من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نعت الرياض والأزهار
- قال ابن الرومي:
وروضة عذراء غير عانسهجادت لها كلّ سماء راجسه
كأنما الألسن عنها خارسهفيها شموس للبهار وارسه
كأنها جماجم الشمامسهتروقك النورة منها الناكسه
بعين يقظى وبجيد ناعسهلؤلؤة الطلّ عليها فارسه
- وقال في ذلك:
ورياض تخايل الأرض فيهاخيلاء الفتاة في الأبراد
ذات وشي تكلفته سوارلبقات تحوكه وغواد
شكرت نعمة الوليّ على الوسميّ ثم العهاد بعد العهاد
فهي تثني على السماء ثناءطيّب النشر شائعا في البلاد
- وقال في ذلك:
أصبحت الدنيا تروق من نظربمنظر فيه جلاء للبصر
واها لها مصطنعا لقد شكرأثنت على الأرض بآلاء المطر
والأرض في روض كأفواف الحبرتبرجت بعد حياء وخفر
تبرج الأنثى تصدّت للذكر
- وقال أبو الفتح البكتمري الكاتب:
وروضة راضية عن الدّيموطئتها بناظري دون القدم
وصنتها صوني بالشكر النعم
- وقال العلوي الحماني:
دمن كأنّ رياضهايكسين أعلام المطارف
وكأنما غدرانهافيها عشور في مصاحف
وكأنما أنوارهاتهتز بالريح العواصف
طرر الوصائف يلتقينبها إلى طرر الوصائف
- وقال البحتري:
أتاك الربيع الطّلق يختال ضاحكامن الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبّه النيروز في غلس الدجىأوائل ورد كنّ بالأمس نوّما
يفتّحه برد الندى فكأنهينثّ حديثا كان قبل مكتما
- وأنشد الزبير بن بكار:
شموس وأقمار من النّور طلّعلذي اللهو في أكنافها متمتّع
نشاوى تثنّيها الرياح فتنثنيويلثم بعض بعضها ثم يرجع
كأن عليها من مجاجة طلّهالآلىء إلا أنها ليس تلمع
وتحدرها عنها الصّبا فكأنهادموع مراها البين والبين يفجع
- وقال آخر:
سقيا لأرض إذا ما شئت نبهنيبعد الهدوّ بها قرع النواقيس
كأن سوسنها في كلّ شارقةعلى الميادين أذناب الطواويس
- وقال ابن المعتز:
كأن آذريونهاوالشمس فيه كاليه
مداهن من ذهبفيها بقايا غاليه
- وقال أيضا يصف جملة من الأنوار:
ألا ترى البستان كيف نوّراونشر المنثور بردا أصفرا
وضحك الورد إلى الشقائقواعتنق القطر اعتناق الوامق
في روضة كحلل العروسوخرّم كهامة الطاووس
وياسمين في ذرى الأغصانمنتظم كقطع العقيان
والسرو مثل قطع الزبرجدقد استمد الماء من ترب ندي
على رياض وثرى ثريّوجدول كالمبرد المجلي
وفرج الخشخاش جيبا وفتقكأنه مصاحف بيض الورق
أو مثل أقداح من البلّورتخالها تجسّمت من نور
تبصره قبل انتشار الوردمثل الدبابيس بأيدي الجند
والسوسن الأزاذ منشور الحللكقطن قد مسّه بعض البلل
وقد بدت فيه ثمار الكنكركأنه جماجم من عنبر
وحلّق البهار بين الآسجمجمة كهامة الشمّاس
وجلّنار كاحمرار الخدّأو مثل أعراف ديوك الهند
والأقحوان كالثنايا الغرّقد صقلت أنواره بالقطر
- وقال ابن الرومي:
وظلت عيون الروض تخضلّ بالندىكما اغرورقت عين الشجيّ لتدمعا
- وقال آخر:
وكأن البنفسج الغضّ يحكيأثر اللطم في خدود الغيد
- وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في النرجس:
ترنو بأبصارها إليك كماترنو إذا خافت اليعافير
مثل اليواقيت قد نظمن علىزمرّد فوقهنّ كافور
كأنها والعيون ترمقهادراهم وسطها دنانير
- وقال أبو نواس:
لدى نرجس غضّ القطاف كأنهإذا ما منحناه العيون عيون
مخالفة في شكلهنّ فصفرةمكان سواد والبياض جفون
- وقال آخر وذكر العلة في أنه عين لا تطرف فتم التشبيه:
كأنما النرجس يحكي لناعين محبّ أبدا تنظر
لا تطرف الدهر لاشفاقهاتخوفا من نظرة تقصر
- وقال آخر:
وكأن العيون في النرجس الغضض عيون قد وكّلت بالسهود
- وقال ابن الرومي يفضل النرجس على الورد:
خجلت خدود الورد من تفضيلهخجلا تورّدها عليه شاهد
للنرجس الفضل المبين وإن أبىآب وحاد عن الطريقة حائد
يحكي مصابيح السماء وتارةيحكي مصابيح السماء تراصد
وإذا احتفظت به فأمتع صاحببحياته لو أن شيئا خالد
ينهى النديم عن القبيح بلحظهوعلى المدامة والسّماع مساعد
فصل القضية أن هذا قائدزهر الربيع وأن هذا طارد
شتان بين اثنين هذا موعدبتسلّب الدنيا وهذا واعد
هذي النجوم هي التي ربّتهمابحيا السحاب كما يربّي الوالد
فانظر الى الأخوين من أدناهماشبها بوالده فذاك الماجد
أين الخدود من العيون نفاسةورياسة لولا القياس الفاسد
- وكان ابن الرومي يكره الورد ويذمه فقال:
وقائل لم هجوت الورد قلت لهوذاك من قبحه عندي ومن غمطه
كأنه سرم بغل حين يفتحهوقت البراز وباقي الروث في وسطه
- وقال ابن الرومي يستسقي نبيذا ويذكر النرجس:
أدرك ثقاتك إنهم وقعوافي نرجس معه ابنة العنب
فهم بحال لو بصرت بهاسبّحت من عجب ومن عجب
ريحانهم ذهب على درروشرابهم درّ على ذهب
يا نرجس الدنيا أقم أبداللإقتراح ودائر النّخب
ذهب العيون إذا مثلن لناورد الجفون زبرجد القصب
- وقال السري الرفاء:
لو رحّبت كأس بذي زورةلرحّبت بالورد إذ زارها
جاء فخلناه خدودا بدتمضرمة من خجل نارها
قد عطّر الدنيا فطابت بهلا عدمت دنياه عطّارها
- وقال ابن الجهم:
ما أخطأ الورد منك شيئاطيبا وحسنا ولا ملالا
اقام حتى إذا أنسنابقربه أسرع انتقالا
- وقال البحتري:
شقائق يحملن الندى فكأنهدموع التصابي في خدود الخرائد
- وقال محمد بن هانىء المغربي:
الورد في رامشنة من نرجسوالياسمين وكلهنّ غريب
فكأن هذا عاشق وكأن ذاك معشّق وكأن ذاك رقيب
وقال الشمشاطي في وصف الأرض المجودة:
الجوّ يبكي ووجه الأرض مبتسمفالجوّ في مأتم والأرض في عرس
- وقال آخر:
أما ترى الأرض قد أعطتك عذرتهامخضرة واكتسى بالنّور عاريها
فللسماء بكاء في جوانبهاوللربيع ابتسام في نواحيها
- وقال ابن رشيق المغربي:
شقائق أنستك حسن الوردبكلّ محمرّ إلى مسودّ
كمقلة أو شامة في خدّكأنها وسط ثراها الجعد
تلحظ خلسا من عيون رمد
وقال عبد الكريم بن ابراهيم النهشلي المغربي وجمع أنواعا من التشبيه وأوردتها متصلة لأحفظ نظمها البديع من التصديع:
بارق في خلال غيم دلوحصدع الليل كالصباح الصّديع
بات يزجي سوامه من قطيعمكفهرّ مثل السّوام القطيع
فهو فيها كطرة المطرف المذهب أو سلّة الحسام الصنيع
قائما ينثر الحباب على ورد خدود الربيع نثر الدموع
في فضاء مضمخ من عبيروهواء مخلّق من ردوع
يعتلي الفجر فيهما ذا حياءوتمر الرياح ذات خضوع
في رياحين تأخذ الريح عنهنن معاني جيب العروس الشموع
شجر ذاب فوقه القطر فاختال من الحسن في رداء وشيع
وفياء الرياض في توشيعووشاح السماء في تجزيع
وأصيل معصفر الجيب يجريماؤه جري أدمع التوديع
خفقت فوقه الصّبا وأدارتلحظها الشمس فيه تحت خشوع
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع