تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

قصائد بدر بن عمار (٢)

خصالا: نصب على الحال. شبهه بالسماء، وخصاله بالكواكب.

يقول: أنا أنظر منك إلى سماء من المجد، ونجوم: الخصال الجميلة.

وأعجب منك كيف قدرت تنشاوقد أعطيت في المهد الكمالا!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

يقول: أعجب منك! كيف قدرت على أن تزيد وتنشأ شيئاً بعد شيىء، وأنت قد حويت الكمال في المهد! وهو من قوله تعالى: " وآتيناه الحكم صبياً قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ".

وقال فيه ارتجالاً يمدحه. وهو على الشراب وقد صفت الفاكهة والنرجس.

إنما بدر ابن عمارٍ سحابٌهطلٌ فيه ثوابٌ وعقاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هطل: أي كثير المطر.

يقول: إن الممدوح كالسحاب الهطل، فيه شرٌّ لأعدائه وخير لأوليائه، كالسحاب الذي يرجي مطره وتخشى صواعقه.

إنما بدرٌ رزايا وعطاياومنايا وطعانٌ وضراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما بدر بن عمار سحاب»

معناه: أنه ذو رزايا إلى آخره. وصفه بهذه الأشياء مبالغة، من حيث أن هذه الأوصاف لما كثرت منه كأنه خلق منها، كما تقول لمن كثر منه الأكل والشرب: أنت أكلٌ وشربٌ فلما كثر منه ما ذكر صار كأنه خلق منها.

ما يجيل الطرف إلا حمدتهجهدها الأيدي وذمته الرقاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما بدر بن عمار سحاب»

نصب جهدها، لأنه مصدر أقيم مقام الحال: أي حمدته جاهدة جهدها. ويروى: الطرف بكسر الطاء: وهو الفرس الكريم. يعني: ما يجيل فرسه في الحرب إلا حمدته الأيدي أي أيدي جيشه ورجاله؛ لأنه يكفيها ألم الطعن والضرب والرمي، وتولى هو بنفسه ضراب أعدائه.

وقيل: أراد حمدته الأيدي في تلك الحال على بذله الأموال ونشره النوال. وتذمه الرقاب: أي تذمه رقاب أعدائه، لأنه يقطها. ومعناه أنه لا يتغير. وأراد بذلك: أن الحرب لا يشغله عن الجود. ومثله قوله:

فواهبٌ والرماح تشجرهوطاعنٌ والهبات متصله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

وقد يروى: ما يجيل الطرف بفتح الطاء: أي أنه في كل لمحة يجيل طرفه فينعم على قوم ويضرب رقاب قوم، فالأيدي تحمده على العطاء والرقاب تذمه على قطعها.

ما به قتل أعاديه ولكنيتقي إخلاف ما ترجو الذئاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما بدر بن عمار سحاب»

يقول: إنه ليس يقتل أعداءه خوفاً منهم، وما به حاجة إلى قتلهم؛ لأنهم عجزوا عنه، ولكنه عود إنالة جوده وعطائه كل شيء، حتى الذئاب، فإن عز إطعام لحوم القتلى، فيكره إخلاف ما عوده؛ لألأ يخيب رجاء الذئاب ومثله قوله:

سفك الدماء بجوده لا بأسهكرماً لأن الطير بعض عياله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بدر فتى لو كان من سؤآله»
فله هيبة من لا يترجىوله جود مرجىً لا يهاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما بدر بن عمار سحاب»

لا يترجى: أي لا يرجى.

يقول: إنه عظيم الهيبة واسع الجود، فمن يهابه لا يرجو عفوه، لشدة سطوته وعظم هيبته، ومن يرجوه لا يخاف سطوته لسبق جوده وعظم كرمه؛ لأنه يضع كلاً موضعه، فالمسيء لا يرجو رضاه والمحسن لا يخاف سخطه.

طاعن الفرسان في الأحداق شزراًوعجاج الحرب للشمس نقاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما بدر بن عمار سحاب»

شزراً: أي يميناً وشمالاً، وقيل: هو الذي أريد به أعلى الصدر.

يقول: هو يطعن الفرسان في أحداقهم حين تشتد الحرب ويرتفع الغبار، وتصير الشمس من كثرة الغبار مستترة، فكأن الغبار نقاب للشمس.

وتخصيص الأحداق بالطعن؛ بيان لحذقه بالطعن، وثبات قلبه، وأنه يهتدي في مثل هذا الخوف والظلمة إلى الأحداق، أو إشارة إلى أن سائر الأبدان مغطاة بالسلاح، سوى الأحداق.

باعث النفس على الهول الذيما لنفسٍ وقعت فيه إياب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في فيه: للهول.

يقول: إنه يطرح نفسه ويحملها على أمر مهول، بحيث أن من وقع فيه لم يسلم منه، ولا ترجع نفس وقعت في ل الأمر المهول. يصفه بالشجاعة والإقدام ومثله قوله:

وأورد نفسي والمهند في يديموارد لا يصدرن من لا يجالد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»
بأبي ريحك لا نرجساً ذاوأحاديثك لا هذا الشراب

يقول: أفدي بأبي ريحك، لا هذا النرجس، لأن ريحك أطيب من ريحه، وأفدي بأبي أحاديثك لا هذا الشراب؛ لأن حديثك ألذ من الشراب فهما أحب إلينا من هذا النرجس وهذا الشراب أيضاً.

ليس بالمنكر أن برزت سبقاًغير مدفوعٍ عن السبق العراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما بدر بن عمار سحاب»

أن برزت: في موضع الرفع؛ لأنه اسم ليس، ومعناه: أن سبقت. وقوله: سبقاً نصب على التمييز، ويجوز أن يكون نصباً على المصدر، ومعناه: أن سبقت سبقاً.

يقول: ليس من العجب أن تسبق الكرام وتبرز عليهم في مجدك، كما أنه ليس بمنكر أن تسبق الخيل العراب غيرها، وإنما لم يقل: غير مدفوعة مع تأنيث الخيل؛ لأنه في معنى يدفع، والفعل إذا قدم على جماعة المؤنث يجوز فيه التذكير والتأنيث، فهذا وإن كان اسماً فهو حمله على الفعل وشبهه به، وقيل: أراد بالعراب: الجنس كأنه قال: جنس غير مدفوع.

وهذه الأبيات من بحر الرمل وأصله فاعلاتن ست مرات، وهو قد جاء بها على الأصل، ولم يسمع من العرب إلا محذوف العروض: وهو أن يحذف من الجزء الثالث سبب وهو تن فيبقى فاعلاً ويحول إلى مثل وزنه فيصير فاعلن.

وعذره أنه صرع الأبيات من غير إعادة القافية، وأيضاً فإنه اعتبر الأصل، لأنه أصل دائرة الرمل، فأتى بها على الأصل؛ ليعلم أن أصلها ذلك. وأما البيت الأول فلا إشكال فيه لأنه مصرع مقفى.

يصف الأسد وقتال بدر إباه وخرج بدر بن عمارٍ إلى أسدٍ، فهرب الأسد منه! وكان خرج قبله إلى أسد آخر فهاجه عن بقرةٍ افترسها، بعد أن شبع وثقل، فوثب على كفل فرسه، فأعجله عن استلال سيفه، فضربه بسوطه، ودار الجيش به فقتل. فقال أبو الطيب:

في الخد أن عزم الخليط رحيلامطرٌ تزيد به الخدود محولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

أن في قوله: أن عزم الخليط مفتوحة الألف، ويكون الفعل بعدها مصدراً. ومعناه: لأن عزم. أو لأجل أن عزم ومثله: " أن كان ذا مالٍ " ويجوز كسرها، فتكون شرطاً وجوابه محذوف. أو إن عزم الخليط رحيلا: أي عزم على الرحيل، فحذف الجار كقول عنترة.

ولقد أبيت على الطوى وأظله

أي أظل عليه. ومحولا: يجوز أن يكون مصدراً، ويجوز أن يكون جمع محل مثل كعب وكعوب. والخليط: المخالط، ويقع على الواحد والجمع.

والمعنى: إن في خدي من أجل فراق أحبائي، دمعاً متقاطراً كالمطر في التقاطر والسيلان، ولكنه يخالف المطر في الفعل؛ لأن المطر يخصب المحول وينبت البقول، ودمعي يجري على خدي الناضر، فيبطل نضرته ويغير حسنه ويزيد ذبوله. وهو المراد بالمحول.

يا نظرةً نفت الرقاد وغادرتفي حد قلبي ما حييت فلولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

نصب نظرةً؛ لأنها منادى نكرة. ومعناه: التعجب كقوله تعالى: " يا حسرةً على العباد " وفلول: جمع فل، وهو الأثر في الحد، من السكين وغيره.

يقول: يا نظرة عند الوداع ما أعظمها! فإنها نفت الرقاد عني، وغادرت في قلبي أثراً لا يندمل ما دمت حيا.

كانت من الكحلاء سؤلي إنماأجلي تمثل في فؤادي سولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

كانت: راجعة إلى النظرة. والكحلاء: يجوز أن يكون من التكحل، ويجوز أن يكون من الكحل: الذي هو خلقة.

يقول: كانت تلك النظرة من هذه الجارية الكحلاء سؤلي وأمنيتي، فلما نظرت إليها كانت تلك النظرة أجلاً لي في الحقيقة لا سؤلا! وترك الهمزة من سولاً، لأن الواو ردف فلا يجوز غير ذلك.

أجد الجفاء على سواك مروءةًوالصبر إلا في نواك جميلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

المصراع الأول له معنيان: أحدهما: أن من المروءة ترك جفائك، إلا على غيرك. فقد أمنت جفاءك لأنني لا أراه مروءة وليس ترك المروءة من عادتي، فلا أجفوك أبداً.

والثاني: أن جفاء الناس إياي، على سواك لا أحتمله لأن احتماله ليس من المروءة، فإذا كان احتماله من المروءة لأجلك، فاحتمال الصبر في كل حادثة جميل، إلا في بعدك وهجرك، فإنه قبيح.

فأول البيت مأخوذ من قول أبي عبادة البحتري:

ألام على هواك، وليس عدلاًإذا أحببت مثلك أن ألاما
للشاعر البحتري، من قصيدة «عذيري فيك من لاح إذا ما»

وآخره من قول الآخر:

والصبر يحسن في المواطن كلهاإلا عليك فإنه مذموم
للشاعر سمنون المحب، اقرأ القصيدة
وأرى تدللك الكثر محبباًوأرى قليل تدلل مملولا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

التدلل: الدلال والغنج.

يقول: إن الدلال الكثير منك محبب، وأنا أمل القليل من غيرك ومثله:

ويقبح من سواك الفعل عنديفتفعله فيحسن منك ذاكا
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة
تشكو روادفك المطية فوقهاشكوى التي وجدت هواك دخيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

الروادف: جمع ردف، وأقامه مقام الواحد، كأنه جعل ناحية من عجزها ردفاً؛ لأنه أراد المبالغة في الثقل، أو أراد: الردف والأفخاذ.

يقول: تشكو المطية التي ركبتها ثقل ردفها وعجزها عن حملها، كما تشكو النفس التي يدخلها عشقك. والتأنيث: للنفس المضمرة، ويجوز أن يكون أتبع التأنيث المطية.

ويغيرني جذب الذمام لقلبهافمها إليك كطالبٍ تقبيلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يغيرني: أي يحملن على الغيرة. والهاء في قلبها وفمها: للمطية وروى: لعطفها. والقلب: مصدر قلبت. وفمها: نصب بالمصدر. قيل: بالجذب. وقيل: بالقلب.

يقول: متى جذبت هذه المطية زمامها وقلبت رأسها مع الزمام: حملني ذلك على الغيرة؛ لأنها تتصور بصورة من يطلب تقبيلك.

حدق الحسان من الغواني هجن لييوم الفراق صبابةً وغليلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

يقول: لما نظرت يوم الفراق إلى الجواري الحسان، وتأملت حسن عيونهن هيجت لي أحداقهن رقة الشوق وحرارة القلب.

حدقٌ يذم من القواتل غيرهابدر بن عمار بن إسماعيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

يذم: أي يحفظ. كأنه يدخله في ذمته وجواره، وفاعله: بدر.

يقول: إن بدراً يمنع كل من استجار به من كل من يريد قتله، سوى من هذه الحدق، فإنه لا يقدر على منعها ومثله قوله:

وقي الأمير هوى العيون؛ فإنهما لا يزول ببأسه وسخائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»
الفارج الكرب العظام بمثلهاوالتارك الملك العزيز ذليلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

يقول: هو يكشف الأمور العظام، ويدفعها بمثلها من الأمور العظام؛ لأنه لا يزيل الكربة عن الصديق إلا بإلحاق كربةٍ مثلها بعدوه، وكذلك يترك الملك العزيز ذليلاً، لا يمكنه دفع ذلك عن نفسه ومثله قوله:

وكم ذدت عنهم ردىً بالردىوكشفت من كربٍ بالكرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»
محكٌ إذا مطل الغريم بدينهجعل الحسام بما أراد كفيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

محكٌ: أي لجوج في الخصومة. وأراد بالغريم: قرنه وبالدين: روحه.

يقول: إنه لجوج، فإذا أنال قرناً، أو طالب بدم، أو طلب ما يريد طلبه، جعل سيفه ضامناً لها حتى يؤديه إليه. أي أنه لا يحتاج لأخذه إلى الكفيل، بل يأخذه بسيفه؛ لقدرته وتمكنه.

نطقٌ إذا حط الكلام لثامهأعطى بمنطقه القلوب عقولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

نطقٌ: أي جيد النطق. واللثام: ما يديره الرجل من طرف عمامته على الفم، فإذا رفعه إلى الأنف لئام. وقوله: إذا حط الكلام لثامه. أي حطه ليتكلم؛ فأسند الفعل إلى سببه.

يقول: هو فصيح بليغ، فإذا حدر لثامه ليتلكم، أفاد الناس عقولاً بما ينطق من الحكم والمواعظ والأمثال.

أعدى الزمان سخاؤه فسخا بهولقد يكون به الزمان بخيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

العدوى: تعدي الداء إلى ما يقاربه. والمعنى أن سخاءه أعدى إلى الزمان السخاء، فسخا به الزمان علي، وجمع بينه وبيني، وقد كان الزمان يبخل به علي فيما مضى، فلولا سخاؤه لكان لا يسخو الزمان به علي.

وقال ابن جنى: معناه أن الزمان تعلم من سخائه، فسخا بهذا الممدوح وأخرجه من القدم إلى الوجود، ولولا سخاؤه لبخل هذا الزمان به على الناس، فاستخلصه لنفسه، فهو إن كان في حال العدم لم يكن سخياً، حتى يعدى الناس سخاؤه على الزمان. ويجوز أن يوصف بذلك على معنى: أن الزمان لما علم ما يكون فيه من السخاء إذا وجد، استفاد منه ما تصور كونه بعد وجوده، ولولا علمه به لبقي بخيلاً. والشيء إذا تحقق كونه أجري عليه من أوصاف الموجود كقوله تعالى: " ونادى أصحاب الجنة ".

وكأن برقاً في متون غمامةٍهنديه في كفه مسلولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

هندية: رفع لأنه خبر كأن. ومسلولاً: نصب على الحال. والهاء في هنديه: للممدوح. شبه سيفه بالبرق للمعه، وكفه بالغمامة لجودها وكرمها.

ومحل قائمه يسيل مواهباًلو كن سيلاً ما وجدن مسيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

الهاء في قائمه: للهندي. ومحله: كفه. ومواهباً: نصب على التمييز. وكن: يرجع إلى المواهب.

يقول: إن المحل قائم سيفه. وهو كفه. تسيل مواهباً، ولو كانت تلك المواهب سيلاً لعمت الأرض فلم تجد مكاناً تسيل فيه، وجعل الكف تسيل بالمواهب لكونها آلة العطاء في الغالب.

رقت مضاربه فهن كأنمايبدين من عشق الرقاب نحولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

يقول: إن مضارب سيفه رقت، فكأنها عشقت الرقاب فنحل جسمها، ولهذا كان العشق يورث النحول. والمضارب: جمع المضرب، وهو حد السيف.

أمعفر الليث الهزبر بسوطهلمن ادخرت الصارم المصقولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

المعفر: من عفرته، إذا ألقيته على العفر: وهو التراب. والهزبر. من أسماء الأسد. فكأنه وصفه بشدة الصوت.

يقول: يا من يعفر الأسد بشديد صوته! لمن ادخرت سيفك المصقول! أي لا تدخره؛ فإنك لا تحتاج إليه، لأن السوط إذا كفاك معركة الأسد مع أنه لا يقاومه أحد واستغنيت عن السيف، فإنك لا تحتاج إليه، ولا إلى أحد، لأن كل شجاع دون الأسد.

وقعت على الأردن منه بليةٌنضدت بها هام الرفاق تلولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

يروى: وقعت، ووقفت: والأردن: نهر بأرض الشام، وتنسب إليه تلك البلد. ونضدت: أي جعلت بعضها فوق بعض. والرفاق: جمع رفقة، وهم قوم يجتمعون للسفر. والكناية في نضدت: للبلية. والهاء في منه: لليث. وفي بها: للأردن، وأراد بها البقعة.

يقول: حصلت من هذا الأسد بلية من البلايا، نضدت في هذه البلدة هامات أهل الرفقة تلولا، من كثرة ما افترسم ن الناس.

وردٌ إذا ورد البحيرة شارباًورد الفرات زئيره والنيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

وردٌ: اسم للأسد، إذا كان يضرب لونه إلى الحمرة. والبحيرة: بحيرة طبرية، وهي من الأردن، وبينها وبين الفرات أكث من عشرة أيام، وكذلك بينها وبين النيل. وشارباً: نصب على الحال. والزئير: صوت الأسد. والفرات: نهر يجري من بلاد الروم، ويمر في حدود الشام من قبل المشرق.

يقول: إنه إذا ورد البحيرة ليشرب منها سمع زئيره من الفرات إلى النيل مع بعد المسافة.

متخضبٌ بدم الفوارس لابسٌفي غيله من لبدتيه غيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

الغيل: الأجمة. ولبدة الأسد: ما تلبد على كتفه ومنكبيه من وبره.

يقول: إنه مختضب من دماء الفوارس، لكثرة ما افترسهم. وخصهم بالذكر؛ لأنهم أمنع من غيرهم، وأنه من كثرة وبره، كأنه كان لابس أجمةٍ، فهو من وبره في أجمة.

ما قوبلت عيناه إلا ظنتاتحت الدجى نار الفريق حلولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

الفريق: الجماعة من الناس. وحلولا: أي حالين، وهو نصب على الحال من الفريق، وإن شئت على القطع.

يقول: إذا قابل إنسانٌ عينه في الظلمة، ظن أنها نار قوم نازلين في مفازة، وهذه النار يكون ضوءها أضوأ وأظهر من السراج. شبه بريق عينه بهذه النار.

في وحدة الرهبان إلا أنهلا يعرف التحريم والتحليلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

يقول: إن هذا الأسد منفرد في أجمة عن الناس، كالرهبان الذين ينفردون عن الناس، غير أنه لا يعرف التحريم والتحليل وهم يعرفون ذلك.

يطأ الثرى مترفقاً من تيههفكأنه آسٍ يجس عليلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الثرى، والبرى: مرويان، وهما التراب. والتيه: الكبر.

يقول: إنه يمشي على التراب، بالرفق لا بالكبر، فكأنه طبيب يجس عليلاً؛ لأنه إذا جس العليل ترفق.

ويرد عفرته إلى يافوخهحتى تصير لرأسه إكليلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

عفرة الأسد: الشعر المستدير على رقبته. واليافوخ: قحف الرأس. يعني: أنه ينفش وبره حتى يصير شعر رقبته على رأسه، مثل الإكليل؛ لكثرته واستدارته.

وتظنه مما يزمجر نفسهعنها بشدة غيظة مشغولا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الزمجرة: ترديد الصوت في الصدر. والهاء في عنها: للنفس. وتقديره مشغولاً عنها. وتظنه: يتعدى إلى مفعولين: أحدهما: الهاء في تظنه، ونفسه بدل عنها. والثاني: مشغولا.

يقول: تظن هذا الأسد مشغولاً عن نفسه بشدة غيظه، من كثرة ما يزمجر. أي تدل كثرة زمجرته على اشتغاله عن نفسه بغيظه. وروى: تزمجر بالتاء. ونفسه: بالرفع، على أن تكون نفسه فاعلة تزمجر.

قصرت مخافته الخطى فكأنماركب الكمي جواده مشكولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

قصرت: أي جعلت الخطى قصيرة. والفاعل: المخافة، والمفعول: الخطي. والكمي: الشجاع المتكمي بالسلاح. والمشكول: المشدود بالشكال.

يقول: لما خاف الكمي منه، ركب فرسه، فهو يهيجه للإقدام جرأة، والفرس يحجم عنه خوفاً منه، فكأنه ركب فرسه مشكولاً. فشبه تقارب خطوه بالقيد. وقيل: أراد من خوف هذا السبع، لا يجسر الفرس أن يجري، فكأن خوفه صار قيداً.

ألقى فريسته وبربر دونهاوقربت قرباً خاله تطفيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

البربرة: ترجيع الصوت. والتطفيل: الدخول على القوم وهم يأكلون من غير دعوة.

يقول: ظن الأسد حين علم أنك أسد مثله، أنك أردت التطفيل عليه في فريسته، فألقاها وبربر دونها، ذباً عنها، فوثب عليك.

فتشابه الخلقان في إقدامهوتخالفا في بذلك المأكولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

يقول: تشابه الخلقان؛ منك ومن الأسد في الإقدام، واختلفا في بذل المطاعم، فإنك تبذل مأكولك، وهو يضن به ويذب عنه.

أسدٌ يرى عضويه فيك كليهمامتناً أزل وساعداً مفتولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

المتن: الصلب. والأزل: الأرسخ الممسوح العجز. والمفتول: القوي المكلم.

يقول: رأى الأسد فيك متنه الأزل، وساعده المفتول، وذلك من علم الشجاع البطل.

في سرج ظامئة الفصوص طمرةٍيأبى تفردها لها التمثيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

الظامئة: قليلة اللحم. والفصوص: المفاصل، واحدها فص. والطمرة: الوثابة، وقيل: المرتفعة الشاخصة.

يقول: نظر إليك الأسد وأنت على فرس لطيفة الأوصال، يأبى تفرد هذا الفرس بالكمال، أن يكون له مثل، وقيل: أراد لا يحتاج صاحبه معه إلى فرس آخر.

نيالة الطلبات لولا أنهاتعطي مكان لجامها ما نيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

يقول: إنها تدرك كل ما تطلبه وهي طويلة العنق، فلولا أنها تمكن ملجمها من رأسها ما وصل إليها، وقيل: إنه وصف صعوبتها. أي لولا أنها تحط رأسها للجام، لما كان ينال رأسها أحد، لكنها مكنت من نفسها ملجمها فأمكن إلجامها لذلك.

تندى سوالفها إذا استحضرتهاوتظن عقد عنانها محلولا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

السوالف: صفحات العنق. وتندى: أي تبتل من العرق، وذلك من أمارات العنق. والاستحضار: طلب الحضر.

يقول: من ازدياد جريها؛ عرقت سوالفها. وقوله: وتظن عقد عنانها محلولا: أي أنها تدخل في العنان وتدني صدرها، فيتسع العنان في يد فارسها، فكأنه محلول.

ما زال يجمع نفسه في زورهحتى حسبت العرض منه الطولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

الزور: أعلى الصدر، عاد إلى وصف الأسد.

يقول: ما زال يجمع نفسه في صدره للوثبة، حتى حسبت عرضه، طولاً. وقيل: أراد أن الفرس إذا أراد الوثوب ضم نفسه إلى صدره.

ويدق بالصدر الحجار كأنهيبغي إلى ما في الحضيض سبيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

الحجار: كالحجارة، وأراد بالحضيض: هاهنا أسفل الأرض.

يقول: إن المذكور قبله ما زال يدق الحجارة بصدره عند وثوبه، حتى كأنه يريد أن يشقها ويغوص فيها.

وكأنه غرته عينٌ فادنيلا يبصر الخطب الجليل جليلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

ادنى: افتعل من الدنو: أي دنا.

يقول: كأن الأسد غرته عينه حين رآك إنساناً كسائر الناس فدنا إليك، ولم يعلم أنك أسد، ولو علم بأسك لم يجرء عليك، فلما لم يعلم ذلك، رأى الإقدام عليك خطباً حقيراً.

أنف الكريم من الدنية تاركٌفي عينه العدد الكثير قليلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

الأنف والأنفة: بمعنىً. والدنية: النقيصة. وهذا مثل. وأراد: أن الأسد أنف من الفرار فأقدم عليك، كما أن الكريم يطرح نفسه على العدد الكثير ويرى ذلك الكثير قليلاً لعلو همته. فكذلك الأسد أقدم عليك مخافة الأنفة.

والعار مضاضٌ، وليس بخائفٍمن حتفه من خاف مما قيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

مضاض: أي مؤلم، وهذا أيضاً مثل.

يقول: من أنف من العار لم يخف حتفه؛ لأنه يرى حتفه أسهل عليه من مقال الناس فيه.

سبق التقاءكه بوثبة هاجملو لم تصادمه لجازك ميلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

عدى الالتقاء إلى الكاف وهو لا يتعدى إلا بالواو أو مع.

يقول: لما رآك تقرب منه سبقك بوثبة هاجم، فلولا أنك صادمته لجازك ميلاً؛ لشدة وثبه. فضله على الأسد.

خذلته قوته وقد كافحتهفاستنصر التسليم والتجديلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

المكافحة: المواجهة. والتجديل. السقوط على الجدالة: وهي الأرض.

يقول: لولا قوته لما قتلته؛ لأنه لقوته أقدم عليك، فلما واجهته بقوتك خذلته وخذلت قوته، حتى استنصر التسليم، فانقاد لك واختار السقوط على الأرض.

قبضت منيته يديه وعنقهفكأنما صادفته مغلولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

يقول: إن أجله قبض يديه وعنقه لك، فكأنه كان مغلولاً قبل أن تلحقه، فصادفته مغلولاً لما لم يمكنه المدافعة.

سمع ابن عمته به وبحالهفنجا يهرول منك أمس مهولا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

نجا: أسرع المشي. والهرولة: اضطراب العدو. والمهول: الذي قد هاله أمر.

يقول: إن ابن عمة هذا الأسد وهو أسدٌ مثله سمع بحال الأول، وقتلك إياه، فلما ركبت إليه فر منك مسرعاً، خوفاً أن تقتله كما قتلت الأول.

وأمر مما فر منه فرارهوكقتله ألا يموت قتيلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أمر: أي أشد مرارة.

يقول: فراره أشد مرارة من القتل الذي فر منه. وسلامته من القتل بالهرب. يقوم له مقام القتل؛ لأنه يعيش ذليلاً مهيناً والموت في العز خيرٌ من العيش في الذل وقيل: أراد أن قتله للأسد أكرم له، فكأن الموت أولى له لأنه كان معززاً.

تلف الذي اتخذ الجراءة خلةًوعظ الذي اتخذ الفرار خليلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

الجرأة، والجراءة، والجسارة: الإقدام على الشيء. والخلة: الصداقة، وهو ها هنا يحتمل المصدر.

يقول: إن هلاك الأسد الذي اختار الجرأة والإقدام عليك، وعظ الأسد الآخر الذي فر منك، فخاف إن ثبت لك أن تقتله كما قتلت الأول. وقد روى: وعظ على المصدر، وهو خبر الابتداء.

لو كان علمك بالإله مقسماًفي الناس ما بعث الإله رسولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

يقول: لو كانت معرفتك بالإله وصفاته وعدله مقسومة بين الناس، لكانوا كلهم عارفين بالله، وما احتاجوا إلى رسول يدعوهم إلى أمور دينهم.

لو كان لفظك فيهم ما أنزل الفرقان والتوراة والإنجيلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن كلامك كله حكمٌ ومواعظ، ومختص بغاية الفصاحة، فلو كان موجوداً من قبل ما أنزل الله الكتب المذكورة لقام كلامك مقامها.

لو كان ما تعطيهم من قبل أنتعطيهم لم يعرفوا التأميلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

أي لو كانت الأموال التي تعطيهم الآن، كانت لهم قبل عطائك لكانوا أغنياء لم يعرفوا التأميل ولم يوملوا أحداً. وقيل: أراد لولا عطاؤك لما عرف الناس التأميل، ولكن لما أعطيتهم أطمعتهم بعطاياك فعرفوا التأميل. والأول أولى.

فلقد عرفت وما عرفت حقيقةًولقد جهلت، وما جهلت خمولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

يقول: كل أحد عرفك لشهرتك وشهرة ذكرك وبعد صيتك، ولكن لا يعرف حقيقة أمرك، فأنت معروف من حيث يعرفك كل أحد لشهرة ذكرك، وأنت مجهول لبعد غايتك، ولطف مكانك، لا لأنك خامل الذكر بين الناس.

نطقت بسوددك الحمام تغنياًوبما تجشمها الجياد صهيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

تغنياً وصهيلا: مصدران، في موضع الحال. والحمام: رفع بنظفت، وكذلك الجياد لأن نطقت مكررة.

يقول: كل شيء يثني عليك حتى أن الحمام إذا غنت وصفت سؤددك، والخيل إذا صهلت وصفت ما تكلفها من المشقة والسير والحرب.

وقيل: أراد بالحمام. العجم من حيث كساهم من نعمه مثل أطواق الحمام قال ابن جنى: أشهد بالله أنه لو خرس بعد هذين البيتين لكان أشعر الناسز

وما كل من طلب المعالي نافذاًفيها، ولا كل الرجال فحولا

يقول: ليس كل من طلب المعالي يدرك منها ما أدركت، وينفذ فيها كما نفذت، ولا كل من هو على خلقة الرجال فحلا جامعاً لغايات الرجولية.

وورد كتابٌ من ابن رائق على بدرٍ بإضافة الساحل إلى عمله فقال يهنىء بدراً بذلك:

تهنى بصورٍ أم نهنئها بكاوقل الذي صورٌ وأنت له لكا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى تهنى ونهنى: من التهنئة، والدعاء لصاحب النعمة بدوامها، وتسويغها، فأصلها هنأ الطعام. وصور: مدينة من ساحل الشام.

يقول: نهنئك بهذه المدينة، أم نهني هذه المدينة بك؛ حيث وليتها فإن هذه الولاية، ومن ولاك عليها، لو كانا لك لما استكثرنا لك ذلك؛ وهو معنى قوله: وقل الذي صور وأنت له لكا أي وقل لك الرجل الذي هذه المدينة وأنت له. أي أنك من جملة أصحابه في الظاهر، فكنت له كصور.

وما صغر الأردن والساحل الذيحبيت به إلا إلى جنب قدركا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تهنا بصور أم نهنئها بك»

الأردن: ديار فلسطين وما والاها. والساحل: ساحل الشام.

يقول: إن الأردن والساحل الذي أعطيته عظيم وملك جليل، وإنما صغر بالقياس إلى قدرك وعلو محلك، فهو ليس بصغير إلا إلى جنب مقدارك، فإنك تستحق أكثر من هذا.

تحاسدت البلدان حتى لوانهانفوسٌ لسار الشرق والغرب نحوكا

يقول: حسدت البلدان البلاد التي تليها، حتى أنها لو كانت من الأحياء لسار المشرق منها والمغرب إليك، ليكونا في ولايتك. ومثله قول أبي تمام:

تغاير الشعر فيه إذ سهرت لهحتى ظننت قوافيه ستقتتل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»

ومثله للبحتري:

فلو أن مشتاقاً تكلف فوق مافي وسعه لسعى إليك المنبر
وأصبح مصرٌ لا تكون أميرهولو أنه ذو مقلةٍ وفم بكى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تهنا بصور أم نهنئها بك»

يقول: كل بلد لا تكون والياً عليه، لو كان له عينٌ وفمٌ لبكى من الحزن عليك، لكونك في غيره، واشتياقاً إلى توليتك عليه.

ونظر أبو الطيب ثياباً مطويةً إلى جانبه فسأل عنها. فقيل له: هي خلع الولاية. وكان أبو الطيب ذلك اليوم عليلاً فقال ارتجالاً:

أرى حللاً مطواةً حساناًعداني أن أراك بها اعتلالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى حللا مطواة حسانا»

الحلة: ثوبان، إزار ورادء، ومطواة: أي مطوية وعداني. أي صرفني، وفاعله: اعتلالي.

يقول: أرى حللاً على جنبك حسنة مطوية، وإنما منعني أن أراك وهي عليك مرضى.

وهبك طويتها وخرجت عنهاأتطوي ما عليك من الجمال؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى حللا مطواة حسانا»

يقول: إنك وإن نزعتها وطويتها، فإنك في حلل من جمالك وحسنك، لا تقدر أن تخرج منه ولا أن تطويه.

لقد ظلت أواخرها الأعاليمع الأولى بجسمك في قتال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى حللا مطواة حسانا»

الأواخر: جمع آخر. والأعالي: جمع أعلى.

جعل الأعالي منها أواخر، لأنها تلبس بعد الشعار، فهي متأخرة عنها في البشرة. والأولى ما ولي الجسم وقرب منه، وقيل: الأعالي. ما يكون أعلى محلاً؛ وأشرف الثياب. يلبس آخراً.

يقول: إن الحلل التي لبستها تقاتل أعاليها التي هي أواخرها، مع التي تلي جسدك، وحسدتها وطلبت كل واحدة منهما أن تكون هي التي تلي جسدك وتقرب مك.

تلاحظك العيون وأنت فيهاكأن عليك أفئدة الرجال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن الناس كانوا ينظرون إليك، وهي عليك نظر محبة واستحسان، حتى كأن التي عليك ولبستها قلوب الناس، لتعلق القلوب بها واستحسانهم إياها عليك، ومثله قوله:

كأن عليه من حدق نطاقا

ومثله الآخر

لمقلتيها عظم الملك في المقل

متى أحصيت فضلك في كلامفقد أحصيت حبات الرمال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى حللا مطواة حسانا»

روى في مديح وفي كلام يقول: لك فضائل عدد الرمل، فإن قدرت على عدها فقد أحصيت مديحك وهذا غير ممكن، فكذلك عد فضائلك.

وسار بعد ذلك إلى الساحل ولم يسر معه أبو الطيب فبلغه أن الأعور بن كروس كتب إلى بدر يقول له: إنما تخلف عنك أبو الطيب رغبةً عنك، ورفعاً لنفسه على المسير معك. ثم عاد بدرٌ إلى طبرية فضربت له قبابٌ عليها أمثلةٌ من تصاوير. فقال أبو الطيب في ذلك يمدحه ويعتذر عن تخلفه عنه.

الحب ما منع الكلام الألسناوألذ شكوى عاشقٍ ما أعلنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

ما يجوز أن تكون بمعنى الذي، ويجوز أن تكون للنفي. ومنع: يتعدى إلى مفعولين: أحدهما الكلام، والثاني الألسن، وهي جمع اللسان. وروى: الألسنا: وهو الأفصح وما في قوله: ما أعلنا بمعنى الذي، وأصله ما أعلنه، فحذف الهاء.

يقول على الأول: الحب هو الذي يمنع الكلام من أن يعلن بالنطق ما في قلبه، وإذا لم يكن كذلك فليس بالحب الحقيقي. وتم الكلام ها هنا، وهذا مثل قول الآخر:

وما هو إلا أن أراها فجاءةًفأبهت حتى لا أكاد أجيب
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وما هو إلا أن أراها فجاءة»

ثم قال: وألذ شكوى عاشق ما أعلنا أي ألذ الشكوى للعاشق ما باح بها لكل أحد كقول أبي نواس:

فبح باسم من تهوى ودعني من الكنىفلا خير في اللذات من دونهاستر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر»

وقيل: إن أحد المصراعين متعلق بالآخر. ومعناه: الحب الحقيقي ما منع الألسن أن تبوح، في حالٍ يلتذ العاشق فيها بالشكوى، فيدرك الإبقاء على حبيبه والخوف من إغراء العذال به، فيدع ما يشتهيه، مراعاةً للحبيب كما قال الشاعر:

ولست بواصفٍ أبداً حبيباًأعرضه لأهواء الرجال
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

وقوله: وألذ شكوى، على هذا. في موضع الحال. ويجوز: أن يكون ما في قوله: ما أعلنا. بمعنى المصدر، فلا يحتاج إلى الهاء العائدة إليه، أي ألذ شكوى عاشق إعلانه.

وعلى الثاني: الحب لم يمنع الألسن من الكلام، كأنه يحسن عند نفسه الشكوى؛ لأن في ذلك راحته وقوله: وألذ شكوى. تأكيد للمعنى الأول، وتعليل له.

ليت الحبيب الهاجري هجر الكرىمن غير جرم واصلي صلة الضنى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

نصب هجر الكرى وصلة الضنى على المصدر. أي الذي هجرني مثل هجر الكرى.

يقول: ليت الحبيب الذي هجرني من غير ذنب مني، هجر النوم عينين بهجره، وواصلني مثل مواصلتي السقم، حتى واصلني النوم وهجرني السقم.

بنا: أي تباعدنا. وقوله: فلو حليتنا. أي وصفت واكتسيت حليتنا. امتقع لونه وابتقع وانتقع: إذا تغير.

يقول لصاحبه: إنا لما تفرقنا تغيرت ألواننا من خوف الفراق وحزن التباعد وطول الضنى، فلو أردت وصفنا لم تقدر عليه، ولم تدر بأي شيء تصفنا؛ لكثرة ما ننتقل من لون إلى لون. وقوله: تلونا، نصب على التمييز.

وتوقدت أنفاسنا حتى لقدأشفقت تحترق العواذل بيننا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

الإشفاق: الخوف مع الرحمة.

يقول: ألهبت أنفاسنا حرارة الشوق، حتى خفت أن تحترق العواذل اللائي كن بيننا. ووجه إشفاقه عليهن، مع أن العواذل يكن مبغضات للعشاق، لأن العاذل لا يكون في الأغلب إلا من يكون قريباً، أو ناصحاً شفيقاً. وقيل: إنه خاف أن تنم أنفاسه على حالهما، من حرارة الشوق. ويجوز أن يكون خوفه من احتراق نفسه واحتراق حبيبه، ثم يتعدى الاحتراق إلى العواذل، لأنهن لا يحترقن بحرارة أنفاسهما إلا بعد احتراقهما. ومثله قول بعض المتأخرين:

والبين يقدح من أنفاسنا شرراأشفقت تحرقنا يوم الوداع معا
أفدي المودعة التي أتبعتهانظراً فرادى بين زفراتٍ ثنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

سكن الفاء من زفرات ضرورة وأصلها الفتح. وثنا: أصله المد فقصره ضرورة أيضاً وفرادى: صفة لنظر؛ لأنه مصدر يقع على الواحد والجمع.

يقول: أفدى التي ودعتني وودعتها، فبقيت أنظر في أثرها لا أطرق ولا ألتفت إلى سواها، وكانت زفراتي تتصاعد اثنين اثنين؛ لشدة الجزع. يعني كلما نظر في أثرها مرةً زفر مرتين.

أنكرت طارقة الحوادث مرةًثم اعترفت بها فصارت ديدنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

اعترفت بها: أي عرفتها وتعودتها. وقيل: معناه. صبرت لها حتى صارت لي عادة.

يقول: كنت في أمن من حوادث الدهر، فلما حدثت مرة أنكرتها وجزعت منها، ثم تكررت علي حتى صارت عادة لي، فلا أنكرها الآن. وهو من قول أبي العتاهية:

تعودت مس الضر حتى ألفتهوأسلمني حسن العزاء إلى الصبر
للشاعر الحلاج، من قصيدة «تعودت مس الضر حتى »

ومثله لآخر:

روعت حتى ما أراع من النوىوإن بان جيران علي كرام

ومثله لآخر:

روعت بالبين حتى ما أراع بهوبالمصائب في أهلي وجيراني
وقطعت في الدنيا الفلا وركائبيفيها ووقتي: الضحى والموهنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

الفلا: نصب بقطعت. وركائبي، ووقتي: معطوفان عليها. والضحى، والموهنا بدا في وقتي. والوهن والموهن: قطعة من الليل، وقيل: صدر الليل قدر ساعتين منه؛ والضحى: صدر النهار.

يقول: استفدت لكثرة أسفاري في الفلوات، وأنضيت الركاب، وأفنيت ساعات نهاري وليلي. فعبر بالضحى، عن جملة النهار، وبالموهن: عن جميع الليل.

فوقفت منها حيث أوقفني الندىوبلغت من بدر بن عمار المنى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقفته وأوقفته: أي حبسته، وبغير الألف أفصح. والهاء في قوله: منها راجعة إلى الدنيا.

يقول: لم أزل أطوف في الدنيا حتى وصلت إلى بدر، فحبسني جوده ونداه عنده، وبلغت عنده كل ما أتمناه: من نيل الغنى وإدراك العلا ومثله قوله من أخرى:

وقيدت نفسي في ذراك محبةًومن وجد الإحسان قيداً تقيدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»
لأبي الحسين جداً يضيق وعاؤهعنه ولو كان الوعاء الأزمنا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

جداً: أي عطاء.

يقول: إن عطاءه قد بلغ إلى حدٍّ يضيق الوعاء عنه، حتى لو كان الزمان وعاءه، لضاق عنه.

وشجاعةٌ أغناه عنها ذكرهاونهى الجبان حديثها أن يجبنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

وشجاعةٌ: معطوفة على قوله جداً، وموضعه رفع بالابتداء.

يقول: إن شجاعته قد اشتهر ذكرها وشاع في الناس حديثها. فانقاد أعداؤه لحكمه، فاستغنى عن استعمال شجاعته لدخولهم في طاعته. وهو المراد بقوله: أغناه عنها ذكرها أي عن إظهارها واستعمالها، وقوي قلب الجبان من كثرة ذكرها، حتى اضطر إلى ترك جبنه.

نيطت حمائله بعاتق محربٍما كر قط وهل يكر وما انثنى؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

نيطت حمائله: أي علقت، ونياط: عرق القلب معلق. والعاتق: رأس الكتف، وهو الكاهل أيضاً. وحمالة السيف: قلادته. والمحرب: كثير الجراءة والهاء في حمائله: للممدوح ومحرب: أراد به الممدوح أيضاً.

يقول: إن حمائل سيفه منوطة بعاتقه، وهو كثير الحرب، وإنه إذا حمل على عدوه لم ينثن عنه، فيحتاج إلى الرجوع إليها، لأن الكر يكون بعد الفر.

فكأنه والطعن من قدامهمتخوفٌ من خلفه أن يطعنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

يقول: إنه يتقدم في المعركة، ويلقي الطعن قدامه ولا يتأخر، حتى كأنه يخاف أن يطعن من خلفه، فهو يتحرز بالتقدم كأنه يطعن من خلفه

نفت التوهم عنه حدة ذهنهفقضى على غيب الأمور تيقنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

فاعل نفت: هو حدة.

يقول: إنه من حدة فطنته وشدة ذكائه، صار توهمه علماً، فيقضي على الأمور الغائبة باليقين، لا بالتوهم والظن. وقيل: أراد أن إقدامه في الحرب، لعلمه بعواقب أمره في أنه يتلقى السلامة.

يتفزع الجبار من بغتاتهفيظل في خلواته متكفنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

يقول: إن كل جبار يفزع من أن يهجم عليه بغتةً فيقتله، ويظل لابساً أكفانه إذا خلا بنفسه.

أمضى إرادته فسوف له قدٌواستقرب الأقصى فثم له هنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

سوف: للاستقبال، وقدٌ: للمضي وتقريب العهد، فلما جعله اسماً أعربه، وثم: للمكان البعيد. وهنا: إشارة إلى المكان القريب.

يقول: إن مراده طوع أمره فما يريد فعله في المستقبل، بمنزلة ماضي المفعول، والبعيد عنك بمنزلة القريب

يجد الحديد على بضاضة جلدهثوباً أخف من الحرير وألينا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

روى جلده بدل جسمه. والبضاضة: الطراوة والنعومة.

يقول: إنه مع نعومة جسمه ولين جلده، يجد الحديد والسلاح على بدنه أخف من الحرير وألين، وإن كان الحرير هو النهاية في الخفة واللين؛ وذلك لتعوده لبس السلاح وألفه له.

وأمر من فقد الأحبة عندهفقد السيوف الفاقدات الأجفنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

يقول: فقد السيوف المجردة من الأغماد، أشد عليه وأمر عنده من فقد الأحبة وبعدهم عنه.

لا يستكنٌّ الرعب بين ضلوعهيوماً ولا الإحسان ألا يحسنا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الإحسان: قيل إنه بمعنى العلم، ومعناه أن الخوف لا يستكن بين ضلوعه: أي لا يدخل ولا يستقر في قلبه وكذلك لا يستقر في قلبه العلم بألا يحسن إلى الناس. أي أنه جواد لا يعلم ترك الإحسان.

وقيل الإحسان: هو ترك الإساءة، وهو الإنعام ومعناه: لا يثبت الإحسان حتى يحسن هو إلى الناس، إذ ليس في الدنيا من يحسن إلى الناس غيره.

مستنبطٌ من علمه ما في غدٍفكأن ما سيكون فيه دونا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

مستنبط في يومه ما في غده دون جمع والهاء في فيه يجوز أن تكون للممدوح، ويجوز أن تكون راجعة إلى علمه يقول: إنه عالم بعواقب الأمور يعرف في يومه ما يحدث في غدٍ، فكأن ما سيكون مكتوب عنده، مجموع الصورة لديه.

تتقاصر الأفهام عن إدراكهمثل الذي الأفلاك فيه والدنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

تنقاصر: خبر الأفهام. مثل: نصب؛ لأنه صفة لمصدر محذوف. أي تتقاصر مثل تقاصرها عن الإدراك. الذي هو علم الله تعالى. الذيي الأفلاك فيه. والدنا: جمع الدنيا. فعلى هذا جعل كل أفق منها دنيا، فجاء الجمع لهذا.

يقول: إن الأفهام تعجز عن إدراك حقيقته، ويقصر الإدراك عن علم معانيه، كما تعجز عن إدراك حقيقة ما وراء العالم. وهو المراد بقوله: الأفلاك فيه والدنا؛ لأن الناس اختلفوا فيما هو خارج العالم.

فقال: كلما لم يعرفوا حقيقته ما ظرف له كذلك لا يعرفون حقيقة صفاتك.

وعن ابن جنى: إن المراد بقوله: الأفلاك فيه والدنا، هو الله ﵎.

من ليس من قتلاه من طلقائهمن ليس ممن دان ممن حينا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

الطلقاء: جمع الطلائق. ودان: أطاع. وحين: دنا حينه، أي هلاكه. ومن ليس مبتدأ، ومن طلقائه خبره. أي من ليس من قتلاه، فهو من طلقائه. وكذلك الثاني.

يقول: إنه أفنى العباد ببأسه وسطوته، وملكهم بعفوه، فمن لم يقتله فهو طليق عفوه، ومن لم يطعه فهو ممن دنا حتفه وهلاكه.

لما قفلت من السواحل نحوناقفلت إليه وحشةٌ من عندنا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إنك لما رحلت عنا استوحشنا لبعدك، فلما رجعت إلينا زالت عنا الوحشة، ورجعت إلى السواحل التي غبت عنها.

وكان بدر الممدوح قد خرج إلى الساحل الذي رد إليه عمله، فلما عاد مدحه بهذه القصيدة.

أرج الطريق فما مررت بموضعإلا أقام به الشذا مستوطنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

أرج: أي فاحت منه رائحة الطيب. والشذا: المسك، وقيل: هو حدة ريحه.

يقول: إن الطريق الذي سلكته عبق من طيب ريحك، فكل موضع مررت به أقام به الريح طيباً لا يفارقه، حتى كأنه وطنه. أخذه من قول النميري:

تضوع مسكاً بطن نعمان إن مشتبه زينبٌ في نسوةٍ عطرات
للشاعر النميري، اقرأ القصيدة

إلا أن المتنبي زاد ذكر الاستيطان

لو تعقل الشجر التي قابلتهامدت محييةً إليك الأغصنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

يقول: لو كانت الشجر التي مررت عليها عاقلة عارفة بمحلك، لكانت تمد أغصانها نحوك محييةً ومشيرة بالسلام عليك.

سلكت تماثيل القباب الجن منشوق بها، فأدرن فيك الأعينا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

وروى: من شغف بها. والجن، فاعل سلكت.

يقول: تداخلت الجن في التماثيل التي على القباب المضروبة لتنظر إليك؛ شوقاً لرؤيتك، فأدرن فيك أعينها.

طربت مراكبنا فخلنا أنهالولا حياءٌ عاقها رقصت بنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

يقول: مراكبنا التي ركبناها إلى الممدوح استخفها السرور بقدومك، والمسير إليك، فلولا أن الحياء منعها من الرقص، لكادت ترقص بنا رقصا.

أقبلت تبسم والجياد عوابسٌيخببن بالحلق المضاعف والقنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

روى: يخببن من الخبب: وهو السير السريع، وروى يجنبن من الجنيبة وتبسم: في موضع نصب على الحال، وكذلك الجياد عوابس ويخببن: حال من الجياد، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً فيكون في موضع رفع.

يقول: أقبلت إلينا ضاحكاً مبتسماً وخيلك عابسة؛ لما لحقها من التعب فيسر عن المسير بالدروع المضاعف نسجها وبالرماح.

عقدت سنابكها عليها عثيراًلو تبتغي عنقاً عليه أمكنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

العثير: الغبار. والعنق: ضرب من السير؛ ترفع فيه الدابة عنقها.

يقول: إن الغبار الساطع من حافرها قد يعقد، لكثافته حتى كأنه أرض صلبه، فلو أرادت الجياد أن تسير على هذا الغبار لأمكنها السير.

والأمر أمرك والقلوب خوافقٌفي موقفٍ بين المنية والمنى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

قيل: الأمر هنا بمعنى الحال، أي أقبلت وحالك في طلاقة وجهك، مثل حالك إذا كنت في الحرب، حين تخفق القلوب من الرعب، فتكون القلوب واقفة بين الموت والبقاء.

يعني: أنه في الحرب ضاحك السن، مثل حاله القديمة. وقيل: أراد به أن أمرك نافذ في الأولياء والأعداء. وقلوب أعدائك خائفة واقفة بين الخوف من الموت وبين الرجاء.

فعجبت حتى ما عجبت من الظبىورأيت حتى ما رأيت، من السنى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الظبى: جمع الظبية، وهي حد السيف. والسنى مقصور: هو الضوء. تقديره: فعجبت من الظبى حتى ما عجبت، ورأيت من السنى حتى ما رأيت.

يقول: رأيت السيوف حولك متجردة فعجبت من كثرتها، وزاد الأمر حتى زال تعجبي مما رأيت من لمعان السيوف وبريقها، فبقيت متحيراً كمن لا حس له، وغلب لمعانها على بصري حتى ما رأيت؛ لأن لمعانها غشى عيني.

وقيل: أراد فعجبت من انهزامهم، حتى زال تعجبي، من أجل السيوف التي لمعت بأيديهم، فقلت حق لهذه السيوف أن تعمل هذا، فأزال تعجبي؛ لأني لم أستكره أن يكون ذلك الانهزام فعل ما رأيت.

وقيل: أراد أني عجبت من السيوف لكثرتها ولمعانها حتى التهيت بالعجب! فزال تعجبي كما قال أبو تمام:

على أنها الأيام قد صرن كلهاعجائب حتى ليس فيها عجائب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «هو الدهر لا يشوي وهن المصائب»

وكذلك بريق السيوف؛ لشدة بريقه ولمعانه كف ضوءها بصري.

إني أراك من المكارم عسكراًفي عسكر، ومن المعالي معدنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

قيل: معناه إنك في نفسك عسكر، وحولك من مكارمك عسكر؛ فلهذا أراك عسكراً في عسكر من المكارم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.