من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الْفَنّ الثَّالِث وَهُوَ علم البديع (٦)
وَحدث عمر بن أبي شيبَة قَالَ مر عَابِد براهب فِي صومعة فَقَالَ لَهُ عظني قَالَ أعظك وَعَلَيْكُم نزل الْقُرْآن ونبيكم مُحَمَّد ﷺ قريب الْعَهْد بكم قلت نعم قَالَ فاتعظ بِبَيْت من شعر شاعركم أبي الْعَتَاهِيَة حَيْثُ يَقُول
تجرّد من الدُّنيا فَإنَّكَ إِنَّمَاوقعْتَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنت مُجَرّد) // الطَّوِيل //
وَمن شعر أبي الْعَتَاهِيَة قَوْله
بَادر إِلَى اللذّات يَوْمًا أمكنتبحلولهنّ بَوَادِر الآفاتِ
كم من مُؤَخِّرِ لذةٍ قد أمكنتْلغدٍ وَلَيْسَ غدٌ لهُ بِمُوَاتِ
حَتَّى إِذا فَاتَت وفاتَ طلابهاذَهبت عَلَيْهَا نفسهُ حسرَاتِ
تَأتي المكارهُ حِين تَأتي جملَةوَأرى السُّرور يَجِيء فِي الفلتات) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول بَعضهم
أيُّ شَيْء يكونُ أعجبَ أمراإِن تنكرتَ من صُرُوف الزمانِ
عارضاتُ السُّرُور توزنُ فيهِوالبلايَا تكال بالقفزان) // الْخَفِيف //
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
وإذَا انْقَضى هَمُّ امْرِئ فقد انْقَضىإنّ الهموم أشدُّهنّ الأحدث) // الْكَامِل //
ويومئ إِلَى هَذَا الْمَعْنى قَوْله أَيْضا وَهُوَ عَجِيب فِي مَعْنَاهُ
(إِنَّمَا أنتَ طولَ عمركَ مَا عمرتَ فِي السَّاعَة الَّتِي أَنْت فِيهَا ...) // الْخَفِيف //
وَمن هَذَا قَول من قَالَ
وكما تبلىَ وُجوهٌ فِي الثرَىفَكَذَا يبلىَ عليهنَّ الحَزَنْ) // الرمل //
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
كأنّ عائبكم يُبْدِي محاسنكمْمِنْكُم فيمدحكمْ عِنْدِي فيغرينِي
إِنِّي لأعجبُ من حبِّ يقرِّبنيمِمَّا يباعدني عَنهُ ويقصيني) // الْبَسِيط //
وَمثل الأول قَول عُرْوَة بن أذينة
كَأَنَّمَا عائبها جاهداًزينها عِنْدِي يتزيين) // السَّرِيع //
وَكَذَا قَول أبي نواس
كَأَنَّهُمْ أْثَنْوا وَلم يعلَمُواعليكَ عِنْدِي بِالَّذِي عابوا) // السَّرِيع //
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة لابنته رقية فِي علته الَّتِي مَاتَ فِيهَا قومِي يَا بنية فارثي أَبَاك واندبيه بِهَذِهِ الأبيات فَقَامَتْ فندبته بقوله
لعب البلا بمعالمي ورسوميوقُبِرْتُ حَيا تحتَ رَدم همومِي
لزمَ البلَا جسمي فأوهى قوَّتيإنَّ البلَا لموكَّلٌ بلزومي) // الْكَامِل //
وَكَانَ مولده سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة ووفاته فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ لثمان من جُمَادَى الأولى وَقيل لثلاث من جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة ثَلَاث عشرَة وَدفن حِيَال قنطرة الزياتين فِي الْجَانِب الغربي بِبَغْدَاد وَأمر أَن يكْتب على قَبره
إنَّ عَيْشًا يكونُ آخِره الْمَوْتلَعيشٌ معجَّلُ التنغيصِ) // الْخَفِيف //
وَقيل أوصى أَن يكْتب عَلَيْهِ
أُذْنَ حَيٍّ تَسَمَّعِيواسمعي ثمَّ عِي وَعِي
أَنا رهنٌ بمضجعيفاحذروا مثل مَصْرَعي
عِشْت تسعين حِجَّةًأسلمَتْنِي لمضجعي
كم ترى الْحَيّ ثَابتافِي ديار التزعزُع
لَيْسَ زادٌ سوى التقىفَخذي مِنْهُ أَو دَعِي) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَلما مَاتَ رثاه ابْنه مُحَمَّد فَقَالَ
يَا أبي ضَمَّكَ الثرىوطوى الموتُ أجْمَعَكْ
لَيْتَني متُّ يَوْم صرتإِلَى حُفْرَة مَعَك
رحم الله مصرعكبَرَّدَ الله مضجعك) // من مجزوء الْخَفِيف //
مَا نوالُ الْغَمَام وَقْتَ رَبيعٍكنوالِ الْأَمِير يَوْم سخاءِ
فنوالُ الْأَمِير بدْرَةُ عَيْنٍونوالُ الْغَمَام قَطْرَةُ ماءِ
البيتان لرشيد الدّين الوطواط الشَّاعِر من الْخَفِيف
والنوال الْعَطاء والبدرة كيس فِيهِ ألف دِينَار أَو عشرَة آلَاف دِرْهَم أَو سَبْعَة آلَاف دِرْهَم أَو سَبْعَة آلَاف دِينَار وَالْعين هُنَا المَال
وَالشَّاهِد فيهمَا التَّفْرِيق وَهُوَ إِيقَاع تبَاين بَين أَمريْن من نوع فِي الْمَدْح أَو فِي غَيره فَمن ذَلِك قَول بَعضهم
حسبْتُ جمالَهُ بَدْرًا منيراًوَأَيْنَ الْبَدْر من ذَاك الْجمال) // الوافر //
وَقَول قَوْله الآخر
قاسوك بالغصن فِي التَّثَنِّيقياسَ جهل بِلَا انتصاف
هذاك غُصْن الْخلاف يُدْعَىوَأَنت غُصْن بِلَا خلاف) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول الْموصِلِي مَعَ تَسْمِيَة النَّوْع
قَالُوا هُوَ الْبَحْر والتفريق بَينهمَاإِذْ ذَاك غَمٌّ وَهَذَا فَارق الغمم) // الْبَسِيط //
وَقد تلاعب الشُّعَرَاء بِمَعْنى الْبَيْتَيْنِ المستشهد بهما فللوأواء الدِّمَشْقِي
من قَاس جدواك بالغمام فَمَاانصف فِي الحكم بَين شكلين
أَنْت إِذا جُدْتَ ضَاحِك أبداوَهُوَ إِذا جاد باكي الْعين) // المنسرح //
ولبعضهم فِيهِ أَيْضا وأجاد جدا
من قَاس جَدْوَاكَ يَوْمًابالسُّحْب أَخطَأ مدحك
السحبُ تُعْطِي وتبكيوَأَنت تُعْطِي وتضحك) // المجتث //
وَلأبي الْفَتْح البستي وأجاد
يَا سيد الْأُمَرَاء يَا مَنْ جُودُهأوْفَى على الْغَيْث الْمَطير إِذا هَمَى
الغيثُ يُعْطي باكياً متجهِّماًونراك تُعْطِي ناصرا مُتَبَسِّمًا) // الْكَامِل //
وَمثله لأبي مَنْصُور البوشنجي
وذلكَ ضاحكٌ أبدا بجُودٍوَجودك لَيْسَ يمطرُ غيرَ باكي) // الوافر //
وَقَول الأديب يَعْقُوب النَّيْسَابُورِي فِي الْأَمِير أبي الْفضل الميكالي
رأيتُ عُبيدَ الله يضحكُ معطياًُويبكي أخُوهُ الغيثُ عِنْد عطائهِ
وَكم بينَ ضَحُاكٍ يجُودُ بمالهِوآخَرَ بكَّاءٍ يَجودُ بمائه) // الطَّوِيل //
ولشرف الدّين السنجاري فِي مَعْنَاهُ
مَا قستُ بالغيث العطايا منكَ إِذْيبكي وتضحك أَنْت إِذْ تُولى النّدَا
وَإِذا أَفَاضَ على الْبَريَّة جودُهُمَاء تفيضُ لنا يَمِينك عسجدا) // الْكَامِل //
وَمَا أبدع قَول البديع الهمذاني مَعَ زِيَادَة الْمَعْنى وَالْمُبَالغَة فِي الغلو
يكادُ يحكيكَ صوبُ الْغَيْث منسكباًلَو كَانَ طَلْقَ المحيَّا يمطرُ الذهَبَا
والدهرُ لَو لم يخنْ وَالشَّمْس لَو نطقتْوالليثُ لَو لم يُصَدْ والبحرُ لَو عذبا) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن بابك يمدح نظام الْملك
يقولونَ إنّ المزن يحكيك صوبهُمجاملةً هَا قد شهِدت وَغابَا
وَكم عزمةٍ عمّ البريةَ بؤسهافَهَل نَاب فِيهَا عَن نداك مَنابَا
هَمَتْ ذَهَبا فِيهَا يداك عَلَيْهِموضنت يَدَاهُ أَن ترش ذَهَابًا) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن اللبانة فِي الْمُعْتَمد على الله بن عباد
سألتُ أخاهُ الْبَحْر عنهُ فَقَالَ لِيشقيقيَ إِلَّا أَنه الباردُ العذبُ
لنا دِيمَتَاً مَاء وَمَال فديمتيتَمَاسَكُ أحيانَاً وديمَتُه سَكْبُ
إِذا نشأت بَرِّية فلهُ الندَىوَإِن نشأت بحريّة فلي السحبُ) // الطَّوِيل //
وَينظر إِلَى مَعَاني مَا مر وَلم يكن بَعيدا مِنْهَا قَول بَعضهم
يَا عيونَ السَّمَاء دمعُكِ يفنىعَن قَريب وَمَا لدمعي فناءُ
أَنا أبْكِي طَوْعًا وتبكين كرهاودموعي دِماً ودمعك ماءُ) // الْخَفِيف //
وَلم أَقف على تَرْجَمَة الوطواط الشَّاعِر لَكِن رَأَيْت ابْن فضل الله ذكره فِي المسالك فِي معرض تراجم فَاثْبتْ مَا رَأَيْته قَالَ فِي تَرْجَمَة الشَّمْس بن دانيال إِنَّه كَانَ بَينه وَبَين الوطواط مَا يكون بَين الأدباء ويدب بَين الأحباء فعرضت للوطواط رمدة تكدر بهَا صفيحه وتكنى لَهُ فِيهَا صَرِيحه فَقيل لَهُ لَو طلبت ابْن دانيال فَقَالَ ذَاك لَا يسمح بذرة يَعْنِي من كحله فَبلغ ابْن دانيال فَقَالَ فِي ذَلِك
وَلم أَقطع الوطواط بُخْلاً بِكَحْلِهِوَلَا أَنا من يعييه يَوْمًا تردد
وَلكنه ينبو عَن الشَّمْس طرفهفَكيف بِهِ لي قدرَة وَهُوَ أرمد) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِي تَرْجَمَة شَافِع بن عَليّ بن عَبَّاس الْكَاتِب وَمن قَوْله فِي الوطواط الشَّاعِر
كم على دِرْهَم يلوح حَرَامًايَا لئيم الطباع سرّاً تواطى
دَائِما فِي الظلام تمشي مَعَ النَّاسوهذي عوائد الوطواط) // الْخَفِيف //
وَقَوله فِيهِ
قَالُوا نرى الوطواط فِي شدَّةمن تَعب الكد وَمن ويل
فَقلت هَذَا دأبه دَائِمايسْعَى من اللَّيْل إِلَى اللَّيْل) // السَّرِيع //
ثمَّ إِنِّي رَأَيْت المرحوم الْجلَال السُّيُوطِيّ ذكره فِي طَبَقَات النُّحَاة فَقَالَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْجَلِيل بن عبد الْملك بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن يحيى بن مرْدَوَيْه بن سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ
الْمَعْرُوف بالرشيد الوطواط قَالَ ياقوت كَانَ من نَوَادِر الزَّمَان وعجائبه وأفراد الدَّهْر وغرائبه أفضل أهل زَمَانه فِي النّظم والنثر وَأعلم النَّاس بدقائق كَلَام الْعَرَب وأسرار النَّحْو وَالْأَدب طَار فِي الْآفَاق صيته وَسَار فِي الأقاليم ذكره وَكَانَ ينشئ فِي حَالَة وَاحِدَة بَيْتا بِالْعَرَبِيَّةِ من بَحر وبيتاً بِالْفَارِسِيَّةِ من آخر ويمليها مَعًا وَله من التصانيف حدائق السحر فِي دقائق الشّعْر أَسْفَاره رِسَالَة بالعربي ورسالة بالفارسي وَغير ذَلِك مولده ببلخ وَمَات بخوارزم سنة ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة
فَتبين بِهَذَا أَن الَّذِي ذَكرْنَاهُ أَولا لَيْسَ هُوَ
وَمن رسائله مَا كتبه إِلَى الْعَلامَة جَار الله الزَّمَخْشَرِيّ ليستأذنه فِي حُضُور مَجْلِسه والاستفادات من سؤالاته
لقد حَاز جَار الله دَامَ جمالهفَضَائِل فِيهَا لَا يشق غُبَاره
تجدّدَ رسم الْفضل بعد اندراسهبأيام جَار الله فَالله جَاره) // الطَّوِيل //
أَنا مُنْذُ لفظتي الأقدار من أوطاني ومعاهد أَهلِي وجيراني إِلَى هَذِه الخطة الَّتِي هِيَ الْيَوْم بمَكَان جَار الله أدام الله جماله جنَّة للكرام وجنة من نكبات الْأَيَّام كَانَت قصوى منيتي وقصارى بغيتي أَن أكون أحد الملازمين لسدته الشَّرِيفَة الَّتِي هِيَ مجثم السِّيَادَة ومقبل أَفْوَاه السَّادة فَمن ألْقى بهَا عَصَاهُ حَاز فِي الدَّاريْنِ مناه ونال فِي المحلين مبتغاه وَلَكِن سوء التَّقْصِير أَو مَانع التَّقْدِير حرمني مُدَّة تِلْكَ الْخدمَة وَحرم تِلْكَ النِّعْمَة والآن أَظن وَظن الْمُؤمن لَا يُخطئ أَن آفل جدي هم بالإشراق وذابل إيراقي
تحرّك للإيراق فقد أجد فِي نَفسِي نورا مجددا يهديني إِلَى جنته وَمن شوق دَاعيا موفقاً يدعوني إِلَى عتبته ويقرع سَمْعِي كل سَاعَة لِسَان الدولة أَن اخلع نعلك واطرح بالواد الْمُقَدّس رحلك وَلَا تحفل بِقصد قَاصد وحسد حَاسِد فَإِن حَضْرَة جَار الله أوسع من أَن تضيق على رَاغِب فِي فَوَائده وَأكْرم من أَن تستثقل وَطْأَة طَالب لعوائده وَمَعَ هَذَا أَرْجُو إِشَارَة تصدر عَن مَجْلِسه المحروس إِمَّا بِخَطِّهِ الشريف فَإِن فِي ذَلِك شرفاً لي يَدُوم مدى الدَّهْر وَالْأَيَّام وفخراً يبْقى على مر الشُّهُور والأعوام وَإِمَّا على لِسَان من يوثق بِصدق مقَالَته ويعتمد على تَبْلِيغ رسَالَته من المنخرطين فِي سلك خدمته والراتعين فِي رياض نعْمَته ورأيه فِي ذَلِك أَعلَى وأصوب
وَكتب إِلَيْهِ يهنئه بالعيد الأعياد عرف الله سيدنَا جَار الله بركَة قدومها وورودها وَجعل لَهُ الْحَظ الْأَكْمَل والقسط الأجزل من ميامنها وسعودها فرائد قلائد الْأَيَّام وغرر جبهات الأعوام لَكِنَّهَا رَاحِلَة لَا تقوم وزائلة لَا تدوم ولقاء جَار الله أدام الله مجده لنا معشر خدمه والمرتضعين در فَضله وَكَرمه عيدٌ لَا زَالَ الْعِيد لَهُ كتصحيفه بَاقِيَة محاسنه دائمة ميامنه يهدي كل سَاعَة إِلَى أبصارنا نورا وَإِلَى أَرْوَاحنَا رَاحَة وسروراً فَكيف نهنئ عيداً هَذِه حَاله بعيد لَا يُؤمن زَوَاله
أَتَى العيدُ جارَ الله وَهُوَ مجدّدٌبخدمته عهدَ الْمُهَيْمِن تجديداً
فلستُ بعيدٍ لَا يدومُ مهنئاًلصدر محياه يدومُ لنا عيدا) // الطَّوِيل //
وَلَا يقيمُ على ضَيْمٍ يرادُ بهِإِلَّا الأذلان غير الْحَيّ والْوَتِدُ
هَذَا على الخسفِ مربوطٌ برُمَّتِهِوذَا يُشجُّ فَلَا يَرْثِي لهُ أحدُ
البيتان من الْبَسِيط وقائلهما المتلمس من أَبْيَات وَهِي
إنَّ الهوَانَ حمارُ الْأَهْل يعرفهُوَالْحر ينكرهُ والرسلة الأجدُ
كونُوا كَسَامَة إِذْ ضنك منازلهُإِذْ قيل جيشٌ وجيشٌ حافظٌ عتدُ
شدَّ المطية بالأنْسَاعِ فانْحَرَفَتْعَرض التَّنُوفَةِ حَتَّى مَسهَا النَّجَدُ
كونُوا كبكر كَمَا قد كَانَ أولكموَلَا تَكُونُوا كَعبد الْقَيْس إِذْ قعدُوا
يُعْطُونَ مَا سئلوا والبحرُ محتدُهمكَمَا أكبَّ على ذِي بَطْنِهِ الفهد) // الْبَسِيط //
وَبعده البيتان وبعدهما قَوْله
وَفِي الْبِلَاد إِذا مَا خِفْتَ ثائرةمَشْهُودَة عَن وُلاة السوء تنتقدُ
والضيم الظُّلم وَالْعير بِفَتْح الْمُهْملَة الْحمار وَغلب على الوحشي وَالْمُنَاسِب هُنَا الأهلي والخسف النقيصة والإذلال تحميل الْإِنْسَان مَا يكره وَحبس الدَّابَّة بِلَا علف والرمة بِضَم الرَّاء وتكسر قِطْعَة من حَبل والشج الْكسر والدق وَالِاسْتِثْنَاء فِي إِلَّا الأذلان اسْتثِْنَاء مفرغ وَقد أسْند إِلَيْهِ فعل الْإِقَامَة فِي الظَّاهِر وَإِن كَانَ مُسْندًا فِي الْحَقِيقَة إِلَى الْعَام الْمَحْذُوف
وَالشَّاهِد فيهمَا التَّقْسِيم وَهُوَ ذكر مُتَعَدد ثمَّ إِضَافَة مَا لكل إِلَيْهِ على التَّعْيِين فَإِنَّهُ ذكر العير والوتد ثمَّ أضَاف إِلَى الأول الرَّبْط مَعَ الْخَسْف وَإِلَى الثَّانِي الشج على التَّعْيِين
وَمِمَّا ورد فِي التَّقْسِيم قَول زُهَيْر بن أبي سلمى السَّابِق فِي شَوَاهِد الإيجاز والإطناب
وَأعلم علم الْيَوْم والأمْس قبلهُولكنني عَن علم مَا فِي غَدِ عَمِي) // الطَّوِيل //
وَقد نقل أَبُو نواس هَذَا التَّقْسِيم من الْجد إِلَى الْهزْل فَقَالَ
أمرُ غدٍ أنتَ منهُ فِي لَبْسِوأمس قد فاتَ فالهُ عَن أمْسِ
وَإِنَّمَا الشأنُ شأنُ يَوْمك َذَافبَاكِر الشَّمْس بابنةِ الشمسِ) // المنسرح //
وَقد نَقله بَعضهم أَيْضا فَقَالَ
تمتّع من الدُّنْيَا بِساعتكَ الَّتِيظفرتَ بهَا مَا لم تَعُقْكَ العوائقُ
فَلَا يومكَ الْمَاضِي عليكَ بعائدٍوَلَا يومكَ الْآتِي بِهِ أَنْت واثق) // الطَّوِيل //
وَمن التَّقْسِيم قَول بشار بن برد
وراحوا فريقٌ فِي الإسَارِ ومثلهُقتيلٌ ومثلٌ لَاذَ بالبحر هاربه) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول الصفي الْحلِيّ
أفنى جيوش العدا غزواً فلست ترىسوى قتيلٍ ومأسورٍ ومنهزم) // الْبَسِيط //
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول عمر بن الْأَيْهَم
اشربا مَا شربتما فَهُدَيلٌمن قتيلٍ أَو هاربٍ أَو أَسِير) // الْخَفِيف //
وَمِنْه وَزعم قومٌ أَنه أفضل بَيت وَقع فِيهِ تَقْسِيم قَول نصيب
فقالَ فريقُ الْقَوْم لَا وفريقهمنعم وفريقٌ أيمنُ الله مَا نَدْرِي) // الطَّوِيل //
وَزعم أَبُو العيناء أَن خير تَقْسِيم قَول عمر بن أبي ربيعَة
تهيمُ إِلَى نعم فَلَا الشملُ جامعٌوَلَا الحبلُ موصولٌ وَلَا القلبُ مُقْصِرُ
وَلَا قربُ نعم إِن دَنت لكَ نافعٌوَلَا نأيها يُسْلِي وَلَا أَنْت تصبر) // الطَّوِيل //
وَاخْتَارَ آخَرُونَ قَول الحاركي وَقَالُوا إِنَّه أفضل
فَلَا كمدى يفني وَلَا لَكِ رقةٌوَلَا عَنْك إقصارٌ وَلَا فيكِ مطمعُ) // الطَّوِيل //
وبديع قَول الْأَمِير السُّلَيْمَانِي
وصلتَ فَلَمَّا أَن مَلَكْتَ حُشَاشتيهجرت فجد وَارْحَمْ فقد مسني الضرُّ
فليت الَّذِي قد كَانَ لي منكَ لم يكنوليتكَ لَا وصلٌ لديكَ وَلَا هجرُ
فَلَا عَبْرَتِي ترقَا وَلَا فيكَ رقةوَلَا مِنْك إِلْمَام وَلَا عنكَ لي صَبر) // الطَّوِيل //
وَقد ألم بِنَحْوِ هَذَا التَّقْسِيم الشهَاب مَحْمُود حَيْثُ قَالَ
وَإِنِّي لفي نَظَرِي نحوهَاوَقد ودَّعَتْنِي قُبَيْلَ الفراقِ
وَلَا صبرَ لي فأطيقَ الْهوىوَلَا طمعٌ إِن نأت فِي اللحاق
وَلَا أملٌ يرتَجى فِي الرُّجُوعوَلَا حكم فِي ردّ تِلْكَ النياقِ
كمُضْنيً يودّعُ رُوحاً غَدَتْيَراها على رغمه فِي السِّيَاق) // المتقارب //
وَمن مليح التَّقْسِيم قَول دَاوُد بن مُسلم
فِي بَاعه طولٌ وَفِي وجههِنورٌ وَفِي العِرْنِينِ منهُ شمم) // السَّرِيع //
وَكَانَ مُحَمَّد بن مُوسَى المنجم يحب التَّقْسِيم فِي الشّعْر وَكَانَ معجباً بقول الْعَبَّاس ابْن الْأَحْنَف
وصالكم صرمٌ وحبكم قِلاًوعطفكم صد وسلمكم حَرْب) // الطَّوِيل //
وَيَقُول أحسن وَالله فِيمَا قسم حَيْثُ جعل حِيَال كل شَيْء ضِدّه وَالله إِن هَذَا التَّقْسِيم لأحسن من تقسيمات إقليدس
وَمن جيد التَّقْسِيم قَول أبي تَمام
فَمَا هُوَ إِلَاّ الْوَحْي أوحدُّ مرهفٍتميلُ ظبَاهُ الحدَّ عَن كل مائلِ
فَهَذَا دواءُ الدَّاء من كل عالمٍوَهَذَا دواءُ الدَّاء من كل جاهلِ) // الطَّوِيل //
وَذكر الجاحظ أَن قُتَيْبَة بن مُسلم لما قدم خُرَاسَان خطب النَّاس فَقَالَ من كَانَ فِي يَده من مَال عبد الله بن حَازِم شيءٌ فلينبذه وَإِن كَانَ فِي فَمه فليلفظه وَإِن كَانَ فِي صَدره فلينفثه قَالَ فَعجب النَّاس من حسن مَا فصل وَقسم
ووقف أَعْرَابِي على حَلقَة الْحسن فَقَالَ رحم الله من تصدق من سَعَة أَو واسى من كفاف أَو آثر من قوت
وَلَقَد أَجَاد ابْن حيوس فِي التَّقْسِيم بقوله
ثمانيةٌ لم تَفْتَرِق مُذْ جمعتهافَلَا افْتَرَقت مَا ذبَّ عَن ناظرٍ شَفْرُ
ضَميرُك وَالتَّقوى وكفك والندىولفظك وَالْمعْنَى وسيفك والنصر) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول أبي ربيعَة المَخْزُومِي
وهَبْهَا كشيء لم يكن أَو كنازحعَنِ الدَّار أَو من غيبته الْمَقَابِر) // الطَّوِيل //
وَعَجِيب هُنَا قَول أبي تَمام فِي مَجُوسِيّ أحرق فِي النَّار
صَلَّى لَهَا حيّاً وَكَانَ وقودَهامَيتا ويدخلها مَعَ الفجّارِ) // الْكَامِل //
وَمَا أعذب قَول الشَّيْخ شرف الدّين بن الفارض
يَقُولُونَ لي صِفْهَا فأنتَ بوصفهاخبيرٌ أجلْ عِنْدِي بأوصافها علمُ
صفاءٌ وَلَا ماءٌ ولُطْفٌ وَلَا هوَىونورٌ وَلَا نَار وروحٌ وَلَا جسم) // الطَّوِيل //
وَقَول مُحَمَّد بن دراج القسطلي وأجاد
عطاءٌ بِلَا منّ وَحكم بِلَا هوَىوَملك بِلَا كبرٍ وعزٌّ بِلَا عجب) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر أَيْضا
بَنِي جعفرٍ أَنْتُم سَمَاء رياسةٍمناقِبكمْ فِي أُفقها أنجمٌ زهرُ
طريقتكمْ مثلى وهديكمُ رِضىًومذهبكم قصدٌ ونائلكم غَمْرُ
عطاءٌ وَلَا منٌّ وحكمٌ وَلَا هوىوحلمٌ وَلَا عجزٌ وعزٌ وَلَا كبرُ) // الطَّوِيل //
وبديع قَول بَعضهم أَيْضا
قوسٌ وَلَا وتَرٌ سهمٌ وَلَا قودٌعينٌ وَلَا نظر نحلٌ وَلا عسلُ) // الْبَسِيط //
وَقَول بَعضهم أَيْضا
تسربْلَ وَشْياً من خُزُوزٍ تطرَّزتْمطارفهَا طرزاً من الْبَرْق كالتبرِ
فوشْيٌ بِلَا رقمٍ ورقمٌ بِلَا يدٍودمعٌ بِلَا عينٍ وضحكٌ بِلَا ثغر) // الطَّوِيل //
وَقَول الرستمي
فَتى خازرق المجدِ من كل جانبٍإليهِ وخَلَّى كاهلَ الشكرِ ذَا ثُقْلٍ
بِعَفْوٍ بِلَا كدٍّ وصفوٍ بِلَا قَذىًونقدٍ بِلَا وعدٍ ووعدٍ بِلَا مطل) // الطَّوِيل //
وَمَا أشرف قَول ابْن شرف
لمختلفي الحاجاتِ جمعٌ ببَابهِفَهَذَا لهُ فنٌّ وَهَذَا لهُ فنُّ
فللخامل العليَا وللمعدمٍ الغنىَوللمذنبِ الْعُتْبِي وللخائف الْأَمْن) // الطَّوِيل //
وَقَول بَعضهم أَيْضا
نرجو سُلُوا فِي رسُومٍ بَيْنها الأغصانُسكْرَى والحمامُ مُتَيَّمُ
هَذِي تميلُ إِذا تَنَسَّمَتِ الصِّبَاوالوُرقُ تذكُرُ شَجْوَها فترَنَّمُ) // الْكَامِل //
وَلابْن جَابر الأندلسي
لقد عَطَفَتني على حُبِّهَابوَجْهٍ تبدَّى على عَطْفِهِ
فَهَذَا هُوَ البدرُ فِي أُفْقِهِوَهَذَا هُوَ الغُصْنُ فِي حِقْفِهِ) // المتقارب //
وَلأبي الْحُسَيْن الجزار
وزيرٌ مَا تَقَلَد قطُّ وزْرَاًوَلَا داناهُ فِي مَثْوَى أنامُ
وجُلُّ فعالهِ صاداتُ برّصِلَاتٌ أَو صَلَاةٌ أَو صِيَام) // الوافر //
ولشيخ شُيُوخ حماة
لنا مَلِكٌ واجدٌ مَا اشْتَهَىولكنهُ لم يجِدْ مثلَهُ
ملاذي بِهِ ومثولي لديهِومَيْلي إِلَيْهِ ومدحي لَهُ) // المتقارب //
وَمثله قَول بَعضهم مجونا
وبديعُ الجمالِ مُعتَدِلُ الْقَامَةكالغصنِ حنَّ قلبِي إليهِ
(أشتهى أَن يكونَ عنْدِي وَفِي بَيْتي وبَعْضي فيهِ وكلي عَلَيْهِ ...) // الْخَفِيف //
وَمن المضحك فِيهِ قَول السراج الْوراق
رأتْ حَالي وقَدْ حالَتْوَقد غال الصِّبَا فَوْتُ
فَقَالَتْ إِذْ تَشاجَرْناوَلم يُخْفَضْ لنا صَوْتُ
أشيخ مفلسٌ يهْوَىويَعْشَقُ فاتكَ الفَوْتُ
فَلَا خيرٌ وَلَا ميرٌوَلَا إيرٌ فَذا موت) // من مجزوء الوافر //
ولطيف قَول بَعضهم
وَفِي أَربع منِّي حَلَتْ منكَ أرْبَعٌفَمَا منهُ أَدْرِي أيُّها هاجَ لي كربي
أوجهنك فِي عَيْني أم الرِّيقُ فِي فميأم النُّطْق فِي سمْعي أم الحُبُّ فِي قلبِي) // الطَّوِيل //
وَقد سمع يَعْقُوب بن إِسْحَاق الْكِنْدِيّ هَذَا فَقَالَ هُوَ تَقْسِيم فلسفي وَقد أَخذه الحمايني الْعلوِي فَجعله خَمْسَة فَقَالَ
وَفِي خمسَةٍ مني حَلَتْ مِنْك خمسَةٌفريقكَ مِنْهَا فِي فمي طَيِّبُ الرَّشْف
ووجهكَ فِي عَيْني ولمسكَ فِي يَديونُطْقكَ فِي سَمْعِي وعَرْفُك فِي أنفي) // الطَّوِيل //
والمتلمس أُسَمِّهِ جرير بن عبد الْمَسِيح الضبعِي وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة المقلين الَّذين اتّفق الْعلمَاء بالشعر على أَنه أشعرهم وهم المتلمس وَالْمُسَيب بن علس وحصين بن الْحمام ولقب بالمتلمس لقَوْله
وذاكَ أوانُ العِرْض طَنَّ ذبابُهُزنابيرُهُ والأزرق المتلمس) // الطَّوِيل //
وَكَانَ هُوَ وطرفة بن العَبْد يتنادمان مَعَ عَمْرو بن هِنْد ملك الْحيرَة وَكَانَ سيء الْخلق شديده وَكَانَ قد حرق من تَمِيم مائَة رجل فهجوه وَكَانَ مِمَّا هجاه بِهِ المتلمس قَوْله
إِن الخيانَةَ والمغَالةَ والخناوالغَدْرَ نترُكه ببَلَدةِ مُفْسِدِ
ملكٌ يلاعبُ أمهُ وقَطينَهَارِخْوُ المفاصل بطْنُهُ كالمزْوَدِ
فَإِذا حَللتُ فَدُونَ بَيْتِي غَارةٌفابرُقْ بأرْضِك مَا بدا لَك وأرعد) // الْكَامِل //
وهجاه طرفَة بِمَا تقدم فِي تَرْجَمته فِي شَاهد التَّكْمِيل فاستحيا أَن يقتلهما بِحَضْرَتِهِ وَبَينه وَبَينهمَا إدلال المنادمة فَكتب لَهما صحيفتين وختمهما لِئَلَّا يعلمَا مَا فيهمَا وَهُوَ أول من ختم الْكتاب وَقَالَ لَهما اذْهَبَا إِلَى عَامِلِي بِالْبَحْرَيْنِ فقد أَمرته أَن يصلكما بالجوائز فذهبا فمرا فِي طريقهما بشيخ يحدث وَيَأْكُل من خبز بِيَدِهِ ويتناول الْقمل من ثِيَابه فيقصعه فَقَالَ المتلمس مَا رَأَيْت شَيخا كَالْيَوْمِ أَحمَق من هَذَا فَقَالَ الشَّيْخ مَا رَأَيْت من حمقي أخرج الدَّاء وَأدْخل الدَّوَاء وأقتل الْأَعْدَاء ويروى أطرح خبيثاً وَأدْخل طيبا وأقتل عدوا أَحمَق وَالله مني من يحمل حتفه بِيَدِهِ فاستراب المتلمس بقوله فطلع عَلَيْهِمَا غُلَام من أهل الْحيرَة من كتاب الْعَرَب فَقَالَ لَهُ المتلمس أَتَقْرَأُ يَا غُلَام قَالَ نعم ففك حِينَئِذٍ الصَّحِيفَة فَإِذا فِيهَا إِذا أَتَاك المتلمس فاقطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وادفنه حَيا فَقَالَ لطرفة ادْفَعْ إِلَيْهِ صحيفتك فَإِن فِيهَا مثل هَذَا فَقَالَ طرفَة كلا لم يكن ليجترىء عَليّ وَكَانَ غراً صَغِير السن فقذف المتلمس بصحيفته فِي نهر الْحيرَة وَقَالَ
قَذَفْتُ بهَا بالثني من جَنْبِ كافرٍكَذَلِك أفتى كلَّ قِطٍّ مُضَلّلٍ
رضيتُ بهَا لما رأيْتُ مدادهايجولُ بِهِ التيارُ فِي كل جدول) // الطَّوِيل //
وَأخذ نَحْو الشَّام وَقَالَ
ألْقَي الصحيفَة كي يخفِّفَ رَحْلهُوالزَّادَ حَتَّى نعْلُه أَلْقَاهَا) // الْكَامِل //
يُرِيد أَنه تخفف للفرار وَألقى مَا يثقل وَمَا لَا بُد للسَّفر مِنْهُ
وَأما طرفَة فَإِنَّهُ وصل الى الْبَحْرين وَقتل كَمَا مر فِي تَرْجَمته وَهلك المتلمس فِي الْجَاهِلِيَّة وَقَالَ ابْن فضل الله فِي حَقه هُوَ رجل نبيه الذّكر مَعْرُوف بِصِحَّة الْفِكر وَهُوَ الَّذِي يضْرب الْمثل بصحيفته وَمن شعره
ألم تَرَ أَن المرْءَ رَهْنُ مَنيةٍصَرِيعاً لعافي الطّيرِ أَو سَوْفَ يرْمَسُ
فَلَا تقبلَنْ ضَيماً حِذاَر منيةٍومُوتَنْ بهَا خُرَّاً وجلدُك أملسُ
فَمن حذر الأوتار مَا حزَّ أنفهُقصيرٌ وخاض الموْت بِالسَّيْفِ بيهسُ
وَمَا النَّاس إِلَّا مَا رأوْا وتحدثواوَمَا الْعَجز إِلَّا أَن يُضاموا فيجلسوا
فَاتَ تُقْبِلوا بالود نُقْبِلْ بِمثلِهِوإلاّ فَإنَّا نَحن آبى وأشمسُ) // الطَّوِيل //
وَمن شعره أَيْضا
تعيرني أُمِّي رجال وَلَا أرىأَخا كَرَمٍ إِلَّا بِأَن يتكرما
أحارِثُ إنَّا لَو تُسَاط دماؤُناتزَيَّلْنَ حَتَّى لَا يمسَّ دمٌ دَمًا
لذِي الْحلم قبل الْيَوْم مَا تُقْرَعُ الْعَصَاوَمَا عُلِّمَ الإنسانُ إِلَّا ليعلْمَا
وَمَا كُنتُ إِلَّا مثلَ قَاطع كفهِبكَفٍّ لَهُ أُخْرَى فَأصْبح أجْذَما
يَدَاهُ أصابَتْ هَذِه حتْفَ هَذِهفَلم تجدِ الْأُخْرَى عَلَيْهَا مُقَدَّما
فأطْرَقَ إطراقَ الشُّجَاعِ وَلَو يرىمسَاغاً لنابهِ الشُّجاعُ لصممَا
إِذَا مَا أديمُ القومِ أنَهَجهُ البِلَىتفرِّي وَإِن كَتَّبْتَهُ وتخرما) // الطَّوِيل //
وَمِمَّا يتَمَثَّل بِهِ من شعره قَوْله
وَأعلم عِلم حق غير ظنٍّلَتقوَى اللهِ مِنْ خير العَتادِ
وَحِفظُ المالِ خيرٌ مِن ضَياعوضَرْبٍ فِي البِلَاد بِغَيْر زادِ
وإصلَاحُ القَليلِ يَزيدُ فيهِوَلَا يبْقى الْكثير مَعَ الْفساد) // الوافر //
وَهَذِه الأبيات من قصيدة لَهُ مطْلعهَا
صَبَا من بَعدِ سلوتِهِ فُؤاديوأسمَحَ للقَرِينةِ بِالقيادِ
وَقد ضمنه بَعضهم فِي الهجاء فَقَالَ
يُحصِّنُ زادهُ عَن كلِّ ضِرْسويُعملُ ضِرسَهُ فِي كلِّ زَاد
وَلَا يَرْوى منَ الأشعارِ شَيْئاسِوى بيتٍ لأبْرَهة الإِيادي
قليلُ المالِ تُصلحُهُ فَيبقىوَلَا يبْقى الْكثير مَعَ الْفساد) // الوافر //
وَشطر هَذَا الْبَيْت رِوَايَة فِي شطر الْبَيْت السَّابِق وَأَخذه ابْن وَكِيع فَقَالَ
مالٌ يخلفُهُ الْفَتىللشامتينَ منَ العِدَا
خيرٌ لَهُ مِنْ قَصْدهإخوانهُ مُستَرْفدا) // من مجزوء الْكَامِل //
وَيُقَال إِن حاتماً الطَّائِي لما سمع قَول المتلمس هَذَا قَالَ مَاله قطع الله لِسَانه يحمل النَّاس على الْبُخْل والتباخل أَلا كَانَ يَقُول
وَمَا البذْلُ يُفني المالَ قبلَ فنائهِوَلَا البُخلُ فِي مَال الشحيح يَزيدُ
فلَا تلتَمسْ فَقْراً بِعيْش فإِنهُلكلِّ غدٍ رزْقٌ يَعُودُ جديدُ
ألم تَدْر أنَّ المالَ غادٍ ورَائحٌوأنَّ الَّذِي يُعطيك لَيْسَ يبيدُ) // الطَّوِيل //
انْتهى
وَقد قَالَ البلغاء فِي معنى الأول إِن فِي إصْلَاح مَالك جمال وَجهك وَبَقَاء عزك ونقاء عرضك وسلامة دينك وَطيب عيشك وَبِنَاء مجدك فأصلحه إِن أردْت هَذَا كُله وَفِي الْمثل احفظ مَا فِي الْوِعَاء بشد الوكاء يضْرب فِي الْحَث على أَخذ الْأَمر بالحزم وَقيل من أصلح مَاله فقد صان الأكرمين الدّين وَالْعرض وَقيل التَّدْبِير يُثمر التَّيْسِير والتبذير يبرد الْكثير وَلَا جود مَعَ تبذير وَلَا بخل مَعَ اقتصاد والاعتدال فِي الْجُود أحسن من الاعتداء على الْمَوْجُود والرزق مقسوم مَحْدُود فمرزوق ومحدود وَالله أعلم بالوجود
قد تمّ بِحَمْد الله تَعَالَى وعونه الْجُزْء الثَّانِي من معاهد التَّنْصِيص ويليه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء الثَّالِث مفتتحا بشواهد الْجمع مَعَ التَّفْرِيق نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ الْإِعَانَة على إكماله والتوقيق إِلَى إِتْمَامه
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع