من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
قصائد بدر بن عمار (٧)
يقول: إن كان الناس يذمون الفراق خاصة، فأنا أذم جميع الدهر، ولا أرى في الدهر شيئاً يستحق الحمد والمدح.
وقال يمدح أبا بكر علي بن صالحٍ الروذباري الكاتب بدمشق:
كفرندي فرند سيفي الجرازلذة العين عدةٌ للبراز
الفرند، والإفرند: جوهر السيف، وهو خضرته التي تردد فيه والجراز: القاطع. والبراز: المبازة.
يقول: إن جوهر سيفي مثل مضاء حده، ومثل مضاء عزمي، وهو لذة العين حين تنظر إليه، وعدتي ليوم القتال، والحرب.
تحسب الماء خط في لهب النار أدق الخطوط في الأحراز
أدق: نصب على المصدر. وأراد: تحسب الماء في سيفي، فحذف للعلم به. والأحراز: جمع حرز، وهو التعويذة. شبه السيف بالنار، وفرنده بالماء.
يقول: إذا نظرت إليه حسبت أن الماء خط في لهيب النار! فهذا عجيب لأنهما لا يجتمعان، وإن ذلك الخط في الدقة أدق من خطوط الأحراز.
كلما رمت لونه منع الناظر موجٌ كأنه منك هازي
أصله هازىء بالهمزة فقلبها ياء فصار مثل هازي.
يقول: إن ما يموج في صفحته، مرة تراه أصفر، وأخرى أخضر، وأخرى أزرق، ويجيء مرة ويذهب أخرى، فإذا نظرته لا يعطيك حقيقة لونه، فكأنه يهزأ منك.
ودقيقٌ قدى الهباء أنيقٌمتوالٍ في مستوٍ هزهاز
قوله: ودقيق أراد به: الغبرة التي تعلو متن السيف. وقيل أراد: جوهره الدقيق. والهباء: ما تراه في الشمس إذا دخلت البيت، من كوة. وقدى الهباء: بالفتاح والكسر أي مقداره. والأنيق: المعجب. والهزهاز: كثير الاهتزاز. وقيل هو الذي يجيء ماؤه ويذهب. قوله: في مستوٍ: أي متن مستوٍ. ومتوالٍ: أي غبار متوال.
يقول. عطفاً على ما تقدم: إن الناظر يمنعه غبار دقيق، أو جوهر دقيق كأنه الهباء وهو أنيق متتابع غير منقطع، في متنٍ مستوٍ يجيء ماؤه ويذهب لكثرة اهتزازه وجود صقاله.
ورد الماء فالجوانب قدراًشربت والتي تليها جوازي
جوازي: أصله بالهمزة.
يقول: ورد الجوازىء، أي الإبل التي تجتزىء بالرطب عن ماء هذا السيف، فشربت شفرتاه منه قدر الحاجة، واجترىء متنه وصفحته بما فيها من الرونق والصفاء، ولم يشرب الماء كله؛ ليكون أثبت له فلا ينكسر.
حملته حمائل الدهر حتىهي محتاجةٌ إلى خراز
حمائل السيف، وحمالته، ونجاده، ومحله: بمعنى.
يقول: كانت حمائله الدهور، فأخلقها وأبلاها فهي محتاجة إلى خراز: يرمم مارث. يعني: أنه قديم عتيق قد أبلى الأعوام، ومرت عليه الدهور؛ والسيف إذا كان أعتق، كان أجود وأقطع.
وهو لا تلحق الدماء غراريهـ ولا عرض منتضيه المخازي
غراري السيف: حداه. والمخازي: جمع مخزاة، وهي المذلة. والمنتضى: المخرج له من الغمد.
يقول: لا تلحق الدماء غراريه؛ لسرعة مضائه، فيسبق الدم ويخرج الدم بعده! وقيل: أراد أنه جيد الصقل، ولا يقبل الدم لصقالته، وكما لا يلحق غراريه الدم، كذلك لا يلحق حامله الذي ينتضيه في الحرب؛ لفضله وشجاعته.
يا مزيل الظلام عني، وروضييوم شربي ومعقلي في البراز
المعقل: الحصن. والبراز: الصحراء.
يقول مخاطباً لسيفه: أنت تزيل عني ظلم الخطوب والشدائد، وأنت روضي يوم أشرب: أي نظري إليك، وإلى جوهرك، يقوم لي مقام الروض. وأنت معقلي: ألجأ إليك إذا التجأ غيري إلى الحصون.
وقيل: أراد به أن رونقه وصقاله يضيء له الظلام. وكذلك أراد أنه في خضرته يشبه الروض.
واليماني الذي لو اسطعت كانتمقلتي غمده م الإعزاز
اليماني: صفة للسيف، أي أنه منسوب إلى اليمن.
يقول: لو استطعت أن أجعل مقلتي غمدك لفعلت؛ صيانة لك وإعزازاً.
إن برقي إذا برقت فعاليوصليلي إذا صللت ارتجازي
الصليل: صوت وقع الحديد بعضه على بعض. والارتجاز: من الرجز.
يقول: إذا لمعت في الحرب بروقك برقت أنا بفعلي وظهرت به كما ظهرت بلمعك، وإذا صللت عند الضراب ارتجزت أنا بشعري، فرجزي يقوم مقام صليك.
ولم أحملك معلماً هكذا إلالضرب الرقاب والأجواز
المعلم: الذي يجعل من نفسه إشارة إلى الحال، وهو نصب على الحال.
يقول: لم أحملك يا سيف في حال ما أنا معلم، وهي حال الحروب، إلا لضرب رقاب الناس، وأوساطهم.
ولقطعي بك الحديد عليهافكلانا لجنسه اليو غاز
الهاء في عليها للرقاب والأجواز. الذي على الرقاب والأجواز، فتقطع أنت الحديد، وأقطع أنا الأبدان، فكل واحد منا يغزو جنسه. وموضع عليها نصب على الحال: أي لقطعي بك الحديد كائناً عليها، والهاء في جنسه عائد إلى الضمير في كلانا.
سله الركض بعد وهنٍ بنجدٍفتصدى للغيث أهل الحجاز
الركض: ضرب الراكب الدابة حثاً لها على السير. قيل: أراد به أهل الركض. وقيل: بل الركض نفسه. والوهن: قطعة من الليل.
يقول: سل هذا السيف أهل الركض بعد مضي صدرٍ من الليل.
وعلى الثاني: إن شدة الركض سلة: أي اندلق من الغمد لشدة الركض، فظهر عند السل لمعانه، فرآه أهل الحجاز فظنوا أنه برق، وتوقعوا الغيث. والتصدي: التطاول إليه عند لقائه.
حكى المتنبي قال: إنما خصصتهم؛ لأن فيهم طمعاً ليس لغيرهم! قال أبو الفتح: ولم أسمع هذا منه فإن لم يكن الأمر كذلك، فالذي أداه إلى ذلك هو القافية.
وقيل: إنما خصصهم لأن الغيث يقل فيهم، والقحط يكثر في أرضهم، فتصديهم له أكثر.
وتمنيت مثله فكأنيطالبٌ لابن صالحٍ من يوازي
يقول: لا مثل لهذا السيف في السيوف، كما أن ابن صالح لا مثل له في الأنام!
ليس كل السراة بالروذباري ولا كل ما يطير بباز
السراة: جمع سرى أي شريف.
يقول: ليس كل رئيس له سؤدد، كما أن ليس كل طائر بازٍ، وإن شاركه في الطيران.
فارسيٌّ له من المجد تاجٌكان من جوهرٍ على أبرواز
يقول: إنه من أهل بيت ملك قديم وشرف عظيم في الفرس.
وقيل: معناه إن التاج لأبرواز كان من جوهر، وتاجه من المجد والسؤدد، فهو أفضل منه.
نفسه فوق كل أصل شريفٍولواني له إلى الشمس عاز
يقول: هو أفضل من أصله الذي انتسب إليه، وإن كان ذلك الأصل شريفاً، ولو نسبته إلى الشمس لكان أعلا محلاً منها.
شغلت قلبه حسان المعاليعن حسان الوجوه والأعجاز
يقول: إن المعالي الحسان شغلت قلبه باكتسابها عن طلب النساء الحسان الوجوه والأعجاز.
وكأن الفريد والدر والياقوت من لفظه، وسام الركاز
نصب سام لأنه معطوف على ما تقدم. والسام: عروق الذهب. والركاز: معادن سائر الكنوز. والفريد: الدر الكبير الذي لا يكون معه في الصدفة غيره.
يقول: كأن هذه الأشياء حصلت من لفظ الممدوح؛ لحسنه ورونقه وعذوبته.
تقضم الجمر والحديد الأعاديدونه قضم سكر الأهواز
يقول: إن أعداءه يقضمون على الجمر والحديد حنقاً وغيظاً دون بلوغ مرتبته! فكأنهم يقضمون سكر الأهواز؛ لأن الإنسان يحب الإكثار من ذلك.
بلغته البلاغة الجهد بالعفوونال الإسهاب بالإيجاز
يقول: إن البلاغة قد بلغته بالسهولة اجتهاد غيره، أي أن عفوه يزيد على اجتهاد غيره، وأدرك بالإيجاز إسهاب غيره: وهو الإطالة.
حامل الحرب والديات عن القوم وثقل الديون والأعواز
أي: وثقل الأعواز. وروى الإعواز، وهو المصدر، من أعوزني الشيء: إذا لم تجده. وروى: الأعواز: وهو جمع العوز، وهو الاسم.
يقول: إذا خاف الناس حرباًُ دفعها عنهم، وإن أثقلتهم ديات وديون أداها من ماله، وإن قل مالهم أغناهم.
كيف لا يشتكي وكيف تشكوا؟به لا بمن شكاها المرازي!
المرازي: المصائب، وأصله الهمز.
يقول: إن الناس يشكون إليه ما لزمهم من الأثقال والمؤن فيحملها عنهم، وهم يشكون المصائب والأثقال! مع أنه يحملها عنهم بالمرازي، فهي واقعة به في الحقيقة لا بهم، فكيف لا يشكوها؟ وهم يشكون! وهو أولى بأن يشكو.
أيها الواسع الفناء وما فيهـ مبيتٌ لمالك المجتاز
الكاف في مالك للخطاب. وأضاف المال إلى الناس.
يقول: إن فناءك واسع ومع ذلك لا مبيت فيه لمالك؛ لأنك تفرقه في الوقت، فكأنه ليس له مبيت عندك.
بك أضحى شبا الأسنة عنديكشبا أسوق الجراد النوازي
شبا كل شيء: حده. والأسوق: جمع ساق، والنوازي: جمع النازية، من نزا ينزو، إذا وثب.
يقول: بك تعلمت الشجاعة، حتى حد الأسنة ونوائب الدهر لا تؤثر في! فكأنها أسوق الجراد النازية؛ في أنها لا تأثير لها في.
وانثنى عني الرديني حتىدار دور الحروف في هواز
يقول: إن الرمح إذا طعنت به انعطف عني مثل حروف هوز! وخص هذه الحروف؛ لأنها كلها: الهاء والواو والزاي. مستديرة منقطعة، والألف ليست فيها ولكنها زائدة. كما قالوا: أبو جاد وهواز وكلمون. وهي أبجد وهوز وكلمن.
وقيل أراد بذكر هواز جميع حروف المعجم، ومعناه أن الرماح لا تؤثر في ولا تخدشني كما لا تخدش هذه الحروف الأقلام ولا تؤثر فيها.
وبآبائك الكرام التأسيوالتسلي عمن مضى والتعازي
يقول: إن آباءك الماضين الكرام، صاروا لنا أسوة عن كل هالكةٍ، فنحن نتسلى بهم عن مصائبنا؛ إذ لو بقي أحد لبقي آباؤك.
تركوا الأرض بعد ما ذللوهاومشت تحتهم بلا مهماز
المهماز: الحديدة يجعلها الفارس في نعله، يهمز بها الدابة.
يقول: إنهم مضوا بعد ما ملكوا الأرض، وذللوها وانقادت لهم أي أهلها، وأطاعوهم طوعاً، لحبهم إياهم من غير كراهة ولا إكراه.
وأطاعتهم الجيوش وهيبوافكلام الورى لهم كالنحاز
النحاز: سعال يأخذ الإبل والغنم.
يقول: انقادت لهم العساكر وهابتهم! فكل من أراد أن يتكلم بين أيديهم تنحنح وسعل؛ كما يفعله الحصير إذا عيي بالكلام.
وقيل: أراد كأن لم يسمع من الناس إلا همساً شبيهاً بالنحاز؛ لهيبتهم.
وقيل: أراد أنهم لم يبالوا بكلام أحد لهيبتهم ولانقياد الناس إليهم، ولم يفكروا، كما لا يفكر الإنسان في سعالٍ يأخذ الغنم والإبل.
وهجانٍ على هجانٍ تأتيك عديد الحبوب في الأقواز
الهجان الأول: الكرام من الناس. والثاني: الكرام من الإبل. تأتيك: أي تقصدك. وروى تأتتك: أي قصدتك. والأقواز: جمع القوز، وهي القطعة المستديرة من الرمل. وعديد: نصب على الحال من الضمير في تأتيك، والإضافة في تقدير الانفصال.
يقول: رب قوم كرام قصدوك على إبل كرام في عدد حبات الرمل؛ لأنك كريم والكريم إذا مسه الضر، ماله إلا الكريم.
صفها السير في العراء فكانتفوق مثل الملاء مثل الطراز
العراء: الأرض الخالية. والهاء في صفها للإبل. شبه استواء الإبل في العراء بطراز على ملاءة! وذلك أن الإبل الكرام لا تتقدم إحداها على الأخرى بل تصف على استواءٍ واحد في المكان الواسع.
وحكى في اللحوم فعلك في الوفر فأودى بالعنتريس الكناز
حكى: أي السير حكى في اللحوم فعلك. في الوفر: وهو المال الكثير. والعنتريس: الناقة القوية. والكناز: المكتنزة اللحم.
يقول: إن السير أذهب لحوم الإبل وأفناها، فأشبه فعله بها فعلك في مالك الذي تفرقه. وأودى: فاعله السير أي أهلكه.
كلما جادت الظنون بوعدٍعنك جادت يداك بالإنجاز
يقول: كلما ظننا في أنفسنا عنك بوعد، وقدرنا أنك تعطينا بوعد، وعدنا ظنوننا كأن ذلك على قدرنا، فتنجز ما قدرنا وتحقق ما أملنا.
ملكٌ منشد القريض لديهيضع الثوب في يدي بزاز
يقول: إنه عالم بالشعر جيد الفكر فيه، فمنشد الشعر كأنه وضع ثوباً في يدي بزاز؛ لأن البزار يكون عارفاً بالثوب.
ولنا القول وهو أدرى بفحواهـ وأهدى فيه إلى الإعجاز
فحوى الكلام: معانيه، ومعاريضه.
يقول: إنه يقول الشعر، وهو أعلم بدقائق معانيه، ويقدر أن يقول ما يعجز عنه كل شاعرٍ فصيح.
ومن الناس من تجوز عليهشعراءٌ كأنها الخازباز
الخازباز: صوت الذباب، ونفس الذباب.
يقول: إنه عالم بجيد الشعر ورديئه وغيره يجوز عليه شعر شعراء كان شعرهم مثل طنين الذباب الذي لا معنى له.
ويرى أنه البصير بهذاوهو في العمى ضائع العكاز
يقول: إن من يجوز عليه مثل ذلك، هو يظن أنه عالم بالشعر، وهو كالأعمى بين العميان، إذا ضاع عكازه وعصاته التي يتوكأ عليها! قيل: إنه أراد بهذا رجلاً بعينه ضدٌّ للممدوح.
كل شعرٍ نظير قابله منكوعقل المجيز مثل المجاز
الكاف في منك للشاعر. والمجيز: المعطي، ويجوز أن يكون بمعنى المجوز القائل.
يقول: أيها الشاعر إن كل شعر يشبه من يقبله منك، فالرديء يجوز على الجاهل به، والجيد يعرفه العالم به، وعقل الممدوح الذي يعطي الجائزة على المدح ويقبل المديح ويجيزه، مثل عقل المادح المعطي، والذي قبله منه. فالأحمق يجيز الأحمق ويقبل منه. والعاقل يجيز العالم، وهو يقبل منه لأنه يرضى بشعره.
وقد قيل: نظير قائله ومعناه. موقع كل شعر منك أيها الممدوح كموقع قائله، فإن كان فاضلاً مقدماً فشعره مثله، وإن كان رذلاً فشعره كذلك، وكذلك عقل من يجيز عليه أو يقبله مثل عقل الشاعر الذي يقبل الجائزة عليه.
وقال أيضاً: يهجو علوياً عباسياً:
أماتكم من قبل موتكم الجهلوجركم من خفةٍ بكم النمل
يقول: إنكم من غلبة الجهل عليكم أموات وإن كنتم أحياء! ومن خفة أقداركم ومهانتكم يقدر أن يجركم النمل إلى حيث شاء.
وليد أبي الطيب الكلب مالكمفطنتم إلى الدعوى وما لكم عقل
وليد: تصغير ولد، ونصب على أنه منادى مضاف.
يقول: ليس لكم عقل، فكيف علمتم لؤم أصلكم، فرغبتم عنه وادعيتم إلى غير أبيكم!
ولو ضربتكم منجنيقي وأصلكمقوي لهدتكم فكيف ولا أصل؟!
المنجنيق: يذكر ويؤنث وقد أنث. والهد: الكسر.
يقول: لو كان لكم أصل قوي وتعرضت له لأفسدته وهديته، فكيف تثبتون لي وليس لكم أصل؟!
ولو كنتم ممن يدبر أمرهلما كنتم نسل الذي ماله نسل
يقول: لو كان الأمر فيكم إلى أبيكم لم يرض أن تكونوا نسله؛ لأن من يكون نسله مثلكم فلا نسل له! غير أن الإنسان لا اختيار له في ولده.
وقيل: معناه لو كنتم ممن يحسن التدبير لما انتسبتم إلى من لا عقب له، بل كنتم تنتسبون إلى من كان له عقب.
وقال يمدح الحسين بن علي الهمذاني:
لقد حازني وجدٌ بمن حازه بعدفياليتني بعدٌ ويا ليته وجد
حازني: أي جمعني.
يقول: قد ملكني الوجد والحزن، بمن استولى عليه البعد، فيا ليتني البعد؛ لأكون معه، ويا ليته الوجد ليكون معي أبداً.
أسر بتجديد الهوى ذكر ما مضىوإن كان لا يبقى له الحجر الصلد
ذكر نصب بتجديد الهوى وهو مصدر جدد، والصلد: الصلب اليابس.
يقول: أنا أسر إذا جدد لي الشوق ذكر الشدائد التي سرت على في الهوى، وإن كان مما لا يطيق الحجر الصلد احتماله.
نسب ذكر ما مضى إلى تجديد الهوى؛ إذ لولا الهوى. ما تجدد.
سهادٌ أتانا منك في العين عندنارقادٌ، وقلامٌ رعى سربكم ورد
القلام: نبت خبيث الرائحة. والسرب: الإبل.
يقول: إني أستلذ الألم فيما ينالني من أجلك! وأستحسن القبيح في حبك، فالسهر في عيني ألذ من النوم، والقلام إذا رعت إبلكم أطيب عندي من الورد! ومثله:
أحب لحبها السودان حتىأحب لحبها سود الكلاب
ممثلةٌ حتى كأن لم تفارقيوحتى كأن اليأس من وصلك الوعد
يقول: أنت مصورة في قلبي، حتى كأنك لم تفارقيني، وإن بعدت عني حتى كأن يأسي منك وعدٌ بلقائك.
وحتى تكادي تمسحين مدامعيويعبق في ثوبي من ريحك الند
يقول: من قوة تمثلك في قلبي، أظن أنك عندي تمسحين مدامعي وتعانقيني فأجد في ثوبي رائحة الند من ريح ثوبك.
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدهاومن عهدها ألا يدوم لها عهد
يقول: إن الحسناء تفي بعهدها، وعهده ألا يكون لها عهد! أي لا يكون لها لقاء، فغدرها إذاً يكون وفاء بعهدها! وقيل: معناه إن الحسناء إذا غدرت، وفت هي بعهدها؛ لأنها مخالفة لسائر النساء.
وقيل: أراد أن المرأة إنما عهدت على الغدر وبه جرت عادتها، فقد فعلت هي إذا غدرت بما جرت به عادتها، فإذا أوفت بعهدها، غدرت ووفت بعهدها؛ لأن عهدها ألا يدوم لها عهد ولا ود.
ومثله لأبي تمام:
فلا تحسبن هنداً لها الغدر وحدهاسجية نفس كل غانيةٍ هند
وإن عشقت كانت أشد صبابةًوإن فركت فاذهب فما فركها قصد
القصد: الاقتصاد.
يقول: إن المرأة إذا عشقت، أو أبغضت أفرطت في الحالين فعشقها بمن يعشقها أشد، وبغضها إذا أبغضت أشد، لا اقتصاد لها في ذلك. وقوله: فاذهب إشارة إلى أنه ليس يجب أن يعتمد عليهن في حال من الأحوال.
وإن حقدت لم يبق في قلبها رضاًوإن رضيت لم يبق في قلبها حقد
وهذا تأكيد لما مضى من نفي الاقتصاد أيضاً.
كذلك أخلاق النساء وربمايضل بها الهادي ويخفى بها الرشد
الهاء في بها وبها للنساء.
يقول: إن أخلاق النساء على ما وصفته لك، ولكن العاقل ربما ضل عقله بحبهن، وخفي عليه رشده، فيغلب هواهن رأيه.
ولكن حباً خامر القلب في الصبايزيد على مر الزمان ويشتد
يقول: إن الحب إذا خالط القلب في الصبا، لا يزال يزيد على مرور الأيام ويشتد. ومثله قول الآخر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلبي فارغاً فتمكنا
سقى ابن عليٍّ كل مزنٍ سقتكممكافأةً يغدو إليها كما تغدو
التأنيث لكل مزن؛ لأنه أراد جماعة المزن، ويغدو: فعل الممدوح.
يقول: دعاء للسحاب التي سقت ديار أحبائه، بأن يسقي الممدوح التي سقتكم أيها الأحباب؛ حتى يكون مجازاة السحاب على سقياها فيغدو هو إلى السحاب، كما يغدو السحاب إلى ديارهم.
لتروى كما تروى بلاداً سكنتهاوينبت فيها فوقك الفخر والمجد
سكنتها، وفوقك: خطاب للمحبوبة.
المعنى: لتروي السحاب من صوب كرمه، كما أروت بلاداً سكنتها أيتها المحبوبة، وينبت السحاب فوقك الفخر والمجد، كما ينبت في ديار المحبوبة النور والعشب.
يعني أن سقياه للسحاب ليس مما ينبت العشب، وإنما سقيا كرم ينبت الفخر والمجد.
بمن تشخص الأبصار يوم ركوبهويخرق من زحمٍ، على الرجل البرد
الباء: متعلقة بقوله: لتروى أي لتروى بمن تشخص الأبصار. وقيل: بالفخر. أي يثبت الفخر بمن تشخص الأبصار.
يقول: إذا ركب تتحير وتشخص إليه أبصار الناس، ويزدحم عليه الناس ينظرون إليه لحسنه، حتى يخرق بعضهم ثياب بعض من كثرة الازدحام!
وتلقى، وما تدري البنان سلاحهالكثرة إيماءٍ إليه إذا يبدو
البنان: فاعل تلقى وتدرى، والمفعول السلاح.
يقول: إذا بدا للناس بهرهم حسنه فيشير بعضهم إلى بعض بأصابعهم وقد سقط سلاحه من يده، وهو لا يعلم لحيرته. ومثله للمعري في النعاس:
حيث اليسار عن العنان ضعيفةٌفالسوط تسقط من يمين الفارس
ضروبٌ لهام الضاربي الهام في الوغىخفيفٌ إذا ما أثقل الفرس اللبد
يقول: إنه يضرب في الحرب الشجعان الذين يضربون الرءوس، وإنه فارس خفيف على ظهر فرسه، إذا أثقله لبده. الذي تحت السرج.
بصيرٌ بأخذ الحمد من كل موضعٍولو خبأته بين أنيابها الأسد
يقول: إنه عالم بطريق المجد، وكيفية أخذه، فهو يتحمل فيه الموت حتى لو كان في أفواه الأسد لاستخرجه!
بتأميله يغنى الفتى قبل نيلهوبالذعر من قبل المهند ينقد
التأميل: الأمل، وينقد: ينقطع.
يقول: كل من أمله حصل له الغنى بمجرد أمله، قبل أن يصل إليه نائله! ومن قصده محارباً مات من خوفه قبل أن يقتله بسيفه!
وسيفي لأنت السيف لا ما تسلهلضربٍ ومما السيف منه لك الغمد
وسيفي: قسم. ولأنت السيف: جوابه.
يقول: وحق سيفي، إنك السيف على الحقيقة. لا ما تسله: أي الذي تسله للضرب؛ لأنك أمضى منه، ولأنه لا يعمل إلا إذا ضربت به؛ فالقطع في الحقيقة لك لا له! وقوله: ومما السيف أي أن غمدك من الحديد الذي يطبع منه السيف. وهو الدروع والجواشن. وإذا لبستها كانت كالغمد لك. أي أت أفضل من السيف جوهراً، وغمدك أفضل من غمده؛ لأن غمدك من الحديد الذي يعمل منه السيف.
وقيل معناه: إن من جنس الحديد غمدك؛ لأنك تدفع ضرباً بالسيف عن نفسك؛ فقد صار الحديد غمداً يقيك كما يقي السيف غمده.
ورمحي، لأنت الرمح لا ما تبلهنجيعاً، ولولا القدح لم يثقب الزند
يقول: وحق رمحي إنك أنت الرمح على الحقيقة، لا رمحك الذي تبله بالدم؛ لأن الرمح إنما يعمل إذا طعنت به، كما أن الزند لو لم يقدح لم تخرج منه النار.
من القاسمين الشكر بيني وبينهملأنهم يسدى إليهم بأن يسدوا
يقول: هو من قوم قسموا الشكر بيني وبينهم، فأنا أشكرهم على إنعامهم، وهم يشكرونني على قبولي منهم برهم. وهذا معنى قوله: لأنهم يسدى إليهم بأن يسدوا أي أنهم يعدون نعمهم على غيرهم نعمة على أنفسهم، فيشكرون من قبل نعمهم ويثنون عليهم وهذا من قول التهامي:
ودعا لسائله وأعلن شكرهحتى حسبنا السائل المسئولا
فشكري لهم شكران: شكرٌ على الندىوشكرٌ على الشكر الذي وهبوا بعد
يقول: إني أشكرهم من وجهين. أحدهما على نعمهم علي، والثاني على شكرهم لي في قبول نعمهم، وهذه نعمة مجددة.
وهذا البيت من بدائعه التي لم يسبق إليه.
صيامٌ بأبواب القباب جيادهموأشخاصها في قلب خائفهم تعدوا
وروى: قيام.
يقول: إن خيلهم قيام على أبواب بيوتهم، وأعداءهم يخافون طلوعها عليهم فكأنها تعدوا في قلوبهم من خوفهم.
وأنفسهم مبذولةٌ لوفودهموأموالهم في دار من لم يفد وفد
يقول: من قصدهم بذلوا له أنفسهم، ومن لم يقصدهم أنفذوا إليه صلاتهم وأنعموا عليه بأموالهم، فكأن أموالهم وفد.
ومثله لأبي تمام قوله:
فإن لم يفد يوماً إليهن طالبٌوفدن إلى كل امرىءٍ غير وافد
كأن عطيات الحسين عساكرٌففيها العبدي والمطهمة الجرد
المطهمة: الخيل التامة الخلق، الكاملة الحسن.
يقول: إنه يهب العبيد والخيل والسلاح، فكأن ما يهبه عسكراً لكثرته.
أرى القمر ابن الشمس قد لبس العلارويدك حتى يلبس الشعر الخد
شبهه بالقمر، وآباءه بالشمس؛ لشرفهما وعلوهما، إشارة إلى أنه اكتسب شرفه من أبيه كما يكتسب القمر نوره من الشمس، ثم قال: رويدك أي أمهل حتى تبلغ مبلغ الرجال. وهذا قلب ما ذكره الحكمي في قوله:
وترى السادات مائلةًلسليل الشمس من قمره
وغال فضول الدرع من جنباتهاعلى بدنٍ قد القناة له قد
غال الشيء: إذا أهلكه. والهاء في جنباتها للدروع.
يقول: إن الممدوح أذهب بالدروع وفضولها أي استوفاها بقده، فكأن طوله قد القناة؛ لاعتداله.
وباشر أبكار المكارم أمرداًوكان كذا آباؤه وهم مرد
أبكار المكارم: هي المبتدئات منها التي سبق الممدوح إليها.
يعني: أنه سئل وهو أمرد، وكذلك كان آباؤه، فهو يجري على عادتهم أيضاً وسننهم.
مدحت أباه قبله فشفى يديمن العدم من تشفي به الأعين الرمد
يقول: مدحت أباه قبل مدحه، فشفاني من الفقر وأغناني، من إذا نظرت إليه الأعين الرمد، شفاها! ومثله لابن الرومي:
يا أرمد العين قم قبالتهفداو باللحظ نحوه رمدك
حباني بأثمان السوابق دونهامخافة سيري، إنها للنوى جند
مخافة: نصب لأنه مفعول له.
يقول: أعطاني أبوك الدراهم والدنانير دون الخيل؛ خوفاً من أن أخرج عليها من حضرته؛ لأن الخيل معينةٌ على البعد، وجند له..
وشهوة عودٍ، إن جود يمينهثناءٌ ثناءٌ، والجواد بها فرد
شهوة: نصب عطفاً على مخافة، والهاء في بها للأثمان. والألف واللام في الجواد بمعنى الذي. أي الذي يجود.
يقول: أعطاني أثمانها دونها مخافة سيري بها، وشهوةً منه أن يعود إلى العطاء؛ لأن جوده لا يقتصر على مرة واحدة، بل هو مثنى مثنى، أي إن عادته أن يجود مرتين مرتين. والذي يجود به فرد: أي الممدوح فرد لا ثاني له في شرفه، كما لا نظير له في زمانه وأقرانه.
فلا زلت ألقى الحاسدين بمثلهاوفي يدهم غيظٌ وفي يدي الرفد
بمثلها: أي بمثل العطايا. وهي الأثمان.
يقول: دام لي عطاؤه ورفده حتى أغيظ بهما حسادي، فيكون معهم غيظ ومعي عطاء! وهذا دعاء لنفسه وعلى الحاسدين له.
وعندي قباطي الهمام ومالهوعندهم مما ظفرت به الجحد
القباطي: جمع القبيطة، وهي ثياب مصر. والقبيطة منسوب إلى القباط وهم نصارى. كالذين يسكنون ريف مصر ورساتيقها، بمنزلة سواد العرب.
يقول عطفاً على دعائه الأول: لا زلت أبداً آخذ خلعه وأمواله وحسادي يجحدون ما ظفرت به لغيظهم فيقولون: لم يعطه شيئاً! ليطيبوا بذلك أنفسهم. وقيل: أراد أنهم يجحدون نعمه ويقولون: لم يعطه شيئاً، حتى يكون جحودهم سبباً لانقطاع صلاته عنهم.
يرومون شأوى في الكلام وإنمايحاكي الفتى فيما خلا المنطق، القرد
يقول: إن الحساد يحاولون بلوغ غايتي في الفصاحة والبيان، وهم قرود! والقرد يحاكي الإنسان في أفعاله، إلا في النطق فكيف يقدرون على ذلك؟!
فهم في جموعٍ لا يراها ابن دأيةٍوهم في ضجيجٍ لا يحس به الخلد
ابن دأية: الغراب. ويوصف بحدة البصر والخلد: الفأرة العمياء، وتوصف بحدة السمع، وصدق الحس.
يقول: إنهم من قلتهم وخستهم لا يراهم الغراب مع حدة بصره، وإن كانوا كثيرين في العدد ولهم أصوات وضجيج، ومع ذلك فالخلد لا يحس بها مع صحة السمع.
ومني استفاد الناس كل غريبةٍفجازوا بترك الذم إن لم يكن حمد
كل غريبة: أي كل لفظ غريب، أو معانٍ غريبة، أو خصلة.
وفي جازوا قولان:
أحدهما: ما قاله ابن جنى. أنه من قولهم: هذه الدراهم جائزة. أي تجوز على خبث.
كأنه يقول: إن الناس استفادوا مني الأخلاق الغريبة والمعاني البديعة. فتكلموا ما ليس في طباعهم فجازوا ونفقوا بترك الناس ذمهم، وإن لم يحمدوهم.
والثاني: أن جازوا أمر من المجازاة. وعدل عن معاتبه إلى الخطاب فيقول: أيها الناس إذا استفدتم مني هذه المعاني فجازوني بترك الذم إن لم تحمدوني.
وجدت علياً وابنه خير قومهوهم خير قومٍ واستوى الحر والعبد
يقول: وجدت علياً وابنه أفضل قومه، وقومه خير الناس. من بعدهم متساوي في الفضل، لا فضل في ذلك بين الحر والعبد.
وأصبح شعري منهما في مكانهوفي عنق الحسناء يستحسن العقد
روى: في عنق الحسناء. أي عنق المرأة الحسناء وروي: وفي العنق الحسناء؛ على أن يكون الحسناء صفة للعنق. والكناية في منهما للممدوح وأبيه، وفي مكانه للشعر.
يقول: أصبح شعري فيهما حين مدحتهما به في مكانه. أي في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه، فزاد حسنه، كما أن العقد إذا كان في عنق الحسناء، أو في العنق الموصوف بالحسن كان أزيد حسناً؛ لما كان ذلك مكانه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع