من «نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد» لمحمد بن عبد القادر الجزائري (ت ١٣٣١هـ)
الفصل الثاني في التحجيل
وهو بياض في قوائم الفرس، يبلغ نصف الوظيف، مأخوذ من الحجل وهو الخلخال، فإن كان في القوائم كلها فمحجل أربع، وإن كان في ثلاث فمحجل ثلاث، مطلق يد أو رجل يمنى أو يسرى، وإن كان في الرجلين فقط فمحجل الرجلين، وهو ممدوح، قال الشاعر:
محجل رجلين طلق اليدينله غرة مثل ضوء الإراث
الإراث ككتاب: النار. وإن كان في اليدين، فأعصم اليدين فإن كان في وجهه وضح يقال له محجل لا أعصم وإن كان في يده اليمنى ورجله اليسرى أو بالعكس أو كان في يد ورجل من شق واحد فمشكول، وهو مكروه شرعاً وعند العرب.
عن أبي هريرة ﵁: "كان ﷺ يكره من الخيل الشكال". وقال ابن النحاس: "إن الفرس الذي قتل عليه الحسين ﵇ كان أشكل"، فإذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة عنه لأن الغرة تثلثه. فإن كان في إحدى يديه بياض قل أو كثر فأعصم. فإن كان في اليمنى فأعصم اليمنى أو في اليسرى فأعصم اليسرى، ومنكوس اليسرى وهو مكروه. وإن كان البياض في إحدى رجليه فأرجل، وهو مكروه إلا إذا كان البياض في اليسرى قال الشاعر:
أسيل نبيل ليس فيه معابةكميت كلون الصرف أرجل أقرح
الصرف بالكسر صبغ أحمر. والتحجيل إن جاوز أرساغ الفرس سمي تخديماً، فإن بلغ الجبب فما فوق ولم يبلغ الركبتين والعرقوبين سمي تجبيباً، فإن بلغهما أو جاوز العضدين والفخذين سمي تسرولاً، فإن بلغ الساقين والذراعين سمي إخراجاً. وكل قائمة فيها بياض تسمى ممسكة، والخالية منه تسمى مطلقة، والبياض المستطيل في التحجيل يسمى مستريحاً، لأن الشرط في التحجيل الإدارة، فإن خلا الفرس من البياض سمي بهيماً، وإن كان في ناصيته أو ذنبه أو قذاله خصلة بيضاء سمي أشعل. وقد أكثر الشعراء من مدح الغرة والتحجيل فمن ذلك قول ابن دريد:
كأنما الجوزاء في أرساغهوالنجم في جبهته إذا بدا
وقال حازم:
كأنما أشرف من تحجيلهسوار عاج مستدير بالعجا
وقال قسام من بني جعدة:
أغر قتامى كميت محجلخلا يده اليمنى فتحجيلة حسنا
وقال سلامة بن الخرشب:
تعادي من قوائمها ثلاثبتحجيل، وواحدة بهيم
كأن مسحتي ورق عليهاوتحت قرطها أذن خديم
أي كأنها لبست صحيفة فضة من حسن لونها وبريق جلدها.
وقال امرؤ القيس:
كأن نجوماً علقت في مصامهبأمراس كتان إلى صم جندل
شبّه التحجيل ببياض نجوم السماء وأعصاب الساقين بحبال الكتان وصلابة الحافر بالحجر، وقال أبو سهل:
أطرف فات طرفي أم شهابهفا كالبرق أضرمه التهاب
أعار الصبح صفحته نقاباًفقربه وصح له النقاب
فمهما حث خال الصبح وافىليطلب ما استعار فما يصاب
إذا ما انقض كل النجم عنهوصلت عن مسالكه السحاب
فيا عجباً له فضل الدراريفكيف أزال أربعه التراب
سل الرواح عن أقصى مداهفعند الريح قد يلفى الجواب
وقال الحافظ الحجاري:
ومستبق يحار الطرف فيهويسلم في الكفاح من الجماح
كأن أديمه ليل بهيمتحجل باليسير من الصباح
إذا احتزم التسابق صار جرماًتقلب بين أجنحة الرياح
وقال الصفي الحلي:
أغر تبري الإهاب موردسبط الأديم محجل ببياض
أخشى عليه أن يصاب بأسهميمما يسابقها إلى الأغراض
وقال:
أخمدت بالإدلاج أنفاس الفلاوكحلت طرفي في الظلام بسهده
بأغر أدهم ذي حجول أربعمبيضه يزهو على مسوده
خلع الصباح عليه سائل غرةٍمنه وقمصه الظلام بجلده
فكأنه لما تسربل بالدجىوطيء الضحى فابيض فاضل برده
قلق المراح فإن تلاطم خطوهظن المطارد أنه في مهده
أدمى الحصى من حافريه بمثلهوأراع ضوء الصبح منه بضده
وقال:
وأدهم نيق التحجيل ذي مرحيميس من تحته كالشارب الثمل
مضمر مشرف الأذنين تحسبهموكلاً باستراق السمع عن زحل
ركبت منه مطاليل تسير بهكواكب تلحق المحمول بالحمل
إذا رميت سهامي فوق صهوتهمرت تهاديه وانحطت عن الكفل
وقال البحتري:
جذلان تلطمه جوانب غرةجاءت مجيء البدر عند تمامه
وقال:
هل مبلغ الدار التي أغدو لهابمقلص السربال أحمر مذهب
لو يوقد المصباح منه لسامحتبضيائه شية كوهي الكوكب
إما أغر يشق غرته الدجىأو إرثماً كالضاحك المستغرب
متقارب القطار يملأ حسنهلحظات عين الناظر المتعجب
وأجل سيبك أن تكون قناعتيمنه بأشقر ساطع أو أشهب
وقال:
وأغر في الزمن البهيم محجلقد رحت منه على أغر محجل
كالهيكل المبني إلا أنهفي الحسن جاء كصورة في هيكل
وفى الضلوع يشد عقد حزامه=يوم اللقاء على معم مخول
أخواله للرستمين بفارسوجدوده للتبعين بموكل
يهوي كما تهوي العقاب وقد رأتصيداً وينصب انصباب الأجدل
يتوهم الجوزاء في أرساغهوالبدر فوق جبينه المتهلل
متوجس برقيقتين كأنماتريان من ورق عليه موصل
ذنب كما سحب الرداء يذب عنعرف وعرف كالقناع المسبل
جذلان ينفض عذرة في غرةنيق تسيل حجولها في جندل
كالرائح النشوان أكثر مشيهعرضاً على السنن البعيد الأطول
ذهب الأعالي حيث تذهب مثلةفيه بناظرها حديد الأسفل
صافي الأديم كأنما عنيت بهلصفاء نقبته مداوس صيقل
وكأنما نفضت عليها صبغهاصهباء للبردان أو قطربل
لبس القنو مزعفراً ومعصفراًيدمي فراح كأنه في خيعل
وكأنما كسي الخدود نواعماًمهما تواصلها بلحظ تخجل
وتراه يسطع في الغبار لهيبهلوناً وشدّاً كالحريق المشعل
وتظن ريعان الشباب يروعهمن جنة أو نشوة أو أفكل
هزج الصهيل كأن في لهواتهنغمات معبد في الثقيل الأول
ملك العيون فإن بدا أعطيتهنظر المحب إلى الحبيب المقبل
وقال يمدح محمد بن طاهر:
أراجعتي يداك بأعوجيكقدح النبع في الريش اللوام
بأدهم كالظلام أغر يجلوبغرته دياجير الظلام
تقدم في العنان فمد منهوضبر فاستزاد من الحزام
ترى أحجاله يصعدن فيهصعود البرق في الغيم الجهام
وما حسن بأن تهديه فذاًسليب السرج منزوع اللجام
فأتمم ما مننت به وأنعمفما المعروف إلا بالتمام
وقال آخر:
أدهم مصقول سواد الحقمقد سمرت جبهته بالنجم
وقال ابن نباتة:
وأدهم يستمد الليل منهويقطع بين عينيه الثريا
سرى خلف الصباح يطير زهواًويطوي خلفه الأغلاس طيا
فلما خاف وشك الفوت منهتشبث بالقوائم والمحيا
وقال يمدح سيف الدولة ابن حمدان حيث أعطاه فرساً أدهم أغر محجلاً:
يا أيها الملك الذي أخلاقهمن خلقه ورواؤه من رأيه
قد جاءنا الطرف الذي أهديتههاديه يعقد أرضه بسمائه
أولايةً أوليته فبعثتهرمحاً سبيب العرف عقد لوائه
يختال منه على أغر محجلماء الدياجي قطرة من مائه
فكأنما لطم الصباح جبينهفاقتص منه فخاض في أحشائه
متمهلاً والبرق من أسمائهمتبرقعاً والحسن من أكفائه
ما كانت النيران يكمن حرهالو كان للنيران بعض ذكائه
لا تعلق الألحاظ في أعطافهإلا إذا كفكفت من غلوائه
لا يكمل الطرف المحاسن كلهاحتى يكون الطرف من إسرائه
وقال أبو العلاء المعري:
وبعيدة الأطراف زعن بماجديردين فوق أساود لم تطعم
ترعى خوافي الربد في حجرتهاسغباً وتعثر بالغطاط النوم
يجمعن أنفسهن كي يبلغن مايهوى، فمجفرهن مثل الأعظم
ضمرت وشزبها القياد فأصبحتوالطرف يركض في مساب الأرقم
من كل معطية الأعنة سرجهاترقى فوارسها إليه بسلم
غراء سلهبة كأن لجامهانال السماء به بنان الملجم
ومقابل بين الوجيه ولاحقوأفاك بين مطهم ومطهم
صاغ النهار حجولة فكأنماقطعت له الظلماء ثوب الأدهم
قلق السماك لركضه ولربمانفض الغبار على جبين المرزم
مثل العرائس ما انثنت من غارةإلا مخضبة السنابك بالدم
سهرت وقد هجع الدليل بلابسبرد الحباب مقيد فعل الضيغم
أدمت نواجذها الظبا فكأنماصبغت شكائمها بمثل العندم
وبنت حوافرها قتاماً ساطعاًلولا انقياد عداك لم يتهدم
باض النسور به وخيم مصعداًحتى ترعرع فيه فرخ القشعم
وسم إلى حوض الغمام فماؤهكدر بمنهاك الغبار الأقتم
جاءت بأمثال القداح مفيضةمن كل أشعث بالسيوف موسم
فوجدن أمضى من سهام الترك إذنفضت وأنفذ من حراب الديلم
حتى تركن الماء ليس بطاهروالترب ليس يحل للمتيم
المجفر: عظيم الجنبين، والأهضم: ضده، والتشزيب: معالجة الخيل حتى تضمر ويقل لحمها، ومعطية الأعنة: المنقادة لراكبها، والسلهبة: السريعة الطويلة، والمقابل: ما كان كريم الجدين، والوجيه واللاحق: فحلان معروفان ينسب إليهما كرائم الخيل، والمطهم: ما حسن منه كل شيء مقابل.
وقال:
وخيل لو جرت والريح شأواًظننا الريح أوثقها إسار
غدت ولها حجول من لجينوراحت وهي من علق نضار
وأشبعت الوحوش فصاحبتهاكأن الخامعات لها مهار
وكم أوردتها عدّاً قديماًيلوح عليه من خز خمار
تطاعن حوله الفرسان حتىكأن الماء من دمهم عقار
كذا الأقمار لا تشكو وناهاوليس يعيبها أبداً سفار
وقال:
وقد أغتدي والليل تأسفاًعلى نجمه والنجم في الغرب مائل
بريح أعيرت حافراً من زبرجدلها الجسم تبر واللجين خلاخل
كأن الصبا ألقت إلي عنانهاتخب بسرجي تارة وتناقل
إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضتعن الماء فاشتاقت إليها المناهل
وقال أبو تمام:
من قاده أشرٌ أو ساقه قدرٌأو عمه عمرٌ فالحين مدلولُ
فالخيل مسرجةٌ والنبل ملحمةٌوالسمر مشرعةٌ والسيف مسلولُ
خيلٌ تصان ليومي حلبة ووغىيزينها غرر شدخ وتحجيلُ
وقال ابن الشهيد الأندلسي:
وأغر قد لبس الدجىبرداً فراقك وهو فاحم
يحكي بغرته هلال الفطر لاح لعين صائم
وكأنما خاض الصباح فجاء مبيض القوائم
وقال ابن قلاقس:
وأدهم كالغراب سواد لونٍيطير مع الرياح ولا جناح
كساه الليل شملته وولىفقبل بين عينيه الصباح
وقال ابن المعتز:
ولقد غدوت على طمر سابحعقدت سنابكه عجاجة قسطل
متلثم لجم الحديد يلوكهالوك الفتاة مساوكاً من إسحل
ومحجل غير اليمين كأنهمتبخترٌ يمشي بكم مسبلِ
وقال أبو الوضاح المرسي:
ولقد غدوت مشرقاً حتى إذاما لم أشم برقاً لأفق المغرب
بأغر أوجس للسماء بسمعهفرمته بين المقلتين بكوكب
وقال لسان الدين بن الخطيب:
صحبتهم غرر الجياد كأنماسد الثنية عارض متهلل
من كل منجردٍ أغر محجلٍيرمى الجياد به أغر محجل
زجل الجناح إذا أطير لغايةٍوإذا تغنى للصهيل فبلبل
جيد كما جيد الظليم وفوقه=أذن ممشقة وطرف أكحل
فكأنما هو صورة في هيكلٍمن لطفه وكأنما هو هيكل
ويشبهون قوائم الفرس المحجل إذا جرى بقوائم الكلب إذا ارتفعت إلى بطنه، فيصير تحجيلها كأنها أكلب تعدو، قال العماني:
كأن تحت البطن منه أكلباًبيضاً صغاراً تنتهشن المنقبا
وقال آخر:
كأن قطاً أو كلاباً أربعاًدون صفاقيْه إذا ما ضبعا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع