من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الباب الرابع في ظرائف ظرفاء العراق والبحرين والعجم
أما فضل العراق، فكالشمس حالة الإشراق.
وحسبك أنه في جهة مطلعها الذي هو الشرق، وإذا قيس بالغرب فكأنما سوي بين القدم والفرق.
وشتان بين ما تجلى الشمس منه فوق منصتها، وبين ما يشره أفقه الغربي لابتلاع قرصتها.
وأما أهله فهم ملائكة الأرض، وبهم لاق من المدح المسنون والفرض.
وشعراؤه قد هاموا من البلاغة في كل واد، وجلوا غررهم في سواده وأحسن ما لاحت الغرر في السواد.
وقد خرج قريباً منهم جماعةٌ أطلعوا ذكاء ذكائهم في أفقه المشرق، وملأوا ببضائع فوائدهم ونصائع فرائدهم حقائب المشئم والمعرق.
عبد علي بن ناصر بن رحمة الحويزي أوحد من أبدع وأغرب، وشعر فأبان عن إعجازه وأعرب.
ما شئت من استحكام المبنى، وانقياد اللفظ الغر من المعنى.
وحسن الأسلوب الذي تشبث بالحشايا، ونصاعة المقترح الذي تبتهج به البكر والعشايا.
وشعره تملكه الرقة على الشوادن العفر، ويكسب القدود خفةً فتكاد تسترقص على الظفر.
أرقُّ من دمعةٍ شِيعِيَّةٍتبْكي على ابن أبي طالبِ
فالهوى أول تميمةٍ قلدته الداية، والصبابة هي التي عرفها من البداية.
ودخل بغداد فتخلق ثمة بأخلاقٍ عذاب، وكان كابن الجهم بعث إلى الرصافة ليرق فذاب.
ثم التحق بابن افراسياب صاحب البصرة فألقى عنده رحله وحط، والتم في كنفه بعد ما شط.
ففك من يد العسرة وثاقه، وأخذ على الدهر باستقالة عهده ميثاقه.
فأقام في ظله إلى وقت زواله، ومضى فلم يبق بعده في تلك الناحية من يعتني بأقواله.
وقد أوردت من شعره ما يسكر العقول بصهبائه، ويدل على أنه أخذ من بحر القريض أنفس دره وولع الناس بحصبائه.
فمنه قوله، من قصيدة يمدح بها الأمير علي بن افراسياب، ويستأذنه في الحج:
لمع البرقُ في أكُفِّ السُّقاةِوبدا الصبحُ في سَنا الكاساتِ
فالبِدارَ البِداَر حَيَّ على الرَّاحِ وهُبُّوا لأكْمل اللذَّاتِ
نارُ موسى بدَتْ فأين كليم الذَّاتِ يمْحو بها حجابَ الصِّفاتِ
صاحَ دِيكُ الصباح يا صاحِ بالرَّاحِ فَواتِ الأفراحَ قبل الفَواتِ
واصطبِحْها اصْطباحَ مَن راح لا يفْرقُ بين الشموسِ والذَّرَّاتِ
تَلْقَ فيها العقولَ مُنتقشاتٍكانْتقاشِ الأشخاصِ في المِرآةِ
فهي الشَّرْبةُ التي عثَر الخِضْرُ عليها في عينِ ماءِ الحَياةِ
وتقصَّى الإسْكندرُ البحثَ عنهافعَداها وتاهَ في الظُّلُماتِ
سكنتْ من حَضائرِ القُدْسِ حَاناًجَلَّ عن أن يُقاسَ بالْحاناتِ
نُورُ حقٍ بنفسِه قام ما احْتاجَ إلى كُوَّةٍ ولا مِشْكاةِ
قَبَسٌ أشْعلتْه أيْدِي التجلِّيفأضاءتْ به جميعُ الجهاتِ
حُجبَتْ بالزُّجاجِ وهْيَ عِيانٌكاحْتجاب البدورُ بالْهالاتِ
يا ندِيمي أجِلْ لي عرائسَ سِرٍبغَواشِي الكؤُوسِ مُحْتجِباتِ
هات راحِي ونادِ خُذْها فإنِّيلستُ أنْسَى يوم اللِّقا خُذْ وهاتِ
فلقد رُدُّ ركنُ نَحْسِيَ لَمَّاسعِدتْ بالحبيبِ كلُّ جِهاتِي
هي شَهْدُ الشُّهود بل راحةُ الأرْواحِ بل حُسْنُ طَلْعةِ الحسناتِ
يا سُقاتي لا تصرفُوا الصِّرْفَ عَنِّيفحياتِي في رَشْفِها يا سُقاتِي
غيرُ بِدْعٍ ممَّن حَساها إذا ارْتاح وقال: الوجودُ بعضُ هِباتِي
قام زينُ العِبادِ مِن شُربها قُطْباً عليه دارَتْ رَحَا البَيِّناتِ
فتلاشَى بشُعْلةٍ فَتح العَيْنَيْنِ منها إلى عيونِ الذَّاتِ
وخطَتْ بالجُنَيْد خُطْوَة بَحْرٍغَرِقتْ فيه أكْثرُ الكائناتِ
ورمتْ بالحُسيْن حتَّى ترقَّىبأنا الحقُّ أرْفعَ الدَّرجاتِ
أسمعتْنَا من شيخ بِسطامَ مَا أعْظَمَ ذاتِي بالنَّفْيِ والإثْباتِ
وقُصارى خَلْعِ العذار بها نَيْلُ مَقامٍ يُقاوِم المُعجِزاتِ
رُبَّ وَفْرٍ منها يُصِيب فتَى الْمجدِ عليِّ العرشِ مِرآةِ السُّراةِ
فهو في سِرِّهِ المنَزَّهِ سِرِّيولئِن لم يهِم بحَوْزِ الفَلاةِ
حاد عن مذهبِ التقشُّفِ وانْحاز إلى مذهب الحُماةِ الكُماةِ
وتردَّى بُرْدَ البَوَاطِن والأصْلُ خُلوصُ الأعمالِ بالنِّيَّاتِ
فهْو في السِّرِّ خادمُ الفَقْرِ عافٍوهْو في الجَهْرِ ضَيْغمُ المُلكِ عاتِ
وله في مَراتبِ الفضلِ ذِهْنٌهو مفْتاحُ مُقْفَل المُشكِلاتِ
كتمْتْه أُولَى الدهورِ وأبدتْهُ على فَتْرةٍ من المَكْرُماتِ
فأفادتْ بمجْدِه البَصْرةُ الفيْحاءُ حَلْيَ المعاهِد العاطِلاتِ
حَلَّ من حِفْظِ نفسِه للمساكِين سَنام المَراتبِ العالياتِ
أسدٌ في ملاحِمِ الحرب غيثٌفي النَّدَى خِضْرَمٌ بعلم اللغاتِ
كفُّه مُقْلةُ العدوِّ فلا ينْفَكُّ كلٌّ عن شِيمة المرسَلاتِ
وكذا خَيْلُه وأفئدةُ الأعْداءِ سِيَّان في وَحَي العادِياتِ
وكذا مالُه وأرواحُ مَن عاداهُ في كَوْنِهنَّ في النازِعاتِ
إن يضِعْ وقتُ مَن سِوايَ فإنِّيلي بعَلْياه أشرفُ الأوقاتِ
شمِلتْني منه العنايةُ حتَّىمسحَتْ هِمَّتي عن النَّيِّراتِ
يا إمام الكرامِ يا صادقَ الوَعْدِ إذا لم يَفِ الورَى بالعِداتِ
وهُماماً تعوَّد الحلمَ والجُودَ وهاتان أكرمُ العاداتِ
نِلْتُ من جُودِك العَمِيمِ نَوالاًوجبَتْ فيه حِجَّتِي وزَكاتِي
عرف الناسُ في حِماكَ وُقُوفِيفأجِزْني الوقوفَ في عَرَفاتِ
ومُرادِي لك الثوابُ وللرِّقِّقضاءُ المَناسِك الواجباتِ
طَوْفُ بيت اللهِ الحرامِ وتَقْبِيلُ ثَرَى قبرِ سيِّد الكائناتِ
لم أُفارِقْ حِمَى العَليِّ لِبيْتٍغيرِ بيتِ العَلِيِّ ذِ الدَّرجاتِ
وابْقَ واسلَمْ على الرَّجاءِ مَلِيكاًطَوْعُ ما تشْتهي الزمانُ المُواتِي
قلت: هذه القصيد مؤلفة من الدرر النضيدة، إذا أنشدت بين العذيب وبارق، تقول رواة الغرب يا حبذا الشرق.
ووقفت له على ضادية، بها فخر على كل من نطق بالضاد، وبلطف انسجامها ورونق نضارتها تروي كل صاد.
وهي:
قام يجْلُوها في الأجْفانِ غَمْضُوالنَّدامى نُوَّمٌ بعضٌ وبعضُ
والضِّيا يرمِي بها الفَجْر الضِّياولخيْلِ الصبح في الظُّلُمات رَكْضُ
وكأن الليلَ غَيْمٌ مُقْلِعٌلَمَعانُ الكأسِ في جَنْبَيْه وَمْضُ
في رياضٍ نسَجتْ فيها الصَّباولَها في زهْرِها بَسْطٌ وقَبْضُ
ضَرَّج الوردُ بها وَجْنتَهوالأقاحِي ضُحَّكٌ والآسُ غَضُّ
وكأنَّ النَّرجِسَ الغَضَّ بهاأعْيُنُ الغِيدِ وما فيهنَّ غَمْضُ
وكأن الْبانَ قَدٌّ مائِسٌكلُّ غصنٍ منه عِرْقٌ فيه نَبْضُ
وكأنَّ الأرْضَ ممَّا أنبتتْزَهَراً جَوُّ السما والجوَّ أرْضُ
أحسن ما قيل في معناه:
وما غرُبتْ نجومُ الأفْقِ لكنْنُقِلْنَ من السماءِ إلى الرِّياضِ
مجلسٌ طُلَّ دمُ الكأسِ بهوله ظِلٌّ له طولٌ وعَرْضُ
نظمتْ فيه اللآلِي حَبَباًحين عنْها صدَفُ الدَّنِّ يُفَضُّ
بي وبالرَّاحِ الذي أجْفَانُهتحسِم البِيضِ صحاحاً وهْي فَرْضُ
كيف تَرْجُو البِيضُ نحْوي رَسْمَهاولها في خِدِّها رَدٌّ ونَقْضُ
ما وفَتْ دَيْنِيَ منها وَلَهافي فُؤادِي أبداً نَشْرٌ ونَقْضُ
يا حبيباً قد غدَا مُعْتزِلِيليس لي عن سُنَّةِ العُشَّاقِ رَفْضُ
إن يكُن قد شِيبَ دمعي بدَمِيحُمْرةً فالوُدُّ في الأحْشاءِ مَحْضُ
مُستقِرٌّ نُهِك العظمُ بهبعد أن ذابَ له لحمٌ ونَحْصُ
وبقلبي عقْربُ الصُّدغِ لهكلَّما هبَّ الصَّبا نَهْشٌ وعَضُّ
حمَّلت جسميَ أعْباءَ الهوىوهو لا يُمكِنُه بالثوبِ نَهْضُ
ومن خمرياته المشهورة:
أقَرقفٌ في الزُّجاجِ أم ذَهبُولُؤْلؤٌ ما عليه أمْ حَبَبُ
شمسُ عُلاً فوق دَنِّها شُهُبٌوالعَجَبُ الشمسُ فوقها الشُّهُبُ
حمراءُ قد عُتِّقتْ فلو نطَقتْحكَتْ لِخَلْق السماءِ ما السبَبُ
إن لَهبَّتْها السُّقاةُ في غَسَقٍيُحرِّك الليلَ ذلك اللَّهَبُ
وإن حَساها النَّدِيمُ مُصطبِحاًألَمَّ في الجيشِ همّة الطَّرَبِ
لم أدْرِ من قبلِ ذَوْبِ عَسْجَدِهابأن يُرَى التِّبْرُ أصلُه العِنَبُ
للهِ أيامُنا بذِي سَلَمٍسقتْك أيامَ وصلِنا السحُبُ
والروضُ بالمُزْنِ يانِعٌ أنِقٌوالغصنُ بالرِّيح هَزَّة الطَّرَبُ
والنهرُ يحتْاكه الصَّبا زَرَداًإذا نضَتْ من بوارِقٍ قُضُبُ
فخانَنا الدهرُ بالفرِاقِ وقدرَثَّتْ جَلابيبُ وَصْلِنا القُشُبُ
عجبتُ للدهرِ في تصرُّفهِوكلُّ أفعالِ دهرِنا عَجَبُ
يُعانِدُ الدهرُ كلَّ ذي أدَبٍكأنما نَاكَ أمَّه الأدَبُ
هذان البيتان قديمان، فكأنه ضمنهما.
وللخفاجي ما هو أعجب من هذا؛ وهو قوله:
لزُناةِ الأنام حَدٌّ ورَجْمٌوبِنَفْيٍ كم غَرَّب الشرعُ زَانِي
وزمانِي قد لَجَّ في تغْرِيبيأتُرانِي قد نِكْتُ أمَّ الزمانِ
التغريب عند أبي حنيفة منسوخ في حق البكر، وعامة أهل العلم على أنه ثابت، على ما روي عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ، ضرب وغرب.
يا عرباً باللِّوَى وكاظِمةٍلي في مَقَاصِير حَيِّكم أرَبُ
بأهْيَفٍ كالقضِيبِ إن هتفَتْصَباه سقتْهُ أعْيُني السُّكْبُ
كالشمس أنوارُه وغُرَّتهفماله بالظَّلام ينْتقِبُ
تسْفَح من سَفْح مُقْلتِي سُحُبٌإذْ لاح مِن فيهِ بارِق شَنِبُ
كأنَّما فيْضُها ووابِلُهاأعارَه الفَيْضَ راشِدُ النَّدْبُ
ومن جيد شعره قوله يمدح الشريف راشداً:
إلى مَ انْتظارِي للوصالِ ولا وَصْلُوحتَّى مَ لا تدْنو إليَّ ولا أسْلُو
وبين ضُلوعي زَفْرةٌ لو تَبوَّأتْفؤادَك ما أيْقنْتَ أن الهوى سَهْلُ
جميلاً بصَبٍ زادَه النَّأْيُ سَلْوةًورِفْقاً بقلبٍ مَسَّه بعدك الخَبْلُ
إذا أطْرفتْ منك العيونُ بنَظْرةٍفأيْسَرُ شيءٍ عند عاشقِك القتلُ
أمُنْعِمةٌ بالزَّوْرةِ الظبيةُ التيبخَلْخَالِها حِلْمٌ وفي قُرْطِها جَهْلُ
ومَن كُلَّما جَّردْتها من ثيابِهاكساها ثياباً غَيْرَك الفاحمُ الجَثْلُ
هذا البيت من قصيدة المتنبي الفائية، أولها:
لِجِنِّيَّةٍ أم غادةٍ رُفِع السِّجْفُ
لم يغير فيه إلا القافية، وهي الوحف.
والوحف: الشعر الكثير الملتف.
والجثل: الكثير اللين.
سقى المُزْنُ أقواماً بوَعْسَاءِ رَامةٍلقد قُطِّعتْ بيني وبينهم السُّبْلُ
وحَيَّى زماناً كلما جئتُ طارقاًسُلَيْمَى أجابتْني إلى وصْلِها جُمْلُ
معناه أن الحسان يطلبن وصله لما يرون من لباقته.
وأخرج منه قول الأمير المنجكي:
قضَيْتُ حَقَّ الصِّبا وفي كبدِيهوىً عليه الحِسانُ في جَدَلِ
والذي حاز قصبات السبق في هذا العتبى، في قوله:
رأيْنَ الغوانِي الشيبَ لاح بمَفْرِقِيفأعْرَضْنَ عنِّي بالخدُودِ النَّواضرِ
وكُنَّ إذا أبْصَرْنَنِي أو سَمِعْنَ بيسَعَيْن فرقَّعْنَ الكُوَى بالمَحاجِرِ
ولقد أبدع الوزير أبو محمد بن عبد الغفور الأندلسي، من رقعة: كنت والشباب نضر الحلى، قبل حلول هذا الشيب الذي علا، كريماً على ذات الطلى، لا تعترض في لمكان القلة بلولا.
ولما طار غراب الشباب بان المشيب، ورحت رث الجلباب بعد كل سحتٍ قشيب.
سمعتهن حيناً يتبرمن، وحيناً يترنمن، إلا أنهن يجمجمن ولا يترحمن.
وبفضل حاستي ولله الحمد ما فهمت الوزن، فلما استقريت لتعرف حروفه السهل والحزن، عثر لهجي في تطلب تلك الضالة بلعل وعسى، بقول الملك الضليل:
ألِمَّا على الرَّبْعِ القديمِ بِعَسْعَسَا
ولم أزل بعد محدثاً موسوسا، حتى سقط بي اليقين على قوله، وقد ساءني في صدر هذا الرأي:
أرَاهُنَّ لا يُحْبِبْنَ مَن قَلَّ مالُهولا مَن رأَيْنَ الشيبَ فيه وقَوَّسَا
وإذا قوس ظهر المرء فقد استحال جماله، فإذاً، قاتلهن الله، يحببن القبيح ذا المال، والفقير ذا الجمال.
تتمة القصيدة:
تَوَدُّ ولا أصْبُو وتُوفِي ولا أفِيوأنْأَى ولا تَنْأى وأسْلُو ولا تَسْلُو
إذِ الغُصْنُ غَضٌّ والشَبابُ بمائِهِوجِيدُ الرِّضَا من كلِّ نائِبةٍ عُطْلُ
ومِن خَشْيةِ النارِ التي فوق وَجْنتِيتقاصَر أن يدنُو بعارِضِيَ النَّمْلُ
برُوحِيَ مَن ودَّعْتُها ومدامعِيكسِقْطِ جُمانٍ جُذَّ من سِمْطِه الحَبْلُ
كأن قِلاصَ المالِكيَّةِ نَوَّخَتْعلى مَدْمعِي فارْفَضَّ مُذْ سارتِ الإبْلُ
هذا من قول المتنبي:
كأن العِيسَ كانتْ فوق جَفْنِيمُناخاتٍ فلما سِرْنَ سَالاَ
والمتنبي أخذه من قول بشار:
كأنَّ جُفُونِي كانت العِيسُ فَوْقَهافسارتْ وسالتْ بعدهنَّ المَدامِعُ
وما ضُربتْ تلك الخيامُ بعالِجٍلقَصْدٍ سوَى أن لا يُصاحِبني العَقْلُ
وحَدَبٍ كأنَّ العِيسَ فيه إذا خَطتْتُسابِق ظِلاً أو يُسابِقُها الظِّلُّ
سَئِمْنَ بنَا الأنْضاءُ حتى كأنَّناحَيارَى دُجىً أو أرْضَنا معنا قَفْلُ
إذا عَرضتْ لي من بلادٍ مذلَّةٌفأيْسَرُ شيءٍ عنديَ الوَخْدُ والرَّحْلُ
وليس اعْتِسافُ البِيدِ عن مَرْبَعِ الأذَىبذُلٍ ولكنَّ المُقامَ هو الذُّلُّ
ولا أنا ممَّن إن جهلتَ خِلالَهأقامتْ به القَاماتُ والأعْيُن النُّجْلُ
فكلُّ رياضٍ جِئْتُها ليَ مَرتَعٌوكلُّ أُناس أكْرمُوني همُ الأهْلُ
ولي باعْتمادِ الأبْلجِ الوَجْهِ رَاشدٍعن الشُّغْلِ في آثارِ هذا الورَى شُغْلُ
هُمامٌ رسَتْ للمجدِ في جَنْبِ عَزْمِهجِبالٌ جبالُ الأرضِ في جَنْبِها سَهْلُ
وليثٌ هَياجٌ ما عَرِينَ جُفونُهمن الكُحْل إلاَّ والعَجاجُ لها كُحْلُ
يقوم مَقامَ الجيشِ إن غابَ جيْشُهويخْلُف حدَّ النصلِ إن غُمِد النَّصْلُ
زكَتْ شرَفاً أعْراقُه وفُروعُهوطابتْ لنا منه الفضائلُ والفِعْلُ
إذا لم يكنْ فعلُ الكريمِ كاصْلِهكريماً فما تُغْنِي المَناسبُ والأصلُ
من النَّفَرِ الغُرِّ الذين تحالَفُوامدَى الدهرِ لا يأتي ديارَهمُ البُخْلُ
كِرامٌ إذا رامُوا فِطامَ وَليدِهمْعن الثَّدْيِ حطُّوا البُخْلَ فانْفَطم النَّجْلُ
ليوثٌ إذا صَالُوا غُيوثٌ إذا هَمَوْابُحورٌ إذا جادُوا سيوفٌ إذا سُلُّوا
وإن خطَبوا مَجْداً فإن سيوفَهمْمُهورٌ وأطرافُ القَنا لهمُ رْسْلُ
إذا قفَلُوا تَنْأَى العُلَى حيثما نأَوْاوإن نزَلُوا حلَّ الندَى أينما حَلُّوا
هذا معنى متداول، منه قول المتنبي:
الحسنُ يرحَلُ كلما رحَلُوامعهم وينزلُ حيثما نزَلُوا
تَوالتْ على كسْبِ الثناءِ طِباعُهمفأعْراضُهم حِرمٌ وأمْوالهم حِلُّ
أمَوْلايَ إن يَمْضُوا ففِيك سَما العُلَىوقامتْ قَناةُ الدِّين وانْتشر العَقْلُ
وإن يكُ قد أفْضَى الزمانُ بسالمٍفإنك رَوْضُ الوَبْلِ إذْ ذهَب الوَبْلُ
هذا معنىً تلاعب به المتنبي وكرره، في تفضيل البعض على الكل، فأحسن وأجاد، حيث قال:
فإن يكُ سَيَّارُ بن مُكْرَمٍ انْقضَىفإنك ماءُ الوردِ إن ذهبَ الوَرْدُ
وقال:
فإن تكُنْ تَغْلِبُ الغَلْباءُ عُنْصُرَهافإنَّ في الخمرِ معنىً ليس في العِنَبِ
وقال:
فإن تَفُقِ الأنام وَأنت منهمْفإن المسكَ بعضُ دمِ الغزالِ
وقال:
وما أنا منهمُ بالعَيْشِ فيهمْولكن مَعْدِنُ الذهبِ الرَّغامُ
ولبعضهم منه:
وكان أبوك لنَا كالْحَيَافوَلَّى وأبْقاك مثلَ الغَدِيرِ
وله أيضاً:
ألاَ للهِ قومٌ إن تَولَّوْالهم نَسْلُ يُسَلُّونَ المُصابَا
فإنهمُ الْحَيَا وَلَّى وأبْقَىلنا رَوْضاً وأنْهاراً عِذابَا
إليك ارْتمتْ فِينا قَلوصٌ كأنهاقِسِيٌّ بأسْفارٍ كأنَّهُمُ نَبْلُ
يعني أنحلها السرى، بحيث صارت من الهزال كالقسي.
وأول من وصف النوق بهذا الوصف البحتري، في قوله:
يتَرقْرَقْنَ كالسَّرابِ فقد خُضْنَ غِماراً من السَّرابِ الجاري
كالقِسِيِّ المُعَطَّفاتِ بل الأسْهُمِ مَبْريَّةً بل الأوْتارِ
ثم تداول الشعراء هذا المعنى، وتجاذبوا أطرافه.
فمنهم الشريف الموسوي، حيث قال:
هُنَّ القِسِيُّ من النُّحُولِ فإن سَمَاطلبٌ فهُنَّ من النَّجاءِ الأسْهُمُ
وقد أخذه ابن قلاقس، فقال:
خُوصٌ كأمْثالِ القِسِيِّ نَواحِلاًفإذا سَمَا خَطْبٌ فهُنَّ سِهامُ
وقال ابن خفاجة:
وقِدْماً بَرَتْ منَّا قِسِيّاً يَدُ السُّرَىوفَوَّق منها فوقَها المجدُ أسْهُمَا
وهذا منزع عبد علي.
وما زَجَر الأنضاء سَوْطي وإنَّماإليك بلاَ سَوْقٍ تَسابقتِ الإبْلُ
يَمِينُك لا أقْصَى الزمانُ بها حَياًوكَهْفُك لا أوْدَى الزمانُ له ظِلُّ
وكلُّ لحاظٍ لستَ إنْسانَها قَذَىًوكلُّ بلادٍ لستَ صَيِّبَها مَحْلُ
وله من أخرى في مدحه أيضاً.
أولها:
يا دارَها بالشِّعب شِعب الحائلِغادَاكِ مُرْفَضُّ الغَمام الهاطلِ
تبدَّلتْ عن كلِّ حالٍ آنِسٍمن أهلِها بكلِّ ناءٍ عاطلِ
عُجْنَا بها رِكابَنا لكي ترىما فعلتْ أيدِي الزمانِ الماحلِ
كأنما كلُّ هوَى قُلوبِنارُكِّبَ في قوائمِ الرَّواحلِ
والْتثمتْ جَحْفَلها تُرابُهافمُسْعِدي مُلْتثَمُ الجَحافلِ
إن مَصَح الدهرُ رُبَا رُبوعِهافليس تُمصَح الرُّبَى بهاطِلِ
وإن تُمتْ بعدَهم ديارُهمفالنَّازلون أنْفس المنازلِ
للهِ عيشٌ ذهبتْ نَضْرتُهكأنه رَقْدةُ ظِلٍ زائلِ
وليلةٌ قضَّيْتُها بعاقلسقَى الغمامُ ليْلتي بعاقِلِ
إذِ الثُّرَيَّا لِمَمٌ نُجومُهاكأنها تُرْسُ فَتىً مُنازِلِ
والبدرُ في كبدِ السماءِ حائرٌكأنه وعدُ حبيبٍ ماطلِ
أحْيَيْتُها مرتشِفاً بَلابِلاًتهْرُب عند شُرْبِها بَلابِلِي
أرشِفُها حتى إذا ما فرغتْجمعتُ بين القُرط والخلاخِلِ
يحتمل أن يكون جمع بينهما في التمتع بالنظر فحسب، وأن يكون جمع بينهما في التمتع بالفعل، كما يقال في الكناية عن الفعل: رفع كراعها، وشال شراعها، وألحق قرطها بخلخالها.
ووقع لي في الإحماض:
ولقد ضلِلتُ عن الطريق بغادةٍجعلَتْ رَشادِي سُخْرةً لضَلالِي
فحنَيْتُها فعلَ المُكِبِّ لِحاجةٍوجمعتُ بين القُرْطِ والخَلْخَالِ
وإضلال الطريق، كناية عن ابتغاء ما لم يكتب الله.
لِلَّهْوِ ساعةٌ تمُرُّ خُلْسةًكأنها تقبيلُ ثَغْرِ راحلِ
هذا بعينه بيت المتنبي:
لِلَّهْوِ آوِنةٌ تَمُرُّ كأنهاقُبَلٌ يُزوِّدها حبيبٌ راحلُ
وأصله قول البحتري:
وزمانُ السرورِ يمْضِي سريعاًمثلَ طِيبِ العناقِ عند الفِراقِ
ومن مديحها:
مُعتنِقُ الحِلْم اعْتناقَ فَتْكِهمُجْتنِبَ البُخْل اجْتنابَ الباطلِ
إذا ارْتدَى الفَضْفاضَ قال قائلٌمَن نَظَر البُحورَ في الجداولِ
لا يلْتقي الحربَ بغير مُهْجةٍجليلةٍ تُدْخَر للجلائلِ
وشُذَّبٍ إن صدرتْ رايَتُهاسلم الصِّغاحِ كلم الأناظل
تركُض من غُبارِها بعارِضٍتسْبَح من دِمائِها بوابلِ
يا مُظْمِىءَ الخيلِ كأنْ ليس لهاغيرُ دماءِ الصِّيد من مَناهلِ
ومُورِدَ البِيضِ كأنَّ صَوْتَهاعلى العِدَى قَعْقَعةُ السَّنادلِ
تختطِف الهامَ بها نَواشِداًلا قُطِّعتْ سواعدُ الصَّياقلِ
كأنَّما حَكْمَتُها على الشَّوَىحِكْمة لُقْمانَ على المفاصلِ
هل لكَ في فَخْرِك من مُفاخِرٍهل لك في فَضْلِك من مُفاضِلِ
وما عسى فخرُهم ومَعْنُهمكمادِرٍ وقُسُّهم كباقلِ
قد قصَدوا واللهِ غيرَ قاصدٍوافْتعلُوا واللهِ غيرَ فاعلِ
وخاصَمُوا مُهنَّداً ليس لهللدِّين غيرُ النَّصرِ من حَمائلِ
رامُوا اكْتِتامَ نُورِ حَقٍ بَاهرٍوحاوَلُوا قَصْرَ كمالٍ طائلِ
وما سمعْنا أو رأيْنا في الدجىقد كُتِمتْ شَعْشَعةُ المَشاعِلِ
أحَبُّ كلّ مَرْتعٍ مُعْشِبُهُوأيْمَنُ الأكُفِّ كَفُّ باذلِ
إذا أرادَ اللهُ كَشْفَ مَنْقَبٍخافٍ رَماه بِعنادِ خاملِ
هذا من قول أبي تمام:
وإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فضيلةٍطُوِيتْ أتاح لها لسانَ حَسُودِ
لولا اشْتعالُ النارِ فيما جاورتْما كان يُعرَف طِيبَ عَرْفِ العُودِ
لولا اشْتعالُ النَّارِ واضْطِرامُهاما عُرِف الرِّمْثُ من الصَّنادِلِ
فجاءَهم لا سيفُ عَزْمٍ كاهِمٌولا جَوادُ همَّةٍ بناكلِ
تطْعنُهم مُعْتجِلاً على القَناكرَكِّ لامَيْنِ بفَرْقِ نابلِ
قد يُدرَك المجد بجهْلِ جاهلٍويُصْحَبُ الذلُّ بعَقْلِ عاقلِ
لا عدِم الناسُ جنَى فضيلةٍمنك فأنت مَعْدِنُ الفضائلِ
وكتب إلى القاضي تاج الدين المالكي المكي، قوله:
وحقِّ من أرْتجِي شَفاعَتَهُيوم تكون السماءُ كالمُهلِ
ما سرتُ عنكم ولي حَشاً بسِوَىخيالكُم مُذْ نَأيْتُ في شُغُلِ
يا تاجَ دِينِ الإخاءِ ما أنا مَنْيُفْضل عنكم ركائبَ الرُّسُلِ
لكنني قد جعلتُ مُعتَمدِيما أثْبتتْه لنا يدُ الأزَلِ
وخُذْ على البُعدِ ما همَى مطَرٌتحيَّةً من أخيك عبدِ علِي
ومن بدائعه ميميته المشهورة، وهي مما يتغنى بها في نغمة الحجاز.
ومستهلها:
لِمَن العِيسُ عَشِيّاً تترامَىتركتْها شُقَق البَيْن سُهامَا
كلما بَرْقَعها نَشْرُ الصَّبالبسَتْ من أحمرِ الدَّمعِ لِثامَا
وترامَتْ خُضَّعاً أعناقُهاكلما هَزَّ لها البَرْقُ حُسامَا
شَفَّها وَجْدٌ بَراها لِلْحِمَىفهْي تَثْنِي لِرُبَى نَجْدٍ زِمامَا
وتَلافاها نسيمٌ حامِلاًعن قُرى وَجْرةَ أنْفاسَ الخُزامَى
يا تُرَى من حملتْ لو وقَفُواساعةً نَشْرَحُ وجداً وغَرامَا
ومن الجهلِ أُراه يَقْظةًإنَّني لا أترجَّاه مَنامَا
يا بَني عُذْرةَ هل من آخِذٍبدَمِي المَسْفوحِ مَن حَلَّ الخيامَا
قمرٌ لولا يُرَى بدرُ الدُّجَىما حوَى البَدْرُ كمالاً وتَمَامَا
غادِرٌ لم يَرْعَ مِنِّي نَسَباًدون أن يحْفظَ عَهْداً وذِمامَا
نَسَبٌ أيْسَرُه أنَّ الهوىبين خَدَّيْه لَهِيباً وضِرامَا
وبجِسْمِي مِن بَقايا حُبِّهشِبْهُ طَرْفَيْه فُتوراً وسَقامَا
يا نَدامايَ دَعا خَمْرَكُماإن أراق الحِبُّ مِن فِيه مُدامَا
وانْثنِي يا قُضُبَ الْبانِ إذارَنَّحتْ خمرُ اللَّمَى ذاك القَوامَا
وانْسَ يا رَوْضُ أقاحِيكَ غِنىًفلقدْ أبْدَى من الثَّغْرِ ابْتسامَا
عاقَب اللهُ بأدْهَى صَمٍَأُذُنِي إن سمِعتْ فيك مَلامَا
وعَمَتْ عن أن ترى ذاك الْبَهامُقْلتِي إن زَارَها النومُ لِمَامَا
أنا من ينظرُ في شَرْعِ الهوىكلَّ شيءٍ ما سوى الحبِّ حَرامَا
وقوله من قصيدة يتغنى بها في السيكاه، ولم يحفظ منها إلا قوله:
أمَا والهوى لولا العِذارُ المُنَمْنَمُلمَا اهْتاجَ وَجْدِي ساجِعٌ يترنَّمُ
ولا اهْتجَعتْ عَيْنايَ من فَيْضِ مَدْمَعِيقضَى جَرْيُها أن لا يُفارِقَها الدَّمُ
هو الحبُّ ما أحْلَى مُقاساةَ خَطْبِهوأعْذَبَه لو كانتِ العَيْنُ تكْتُمُ
ومن مقطعاته قوله، وهو أيضاً مما يتغنى به في نغمة الحجاز:
لا تطلُعِي في قمرٍ إنَّنيأخاف أن يغلطَ أهلُ السَّفرِ
أو طلعتْ شمسٌ فلا تطلعِيأخاف أن تعمَى عيونُ البَشَرِ
وأبدع ما له قوله في راقص، إذا تراءت محاسنه للعيان، جمدت له في وجوههن العينان، وإن قابلته العيدان في يد الكواعب، تحركت أوتارها بغير ضوارب، وهو قوله:
وراقصٍ كقضِيب الْبانِ قامَتهُتكاد تذْهبُ رُوحِي في تنقُّلِهِ
لا تستقِرُّ له في رقْصِهِ قَدَمٌكأنَّما نارُ قلبي تحت أرْجُلِهِ
ألم فيه بقول السري الرفاء، في وصف جواد:
لا يستقرُّ كأنَّ أرْبَعَهُفُرِشَ الثَّرى من تحتها جَمْرَا
ومما يلطف قول السري، في وصف راقص:
ترى الحركاتِ بلا سُكونٍفتحسَبُها لخِفَّتِها سُكونَا
كسَيْرِ الشمسِ ليس بمُسْتقِرٍوليس بمُمْكِنٍ أن يسْتبينَا
ولعبد علي:
دَعِ الدنيا ولا ترْكَنْ إليهافزُخْرُفها سيذْهبُ عن قليلِز
وإن ضحِكتْ بوجْهِك فهْو منهاكضِحْك السيفِ في وَجْهِ القتيلِ
وله:
فِتْيةُ الكهفِ نَجَا كَلْبُهمْكيف لا ينْجُو غَداً كلبُ عَلِي
علي بن خلف بن عبد المطلب الموسوي الحويزي هو الخلف نعم الخلف، فائقٌ بمعونة الله على السلف.
فمن رأى ما في شعره من الصنعة والإغراب، عرف أن خلفاً استخلفه على اللغة والإعراب.
فلله من معانٍ يصوغها، ومجاني عباراتٍ يسوغها.
ينفق فيها من خاطرٍ واسعٍ وفكرٍ ملي، ويوضح مذاهب البلاغة حتى يحقق أن نهج البلاغة لعلي.
وقد أثبت منها ما يشهد له بالإحسان، ولو أنصفه الدهر لرقم به خدود الحسان.
فمنه قوله: من قصيدة، أولها:
مَكانَك يا وَجْدَ الفؤادِ المُعذَّبِإلى أن يعودَ الحيُّ بالجزِعِ واذْهَبِ
وهيْهات أن يُرجَى زوالُ مُلازمٍمن الوجدِ ثاوٍ في الضَّمير مُطنِّبِ
وهَبْهم نأَوْا أو قارَبوا أو تعطَّفوابوَصْلٍ فما قلبي عليهم بقُلُّبِ
وإنَّ غراماً خامَر القلبَ في الصِّبامتى ينْتشِق روحَ اللِّقا يتلهَّبِ
وقوله:
في أَمانٍ من الإله ورَحْبِأيها الظَّاعِنونَ عنِّي بلُبِّي
ما كفَى الدهرَ سَعْيُه بنَوى الأحْبابِ انْثنى بتشْتيت صَحْبي
لستُ أنْسَى أيَّامَنا بلِوَى الجِزْعِ وعَيْشي منه بوَصْلٍ وقُرْبِ
حيثُ وادِي تِهامةَ لِي دارٌ ومحَلٌّ وشِعْبُ رَامَةَ شِعْبي
وأخٌ لو بُعدتُ عنه بأصْلِيقد دَنَا من حِماه قلبي ولُبِّي
لو دَعانِي من البِعادِ لخَطْبٍكنتُ فيما دعا إليه مُلبِّي
فعزيزٌ عليه يفْقِد شخصِيوعزيزٌ أن لا أراه بسِرْبي
صاحبٌ إن شكَوْتُه داءَ خَطْبٍكأن ممَّا أصابه داءُ خَطْبِ
وقوله:
إن سُرَّ وَاشِينا بفُرْقتِناإذْ ساءَه ما كان في القُربِ
ظَنّاً بأن البُعدَ صاحبُهينْجُو من الأشْجانِ والحُبِّ
لا سُرَّ وَاشِينا فإنَّك قدحُوِّلْتَ من عيْني إلى قلبي
وقوله، وهو بأصبهان:
طارحُوني صَبابتِي والجوَىبمَقالٍ يُشْجِي القلوبَ ويُصْبي
هذه أصْبَهان ما تشْتهي الأنْفُسُ فيها وكلُّ نُزهةِ صَبِّ
وإذا ما دَعاكض للْغَيِّ دَاعٍكنتَ فيما دَعاك غيْرَ مُلَبِّ
قلتُ قد صح ما تقولون عندييا صِحابي لو كان عنديَ قلْبي
وقوله:
وذِي هَيَفٍ خاطبْتُه فأجابنِيبأطْيبَ من ماءِ الحياةِ وأعْذَبِ
يحدِّث حتى لو حكَى الدهرَ كلَّهأقولُ له أوْجَزْتَ في القولِ فأطْنِبِ
وقوله:
يا نسيماً هبَّ من وادِي قُبَاخَبِّرينِي كيف حالُ الغُرَبَا
كم سألْنا الدهرَ أن يجمعَنامثْلَما كنَّا عليه فأبَى
وقوله:
أحِنُّ إلى ذاك الزمانِ وإنماحَنِيني لِمَن زان الزمانَ بقُرْبِهِ
وأهْوَى الحِمَى لا أنَّني عاشقُ الحِمَىولكنَّني مُغْرىً بسُكان شِعْبِهِ
فآهاً لوَجْدِي كيف يبْقَى رَسِيسُهوآهاً لصَبْرِي كيف يقْضِي بنَحْبِهِ
وقوله:
إن جئتَ سُكَّان الأرَاكِ ففرِّجِمنهم على الظَّبْيِ الأغَنِّ الأدْعَجِ
وإذا أتيْتَ رَبَارِباً برُبَى الحِمَىفاقْرَ السلامَ رَبيبَ ذاك الهَوْدَجِ
واسْتفْتِه كيف اسْتحلَّ دِماءَنافقضَتْ لواحِظُه ولم تتحرَّجِ
للهِ وِقْفتُنا وقد صاحُوا النَّوىفدَعوْت يا حادِي المَطِيِّ بهم عُجِ
كم شمس خِدْرٍ يوم ذاك تبرَّجتْوهي التي للنَّجْمِ لم تتبرَّجِ
وَدَّ الهلالُ وما رآها أنَّهمنها مكانُ سِوارِها والدُّمْلُجِ
ومُعذِّل لي بالغرامِ أجبْتُهيا عاذِلي أين الخَلِيُّ من الشَّجِي
هلاَّ عُزِلتَ وما دخلتَ بضِيقةٍفالآن قُلْ لي كيف وَجْهُ المَخْرَجِ
قلت: هذه الأبيات الجيمية كأن كل جيمٍ منها عطفة صدغ مزرد، ونقطتها خالٌ في كرسي خدٍ مورد.
وله:
يا مَجْمَعَ الأزهارِ والوَرْدِلا كان هذا آخرَ العهدِ
حَيَّتْ طُلولَك كلُّ غاديةٍوجَب الثناءُ لها على الرَّنْدِ
للهِ ليلتُنا عليك وقدمزَج السرورُ الهَزْلَ بالجِدِّ
والزَّهرُ يبسَم كلَّما هَملتْعينُ السحابِ بواكِف العَهْدِ
ونَسِيمُك المُعْتلُّ صَحَّ بهجسمِي من الآلام والجَهْدِ
أهْلاً به من زائرٍ طَرقتْأنْفاسُه بالعنْبَرِ الوَرْدِ
ما زال يحْكينا ويُسِند مايحْكيه عمَّن حَلّ في نَجْدِ
لا عن قِلىً فارقتُ زهرَكَ ياخيرَ الرِّياضِ ولم يكنْ وُدِّي
إن كان حيَّى بالسرورِ فقدأبْقَى بقلبي لاعِجَ الوجدِ
فكأن أحمره بأصْفرِهدمعي غداةَ نأَيْتَ في خَدِّي
وله:
بشَّرْتَ بالخير يا بَشيرِيجئتَ على الوَفْقِ من ضميرِي
لو أحدٌ طار من سُرورٍلطِرْتُ من شدَّةِ السرورِ
قد قلتُ بدرُ الكمال وافَىبعد اخْتفاءٍ عن الظهورِ
أجَلْ هو البدرُ في عُلاهُفذاك مِن عادةِ البُدورِ
فإن تخفَّى فلا لنقْصٍوإن بدا ليس بالنَّكيرِ
فهْو على الحالتيْن يبْغِيبِفعْلِه طاعةَ القديرِ
سَمحْتَ يا دهرُ بالأمانِيأحْسَنْتَ يا أحسنَ الدهورِ
وزاره الحشري الشامي فلم يجده ثم زاره هو فلم يجده أيضاً، فأنشد على الفور:
ما احْتيالِي على مُعاكسةِ الدهْرِ وما زال دهرُ مثْلِي غَرُورا
زُرْتَني يا أخِي وزرتُ فما سَامَح أن ألْقاك زائراً ومَزُورَا
فعسَى تعْذُر المحِبَّ كما كنْتَ لديْه بمثلِها مَعْذُورَا
ومن مقاطيعه قوله:
سحقْنَا عقودَ الدُّرِّ عند عِناقِناوكادتْ عُقودُ الدرِّ أن تَصْدَع الصَّدْرَا
فلم أدْرِ من يشكو أدُرُّ عُقودِهاأم الصدرُ مما نالَه يشْتكي الدُّرَّا
سحق العقود من مخترعات ابن هندو في قوله:
ولمَّا أن تعانَقْنا سحَقْنَاعقودَ الدُّرِّ من ضِيق العناقِ
ومثله ذوب حصا الياقوت في قول أبي الجوائز:
واعتنقْنا ضَمّاً يذوب حَصَا الْيَاقوتِ منه وتطمئنُّ النُّهودُ
وقال فيها الباخرزي: ذوب تتذاوب فيه الأماني، وسحقٌ تتساحق عليه الغواني.
ومن بدائعه قوله:
أيا أختَ الظِّباءِ وبنتَ بَدرِ السَّماءِ وضَرَّةَ الشمسِ المُنيرَهْ
عشِيرتُك النجومُ فمن يُدانِيعُلاكِ وأنتِ في سَعْدِ العَشِيرَهْ
ومن عَجَب أسَرْتِ القلبَ قسْراًوأنت لحَجْلِك الزَّاهِي أسِيرَهْ
وقوله في صفة جواد أغر:
ومُطَهَّمٍ كالليلِ حين ركبْتُهفكأنَّ بدراً فوق ليلٍ أسْفَعِ
جاء الصباحُ يريد مَسْحَ جبِينِهفي كفِّه فهَفا ومَسَّ بأُصْبُعِ
هذا عند التأمل أوضح في التشبيه، من قول ابن نباتة:
وكأنَّما لَطم الصباحُ جَبِينَهُ
وله:
ذُقْنا الفِراقَ ووَصْلَكم ووَداعكُمْفإذا الحلاوةُ بالمرارةِ لا تَفِي
حلَف الزمانُ بأن يفِي بوصالِكموثنَى فكان يمينُه أن لا يَفِي
يا مَن دَنا وثنَى عِنان وِصالِهحُوشِيتَ من زَفَراتِ قلبِي المُدْنَفِ
فلئن وجدتُمْ في البحارِ مُلوحةًما ذاك إلا مِن دموعِي الذُّرَّفِ
وله:
برُوحِي التي لم تُبْقِ منّي بقيَّةًفَيعرفَ صوتي إن تكلَّمْتُ عارِفُ
نحَلْتُ فلو أنِّي طَرقْتُ ديارَهالقالتْ خيالٌ زار أم هو هاتِفُ
وله من قصيدة، مطلعها:
عسى وجَفَاتِ اليَعْمَلاتِ ألأيانقِتُبلِّغني وادِي العُذَيْب وبارِقِ
فيَهدأ قلبٌ خافِقٌ من زِيالِهمْوإن كان في غير الهوى غيرَ خافِقِ
لئن راعَنِي ما اسْوَدَّ من يوم بَيْنِهمْفما راعَهم إلاَّ بياضُ مَفارِقِي
فهل بِوَمِيض البرقِ عَوْنٌ لناظرٍعلى البُعد ليلاً عن يَمِين الأبارِقِ
وهل بهبُوط الوادِيَيْن مُعرِّسٌوهل بنسِيم الرِّيح رَوْحٌ لناشِقِ
نعمْ إنْ تَزُرْ تلك الديارَ تجِدْ بهالُبانةَ مُشتاقٍ وحَنَّةَ عاشِقِ
بحيث الحصَا كاللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ بَهْجةًوطِيبُ ثَراها فاق مِسْكَ العوابِقِ
ديارٌ إذا ما الصَّبُّ زار خِباءَهارأيتَ عجيباً من مَشُوقٍ وشائقِ
ولكنَّها مَحْفوفةٌ بضَراغِمٍأتَوْا من مُرورِ الرِّيح في زِيِّ طارقِ
فلو قدَّرُوا أن لا يُرَى النجمُ عندَهمرَمَوْا كلَّ نَجْمٍ في السماءِ بخارِقِ
ولولا شُروطُ الحبِّ زُرْتَ خيامَهمزيارةَ غَازٍ لا زيارةَ وَامِقِ
على كلِّ مقْدُودٍ من الليلِ جِسْمُهيُعاجِلُ رَجْعَ الطَّرْفِ حين التَّسابُقِ
ولا عجَبٌ لو راح للرِّيح لاحِقاًإذا كان يُعْزَى للوجِيهِ ولاحِقِ
فلو رام ساري البرقِ يسْرِي خيالُهلَقال اتَّئِدْ يا برقُ لستَ مُرافِقِي
من الَّلاءِ لم تعرف سوى الكَرِّ غارةًإذا امْتلأتْ رُحْبُ الفَلا بالفَيَالِقِ
يُجشِّمها مَن هَوَّن الموتَ عندهطِلابُ المَعالِي واحْتمالُ الحقائقِ
تحمَّل أعْباءَ الخُطوب وإنَّهاتمِيدُ لها صُمُّ الشِّدادِ الشَّواهِقِ
وإن احْتمالَ الخَطْب في كلِّ حادثٍطرائقُ آبائي وبعضُ طَرائقِي
فما عُذْرُ من عادتْ جَراثِمُ أصْلِهإلى كاظِمٍ للغَيْظ من بعد صادقِ
وهذا أبِي الدَّانِي الذي سار ذِكْرُهمَسِيرَ ذُكَا في غَرْبِها والمَشارِقِ
وله من أخرى، أولها:
أسَلِيلةَ القمريْن دَعْوةُ وَامِقٍماذا ترَيْنَ بمُسْتهامٍ عاشقِ
قد كان يطمعُ في وِصالِك يَقْظةًوالآن يقْنَع بالخَيالِ الطَّارقِ
يرضَى بوُدِّ مُنافِقٍ ومُماذِقٍمَن لم يجدْ وصلَ الصديقِ الصادقِ
هلاَّ صَدَدْتِ وشعرُ رأسِي أسْودٌأيَّام أرْهُف في ثيابِ مُراهِقِ
فترَيْنَ من شَغَفِ الحِسانِ بطَلْعتِيذُلَّ المَشُوقِ بجَنْبِ عِزِّ الشائقثِ
أنَسِيتِ لَيْلاتِ العَقِيق مَبِيتَنَاوالسَّاعِدان حَمائلِي في عاتِقِي
وحديثَنا عمَّا تُجِنُّ صُدورُناكاللُّؤْلُؤ المتناظِم المُتناسِقِ
في حيثُ رُمَّانُ النُّهودِ لغامِزٍحِلٌّ ومَيَّادُ القُدودِ مُعانقِي
وتضُوع من أزْياقِنا عِطْريَّةُ النَّفَحاتِ كالمِسكِ الفَتِيقِ الفائقِ
فَيُرَى بنا مِن شَوقِنا وعَفافِناحَجماتُ ذِي نُسْكٍ ونظرةُ فاسقِ
منها:
غَدْرُ الأنام مُعَنْعَنٌ عن دهرِهمْيُخْفِي العداوةَ في ثيابِ مُنافقِ
ولوَ انَّني رمتُ السُّلُوَّ لَخاننِيقلبٌ على السُّلْوانِ غيرُ مُوافقِ
ومن محاسنه قوله:
بعيشِك خَبِّرْني إذا ذُكِر الحِمَىأدْمْعِيَ أُجْرِي أم جُفونِي أم الوَدْقُ
إذا طلع الرُّكْبانُ منه اعْترضْتُهموأسألُهم بالرِّفْقِ لو عطَف الرَّفْقُ
ألا فاصدُقونِي عن عُرَيبٍ تركتُهمبه هل رَعَوْا عهدِي وإن ساءَني الصِّدْقُ
وأنْشَق من تِلْقائِه كلَّ ناسِمٍيُعِلُّ ويشْفي من لطَافتِه النَّشْقُ
وفي مَضْحَك البرقِ التِّهاميّ جِيرةٌبكَتْهُم جُفونِي كلَّما ضحك البَرْقُ
ويُذْكِي لهيبَ القلبِ وُرْقٌ ترنَّمتْولو علمتْ ما ب بَكتْ شَجْوَها الوُرْقُ
تنُوح ولا تبْكِي وأندُب باكِياًأجَلْ بين إعْوالِي ورَنتِها فَرْقُ
فيا ليْتني بُدِّلت نُطْقي بصَمْتِهاوكان لها منِّي الفصاحةُ والنُّطْقُ
وله:
أُبْدِي السُّلُوَّ لعاذِلي وبوادرُ الْأنفاسِ تخْصِمني بأنِّيَ وَامِقُ
وإذا سترْتُ هواكُمُ عن عاشقٍنادى عليَّ الدمعُ هذا عاشقُ
وخرج الشاه صفي إلى الصيد، وتخلف هو؛ لألمٍ ألم به، فكتب إليه:
أَلَمٌ ألَمَّ فعاقَنِيعن خدْمةِ الشاهِ الأجَلِّ
وأوَدُّ لو أسعَى علىعَيْني لخدْمتهِ ومَن لِي
فو حقِّه ما إن أصُونُ النفسَ إلاَّ للْمَحلِّ
هو بَذْلُها وقتَ الهِياجِ له وذَا جُهْدُ المُقِلِّ
وقال، وهو في مازندران:
إن حالتِ الأطْوارُ من دونِكمْيا ساكنِي قلبي والثلجُ حَالْ
فصَبُّكمْ ما حالَ عن وُدِّهوالحمدُ للهِ على كلِّ حالْ
ومن جيده قوله:
وأطْوَلُ سَقْيٍ من هِلالٍ سطَاببَانةٍ تخْطُر أو لَحْظِ رِيمْ
أعْرَض إذْ عَرَّضنِي للضَّناكأنما أقْسَم أن لا يَريمْ
لو لم يظُنَّ الريح جسمِي لمَامالَ إذا ما صافَحتْه النسيمْ
وقوله:
سرَتْ نَسْمةٌ برَّدتْ غُلَّتِيفَماد لها المُدنَفُ المُغْرَمُ
وحَيَّيْتُها بانْتشاقِي لهالَوَ انَّ نسيمَ الصَّبا يفهمُ
وقوله من قصيدة:
دَعْنِي ولا تقُلِ الغرامُ جنونُرَشَدِي بأنِّي في الهوى مفْتونُ
قَيْسٌ بأُنْمُلِه يخُطَّ على الثرَىوأنا بدَمعي والجنُون فُنونُ
إن كنتَ تعجبُ من حديثِ مُرَقِّشٍفاسْمَعْ حديثِي والحديثُ شجونُ
أنا مَن علمت فمُذْ تعرَّضْتُ الهوىحكمتْ بلُبِّي أعينٌ وجفونُ
للهِ ما فتكَتْ بنا ألْحاظُهايوم اللِّوَى تلك الظِّباءُ العِينُ
وقوله في الشمعة:
قلتُ ليلاً لصاحِبي ما ترَى الشَّمعَةَ تبكي مهما نظَرْتَ إليهَا
قال هذا البكاءُ ليس عليْناكلُّ دمعٍ يسيلُ منها عليهَا
السيد حسين بن كمال الدين الأبزر الحلي هذا السيد في الحلة، متزين من الأدب بأجمل الحلة.
أجمع أهل بلدته، على أنه أشعر أهل جلدته، والرائد لا يكذب أهله، وهو أدرى بشعار حلته.
فمن شعره قوله؛ مذيلاً لبيت المتنبي، وأجاد:
أتى الزمانَ بَنُوه في شَبيبتهِفسرَّهُم وأتيْناه على الهَرَمِ
وهم على كلِّ حالٍ أدركوا هَرَماًونحن جئْنَاه بعد الموت والعَدَمِ
وبيت المتنبي منزعه قديم.
منه قول أبي تمام:
نظرتُ في السِّيَر الَّلاتِي مضَتْ فإذاوجدتها أكلَتْ باكُورةَ الأُمَمِ
ابن السماح:
صفَا الدهرُ مِن قبلي ودِرْدِيُّه أتىفلم يصْفُ لي مذ جئتُ بعدهمُ عُمْرُ
فجاءُوا إلى الدنيا وعصرُهم مضَىوجئتُ وعصرِي من تأخُّرِه عَصْرُ
أبو جعفر المحدث:
لَقِيَ الناسُ قبْلَنا غُرَّةَ الدهْرِ ولم نَلْقَ منه إلا الذُّنابَا
المعري:
تمتَّع أبكارُ الزمان بأيْدِهوجِئْنا بوَهْنٍ بعد ما خَرِفَ الدهرُ
فليت الفتى كالبدرِجُدِّد عمرُهيعود هلالاً كلما فَنِيَ الشهرُ
كأنما الدهرُ ماءٌ كان واردَهأهلُ العصور وما أبْقَوْا سوى العَكِرِ
وذكر الحافظ الحجاري في المسهب، أنه سأل عمه أبا محمد عبد الله ابن إبراهيم؛ عن أفضل من لقي من الأجواد في عهد ملوك الأندلس.
فقال: يا ابن أخي، لم يقدر أن يقضي لي طروقهم في شباب أمرهم، وعنفوان رغبتهم في المكارم، ولكن اجتمعت بهم وأمرهم قد هرم، وساءت بتغيير الأحوال ظنونهم، وملوا الشكر، وضجوا من المروءة، وشغلتهم المحن والفتن فلم يبق فيهم فضلٌ للإفضال، وكانوا كما قال أبو الطيب:
أتَى الزمانَ...... إلخ.
وإن يكن أتاه على الهرم، فإنا أتيناه وهو في سياق الموت، ومع هذا فإن الوزير أبا بكر بن عبد العزيز كان يحمل نفسه ما لا يحمله الزمان، ويبتسم في موضع القطوب، فيظهر الرضا في حال الغضب، ويجتهد ألا ينصرف عنه أحدٌ غير راضٍ، فإن لم يستطع الفعل عوض عنه القول.
قلت له: فالمعتمد بن عباد كيف رأيته؟ فقال: قصدته وهو مع أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، في غزوته للنصارى المشهورة، فرفعت له قصيدةً، منها:
يا ليت شعرِي ماذا يرْتضِيه لِمَنناداه يا مَوْئِلي في جَحْفَلِ النادِي
فلما انتهيت إلى هذا البيت، قال: أما ما أرتضيه لك فلست أقدر في هذا الوقت عليه، ولكن خذ ما ارتضى لك الزمان.
وأمر خادماً له فأعطاني ما أعيش في فائدته إلى الآن، فإني انصرفت به إلى المرية، وكان بها سكناه، والتجارة بها؛ لكونها ميناء لمراكب التجار، من مسلم وكافر، فاتجرت فيها، فكان إبقاء ماء وجهي على يديه.
عيسى بن حسن بن شجاع النجفي روح في قالب إنسان مصور، اقتطف القول من غصنه عندما تنور.
مرآة ذهنه انطبعت فيها صور المحاسن، وماء رؤيته جرى في حدائق الأدب وهو غير آسن.
تتمتع بحسن منظره النظار، وأراه ما تحلى بهذا الشعار، إلا لكثرة ما حلى عليه من الأنظار.
وله صمادة فكر، لا تولد غير معنىً بكر.
قرائحُ بِكْرٍ ولَّدت بنتَ فِكْرةٍيطيشُ لها رأيٌ ويذكُو بها فكرُ
ولو لم تكنْ أنفاسُه عِيسَويَّةًلما قلَّدته من قريحتِه بِكْرُ
قال ابن معصوم في ترجمته: رحل إلى الهند، ومدح الوالد، وحصل بينهما مراسلات طويلة، ولما حصل من أمله على مراده، وقضى أربه من انتجاع مراده، ثنى عنانه للقصد إلى أوطانه وبلاده، فركب البحر قاصداً وطنه عن يقين، فحال بينهما الموج فكان من المغرقين.
ومن شعره قوله يمدح النظام والد ابن معصوم المذكور:
بقلبيَ من عينٍ سِهامٌ ثَواقبُتسدِّدها كحلاءُ والقوسُ حاجبُ
لنا حاجبٌ عن كلِّ سهمٍ يردُّهوليس لسهمِ الحبِّ واللهِ حاجبُ
سقيمةُ أجْفانٍ وكَشْحٍ ومَوْعِدٍأرى السقمَ تبْرِي وهْي فيه تُغالبُ
أُغالِبُ أسْقامِي وأسقامَها لهاومن غالَب الأسقامَ فالسقْمُ غالبُ
إذا برزَتْ فالناسُ فيها ثلاثةٌطعينٌ ومضْروبٌ وسَاهٍ يُراقبُ
ولم يُرَ عَسَّالٌ سوى قَدِّ بَانَةٍوليس لها إلاَّ الجفونُ قواضِبُ
وإن أسفرتْ ليلاً جلَى الليلَ وجْهُهاوخَرَّت له خَوْفَ الكُسوفِ الكواكب
وإن طلعتْ يوماً فاللشَّمسِ ضَرَّةٌعليها من الجَعْدِ الأًثِيثِ غياهِبُ
ومِن عَجَبٍ للشمس والبدْرِ مَغْرِبٌوليلَى لها كلُّ القلوبِ مَغاربُ
إذا ما النَّوَى زَمَّتْ رِكابَ أحبَّتيفللشوقِ في قلبي تجُول رَكائبُ
ولُبِّيَ مَسْلوبٌ وجسمِيَ واهِنٌودمعيَ مسكوبٌ وقلبيَ وَاجِبُ
وما العيشُ إلاَّ والحبِيبُ مُواصِلٌوما الحتْفُ إلاَّ أن تصُدَّ الحَبائبُ
لك اللهُ من قلبٍ أصابَك سَهْمُهاومن كبدٍ فيها الظِّباءُ لَواعِبُ
ومن جسدٍ قد أسْقمتْه يدُ الهوىومَعْ سُقْمِه للحبِّ فيه مَلاعبُ
عليه لأنواعِ الخُطوب تَناوُبٌفإن فاتَه خَطْبٌ عَرَتْه نَوائبُ
تعوَّدْتُها كالإلْفِ حتى لَوَ اننيتفقَّدتُها حلَّتْ لديَّ مصائبُ
طويتُ على شكوَى الزمانِ ضمائرِيوأغضيتُ عنه باسماً وهْو قاطبُ
ولو أنني يوماً نبذْتُ أقلَّهالضاقتْ بها ذَرْعاً عليَّ المَعائبُ
وإنِّي على مُرِّ الزمان لصابرٌوإن ساءني دهرٌ فما أنا عاتبُ
ولَلصَّبرُ أحلَى من شماتةِ حاسدٍوقولِ خليلٍ مَلَّ شكواكَ صاحبُ
ولم أخْشَ ضَنْكاً من حياةٍ لأننيسَروبٌ وإن سُدَّتْ عليَّ المَساربُ
مُبشِّرُ آمالِي مُسكِّنُ رَوْعتِيبأنِّي إلى البحر الزُّلالِ لَذاهِبُ
تطالبني في كلِّ حينٍ يمُرُّ بِيمَدِيحَك نفسِي والفؤاد يُجاذبُ
لأنك يا نَجْلَ الرسُولِ هوىً لهاكذا كلُّ نفسٍ في هَواها تُطالبُ
منها:
لقد طِبْتَ فَرْعاً حيث طبتَ أَرُومةًنعم طيِّبٌ حيث الأصولُ أطايبُ
فللوردِ ماءُ الوردِ فَرْعٌ يزِينُهولِلَّيث شِبْلُ الليثِ مِثْلٌ يُقاربُ
فأنت لها ابنٌ وأنتَ لها أبٌوأنت لها صِنْوٌ وأنت أقاربُ
عشِقتَ العُلَى طفلاً ولم يك عاشقاًسِواك وشِبْهُ الشيءِ للشيء جاذبُ
كذاك عشِقْتَ العلمَ والجودَ والتُّقَىوللناس فيما يعشقون مذاهبُ
منها في الختام:
ولا زلْتَ في روضٍ من العيش ناضرٍإلى دارِك العَلْيا تؤُوب الرغائبُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع