من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
قصائد بدر بن عمار (٣)
وقيل: معناه إني أراك عسكراً من المكارم، في عسكر من الخيل والرجال، وأنك معدن: أي أصل لكل خير وشرف. ومثل المصراع الأول لأبي تمام:
لو لم يقد جحفلاً يوم الوغى لغدامن نفسه وحدها في جحفل لجب
فطن الفؤاد لما أتيت على النوىولما تركت مخافةً أن تفطنا
يقول: أنت عالم بما فعلت بعدك من شكرك والثناء عليك وغير ذلك، وعالم بما لم أفعله مخافة أن تفطنه. يعني: إني لو لم أتركه إلا مخافة أن تقف عليه تركته.
وقيل: أراد أنك تدرك غرضي فيما فعلته، لما بعدت عنك. وهو الاستزادة، ثم تركت البعد خوفاً من أن تقف على قصدي ومرادي. وقيل: أراد فعلت ذلك لأتجدد بالنوى عندك.
أضحى فراقك لي عليه عقوبةًليس الذي قاسيت منه هينا
الهاء في عليه: راجعة إلى ما في قوله: لما أتيت أي صار فراقك عقوبة لي على ما أتيته من التأخر عنك وقد قاسيت منه وحشة عظيمة وأسفاً شديداً.
فاغفر، فدىً لك، واحبني من بعدهالتخصني بعطيةٍ منها أنا
يقول: اغفر ذنبي بعفوك عن التخلف عنك، وعلى التقصير الذي كان مني في حال البعد عنك، ثم صلني بعد المغفرة بصلة، لأكون مخصوصاً بها، واحبني في جملة من تحبه.
وانه المشير عليك في بضلةٍفالحر ممتحنٌ بأولاد الزنا
يقول: ازجر من يشير عليك في بما لا يليق بكرمك، فإنه ضلة، وإن أطعته في ذلك تكون غير سالك طريق الرشد، فإنه ولد زنا والحر مبتلٍ بأمثاله: أي بأولاد الزنا.
وإذا الفتى طرح الكلام معرضاًفي مجلسٍ أخذ الكلام اللذ عنا
اللذ: بسكون الذال، لغةٌ في الذي.
يقول: إذا عرض الفتى بكلامه رجلاً، فإن المعنى يأخذ ما عرض به من الكلام.
ومكايد السفهاء واقعةٌ بهموعداوة الشعراء بئس المقتنى
المقتنى: مصدر من اقتنيت الشيء، إذا اكتسبته، ويجوز أن يكون اسم المفعول.
يقول: إن السفيه لضعف رأيه إذا كان عدواً، رجع ضرر كيده عليه، ومن عادى شاعراً فقد اكتسب شراً طويلاً وهجواً كثيراً، وذلك بئس المدخر.
لعنت مقارنة اللئيم فإنهاضيفٌ يجر من الندامة ضيفنا
الضيفن: الذي يجيء مع الضيف من غير دعوة. روى: من الندامة ومن العداوة.
يقول: لعن الله صحبة اللئام؛ فإنها تعقب الندامة.
غضب الحسود إذا لقيتك راضيازرءٌ أخف علي من أن يوزنا
الرزء: المصيبة.
يقول: إذا رضيت علي يحخف علي عضب من يحسدني. ومثله لأبي فراس:
فليتك تحلو والحياة مريرةٌوليتك ترضى والأنام غضاب
ومثله لآخر:
إذا رضيت عني كرام عشيرتيفلا زال غضباناً علي لئامها
أمسى الذي أمسى بربك كافراًمن غيرنا، معنا بفضلك مؤمنا
يقول: أمسى من يكفر بالله، مقراً بفضلك؛ لأنه يدرك بالأبصار، ومعرفة الله تعالى تستنبط بالنظر والاعتبار والمشاهدة.
خلت البلاد من الغزالة ليلهافأعاضهاك الله كي لا تحزنا
الغزالة: الشمس في وقت الضحى. وقدم ضمير الغائب في قوله: فأعاضهاك. وأخر ضمير المخاطب، وذلك ليس بالاختيار إلا في ضرورة الشعر، والهاء: للبلاد. والكاف: للخطاب. وليلها: نصب على الظرف. وتحزن للبلاد.
يقول: لما غابت الشمس عن الأرض ليلاً، فخلت من الشمس جعلك الله لها عوضاً من الشمس؛ لئلا تحزن البلاد لفراقها. يعني: أنه يقوم للبلاد مقام الشمس.
ودخل عليه فوجده خالياً للشراب، وقد أمر الغلمان بحجاب الناس عنه. فارتجل:
أصبحت تأمر بالحجاب لخلوةٍهيهات لست على الحجاب بقادر
تأمر: خبر أصبح.
يقول: أمرت بالحجاب لخلوةٍ بنفسك، وما أبعد ما أردت! لأنك لا تقدر على الاحتجاب؛ للعلة التي ذكرها وهي قوله:
من كان ضوء جبينه ونوالهلم يحجبا لم يحتجب عن ناظر
يقول: من كان نور وجهه ظاهراً، ونواله مبذولا، غير محجوبين، لم يحتجب هو عن عين، وإن أرخيت دونه الحجب.
فإذا احتجبت فأنت غير محجبٍوإذا بطنت فأنت عين الظاهر
يقول: إذا احتجبت فأنت غير محتجب في الحقيقة، وإذا استترت فأنت نفس الظاهر، وأنت الظاهر في الحقيقة.
وسقاه يوماً ولم يكن له رغبةٌ فقال يذكر وده لبدر:
لم نر من نادمت إلاكالا لسوي ودك لي ذاكا
قال ابن جنى: من في قوله: من نادمت نكرة موصوفة بمنزلة رجل. وقوله: نادمت صفة له. لا صلة؛ كأنه قال: لم نر إنساناً نادمته غيرك. فحذف الهاء؛ وذلك لأنه استثنى منه الكاف، ومن إذا كانت نكرة تقع موقع الجماعة، فيصح الاستثناء منه.
وقد يجوز أن يكون بمعنى المعرفة، واقع موقع الجماعة. وقوله: إلاك قبيح لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، لأنه وصل الضمير في موضع الفصل.
يقول: لم نر أحداً نادمته سواك، وليس ذلك مني لسوى محبتك وودك لي. يعني: إني لا أحب الشراب وإنما نادمتك وشربته محبة مني إليك.
ولا لحبيها ولكننيأمسيت أرجوك وأخشاكا
الهاء في قوله: لحييها للخمر. ويجوز أن تكون للمنادمة.
يقول: ما شربت الخمر حباً لها؛ ولكن شربتها لأني رجوتك أن تقضي حاجتي، وخشيت إن لم أشربها ألا تقضي حاجتي.
وقال أيضاً يفخر بمنادمته الأمير ويمدحه:
عذلت منادمة الأمير عواذليفي شربها وكفت جواب السائل
يقول: إن منادمته شرفٌ لي ومجد، فمن عذلني عليها كان بالعذل أولى، ومن سألني عنها لم احتج إلى إجابته؛ لأن المنادمة جواب له بما فيها من الشرف. ومثله للطائي:
عذلت سواكب دمعه عذالهبمدامع فندن كل مفند
مطرت سحاب يديك ري جوانحيوحملت شكرك واصطناعك حاملي
يقول: أمطرتني حتى رويت وشكرتك على ذلك، ونعمك بلغتني المنزلة الرفيعة.
فمتى أقوم بشكر ما أوليتنيوالقول فيك علو قدر القائل؟!
يقول: متى يمكنني أن أقوم بشكر ما أوليتني من النعم؟ فأنا إذا شكرتك ومدحتك، فإن مدحي فيك يرفع قدري ويشرفني، فيكون ذلك نعمة منك علي، يجب القيام بشكرها، وذلك الشكر نعمةٌ، فإذا كان الحال هذا، كيف يمكن القيام بشكرك؟ أخذه من قول محمود الوراق:
إذا كان شكري نعمة الله نعمةًعلي له في مثلها يجب الشكر
فكيف أداء الشكر إلا بعونه؟وإن دنت الأيام واتصل العمر
وكان بدرٌ قد تاب من الشراب مرةً بعد أخرى، فرآه أبو الطيب يوماً يشرب فقال له:
يا أيها الملك الذي ندماؤهشركاؤه في ملكه لا ملكه
يقول: إن ندماءه شركاؤه في ملكه أي ماله مبذول لندمائه، وأما ملكه ورئاسته فمختصة به، لا يشركه فيها غيره؛ لأن بذله غير جائز ومثله:
ولو جاز أن يحووا علاك وهبتهاولكن من الأشياء ما ليس يوهب
في كل يوم بيننا دم كرمةٍلك توبةٌ من توبةٍ من سفكه
يقول: كل يوم بيننا خمر، وكل يوم توبةٌ من توبةٍ من سفكه. أي سفك هذا الدم أي أنك تتوب من التوبة التي هي توبة من سفكه.
والصدق من شيم الكرام فنبناأمن الشراب تتوب أم من تركه؟
أصله: فنبئنا. فأبدل الهمزة ياء، ثم حذفها. وروى أيضاً: فنبئاً، وأصله: فنبئن وهي نون تأكيد ساكنة، فأبدلها ألفاً فقال: نبئاً.
يقول: أخبرنا أنك تائب من الشراب، أم من ترك الشراب؟ فقال بدر: بل من تركه يا أبا الطيب.
وقال فيه أيضاً يمدحه:
بدرٌ فتىً لو كان من سؤالهيوماً توفر حظه من ماله
يقول: إنك كثير العطاء. يعني من يأتيه فلو كان مثلاً يوماً واحداً من جملة سائليه، لكان له نصيب وافر من ماله.
تتحير الأفعال في أفعالهويقل ما يأتيه في إقباله
روى: الأفعال في أفعاله. وروى: الأقوال في أقواله.
يقول: إنه يأتي بأفعال بديعة عظيمة، بحيث تتحير أفعال الناس فيها، وإن ما يأتيه من الأفعال العجيبة في جنب إقباله قليلة، وإقباله أعظم من أفعاله.
قمراً نرى وسحابتين بموضعمن وجهه ويمينه وشماله
يقول: إن يديك كالسحابتين، تهطلان بالعطاء، وفي الحرب بالدماء، ووجهك كالقمر، ومن شأن السحاب أن يستر القمر وسحابتاه لا تستران ضياء نوره.
وقال ابن جنى: معناه أن يمينه تسح بالعطاء، وشماله تسح الدماء.
وهذا غير جيد، لأن أكثر الأعمال إنما تكون باليمين، وكذلك المحاربة. إلا إذا كان الرجل أعسر أيسر، أو يكون دون أعسر. والباء في قوله: بموضع بمعنى في: أي في موضع وإن شئت علقتها بالفعل، فيكون إذ ذاك فارغة لا ضمير لها، وإن شئت جعلتها صفةً لنكرة محذوفة: أي نرى قمراً وسحابتين كائنتين بموضع. وكذلك من إن شئت علقتها بالفعل، وإن شئت بمحذوف.
سفك الدماء بجوده لا بأسهكرماً لأن الطير بعض عياله
اللام في لأن بدل من اللام المقدرة في كرماً.
يقول: إنه تكفل بأرزاق الطير، وجعلها من جملة عياله، فهو يقتل أعداءه ليطعم الطير لحوم القتلى؛ لكرمه واعتياده إطعام الطير دائماً.
إن يفن ما يحوي فقد أبقى بهذكراً يزول الدهر قبل زواله
يقول: إن كان قد أفنى ماله بسخائه، فقد اكتسب ذكراً يبقى إلى آخر الزمان. وقوله: يزول الدهر إلى آخره. أي لا يزول ذكره أبداً، ما دام الدهر؛ لأنه أراد أنه يبقى بعد الدهر، وإنما قصد به تأكيد بقاء الذكر. وهو من قول الآخر:
تمر به الأيام تسحب ذيلهوتبلى به الأيام وهو جديد
وسأله حاجةً فقضاها، فنهض وهو يقول شكراً له على قضاء حاجته:
قد أبت بالحاجة مقضيةًوعفت في الجلسة تطويلها
عفت الشيء: إذا كرهته.
وروى: في الجلسة بفتح الجيم وكسرها.
يقول: رجعت بقضاء حاجتي، وكرهت تطويل الجلوس بعد قضاء الحاجة.
أنت الذي طول بقاءٍ لهخيرٌ لنفسي من بقائي لها
وروى: طول بقاء به.
يقول: بقاءك خيرٌ لي، من حياتي لنفسي؛ لأني منك في راحة، وأنا من نفسي في عناء فزاد الله في حياتك من حياتي: دعاء له.
فسأله بدرٌ الجلوس فقال يذكر علو منزلة الأمير بدرٍ لما سأله أن يجلس:
يا بدر إنك، والحديث شجونمن لم يكن لمثاله تكوين
شجون: أي ضروب. وهو مأخوذ من شجون الوادي: وهي شعبه. وهو مثلٌ قديم، وأصله: الحديث ذو شجون فحذف المضاف. والتكوين: الإيجاد. ومن بمعنى: الذي. وهو خبر إن، واسمها: الكاف. من إنك وقوله: والحديث شجون. اعتراض بين اسم إن وخبرها؛ وإنما جاز ذلك لأن فيه ضرباً من التوكيد. ويجوز أن يكون من نكرة موصوفة. أي إنك رجل ليس له نظير.
وتقدير البيت: يا بدر إنك من لم يكن لمثاله تكوين. أي لم يخلق له نظير.
لعظمت حتى لو تكون أمانةًما كان مؤتمناً بها جبرين
اللام في لعظمت: جواب لقسم محذوف: أي والله لقد عظمت. ولا يجوز أن تكون لام الابتداء؛ لأنه مختص بالاسم. وجبرين لغة: أي جبريل. وقيل: إن النون بدل من اللام.
يقول: إنك عظيم القدر فلو كنت من جملة الأمانات لكان جبريل غير مؤتمن بها على الوحي، وهذا إفراط.
بعض البرية فوق بعض خاليافإذا حضرت فكل فوق دون
خالياً: نصب على الحال.
يقول: إذا خلا الناس منك تفاضلوا في الشرف، فإذا حضرت استووا في التقصير، وصاروا كلهم دونك. أخذه من قول بشار:
وكانت نساء الحي ما دمت فيهمقباحاً، فلما غبت صرن ملاحا
غير أن المتنبي قلبه.
وقال يمدح بدر بن عمار:
فدتك الخيل وهي مسوماتٌوبيض الهند وهي مجردات
مسومات: يجوز أن يكون أراد به معلمات. ويجوز أن يريد به مرسلات. والواو في قوله: وهي في الموضعين: واو الحال. المعنى يدعو له ويقول: الخيل المسومة والسيوف المجردة من الأغماد فداءٌ لك؛ وإنما فداه بها لأنها لو فقدته لم يعملها أحد إعماله.
وصفتك في قوافٍ سائراتٍوقد بقيت وإن كثرت صفات
التاء في كثرت: ضمير القوافي: وصفات: رفع بقوله: بقيت.
يقول: قد وصفتك بقصائد يرويها كل واحد، وتسير بها الركبان، وقد بقيت صفات كثيرة، وإن كثرت القوافي.
أفاعيل الورى من قبل دهمٌوفعلك في فعالهم شيات
أفاعيل: جمع أفعال. والدهم: السود. والشيات: جمع الشية في الفرس. وهو لون يخالف لون الجملة.
يقول: إن أفعالك مشهورة بين أفعال الخلق، فإن أفعالهم تشبه بعضها بعضاً، وأفعالك مباينة لها، مشهورة فيما بينها.
وقال أيضاً يذكر نعم بدرٍ عليه حين انصرافه من عنده ليلاً وقد سمر معه الليل كله:
مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضيورؤياك أحلى في العيون من الغمض
الرؤيا: هي ما يرى في النوم. واستعمل ها هنا بمعنى رؤية البصر.
يقول: إن الليل قد مضى، وفضلك باق، وخصالك المحمودة غير منقطعة ولا مبتذلة باختلاف الليل والنهار، ورؤيتك أحلى في العيون من النوم.
على أنني طوقت منك بنعمةٍشهيدٌ بها بعضي لغيري على بعضي
بعضي: في موضع رفع؛ لأنه فاعل شهيد، وعلى: متعلق بفعل محذوف، أي أمدحك على ما طوقتنيه، أو أثني عليك أو نحوه من الأفعال.
يعني: أنك أنعمت علي نعماً نبت بها لحمي وحسن بها حالي، فظهر أثرها علي، فلو جحدها لساني أقر بها جلدي وحسن حالي.
سلام الذي فوق السماوات عرشهتخص به يا خير ماشٍ على الأرض
يستأذنه في الانصراف عن مجلسه إلى منزله.
يقول: سلام الله عليك، وصار مختصاً بك، يا خير من مشى على الأرض.
وأقبل يلعب بالشطرنج فقال له يمدحه قبل انصرافه من عنده والمطر يهطل:
ألم تر أيها الملك المرجىعجائب ما رأيت من السحاب؟
روى: مارأيت، وما رأيت. وهو أجود.
يقول: أيها الملك الذي يرجى خيره، هل ترى ما رأيت من عجائب هذا السحاب؟ وهي كثرة الأمطار المتواترة.
تشكي الأرض غيبته إليهوترشف ماءه رشف الرضاب
أراد: تتشكى، والهاء في غيبته وما بعده: للسحاب. وترشف: أصله تترشف. أي تمص. والرضاب: قطع الريق.
يقول: تظلمت الأرض إلى السحاب من غيبته عنها، فجاء المطر لتظلمها، فتمص الأرض شهوةً كما يمص العاشق ريق حبيبته. وقيل الهاء في إليه: للممدوح. أي تشكي الأرض إليه غيبته إلى السحاب.
وأوهم أن في الشطرنج هميوفيك تأملي ولك انتصابي
همي: أي قصدي. والانتصاب: التصدي للأمر، والقيام به.
يقول: أنا أظهر لك أني أنظر إلى الشطرنج وليس كذلك، فإني أنا أتأمل فيك، وأتمتع برؤيتك، وأنظر في أفعالك، وقيامي بين يديك خدمةً لك؛ لتأمرني بشيء فأمتثل أمرك.
سأمضي والسلام عليك منيمغيبي ليلتي، وغداً إيابي
روى: وعدي إيابي. يستأذنه في الانصراف.
يقول أغيب ليلتي هذه لا غير، وغداً أعود إليك.
قال ابن جنى: أنا اتهم هذه القطعة، ولم أقرأها عليه وكلامه عندي أجود من هذا.
وأخذ الشراب من أبي الطيب، وأراد الانصراف، فلم يقدر على الكلام. فقال هذين البيتين وهو لا يدري أنه قالهما، فلما أصبح أنشده إياهما ابن الخراساني وهما قوله:
نال الذي نلت منه منيلله ما تصنع الخمور
وذا انصرافي إلى محلياآذنٌ لي أيها الأمير؟
تقديره: نال مني الذي نلت منه.
يقول: شربت الخمر من عقلي ما شربت أنا منها. وقوله: لله ما تصنع الخمور عجباً من صنيع الخمور بالنا.
ثم قال: إأذن لي أيها الأمير في الانصراف إلى منزلي، فإني رأيت الخمر تغلب الإنسان.
وعرض عليه من غده الصحبة فقال ارتجالاً يعتذر عن الصبوح من غدٍ:
وجدت المدامة غلابةًتهيج للمرء أشواقه
تسيء من المرء تأديبهولكن تحسن أخلاقه
قوله: تهيج للمرء أشواقه. أي تهيج ما سكن من أشواقه. وقوله: تسيء إلى آخره المراد به: من حيث تحمله على الجهل، وطرح الحشمة وإظهار الوقاحة، ولكن تحسن أخلاقه من حيث تورث الفرح وتحمل الإنسان على السخاء. ومع ذلك لا يفي خيرها بشرها.
وأنفس ما للفتى لبهوذو اللب يكره إنفاقه
روى: مال الفتى وما للفتى.
يقول: أعز شيء في الإنسان عقله، والخمر تفسده والعاقل يكره تضييع عقله وإنفاقه.
وقد مت أمس بها موتةًوما يشتهي الموت من ذاقه
يقول: لما شربتها أمس فقدت حسي وصرت إلى حال الموت! ومن ذاق الموت لا يشتهيه مرة أخرى.
ذكر هذه الأبيات استعفاءً من شرب الشراب.
وقال يصف لعبةً وكان لبدرٍ جليسٌ أعورٌ يعرف بابن كروس، يحسد أبا الطيب لما كان يشاهده من سرعة خاطره؛ لأنه لم يكن يجري في المجلس شيءٌ إلا ارتجل فيه شعراً، فقال لبدر: أظنه يعمل هذا قبل حضوره ويعده معه، ومثل هذا لا يجوز أن يكون، وأنا أمتحنه بشيءٍ أحضره للوقت، فلما كمل المجلس ودارت الكئوس استخرج لعبةً قد استعدها، لها شعرٌ في طولها، تدور على لولب، إحدى رجليها مرفوعةٌ، وفي يدها طاقةٌ ريحانٍ، تدار فإذا وقفت حذاء إنسانٍ شرب ووضعها من يده، ونقرها فدارت فقال المتنبي:
وجاريةٍ شعرها شطرهامحكمةٍ نافدٍ أمرها
قوله: محكمة أي جعل الحكم لها. وشطر الشيء: نصفه.
يقول: إن شعرها على مقدار نصفها، وهي مقبولة الحكم، وأمرها نافذ؛ لأنها كانت إذا وقفت عند إنسان شرب قدحاً، فكأنها حكمت عليه بأن يشرب.
تدور وفي يدها طاقةٌتضمنها مكرهاً شبرها
أراد بالشبر: اليد. يعني أن في يدها ريحان، وأن يدها تضمنته مكرهة؛ لأنها لا اختيار لها.
فإن أسكرتنا ففي جهلهابما فعلته بنا عذرها
تقديره: ففي جهلها عذرها بما فعلته بنا.
يقول: إن كانت حكمت علينا بالشرب حتى سكرنا، فإن جهلها بما فعلته بنا، عذرها لنا.
وأديرت فوقفت حذاء أبي الطيب فارتجل يصف اللعبة نفسها:
جاريةٌ ما لجسمها روحبالقلب من حبها تباريح
التباريح: جمع التبريح، وهو شدة الشوق. وجارية: رفع؛ لأنها خبر ابتداء محذوف. أي هذه جارية.
يقول: إنها وإن كانت غير ذات روح، فإن حبها قد برح بقلبي.
في يدها طاقةٌ تشير بهالكل طيبٍ من طيبها ريح
سأشرب الكأس من إشارتهاودمع عيني في الخد مسفوح
الواو في قوله: ودمع عيني واو الحال.
يقول: إن رائحة كل طيب مكتسبٌ من هذه الطاقة التي في يدها، ثم قال: أشرب الخمر بإشارتها، ودمع عيني في تلك الحال مصبوب؛ لأن كل من شرب الخمر تذكر حبيبه فيهيج له من ذلك الذكر الحزن، فيؤدي إلى البكاء.
وأدارها فوقفت حذاء بدرٍ فقال:
يا ذا المعالي ومعدن الأدبسيدنا وابن سيد العرب
أنت عليمٌ بكل معجزةٍولو سألنا سواك لم يجب
أهذه قابلتك راقصةًأم رفعت رجلها من التعب؟!
قوله: سيدنا أراد يا سيدنا، فحذف حرف النداء. وراقصة: نصب على الحال.
يقول: أنت تعلم بكل شيء خفي يعجز الناس عن إدراكه، ولو سألنا غيرك لم يجب، فأخبرنا عن هذه الجارية، هل قابلتك وهي ترقص، أو تعبت فرفعت رجلها من التعب؟ لأنها كانت قائمة على رجل واحدة.
وأديرت فسقطت فقال في الحال:
ما نقلت في مشيئةٍ قدماولا اشتكت من دوارها ألما
روى: مشيئة ومشيةٍ بالتصغير.
على الأول: ما نقلت قدماً بإرادة منها ولا اشتكت من دوارها، حين سقطت من الألم؛ لأنها ليست مما يحس.
وعلى الأخرى: ما نقلت قدماً في مشيةٍ، لأنها وإن كانت ماشية، فلم تنقل قدماً.
لم أر شخصاً من قبل رؤيتهايفعل أفعالها وما عزما
يقول: لم أر شخصاً سواها يفعل مثل أفعالها، من غير عزم وقصد.
فلا تلمها على تواقعهاأطربها أن رأتك مبتسما
تواقعها: أي رقصها.
يقول: لا تلمها على رقصها، لأنها تداخلها الطرب، فرقصت سروراً لما رأتك مبتسماً.
وقيل: تواقعها: سقوطها. يعني. لا تلمها على سقوطها؛ لأنها لما رأتك ضاحكاً طربت فسقطت.
وقال أيضاً فيها أي اللعبة نفسها:
إن الأمير أدام الله دولتهلفاخرٌ كسيت فخراً به مضر
مضر: اسم قبيلة، فلهذا أنثه، وتقديره: كسيت مضر به فخراً، يعني ذو فخرٍ متناهٍ، حتى أن مضراً اكتست من فخره. وقيل تقديره: لفاخرٌ مضر به كسيت فخراً، يعني: أن مضر تفتخر به بما كساها من الفخر والشرف الزائد.
في الشرب جاريةٌ من تحتها خشبٌما كان والدها جنٌّ ولا بشر
الشرب: جمع شارب، يعني: فيما بين الشرب، جارية هذه صفتها.
قامت على فرد رجلٍ من مهابتهوليس تعقل ما تأتي وما تذ
يقول: إنها قامت على فرد رجل؛ هيبةً من الأمير وخدمةً، مع أنها لا تعقل ما تفعل وما تترك.
ووصفها بشعر كثير وهجاها بمثله لكنه لم يحفظ فخجل ابن كروس وأمر بدرٌ برفعها فرفعت فقال:
وذات غدائرٍ لا عيب فيهاسوى أن ليس تصلح للعناق
إذا هجرت فعن غير اجتنابٍوإن زارت فعن غير اشتياق
العناق: المعانقة والاجتناب: المباعدة.
يقول: إنه لا عيب فيها، إلا أنها من خشب لا تصلح للمعانقة، وقربها وبعدها عن غير قصد منها.
أمرت بأن تشال ففارقتناوما ألمت لحادثة الفراق
يقول: إنك لما أمرت برفعها، فارقتنا ولم تتألم لفراقنا، كما يتألم المحب لفراق حبيبه.
ثم قال لبدر ما حملك على ما فعلت؟ فقال له بدرٌ: أردت نفي الظنة عن أدبك، فقال المتنبي معتزاً بأدبه:
زعمت أنك تنفي الظن عن أدبيوأنت أعظم أهل العصر مقدارا
إني أنا الذهب المعروف مخبرهيزيد في السبك للدينار دينارا
السبك: الصوغ.
يقول: إن كنت أردت إزالة القهر عني فقد زدت أنا على التجربة، مثل الذهب الذي إذا سبك زاد للدينار ديناراً، وليس كل ذهبٍ كذلك.
قال له بدرٌ: والله للدينار قنطاراً! فقال المتنبي يمدح بدراً وقد أطرى أدبه:
برجاء جودك يطرد الفقروبأن تعادي ينفد العمر
فخر الزجاج بأن شربت بهوزرت على من عافها الخمر
يقول: من يرجوك يغنى، ومن يعاديك يفنى وإن الزجاج فخر على سائر الجواهر من الذهب والفضة، لما شربت به، وعابت الخمر من عافها ولم يشربها، حين تشربها أنت.
وسلمت منها وهي تسكرناحتى كأنك هابك السكر
أي شربنا الخمر معك فأسكرتنا ولم تسكرك! فكأنها خافتك ولم تقدر عليك.
ما يرتجى أحدٌ لمكرمةٍإلا الإله وأنت يا بدر
يقول: ليس أحد يرتجى خيره، إلا الله ﷿، ثم أنت.
وخرج أبو الطيب إلى جبل جرش: وهي مدينةٌ عظيمةٌ نسب إليها الجبل. فنزل بعلي بن أحمد المري الخراساني وكانت بينهما مودة بطبرية فقال يمدحه:
لا افتخارٌ إلا لمن لا يضاممدركٍ أو محاربٍ لا ينام
روى: مدركٍ أو محاربٍ، جراً. فيكونان صفتين لمن. ومن تكون نكرة.
وروى. مدركٌ أو محاربٌ بالرفع، فيكونان خبرين لمبتدأ محذوف. أي هو مدرك. ومن تكون معرفة بمعنى الذي. ويجوز: أن يكون الجر فيهما على البدل من من ويكون بمعنى الذي.
يقول: لا ينبغي أن يفتخر إلا من لم يلحقه ضيم وذل من قبل أحد، ولن يكون أحد بهذه الصفة إلا أنت، ومن يكون مدركاً لما رامه، لا ينام عن أعدائه ومحاربتهم.
ليس عزماً ما مرض المرء فيهليس هماً ما عاق عنه الظلام
نصب عزماً وهماً، لأنهما خبرا ليس، واسمه ما وصلته مرض: أي فرط. والهم: الهمة ها هنا.
يقول: كل عزم يمرض فيه المرء ويفتر دون إمضائه، فليس بعزم على الحقيقة، وكل هم يمنع دون إمضائه ظلام الليل، فليس ذلك بهم على الحقيقة.
واحتمال الأذى ورؤية جانيهـ غذاءٌ تضوي به الأجسام
وروى: تتوي به الأجسام. أي تهلك. وتضوي: أي تهزل.
يقول: إن تحمل الأذى ورؤية من يؤذيك ويجني عليك غذاء تبلى به الأجسام وتهزل.
ذل من يغبط الذليل بعيشرب عيش أخف منه الحمام
وروى: ألذ منه الحمام.
يقول: من يغبط الذليل على عيشه فهو ذليل: ورب عيش يكون الموت خيراً منه، إذا لم تنل المنية، ومثله قول بشار بن برد:
وللموت خيرٌ من حياة على أذىيضيمك فيها صاحبٌ وتراقبه
كل حلمٍ أتى بغير اقتدارحجةٌ لاجىءٌ إليها اللئام
يقول: إنما يحسن الحلم مع القدرة. فمن لا يقدر على الانتصار إذا اعتصم بالحلم، فهو حجة يلتجىء إليها اللئام. ومثله قول الآخر:
إن من الحلم ذلاً أنت عارفهوالحلم عن قدرةٍ فضلٌ من الكرم
من يهن يسهل الهوان عليهما لجرح بميتٍ إيلام
يقول: من كان مهيناً في نفسه سهل عليه إهانة غيره ولا يؤلمه ما يطوى عليه من الذل، فهو كالميت الذي لا يتألم من الجراحة وغيرها.
ضاق ذرعاً بأن أضيق به ذرعاً زماني واستكرمتني الكرام
الذرع: القلب، وأصله من الذراع، وكان الفصيل إذا مشى مع الإبل وكل عن سيرها، قالوا: ضاق ذرعه أي قصر خطوه، ثم قيل لكل من عجز عن شيء: ضاق قلبه به ذرعاً، وهو نصب على التمييز. وضاق: فاعله زماني. واستكرمتني: أي وجدتني كريماً.
يقول: إن الزمان ضاق قلبه بسبب ضيق قلبي، وذلك إشارة إلى عظم حال نفسه. وقيل: أراد أن الزمان قصدني بأحداثه، فلما لم يمكنه أن يؤثر في، وأن يضيق قلبي بسبه، ضاق قلبه عند ذلك؛ لعجزه عن التأثير في، ووجدني الكرام كريماً في جميع أحوالي.
واقفاً تحت أخمصي قدر نفسيواقفاً تحت أخمصي الأنام
الأخمص: تحت باطن القدم. ويجوز في واقف الأول: الرفع على إضمار المبتدأ أي أنا واقف والنصب على الحال من الضمير في استكرمتني: أي وجدتني الكرام كريماً في تلك الحال. وأما الثاني: فبالنصب على الحال لا غير. أي أنا دون قدري في حال علوي عن الخلق.
يقول: أنا واقف دون قدر نفسي وما بلغت المنزلة التي أستحقها بفضلي، وإن كان الخلق كلهم تحت قدمي. وهذا مثل.
أقراراً ألذ فوق شرارٍ!ومراماً أبغى وظلمي يرام!
يقال: لذ الطعام يلذه. إذا استلذه. والشرار: جمع شرارة.
يقول: كيف أستلذ القرار في موضع أكون فيه معذباً؟! كالواقف فوق شرار النار! وكيف أطلب حاجة أصل إليها! مع أن الأعداء يرومون ظلمي، فلا أستقر حتى أدفع هذا الظلم عني بحبس ضيقته.
دون أن يشرق الحجاز ونجدٌوالعراقان بالقنا والشام
دون قيل إنها بمعنى: قبل، وقيل بمعنى: سوى. وتشرق: أي تغص وتمتلىء.
يقول: لا أستقر دون أن تمتلىء هذه النوحي بالرماح فأنتصف منهم.
شرق الجو بالغبار إذا سار علي بن أحمد القمقام
روى: شرق الجو وهو فعل ماض. ومشرق الجو وهو اسم الفاعل. وشرق الجو وهو مصدر. فيكون تقديره دون أن يشرق العراقان شرقاً مثل شرق الجو بالغبار؛ إذا سار الممدوح لمحاربة أعدائه. والقمقام: السيد. شبه امتلاء المواضع المذكورة بالجيش، بامتلاء الجو بالغبار، عند مسير هذا الممدوح.
الأديب المهذب الأصيد الضرب الذكي الجعد السري الهمام
الأصيد: قيل هو المتكبر، وهو من صفة الملوك. والضرب: الخفيف الجسم. والعرب تتمدح به. والجعد مطلقاً: السخي. وقيل: هو الذي لا يضام لعزه. والذكي: التام العقل. والمهذب: المصفى من العيوب. والسري: الرفيع القدرز والهمام: العظيم الهمة.
والذي ريب دهره من أساراهـ ومن حاسدي يديه الغمام
ريب الدهر: صروفه، وحوادثه.
يقول: إن صروف الدهر لا يمتنع أحد من ضيمه، والدهر قد صار من أساراه يصرفه كيف شاء، ويمنع ضرره عن الناس، ومن جملة حاسدي يديه: الغمام المضروب به المثل في السخاء، فيحسد يديه على جوده.
يتداوى من كثرةٍ المال بالإقلال جوداً كأن مالاً سقام
نصب جودا. لأنه مفعول له. وقيل: نصب على المصدر؛ لأن ما ظهر من الكلام يدل عليه: أي يجود جوداً.
يقول: كأن الغنى عنده مرض يريد إزالته، فيتداوى منه بالإقلال والإنفاق، وكأن الإقلال عافية، فهو يريد بجوده إزالة السقم عنه وطلب العافية.
حسنٌ في عيون أعدائه أقبح من ضيفه رأته السوام
السوام: المال الراعي. وحسنٌ: خبر ابتداء محذوف. وتم الكلام عند قوله. حسن.
يقول: إنه حسنٌ على الحقيقة، غير أنه عند أعدائه وفي عيونهم لعلمهم أنه يهلكهم ويقتلهم أقبح منظراً من ضيف في عيون سوائمه؛ لأنها إذا رأت الضيف علمت أنها منحورة مذبوحة، لما جرت به عادته بنحر الإبل للضيف.
قال ابن جنى: على هذا استقر الكلام بيني وبين المتنبي. ومثله لبعض الأعراب:
حبيبٌ إلى كلب الكريم مناخهبغيضٌ إلى الكوماء والكلب أبصر
وقيل: معناه حسن في عيون أعدائه؛ من حيث أن حسنه قد بهر؛ فيستحسنه عدوه وصديقه، وهو مع ذلك أقبح في السوام من ضيفه، واستغنى بذكره في صدر البيت عن أعدائه في آخره، وإنما استعجبوا لهيبتهم منه وخوفهم من سطوته فيحذرون إيقاعه بهم، كما تخاف الماشية النحر عند رؤية الأضياف.
لو حمى سيداً من الموت حامٍلحماك الإجلال والإعظام
الإجلال والإعظام: هو التبجيل والتعظيم.
يقول: لو منع سيداً من الموت مانعٌ، لكان إجلال الناس وإعظامهم إياك يمنعاك الموت، ولكان الموت يهابك ويخشاك.
وعوار لوامعٌ دينها الحل ولكن زيها الإحرام
قوله عوار: أي سيوف مجردة من الأغماد.
يقول: وحماه أيضاً السيوف العواري من أغمادها، التي تلمع وتبرق. ودينها الحل؛ لأنها لا تتحرج من الدماء. وزيها الإحرام: لأنها مجردة عن أغمادها، كالمحرم العاري عن ثيابه المتجرد منها.
كتبت في صحائف المجد: بسمٌثم قيسٌ وبعد قيس السلام
يجوز في قوله: بعد قيس الفتح على ترك الصرف، حملاً على القبيلة، ويجوز الجر بلا تنوين، فيكون قد حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وقوله بسمٌ: أراد " بسم الله الرحمن الرحيم " فجعل الباء من نفس الكلمة ورفع، الرواية الصحيحة: كتبت أي السيوف العواري كتبت: " بسم الله الرحمن الرحيم " في صحائف المجد أي لما أرادت إثبات أسماء المجد كتبت بعده: قيسٌ. أي أن المجد لهم، ثم لما لم ير أحداً يستحق المجد، كتبت في آخر الصحيفة، ما يختم به الكلام: وهو السلام. أي أن المجد مقصور على قيس.
ورفع بسم وقيس على سبيل الحكاية كقولك: قرأت الحمد لله، وكقول ذي الرمة:
سمعت: الناس ينتجعون غيثاً
وروى: كتبت: على ما لم يسم فاعله. فيكون بسم وقيس مرفوعين، ويكون نائب الفاعل محمولاً على أنه أراد الكلمة بقوله: بسم.
إنما مرة بن عوف بن سعدٍجمراتٌ لا تشتهيها النعام
أراد بالجمرات جمرات العرب وهم: قيس وضب ونمير. وسميت جمرات؛ لقوتها وكثرة حروبها، فشبهها بالجمرة في الإحراق. يعني: أنهم جمرات في الحرب والغارة، وليسوا كالجمرة التي تشتهيها النعام، لأن النعامة تبتلع الجمرة فتسيغها.
وقال ابن جنى: أراد أنهم جمرات النار؛ لشدتهم على أعدائهم، وإحراقهم إياهم، كالجمرات، وليسوا كالجمرات التي تأكلها النعام، بل هم أشد منها.
ليلها صبحها من النار والإصباح ليلٌ من الدخان تمام
تمام: صفة الليل، وهو أطول ليلة في السنة. والهاء في ليلها: القيس، أو لمرة بن عوف.
يقول: ليلهم كالصباح من كثرة اشتعال النيران؛ ليهتدي بها إليهم الأضياف والضلال، أو لإحراقهم دور أعدائهم. وصباحهم كالليل المظلم؛ من كثرة الدخان، لإحراقهم بيوت أعدائهم.
هممٌ بلغتكم رتباتٍقصرت عن بلوغها الأوهام
يقول: لهم همم قد بلغتهم منازل من المجد، بحيث تقصر الأوهام عن بلوغ تلك المنازل. ولا تبلغها أوهام الناس.
ونفوسٌ إذا انبرت لقتالٍنفدت قبل ينفد الإقدام
روى نفدت قبل ينفد: أي فنيت. وروى فقدت قبل ينفذ الإقدام. ونفوس: رفع عطفاً على هممٌ، وانبرت: أي اندفعت وعرضت. أما بالذال: فمعناه إذا انبرت نفوسهم للقتال سبقت إلى الأعداء قبل سبق إقدام أعدائهم، وبالدال: معناه أن نفوسهم إذا انبرت لقتال فنيت بالقتال قبل أن يفنى الإقدام: أي يقتلون في الحال، وليس لهم إحجام.
وكفتك الصفائح الناس حتىقد كفتك الصفائح الأقلام
يقول: استغنيت بسيوفك عن نصرة الناس، ثم استغنيت بأقلامك عن سيوفك، بما حصل في قلوب الناس من هيبتك.
وقلوبٌ موطناتٌ على الروع كأن اقتحامها استسلام
الاقتحام: طرح النفس على الأمر من غير تأمل.
يقول: لهم قلوب قد وطنوها على الحرب، فكأن اقتحامهم استسلام. أي أنهم يسلمون أنفسهم للموت.
قائدو كل شطبةٍ وحصانٍقد براها الإسراج والإلجام
الشطبة: الفرس الطويلة، وهي الأنثى. والحصان: الفرس الكريم. الذكر فقط، وقد أفرد الضمير في قوله: قد براها وحقه أن يقول: براهما اكتفاء بأحد الوصفين. وتقديره: قائدو كل شطبة قد براها، وكل حصان قد براه. الإسراج والإلجام. يعني أن هذه الأفراس قد أنحفها الإسراج والإلجام.
يتعثرن بالرءوس كما مربتاآت نطقه التمتام
يتعثرن: أي الخيل، وموضعه النصب على الحال. والتمتام: الذي يتردد لسانه في التاء والفأفاء: الذي يتردد لسانه في الفاء والألثغ: الذي يبدل الحروف، وهو الأرت أيضاً. والألكن: الذي يصب كلامه في قوالب الفارسية. وقبل التمتام: هو الذي يعجل في الكلام ولا يكاد يفهمك.
يقول: إنهم يقطعون رءوس الأعداء في الحرب، فتعثر خيلهم بالرءوس كما يعثر لسان التمتام عند نطقه بالتاء.
طال غشيانك الكرائه حتىقال فيك الذي أقول الحسام
الغشيان: الملابسة. والكرائه: جمع كريهةٍ، وهي الحرب.
يقول: طال ملازمتك الحروب وملابساتها، حتى أن السيف يقول مثل ما أقوله: أي لو كان له نطق لقال كذلك.
وكفتك التجارب الفكر حتىقد كفاك التجارب الإلهام
الإلهام: حصول العلم في القلب من غير استدلال.
يقول: إن التجارب أغنتك عن الفكر، ثم استمررت على فعل الصواب، حتى أغناك الإلهام عن التجارب.
فارسٌ يشتري برازك للفخر بقتل معتل معجل لا يلام
أي من يبارزك، يختار القتل للفخر، فلا يلام عليه ولا يعزل؛ لما يحصل له من نشر الذكر.
نائلٌ منك نظرةٌ ساقه الفقر عليه لفقره إنعام
يقول: من ساقه الفقر إليك حتى ينال منك نظرة واحدة، فإن لفقره إنعام عليه! لأنك تجبر فقره لامحالة؛ فيكون فقره سبباً إلى حسن حاله وانتظام أحواله.
خير أعضائنا الرءوس ولكنفضلتها بقصدك الأقدام
يقول: إن الرءوس أفضل الأعضاء فينا؛ لما فيها من أنواع الحواس، غير أن الأقدام صارت أفضل منها؛ لقصدها إياك، وتقريب المسافة بيننا.
قد لعمري أقصرت عنك وللوفد ازدحامٌ وللعطايا ازدحام
خفت إن صرت ف يمينك أن تأخذني في هباتك الأقوام
روى: ولعمري. يقول: أمسكت عن قصدك، والوفود مزدحمة؛ لأني خفت أن تهبني لبعضهم في جملة هباتك التي تهبها.
ومن الرشد لم أزرك على القرب على البعد يعرف الإلمام
تم الكلام عند قوله: على القرب.
يقول: كان من الرشد ترك زيارتك على القرب؛ لأن الزيارة إذا كانت من بعدٍ كانت أوقع.
وعن ابن جنى قال: سألت المتنبي عن هذا؟ فقال. كنت بالقرب من الممدوح فلم أزره، فلما بعدت عنه زرته.
ومن الخير بطء سيبك عنيأسرع السحب في المسير الجهام
الجهام: السحاب الذي أراق ماءه.
يقول: إن تأخر عطاياك عني كان خيراً لي وأنفع؛ لأنه إذا تأخر كان أكثر، ولو كان سريعاً لكان قليلاً؛ لأن السحاب الجهام يكون أسرع سيراً، ومع ذلك لا خير فيه، وإنما يكون المطر فيما يتثاقل في السير.
قل فكم من جواهر بنظامودها أنها بفيك كلام
الود والوداد: المحبة والإرادة.
يقول: تكلم وأسمعنا حسن كلامك، فكم جواهر منظومة منيتها أن تكون في فمك كلاماً.
هابك الليل والنهار، فلو تنهاهما لم تجز بك الأيام
يقول: إن الأيام والليالي تخافك وتطيعك، فلو نهيتها عن المرور عليك والاجتياز بك، لما اجتازت بك، أي لو أمرت الدهر أن يقف لوقف!!
حسبك الله؛ ما تضل عن الحق وما يهتدي إليك أثام
الأثام: هو الإثم. وقد يكون بمعنى العقوبة.
يقول: دعاء له. الله كافيك، فإنك لا تزول عن الحق، ولا يهتدي إليك الإثم.
لم لا تحذر العواقب في غير الدنايا؟ أو ما عليك حرام!
الدنايا: جمع دنية، وهي كل فعل مذموم. قوله: أو ما قيل: بمعنى الذي: يعني أنك لا تحذر عاقبة شيء إلا عاقبة الأفعال الدنية، وعاقبة الذي عليك حرام. فلم لا تحذر عواقب غير هذين من الجود والإقدام، كا تحذر عاقبة الدنية والحرام. وقيل: إن ما نفى ومعناه: ليس عليك شيء حرام في الدنيا ممنوع عنك، فإنك تقدر على كل شيء، إلا على الدنايا.
كم حبيبٍ لا عذر للوم فيهلك فيه من التقى لوام
يقول: كم حبيب لك، لو واصلته لما لامك أحد فيه، فلم يمنعك عن مواصلته إلا التقى. وقيل: معناه كم فعل محبوب، لو فعلته فلا سبيل للوم عليك فيه، لكونه مباحاً، غير أنك تجتنبه للتقى، فكأن لك من التقى لائم.
رفعت قدرك النزاهة عنهوثنت قلبك المساعي الجسام
يقول: رفعت النزاهة والعفة قدرك عن هذا الحبيب، وصرفت قلبك مساعيك العظام واشتغالك بها.
إن بعضاً من القريض هذاءٌليس شيئاً، وبعضه أحكام
روى هراء وهذاء.
يقول: إن الشعر بعضه هذيان، وكلام لا معنى له، وبعضه حكمة وصواب. وهذا مأخوذ من قوله ﷺ: " إن من الشعر لحكما " أي يحكم على الإنسان، ويسمه سمة الخير والشر منه.
منه ما يجلب البراعة، والفضلومنه ما يجلب البرسام
البراعة: الفصاحة. والبرسام: بالسريانية، ورم الصدر؛ لأن البر: الصدر، والسام: الورم. وهو داء يكثر فيه الهذيان. وهذا تأكيد للمعنى الذي ذكر في البيت الأول. أي بعض الشعر يكون من الفصاحة وبعضه من البرسام.
فحمله على فرسٍ وسأله المقام عنده فقال يعتذر عن تعجله في الرحيل:
لا تنكرن رحيلي عنك في عجلٍفإنني لرحيلي غير مختار
وربما فارق الإنسان مهجتهيوم الوغى غير قالٍ خشية العار
يقول: لا تنكرن رحيلي عنك، فإنني غير مختار لذلك، ومفارقتي إياك بمنزلة مفارقة الإنسان نفسه يوم الحرب؛ فإنه لا يكون مبغضاً لنفسه، وإنما يفعل ذلك لخوف العار، كذلك مفارقتي إياك، ليس لبغضي لك، وإنما هو بمعنىً آخر.
وقد منيت بحسادٍ أحاربهمفاجعل نداك عليهم بعض أنصاري
منيت: أي بليت. وقد روى ذلك، وروى: أحاربهم وأحاذرهم أيضاً.
يقول: إني بليت بقوم حساد، أحاربهم وأنازعهم وأطلب قهرهم، فاجعل عطاءك بعض أنصاري عليهم. هذا عذر لمفارقته. وقيل: أراد أن لي حساد يحسدونني عليك، ويحاولون إفساد حالي عندك، فانصرني عليهم بجودك وإحسانك. ونظيره قوله:
أزل حسد الحاد عني بكبتهمفأنت الذي صيرتهم لي حسدا
وقال يصف سيره في البوادي وما لقي في أسفاره، ويذم الأعور بن كروس بعد أن رجع من جبل جرش:
عذيري من عذاري من أمورسكن جوانحي بدل الخدور
العذير: الذي يقبل العذر، وهو أيضاً كل ما يعذر الرجل على فعله، ومعناه: من يعذرني. والعذارى: جمع عذراء، وهي البكر من النساء وأراد هنا بالعذارى الأمور العظام وجعل الأمور أبكاراً، لأنها لم تهجم على أحد قبله، ولم يحدث في مستقبل الأيام مثلها، ولم يطلبها أحد لصعوبتها. ولما جعلها أبكاراً جعل جوانح صدره لها خدوراً.
يقول: من يعذرني من أمور أبكارٍ هجمت علي وحلت قلبي بدل حلولها في الخدور، ولم تهجم على أحد قبلي؟!
ومبتسمات هيجاوات عصرعن الأسياف ليس عن الثغور
هيجاوات: جمع هيجاء، وهي الحرب. وأضاف مبتسمات إليها وهي إضافة الشيىء إلى نفسه.
يقول: من عذيري من حروب تبتسم عن أسياف مجردة مصقوله لا كالنساء اللاتي يتبسمن عن الثغور. شبه صفاء السيوف بصفاء الثغور.
ركبت مشمراً قدمي إليهاوكل عذافر قلق الضفور
العذافر: الجمل الشديد. والضفور: جمع الضفر، وهو حزام الرحل. ونصب مشمرا على الحال من التآء من ركبت والهاء في إليها للأمور، والهيجاوات. وأراد بالقلق الضفور: أي أن الحزام كان قد قلق للجهد، وطول السير. وقيل: يقال للجمل الصعب إنه قلق الضفور.
المعنى: طلبت هذه الصعبة الشديدة، مرة راجلاً، ومرة راكباً، لبعير قد جهده السفر حتى قلق ضفوره.
أواناً في بيوت البدو رحليوآونةً على قتد البعير
آونة: جمع أوان.
يقول: أكون مره في بيوت البدو، ورحلي محطوط هناك. وأزمنة على قتد البعير. وجعل سيره أكثر من استقراره.
وقيل: معناه أن رحله يكون في بيوت البدو مرة أي يترك رحله فيها ويسير راجلاً، ومرة. يحمل على البعير. وهو مثل البيت الذي قبله وأراد بالرحل: آلة السفر. والقتد والقتب والقتب رويا. وهو خشب الرحل.
أعرض للرماح الصم نحريوأنصب حر وجهي للهجير
أعرض: أي ألقى الرماح بنحري. وحر كل شيء: خالصه. والهجير: الوقت الذي يشتد فيه الحر.
معناه: أحارب مرة فألقى الرماح بنحري، ومرة أسير مقابلاً شدة الحر بوجهي وقت الهاجرة؛ رجاء أن أدرك معالي الأمور.
وأول البيت من قول الآخر:
تعرض للطعان إذا التقيناوجوهاً لا تعرض في السباب
وأسرى في ظلام الليل وحديكأني منه في قمرٍ منير
الهاء في منه للظلام. وقيل: للوجه في قوله: حر وجهي.
يقول: أنا أمضي في ظلمة الليل وحدي، لا أخاف أحداً فكأن سيري في ضوء القمر، وكأني من نور وجهي في ليلة قمراء.
فقل في حاجةٍ لم أقض منهاعلى تعبي بها شروى نقير
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع