الثاني: من الخطأ قوله: كسته الحمد والشرف حتى صار محمدا، وذلك إنه جعل محمدا هاهنا صفة تكثير كما يقال: كرمته فهو مكرم، وقدمته فهو مقدم. وليس كذلك بل محمد اسم علم على الممدوح، أضافه إلى الضربة لشدة اعتناء الممدوح بذلك الفعل، والإكثار منه كقولهم: عمرو القنا، وزيد الخيل، وقيس الرأي، وقس البيان، وحاتم الجود، وقول الراجز:

يا زيدُ زَيْدَ اليَعْمُلاتِ الذُّبَّلِ

وأشباه ذلك.

وقوله:

أثَّر فيها وفي الحَديدِ وماأثَّر في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

قال: قصد السيف، والضربة إزهاق روحه وإهلاكه، فردهما عن قصدهما فهذا تأثيره

فيهما. وقوله:

...... وماأثَّر في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا

أي: ما شانه، ولا أثَّر تأثيرا لأن الضربة على الوجه شعار الكرام، والعرب تفتخر بالضرب على الوجه. ألا ترى إلى قول الحصين:

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومناولكن على أقدامنا تقطر الدما

فيقال: هذا خبط عشواء وكلام من هو ذاهب عن الرشد ليس -كما ذكر في الخطبة- سالكاً الجدد ولا سابقاً غيره. البسيط

سبق الجواد إذا استولى على الأمد

وقول المتنبي:

أثر فيها وفي الحديد .........

يس كما زعمت أنت غيرك، وإنما هذا من المقلوب على طريق المبالغة، يقول: الممدوح أثر في الضرب وفي السيف الذين من شأنهما أن يؤثرا وما أثرا فيه، وذلك نحو قوله:

طِوَالُ الرُّدَيِنْيَّاتِ يَقْصِفُها دَمِيوبيضُ السُّرَيْجِيَّاتِ يَقْطَعُهَا لَحْمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

وقوله:

تَبْكي على الأنْصُلِ الغفُمُودُ إذاأنْذَرَهَا إنه يُجَرِّدُهَا
لِعِلْمِهَا أنَّها تَصِيرُ دَماًوإنه في الرِّقابِ يُغْمِدُهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

قال: يقول: إذا أنذر الغمود بتجريد السيوف، بكت عليها، لعلم الغمود إنه يغمس السيوف في رقاب الاعداء، حتى تصير كأنها دم، لخفاء لونها بلون الدم؛ وإنه يتخذ لها أغمادا من رقاب الأعداء؛ أي: أنها لا تعود إلى الغمود فلذلك تبكي عليها.

وأقول: لو أتم ذلك بأن قال: للمصاحبة التي بينهما؛ لأن المصاحب يبكي لفراق مصاحبه، لأفاد وأجاد.

وهذان البيتان، يُرى كان الثاني منهما تتمة للاول؛ يزيد في معناه، أو لا معنى له من دونه، وليس الأمر كذلك بل إذا انفرد البيت الأول من الثاني، كان مستقلا بنفسه واكمل معنى؛ وبيانه: إنه إذا انذر الغمود إنه يُجرد السيوف، بكت عليها لعلمها بالعادة إنه سيقتلها في جسم القتيل بها، لما ذكرنا من الصحبة التي بينهما. وإذا اتصل بالبيت الثاني كان المعنى أن الغمود تبكي لفراقها، لكونها تصير في غمود غيرها وهي الرقاب، والبكاء على الفاني الماضي أولى من البكاء على الباقي النائي، والمديح به اكمل والمعنى اجمل.

وقوله:

تَنْقَدِحُ النَّارُ من مَضَاربهاوصَبُّ مَاءِ الرِّقابِ يُخْمِدُهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

قال: إنها تصير إلى الأرض لشدة الضرب فتوري النار، ثم يُخمدها ما ينصب من الدماء عليها.

وأقول: لم يُرد بمضاربها ضربها وإنما أراد حدودها، فالنار تنقدح منها لعتقها وجودتها وحسن جوهرها، لا بالضرب والإيراء بالبلوغ إلى الأرض؛ لأنها لا توري النار إلا وقد سبقت الدماء، ومستحيل الإيراء مع صب الدماء، فينبغي أن يكون انقداح النار منها قبل الضرب بها وصب ماء الرقاب عليها. وإذا كانت السيوف قد شُبهت كلها بالنار فالأولى أن تُشبه حدودها بالنار، أو تُجعل النار تنقدح منها.

وقوله:

قد أجمْعَتْ هَذه الخَليقةُ ليأنَّكَ يا ابْنَ النَّبيَّ أوْحَدُهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

قال: أجمعت الخليقة موافقة لي، أنك أوحدها. ويجوز أن يكون على التقديم والتأخير؛ أي: أوحدها إحساناً إليَّ وأفضالاً عليَّ، ولا يكون في هذا كبير مدح. ويجوز أن يكون: أجمعت فقالت لي؛ لأن القول يُضمر كثيرا.

وأقول: هذه الوجوه كلها تخيلات على تقرير قوله: لي، وهي أينما قُررت قلقة مضطربة، ولو إنه قال:

قَدْ أجْمَعتْ سَادةُ الأنام معي .........

أو:

...... الكرام...... .........

لهجر التكلف وأمن التعسف.

وقوله:

ومَكْرُمَاتٍ مَشَتْ على قَدَمِ البرِّ إلى مَنْزلي تُرَدِّدُهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»
أقَرَّ جِلْدي بها عَلَيَّ فماأَقْدِرُ حتى المَمَاتِ أَجْحَدُهَا

قال: أراد بالمكرمات هاهنا ثيابا أنفذها؛ أي: أقر الجلد بظهور ما عليه من الخلع للناس الناظرين اليه، فكأنه باكتسائه ناطق مُقر، كما قال الناشئ الأكبر:

ولَوْ لَمْ يَبُحْ بالشُّكْرِ لَفْظي لَخَبَّرَتْيَميني بما أوْلَيْتَني وشِمَاليَا

وأقول: المعنى الذي قصده أبو الطيب، أتم مما ذكره الواحدي، وهو إنه أراد بالثوب الناطق بشكره جلده؛ جعله كأنه كساه إياه بجوده وإحسانه، وهو من قول الحطيئة:

سَقَوا جَارَكَ العَيْمَان لما تَرَكْتَهُوَبَرَّدَ عن بَرْدِ الشِّتاءِ مَشَافِرُهْ
سنَاماً ومَحْضاً أنْبَتَ اللَّحْمَ فاكْتَسَتْعظامُ امرئٍ مَا كانَ يشبَعُ طائِرُهْ

ومثله قوله:

وإن يَكُ سَيْفَ دولةِ غيرِ قَيْسٍفمنه جلودُ قَيسٍ والثيابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ويكون إقرار جلده هاهنا مثل قوله في مكان آخر:

تُنْشِدُ أثوابُنَا مدائِحَهُبألْسُنٍ ما لَهُنَّ أفْواهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»

وقوله:

مُلَقَّبٌ بك ما لُقِّبتَ وَيْكَ بهيا أيُّهَا اللَّقَبُ المُلْقَى على اللَّقَبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لما نسبت فكنت ابنا لغير أب»

قال: يقول: ما لُقبت به مُلقب بك؛ أي: أنت تشين لقبك وأنت بنفسك عار له، فلقبك مُلقى على لقب؛ أي: على عار وخزي.

وأقول: تفسيره النصف الأول مستقيم، وهو ظاهر والثاني لم يتبين له وهوانه أراد بقوله:

......يا أيُّهَا اللقبُ المُلْقَى على اللَّقَبِ

يا أيها الشائن العائب ما من شأنه أن يُعاب ويُشان به، وذلك إنه جعله لقباً للقب

فهو عار مُلقى على اللقب، أي: عار له، لا اللقب ملقى عليه عار عليه.

وقوله:

يا وَجْهَ دَاهِيَةَ الذي لولاك ماأكَلَ الضَّنَى جِسْمي وَرَضَّ الأعْظُمَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفي أراني ويك لومك ألوما»

قال: قال ابن جني: داهية اسم التي شبب بها.

وقال ابن فورجة: ليس باسم علم لها، ولكنه كنى به عن اسمها، على سبيل التضجر بما حل به من بلائها؛ أي: إنها لم تكن إلا داهية علي.

والوجه قول ابن جني لترك صرفها في البيت، ولو لم تكن علما لكان الوجه صرفها.

فيقال: إذا كنى عن اسمها فقال: يا وجه داهية على التحقيق لما حل به منها، لا: فلانة، يريد: نحو عائشة وفاطمة. كيف يكون الوجه صرفها لولا قلة التأمل وكثرة التغفل! فالوجه الذي ذكره ابن فورجة سائغ في المعنى وفي الاعراب، غير خارج من حيز الصواب.

وقوله:

أنْ كانَ أغْنَاهَا السُّلُوُّ فإننيأصْبَحْتُ من كَبِدِي ومنها مُعْدِمَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفي أراني ويك لومك ألوما»

أقول: لو قال:

......أصْبَحْتُ من صَبْري

فوضع: صبري أو جلدي مكان كبدي لكان أحسن وألطف وأصنع. ولكنه أجفى وأغلظ من ذلك!

وقوله:

يا أيُّهَا المَلِكُ المُصَفَّى جَوْهَراًمِنْ ذاتِ ذي المَلَكُوتِ أسْمَى من سَمَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفي أراني ويك لومك ألوما»

أقول: أن هذا البيت وثانيه ورابعه وخامسه من أقبح الشعر وأرذل الألفاظ وأخس المعاني، ولا يصدر مثل هذا إلا عن متهافت في الرأي والعقل، غير متماسك في

التقى والدين، وكأنه ينبه على قائله بذلك بل ينادي!

وقوله:

وخُضْرَةُ ثَوْبِ العَيْش في الخُضْرَةِ التيأرتْكَ احْمِرَارَ المَوْتِ في مَدْرَجِ النَّمْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «محبي قيامي ما لذلكم النصل»

قال: مدرج النمل: مدبه، وهو حيث درج فيه بقوائمه فأثر آثاراً دقيقة، وجعل النصل مدرج النمل لما فيه من آثار الفرند.

وأقول: مفهوم قوله إنه شبه جوهر السيف بآثار النمل لخفائها ودقتها. وليس كذلك، إنما تشبيه جوهر السيف بالنمل أنفسها لا بآثارها، وذلك لما يُشاهد من تفرقه وتنقله واضطرابه مع صغره. وهذا الذي أرادته الشعراء؛ قال أوس:

كأنَّ قُرَى نَمْلٍ على جَنَبِاتِهأحَسَّ بِقَلعٍ نَفْخَ ريحٍ فأجْفَلا

وقوله:

إلاَّ يَثِبْ فَلَقَدْ شَابَتْ له كَبِدٌشَيْباً إذا خَضَّبَتْهُ سَلْوَةٌ نَصَلا

قال: هذا من قول أبي تمام:

شَابَ رأسِي وما رأيتُ مَشِيبَ الرَّأسِ إلاَّ من فَضْلِ شَيْبِ الفُؤادِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»

وهو مما استُقبح من أشعاره، والمتنبي نقل شيب الفؤاد إلى الكبد.

وأقول: الأشبه أن يكون أبو الطيب اخذ ذلك من قول أبي نواس:

يا عمرو أضْحَيْتُ مُبْيَضَّةً كَبِديفأخْضِبْ بياضاً بعُصْفُرِ العنبِ

ويكون أبو تمام نقل منه شيب الكبد إلى الفؤاد.

وقوله:

حَتَّى وَصَلْتُ بنَفْسٍ مَاتَ أكثَرُهَاوليتني عِشْتُ منها بالذي فَضَلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

قال: مات أكثرها: ذهب أكثر لحمها وقوتها لما قاسته من هول الطريق وشدته، ثم تمنى أن يعيش بما بقي من نفسه ليقضي حق خدمة الممدوح.

وأقول: قوله: ليقضي حق خدمة الممدوح ليس بشيء، إنما يريد أن نفسه نفس كبيرة عظيمة. ولما قال: مات أكثرها خاف أن يسبق إلى الوهم أن الذي بقي يسير ضعيف فقال: ليتني عشت بالذي فضل منها فأنه قوي كثير مع ذهاب أكثره.

وقوله:

ذاتُ فَرْعٍ كأنَّما ضُرِبَ العَنْبَرُ فيه بماءِ وَرْدٍ وعُودِ

قال: يريد إن شعرها طيب الرائحة كأنه خُلط بهذه الأنواع من الطيب. ويقال: إن العود إنما تفوح رائحته عند الإحراق، ولا تطيب رائحة الشعر إذا خُلط بالعود.

فيقال: أراد: ضُرب العنبر فيه بماء ورد ودُخن بعود، وحذف الفعل الثاني كقوله:

عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارِداً

وقول الآخر:

ورأيتُ بَعْلَكِ قد غَدَامُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا

فيقال: لا حاجة إلى حذف عاملين: الفعل والياء وإضمارهما والكلام مستقل بنفسه، والعود يُخلط بالعنبر مدقوقا، وهو معروف، ويرقق بما الورد إذا أريد وضعه في الشعر.

قوله:

جَمَعَتْ بين جِسْمِ أحْمَدَ والسُّقْم وبينَ الجُفُونِ والتَّسْهِيدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

وأقول: أن هذا البيت والذي بعده فيه أيضا مناقضة كما ذكرت في الأول، لأن من يترشف ريقه كيف يسقم ويسهد ويُعذب؟ وهذا إنما وقع في هذه القصيدة لأنها من نظم الصبا كما ذكر.

وقوله:

ولعَلَّي مُؤمِّلٌ بَعضَ ما أبْلُغُ باللُّطْفِ من عَزيزٍ حَميدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

قال: يقول: لعلي راج بعض ما ابلغه بلطف الله العزيز الحميد؛ أي الذي أرجوه لعله بعض الذي أبلغه بلطف الله... وقيل: إن هذا على القلب؛ تقديره: لعلي بالغ بلطف الله تعالى بعض ما أؤمله.

فيقال له: الوجه الأول، هو الحسن، والثاني هو القبيح، وذلك لأنه لا يقال: لعلي أبلغ بلطف الله دون ما أؤمله، أو بعض ما أؤمله، بل يقال: ابلغ بلطف الله فوق ما أؤمل. على أن الشيخ الكندي قال: حمل بعض الناس هذا البيت على القلب الوارد في كلام العرب، وهو أن يذكر الشيء ويراد عكسه، ولكن إنما يجوز ذلك عندهم إذا

أُمن الإلباس،... وهاهنا يقع اللبس، لأنه يجوز أن يريد أن الشيء الذي أبلغه بلطف الله أمر عظيم فوق أملي. وهذا هو الصحيح وهو الوجه الأول؛ يقول: أنا مؤمل أشياء لعلها بعض الذي أدركه بلطف الله وتيسيره. وكأن هذا من قول جعفر بن محمد الصادق ﵇: كن لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو؛ فإن موسى ذهب ليقتبس لأهله ناراً، فعاد نبياً مرسلاً!

وقوله:

لا كما قَدْ حَيِيتَ غيرَ حَميدٍفَإذَا مِتَّ مِتَّ غَيْرَ فَقيدِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقال: حيي يَحيى حياة، ويقال أيضا: حي بالإدغام في الماضي، ولا يقال في المستقبل بالإدغام، وذلك أن حيي عين الفعل منه ياء مكسورة ولامه أيضا ياء، والياء أخت الكسرة، فكأنه اجتمع ثلاث كسرات، فحُذفت كسرة العين، وأدغمت في اللام، ولم يعرض في المستقبل شيء من هذا.

فيقال له: ليس الإدغام في حيي وبابه لكسرة العين، وإنما هو للزوم فتحة اللام واجتماع مثلين متحركين. ولو إنه كما تقول: لجاز الإدغام في يُحيى من الرباعي لان عينه مكسورة، كما في حيي، ولامه ياء، والذي يدل على صحة ما قلت قوله تعالى: (... بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى) فقد اجتمع فيها ما جعله علة من

الياءين والكسرة وزيادة فتحة اللام؛ ومع ذلك فلم يدغم؛ لأن الفتحة هاهنا عارضة، فهذا الذي ذكره ليس بشيء، وما كان له أن يتعاطاه لأنه ليس من شأنه!

وقوله:

وقد شَغَلَ الناسَ كَثْرَةُ الأمَلِوأنْتَ بالمَكْرُمَاتِ في شُغُل

قال: الناس مشغولون بكثرة آمالهم بك، وأطماعهم فيما يأخذون من أموالك، وأنت مشغول بتحقيق آمالهم، وتصديق أطماعهم.

وأقول: الأولى أن يكون المعنى أن الناس شغلتهم الآمال بتحصيل الأموال وجمعها، وأنت مشغول بتفريقها في المكارم، وهذا كأنه من قول الآخر:

لَشَتَّانَ ما بين اليَزِيدين في النَّدىيَزِيدَ سُلَيْمٍ والأغَرِّ ابن حَاتِم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فَهَمُّ الفَتَى الأزْديِّ إِنفَاق مَالِهِوَهَمُّ الفَتَى القَيْسيِّ جَمْعُ الدَّراهمِ
فلا يَحْسبِ التَّمْتَامُ أني هَجَوْتُهُولكنَّني فَضَّلْتُ أهْلَ المكارمِ
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

وقوله:

تَمَثَّلُوا حَاتِماً ولو عَلموالكُنْتَ في الجُودِ غَايةَ المَثَلِ

قال: أراد تمثلوا بحاتم، أي في الجود، فحذف الباء ضرورة وذلك أن المثل يُضرب بحاتم؛ فيقال: أجود من حاتم.

فيقال: ليس في هذا ضرورة بحذف الباء؛ والفعل متعد بنفسه لأن: تمثلت بمعنى: اتخذت مثلا، وتفعلت لاتخاذ الشيء كثير نحو: تديرت المكان وتوسدت الرأي، أي اتخذت ذلك داراً ووسادة، فتمثلوا حاتما، أي اتخذوه مثلا تُضرب به الأمثال، فيقال: فلان في الجود مثل حاتم فهذه حقيقة المثل. وبين تمثلت الشيء وتمثلت به فرق: فتمثلته: اتخذته مثلا، وتمثلت به: جعلته تُلحق به أمثال له.

وقوله:

خليليَّ ما هذا مُنَاخٌ لمِثْلِنَافَشُدَّا عَلَيْها وارْحَلاَ بِنَهَارِ

قال في قوله: فشدا عليها نوعان من الضرورة: حذف المفعول، والكناية عن غير مذكور.

فيقال له: ما جاء مثله في كلام الله - سبحانه - فليس بضرورة: فأما حذف المفعول فقوله: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) وأما الكناية عن غير مذكور فقوله: (حَتَّى تَوَارَتْ

بِالْحِجَابِ)، و: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ). ولو أعرض عن التعرض للعربية، واشتغل بتفسير المعاني الذي أرصد نفسه له، وجعله المعتمد الذي هو بصدده، وعاب على ابن جني بخروجه عن المقصود من الديوان فيما ذكره، لكان أليق به وأستر له!!

وقوله:

والمَرْءُ يأمُلُ والحَيَاةُ شَهِيَّةٌوالشَّيْبُ أوْقَرُ والشَّبيِبَةُ أنْزَقُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

قال: الشهية: المشتهاة من شهي يشهى... ذا اشتهى الشيء، فهي فعيلة بمعنى مفعولة.

فيقال له ولأبي الطيب: لا يجوز دخول فعيلة الهاء إذا كانت بمعنى مفعولة بل يستوي فيها المذكر والمؤنث فيقال: رجل قتيل وامرأة قتيل. وأما حميد وحميدة فمشبه رشيد ورشيدة. وأما الذبيحة والرمية من قولهم: بئست الرمية الارنب، فإنها دخلت في الأسماء. ألا ترى إنها يقال لها ذلك. ولم تُذبح ولم تُرم؟!

وقوله:

أشَاروا بتَسْليمٍ فَجُدْنَا بأنْفُسٍتَسِيلُ من الآمَاقِ والسِّمُ أدْمُعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

قال: يقول: أشاروا إلينا بالسلام فجدنا عليهم بأرواح سالت من الآماق واسمها دموع، وتفسير هذا قولي:

خَلِيلَيَّ لا دَمْعاً بَكْيتُ وإنماهو الرُّوحُ من عَيْني تسيل فَتَخْرُجُ

وأصل الاسم: سم، بكسر السين ويقال سم أيضا.

فيقال له: لقد ضعف تفسيرك وشعرك وتصريفك! أما قوله:

... فجُدْنَا بأنْفُسٍ... ......

فليس من الجود الذي هو كثرة العطاء، إنما هو من الجود الذي هو كثرة البكاء بإسالة الأنفس، التي اسمها دموع من الآماق. وأما البيت الذي فسر به بيت أبي الطيب فقد كان له مندوحة عن ذكره بستره، لضعف عجزه وثقل صدره، واكتفاء بقوله:

أروَاحُنَا انهمَلَتْ وعِشْنَا بَعْدَهَامن بَعْدِ ما قَطَرَتْ على الأقْدامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

وقد جاء مثله لبعض أهل العصر:

بعَادُكمُ في قَرارِ القُلوبِأضْرَمَ نَاراً تُسَمَّى هُلوعَا
وهَجْرُكُمُ من سَماءِ العيونِأسَالَ نُفوساً تُسَمّىَ دُموعَا

وأما الاسم فأصله: سمو، لأن كل معرب على حرفين فإنما أصله ثلاثة نحو: يد، ودم، وفم، وفيه لغات: اسم بالحذف وبالتعويض، وسِم وسُم بلا تعويض، وسما على الأصل من غير حذف.

وقوله:

يَتِيهُ الدَّقيقُ الفِكْرِ في بُعْدِ غَورِهويَغْرَقُ في تَيَّارِه وهو مِصْقَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

قال: المصقع: البليغ الفصيح لأنه يأخذ في كل صقع من القول، والدقيق الفكر: الفهم الفطن......، وهذا هو الرواية الصحيحة بالألف واللام في الدقيق، مع الإضافة إلى الفكر، وهو جائز في أسماء الفاعلين كالحسن الوجه، ومن روى: دقيق الفكر جعل الدقة نعتا للفكر؛ أي: يتيه الدقيق من الأفكار، والأول أجود، ليكون نعتا للرجل كأنه قال: يتيه الرجل الدقيق الفكر؛ ألا تراه يقول: وهو مصقع، وهذا نعت للرجل لا للفكر.

فيقال له: قوله: أن المصقع مشتق من الصقع، وهي الناحية، ليس بشيء وإنما هو

مشتق من الصاقعة كأنه يدفع الخطباء المتكلمين فلا يقدرون على الكلام.

وقوله:

ألَيْسَ عَجيباً أنَّ وَصْفَكَ مُعْجِزٌوأنَّ ظُنُوني في مَعَاليكَ تَظْلَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

قال: أليس من العجب أني مع جودة خاطري وبلاغة كلامي أعجز عن وصفك، ولا يبلغ ظني معاليك، ولا أدركها لكثرتها.

وأقول: هذه عبارة قاصرة، وإنما يقول: أليس من العجب أن وصفك معجز وأنا آتي في القول بالمعجزات، وظنوني تقصر عن صفات معاليك فلا أقدر على الإتيان بها وهذا خرق للعادة من قبلك وقبلي.

وقوله:

أنَا ابنُ الفَيَافي أنا ابنُ القَوافيأنا أبنُ السُّرُوج أنا ابنُ الرِّعَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قضاعة تعلم أني الفتى اللذي»

قال: وكان ينشده أيضا بطرح الياء منهما اكتفاء بالكسرة كقوله تعالى: (جَابُوا الصَّخْرَ بِالَوَادِ).

وأقول: هذا التشبيه ليس بسائغ؛ لأن حذف الياء من الوادي إنما كان من أجل الفواصل لتشابه المقاطع بالوقوف على الدال، التي هي آخر السجع، وهذا البيت ليس كذلك. ولكن إنما كان ذلك لتوازن الفياف والقواف السروج والرعان فتجري هذه الألفاظ الأربع في البيت على متن واحد؛ لأنه يجوز الوقوف على الرعان من غير إطلاق فيحصل التوازن ويخف اللفظ ويعذب الذوق.

وقوله:

فما وَرَدَتْ رُوحَ امرئٍ روحُهُ لهولا صدَرَتْ عن بَاخِلٍ وهو بَاخلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

قال: إذا وردت السيوف روح امرئ، كانت بها املك منه، وصار - وإن كان بخيلا - غير بخيل؛ لأن السيف ينال منه ما يطلب أو يفتدي روحه بماله.

وأقول: تفسيره أول البيت صالح، وتفسيره آخره ليس بشيء، ومعنى قوله:

....ولا صَدَرَتْ عن بَاخلٍ وهو بَاخِلُ

أي: إنها تقتله فيخرج من صفة البخل بخروجه، من صفة الحياة. وهذا مثل قوله:

فرؤوسُ الرِّماحِ أذهَبُ للغّيْظِ وأشْفَى لِغلِّ صَدْرِ الحَقُودِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

أي: إنه يُقتل فيخرج من صفة الغل والحقد بخروجه من صفة الحي التي هي مُصححة لهما.

وقوله:

غَثَاثَةُ عَيْشي أن تَغِثَّ كَامتيوليس بِغَثٍّ أن تَغِثَّ المآكِلُ

قال: يقول: هزال عيشي في هزال دمي، لا في هزال مطاعمي.

وأقول: أن تفسيره كرامتي بمعنى دمي عجيب غريب. وهذا لم يقله أحد، ولا له هاهنا معنى سائغ. وإنما كرامتي بمعنى إكرامي؛ أي: إكرام غيري لي.

يقول: هُزال عيشي في هُزال كرامتي، وفصد إهانتي وإضاعة حُرمتي.

......وليس بِغَثٍّ أن تَغِثَّ المآكِلُ

بل أن تغث الكرامة والحرمة، وهذه إشارة إلى قوله:

......إلى أن بَدَتْ للضيم فيَّ زلازِلُ

وقوله:

أبْدَيْتِ مثلَ الذي أَبْدَيْتُ من جَزَعٍولم تُجِنِّي الذي أجْنَنْتُ من ألَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»
إذاً لبَزَّكِ ثَوْبَ الحُسْنِ أصْغَرُهُوَرُحْتِ مِثْلِيَ في ثَوبَيْنِ من سَقَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

قال: ذكر إنها لم تجن الألم، كأنه قال: لو أجننت من الألم، ما أجننته، إذا لسلبك ثوب الحسن أصغر جزء من أجزائه.

أقول: وهذا، من تفسيره، يدل على إنها لم تُجن شيئاً من ألم، وأقول: إن قول أبي الطيب:

....ولم تُجِنِّي الذي أجْنَنْتُ من ألَمِ

لا يدل على إنها لم تجن ألما البتة، وإنما معناه: ولم تُجني مثل الذي أجننت. وكذلك إذا قلنا: زيد يفعل فعل أبيه أو لا يفعل، فإنما معناه إنه لا يفعل مثل فعله لأنه مستحيل إذ الفعل الواحد لا يكون من فاعلين. وعلى ذلك فسر أبو علي قوله - سبحانه -: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) وقال: ولا يجوز أن يُعطف ورهبانية على ما قبلها لان ما يجعله هو - سبحانه - لا يبتدعونه هم. وصدر البيت يدل على هذا التفسير وهو قوله:

أبْدَيتِ مثلَ الذي أبْدَيْتُ من جَزَعٍ .........

وإذا صح ذلك قلنا: إنها أجنت الما، الا إنه ليس مثل ألمه، وإنما احتجنا إلى ذلك لئلا يتناقض قوله، لأنه قال قبل:

تَنَفَّسَتْ عن وَفَاءٍ غَيْرِ مُنْصدعٍ .........

فلو قدرنا إنها أبدت جزعا مثل جزعه ولم تُجن ألما البتة، لكان ذلك خداعا، ولم يكن وفاء

وقوله:

مِنْ كُلِّ أحْورَ في أنيابِه شَنَبٌخَمْرٌ مُخَامِرُهَا مِسْكٌ تُخَامِرُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حاشى الرقيب فخانته ضمائره»

قال: الشنب: صفاء الأسنان، ورقة مائها. وسئل ذو الرمة عن الشنب، فأخذ حبة رمان فقال: هذا الشنب؛ إشارة إلى صفائها ورقة مائها.

قال: وقال ابن جني: خمر بدل من شنب، كأنه قال: في أنيابه خمر قد خالطت المسك، والمسك قد خالطها. وهذا قول جميع من فسر هذا الديوان.

قال: ويبعد إبدال الخمر من الشنب لأنه ليس في معنى الخمر، والقول فيه إن خمر رفع بالابتداء، ومخامرها ابتداء ثان ومسك خبره، وهما في محل الرفع بالخبر عن خمر، والهاء في مخامره ضمير الشنب.

وأقول: إذا كان قد فسر الشنب برقة ماء الأسنان، فكيف استبعد أن تُجعل الخمر بدلا منه، كناية عن طيب النكهة ولذاذة الريق؟

وكيف جاز أن يجعل خمر، وهي نكرة، مبتدأ ولم يصفها؟

ولم جعل مخامرها مبتدأً ثانياً خبراً عنها ولم يجعله صفة لها؟

وما اضطره إلى ذلك وقد قال: ومن روى: يخامرها مسك جعل الجملة صفة للنكرة وتخامره الخبر؟

فيقال: وكذلك إذا قال: مخامرها مسك فهذا جائز حسن!

وقوله:

يا مَنْ تَحَكَّمَ في نَفْسِي فَعَذَّبَنيومَنْ فؤادي على قَتْلي يُضَافِرُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حاشى الرقيب فخانته ضمائره»

قال: المضافرة: المعاونة، يعني أن قلبه يهينه على قتله حيث لا يسلو مع ما يرى من كثرة الجفاء.

وأقول: إن قوله حيث لا يسلو ليس بشيء. ولكن حيث يزداد له حباً، كلما ازداد له جفاء؛ لأن من شأن الذي يجفوه شخص أن يميل قلبه عنه، وهذا يميل قلبه اليه،

فكأنه يعينه عليه، وهو من قول الرشيد: قلب العاشق عليه مع المعشوق! قال الأصمعي: قلت هذا - والله - يا أمير المؤمنين أحسن من قول عروة بن حزام:

ويُضْمِرُ قَلبي عُذْرَهَا ويُينُهَاعليَّ فما لي في الفُؤاد نَصِيبُ

وقوله:

من بَعْدِ ما كان لَيْلي لا صَبَاحَ لهكأنَّ أولَ يَوْمِ الحَشْرِ آخرُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حاشى الرقيب فخانته ضمائره»

قال: يقول: بعد ما كنت أقاسي من الحزن ما يُسهرني فيطول عليَّ الليل للسهر حتى كأنه متصل بيوم الحشر.

وأقول: ليس في الكلام ما يدل على الاتصال بيوم الحشر، ولكن أبا الطيب بالغ

في وصف الليل بالطول، فجعل آخر ليله كأول يوم وهو يوم الحشر لقوله تعالى: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ) وكأن هذه المبالغة التي بالغ بها أبو الطيب في عجز البيت نقص بل نقض م لما ذكره في صدره وذلك إنه قال:

...... لَيْلي لا صَبَاحَ له .........

فنفى أن يكون له آخر. ويوم الحشر وإن كان طويلا فله آخر، ويمكن أن يُعتذر عنه بحذف الصفة؛ أي: لا صباح قريب له، وليتأمل هذا الموضع فإنه صالح.

وقوله:

قد اشْتَكَتْ وَحْشَةَ الأحْيَاءِ أرْبُعُهُوخَبَّرَتْ عن أسَى المَوْتَى مَقَابِرُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حاشى الرقيب فخانته ضمائره»

قال: لما غاب الأمير عن البلد، حزن لغيبته الأحياء حتى أحست بذلك دورهم، وكذلك الموتى، حزنوا حتى أخبرت المقابر عن حزنهم.

وأقول: إن قوله: أحست بذلك دورهم ليس بشيء، ولو قال: استوحش لغيبته الأحياء حتى سرت الوحشة إلى منازلهم فاشتكت ذلك بلسان الحال. وكذلك يقال في الموتى في مقابرهم لكان حسنا، وكان في هذا البيت من المجاز والاستعارة ما في قوله تعالى: (إنا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إنه كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً). كأنه يقوله - والله أعلم -: لو إن هذه الأشياء مما يعقل وعُرض عليها حمل الأمانة لأشفقت من حملها لعظمها. وكذلك يقال في الاربع، والمقابر، لو إنها مما ينطق لأخبرت عن وحشة الأحياء وأسى الموتى.

وقوله:

وَجدَّدَتْ فَرَحاً لا الغَمُّ يَطْرُدُهُولا الصَّبَابَةُ في قَلْبٍ تُجَاوِرُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حاشى الرقيب فخانته ضمائره»

قال: عودة دولته جددت فرحا لا يغلبه الغم، ولا تجاوره شدة الشوق بعد هذا الفرح في قلب؛ أي لا تسكنه لامتلاء كل قلب بهذا الفرح لا يكون م فيه موضع

للعشق.

وأقول: إن قوله: لامتلاء كل قلب بالفرح، لا يكون فيه موضع للعشق ليس بشيء! وإنما غره بذلك ذكر الصبابة، فوهم إنها من العشق. والصبابة، وهي رقة الشوق، تكون من العشق وغيره. والمعنى أن الممدوح لما غاب عن ذلك البلد، حصل عند الناس غم لغيبته، وشوق شديد إليه، فلما عاد تجدد عندهم فرح أزال الغم والشوق لأنهما إنما حدثا بسبب بعده.

وقوله:

دَخَلْتَها وشُعَاعُ الشمس مُتَّقِدٌونُورُ وَجْهِكَ بين الخَيْلِ باهِرُهُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: دخلت هذه البلدة في إشراق الشمس حين توقد ضياؤها، ونور وجهك قد بهر ضوء الشمس؛ أي: غلبه.

وأقول: إنه لم يُفسر معنى قوله: بين الخيل ولا بد له من فائدة. والمعنى إنه كان بين الخيل، وهي تُثير النقع، فلابد أن يعلو وجهه غباره فيؤدي إلى أن يستر من نوره، وهو مع ذلك يبهر شعاع الشمس، أي: يغلبها بكثرة ضيائه.

وقوله:

عَزِيزُ أسىً مَنْ داؤه الحَدَقُ النُّجْلُعَيَاءٌ به ماتَ المُحِبُّون من قَبْلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

قال: النجل: جمع أنجل، وهو الواسع العين.

وأقول: النجل: جمع نجلاء، وهي العين الواسعة، وقد قال:

مَثَّلْثِ عَيْنَكِ في حَشَايَ جراحَةًفتشابَهَا كِلْتَاهُمَا نَجْلاءُ

ولم يرد جمع انجل، ويدل عليه قوله: الحدق النجل، أي: العيون.

وقوله:

وما هِيَ إلاَّ نَظْرَةٌ بعد نَظْرةٍإذا نَزَلَتْ في قَلْبِهِ رَحَلَ العَقلُ

قال: هي كناية عن لحظات العاشق.

يقول: ما هي إلا أن يلحظ مرة بعد أخرى، فإذا تمكنت النظرة من قلبه زال عقله لأن الهوى والعقل لا يجتمعان.

وأقول: إن هي محتمل أن تكون كناية عن الصبابة ويدل عليها الهوى قبلها. ويحتمل أن تكون ضميرا راجعا إلى الحدق للمبالغة؛ كأنه يقول: ما الحدق النجل إلا نظرات متتابعة تعقب الهوى فتزيل العقل.

وقوله:

رأيتَ ابنَ أمِّ المَوْتِ لو أنَّ بأسَهُفَشَا بينَ أهْلِ الأرضِ لانقَطَعَ النَّسْلُ!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

قال: المعنى: إن بأسه لو كان للناس، لكان كل واحد قتالا، فينقطع النسل بكثرة القتل.

وأقول: هذا ليس بشيء!

والمعنى: إنه لو ظهر للناس بأسه كله لأهلك الرجال فانقطع النسل، وإنما يخفيه عنهم بقيا عليهم.

وقوله:

ولولا تَوَلِّي نفسه حَمْلَ حِلْمِهِعن الأرض لانْهَدَّت ونَاَء بها الثُّقْلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

قال: وصف حلمه بالرزانة.

يقول: لولا إنه باشر بنفسه حمل حلمه عن الأرض لانكسرت الأرض بثقل حمله، وأثقلها ذلك الحمل.

فيقال له ولأبي الطيب: أليست الأرض حاملة له وهو حامل حلمه الثقيل فقد ازدادت ثقلا على ثقل فلمَ لم تنهد؟

والجواب عنهما: إن الكلام مجاز وهو أن الأرض لو كانت من الأجسام الأحياء، وكان الحلم جسما وحملته كما يحمله الممدوح لانهدت وأثقلها حمله، والواو هنا لم تُرتب؛ لأن التقدير: لناء بها الحمل ولانهدت. والمعنى: وصفه بكثرة الحلم وقوة

الصبر والجلد.

وقوله:

اليومَ عَهْدُكُمُ فأين الموعِدُهَيْهاتَ ليس ليومِ عَهْدِكُمُ غَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: العهد: اللقاء.

يقول لأحبته عند الوداع: اليوم ألقاكم، فأين موعد لقائكم؟ ثم التفت إلى سلطان البين فقال: هيهات! بعد ما أطلبه! ليس لهذا اليوم غد! أي: لا أعيش بعد فراقكم، فلا غد لي بعد هذا اليوم، ولو قال: فمتى الموعد لكان أليق بما ذكر بعده؛ لأن: أين سؤال عن المكان، ومتى سؤال عن الزمان. ويريد بقوله:

...... ......... ليسَ ليَوْمِ عَهْدِكُمُ غَدُ

أي: يوم عهدكم للوداع.

وأقول: الكلام فيه تقدير محذوف، كأن أحبته وعدوه بالوصال، فسألهم عن وقته، فقالوا: في غد، فلما حضر قال: اليوم عهدكم بالوصال فأين الموعد؟ فلما تبين له خُلف موعدهم استبعد قولهم، فقال:

......هيهات ليس ليوم عَهْدِكُمُ غَدُ

ومثل هذا قول بعضهم:

في كُلِّ يومٍ قائلٌ لي في غَدٍيَفْنَى الزَّمَانُ وما تَرَى عَيْني غَدَا

وانظر إلى غلط الواحدي وتخبطه في شرح هذا البيت، وغلطه في المعنى وفي اللغة بجعل العهد اللقاء، وفي قوله: لو قال: فمتى الموعد لكان أليق لظنه إن الموعد الزمان، وإنما هو المصدر. وكيف يسال بمتى عن الوقت وهو فيه يعلمه؟ وإنما يسال بأين عن مكان الوعد بالوصال لأنه لا يعلمه، وهذا السؤال كأنه تقريع وتوبيخ لأحبته؛ لأنه عند الرحيل، وفي ذلك الوقت لا يمكن الوصال.

وقوله:

إنَّ التي سَفَكَتْ دمي بجُفُونِهالم تَدْرِ أنَّ دَمِي الذي تَتَقَلَّدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: إن التي قتلتني لما نظرت إلي، ليست تدري إن دمي في عنقها، وإنها باءت بإثم قتلي.

وأقول: إن في هذا البيت خبئاً! وهو أن هذه المرأة لم تدر أن دمي عظيم، وإنها قد ارتكبت بسفكه خطراً عظيماً. وفي هذا تنبيه على كبر شأنه وعلو قدره.

وقوله:

قَالتْ، وقد رأت اصْفِراري مَنْ بهِ؟وتَنَهَّدَتْ فأجَبْتُها المُتَنَهِّدُ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «لما رأيت نهودها قد أقبلت»

قال: لما رأت صفرة لوني وجدا بفراقها قالت: من به؟ أي: من فعل به هذا الذي أراه؟ وقال ابن جني: من المطالب به؟

وأقول: إن قوله: وجدا بفراقها غير جيد، والجيد لو قال: وجدا بها. وتفسيره: من؟ أي: من فعل به، وتفسير ابن جني: من المطال به ليسا بصواب. ولو قالا: من به؟ أي: من في قلبه؟ أو: من يهواه؟ لا صابا، وهذا من قول ديك الجن، عبد السلام، شاعر الشام:

مَرَّتْ فقلتُ لها مَقَالةَ مُغْرَمٍمَاذَا عليكِ من السَّلامِ فَسَلِّمي
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
قالتْ: بمَنْ تَعْني فَحُبُّكَ ظَاهِرٌبنحُولِ جسْمِكَ قلتُ: بالمُتَكَلِّمِ
فتضاحَكَتْ عَجَباً وقالَتْ يا فَتَىلو لَمْ أدَعْكَ تنامُ بي لم تَحْلُمِ

وقوله:

فَمضَتْ وقد صَبَغَ الحَيَاءُ بَيَاضَهالَوْني كَمَا صَبَغَ اللُّجَيْنَ العَسْجَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: إنما عدّي الصبغ إلى مفعولين لأنه تضمن معنى الإحالة؛ كأنه قال: أحال الحياء بياضها لوني.

وأقول: إن لوني صفة مصدر محذوف؛ كأنه قال: لوناً مثل لوني. وهذا كما يقال: ضربته ضرب زيد؛ أي: ضربا مثل ضرب زيد. وكقول امرئ القيس:

إذا قامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ منهمانَسِيمَ الصَّبَا جَاَءتْ بِرَيَّا القَرنفلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )»

وقوله:

فَلَه بنو عبد العزيز بن الرِّضَاولكلِّ رَكْبٍ عِيسُهُمْ والفَدْفَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: أي: للممرض المذكور قبل وهو المتنبي، هؤلاء الذين يقصدهم، ويبلغ بهم آماله، ولسائر الناس من المسافرين إلى غيرهم الإبل والمفازة؛ أي: لا يحصلون من سفرهم على شيء سوى التعب وقطع الطريق.

وأقول: هذا ليس بشيء!

والمعنى: إن المتنبي له هؤلاء؛ بنو عبد العزيز الممدوحون، ولكل ركب يقصدهم عيسهم التي يسيرون إليهم عليها؛ والأرض التي يسيرون فيها؛ أي: إذا قصدوا بني عبد العزيز ركبوا إليهم ما أخذوه قبل منهم، وساروا إليهم في أرضهم، وهذا إخبار بكثرة عطائهم وسعة مملكتهم، وهو مثل قوله:

أسِيرُ إلى إقْطَاعِهِ في ثِيَابِهِعلى طِرْفِهِ من دَارِهِ بحُسَامِهِ
للشاعر ابن الأبار البلنسي، من قصيدة «هنيئا له عادى أعادي إمامه»

وقوله:

ما مَنْبِجٌ مُذْ غِبْتَ إلاَّ مُقْلَةٌسَهِدَتْ وَوَجْهُكَ نومُهَا والإثمِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: يقول: هذه البلدة مذ غبت عنها كالمقلة الساهرة، ووجهك لها بمنزلة النوم والكحل، وهما اللذان بهما تصلح العين؛ أي: صلاحها بحضورك.

وأقول: لو قال في قوله:

...... ......... وَوَجْهُكَ نَوْمُهَا والإثْمِدُ

أي: تهدأ به وتُزين؛ فيجعل النوم للهدوء، والكحل للتزيين، لكان أكمل وأجمل.

وقوله:

قَطَّعْتَهُمْ حَسَداً أرَاهُمْ مَا بِهمفتقطَّعُوا حَسَداً لمن لا يَحْسُدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: يريد أنهم حسدوك فماتوا لشدة حسدهم إياك فكأنك قطعتهم إربا حتى تقطعوا.

وأقول: لم يرد الموت وإنما المعنى انك بالغت في المهم، وإذا هم - حسداً لك - بمنزله من تقطّع أعضاؤه. ولو أنهم ماتوا لم يحسن أن يقول فيما بعد:

حتى انْثَنَوْا...... .........

وقوله:

وصُنِ الحُسَام فلا تُذِلْهُ فإنهيَشْكو يَمينَكَ والجَماجِمُ تَشْهَدُ

قال: قال ابن جني: صنه فانه به يُدرك الثار ويُحمى الذمار.

قال ابن فورجة: كيف أمن أبو الفتح أن يقال له: ما أذلته ألا لأدرك ثأري وأحمي ذماري؟ وهذا تعليل، لو سكت عنه لكان أحب إلى أبي الطيب. إنما يعني إنك أكثرت القتل فحسبك واغمد سيفك. فقال: صن سيفك! وإنما يريد أغمده، وهذا كقوله:

شِمْ ما انْتَضَيْتَ...... .........

فيقال: كيف أمن ابن فورجة أن يقول له: ما أكثرت إلا قتل من يستحق القتل، ومن يجب عليه؛ فكيف نهيتني عن فعل الواجب؟ وهذا البيت لا يُجعل مثل:

شِمْ ما انْتَضَيْتَ...... .........

ومعناه قد ذكرته في شرح ابن جني.

وقوله:

تَعَجَّلَ فيَّ وُجُوب الحُدودِوحَدِّيَ قبلَ وجُوب السُّجودِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يريد أتعجل؟ الاستفهام، وحذف الهمزة.

وأقول: هذا فيمن روى تعجل بفتح التاء والعين وضم اللام، وجعل وجوب الحدود مفعولا به منصوبا.

والأكثر أن يُجعل تعجل فعل ما لم يُسم فاعله ووجوب مرفوعا به.

وروي: تَعجل فعلا ماضيا ووجوب، مرفوعا، فاعله.

والوجه الذي ذكره أضعف الوجوه الثلاثة لإضمار همزة الاستفهام وحذفها من غير دليل عليها. ومعنى البيت قد ذكره عن ابن جني، والأجود ما ذكرته هناك.

وقوله:

أبا عبد الإلهِ مُعَاذُ إنيخَفِيُّ عنك في الهَيْجَا مُقَامي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبا عبد الإله معاذ إني»

قال: يقول: يخفى عليك مقامي في الحرب لأني مختلط بالأبطال، ملتبس بالأقران بحيث لا تراني.

وأقول: المعنى غير ذلك، وهو: إنك جاهل بي لا تعلم عنائي وبلائي في الحرب، فأنت تقيدني وتعظم ما أطلبه لتثبطني عن السعي فيه، وما بعده يدل عليه.

وقوله:

فَمَوْتي في الوَغَى عَيشي لأنِّيرَأيْتُ العَيْشَ في أرَبِ النُّفوسِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: أي إذا قتلت في الحرب فكأني قد عشت؛ لأن حقيقة العيش أن يكون فيما تشتهي النفس، وحاجتي أن أقتل في الحرب، فإذا أدركت حاجتي فكأني قد عشت!

وأقول: إن العاقل لا يؤثر القتل على الحياة من غير سبب يدعوه اليه، وغرض يقصده فيه، فقوله: فحاجتي أن أقتل في الحرب فإذا أدركت حاجتي فكأني قد عشت ليس بشيء. وإنما يريد بقوله:

فَمْوتي في الوغى عَيْشي...... .........

لأني أبلي فيها حسنا أذكر فيه كقوله:

ذِكْر الفَتَى عُمْرُهُ الثَّاني...... .........

فإذا كان كذلك فأنا لا أكره الموت في الوغى لأنه أرب نفسي الحصول ما تهواه من حسن الذكر وجميل الثناء؛ وعيش الإنسان في حصول أرب نفسه.

وقوله:

الفَرْقَدُ ابنُكَ والمِصْباحُ صاحِبُهُوأنتَ بَدْرُ الدُّجَى والمَجْلِسُ الفَلَكُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما ترى ما أراه أيها الملك»

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.