من «الرسالة الموضحة» لأبي علي الحاتمي (ت ٣٨٨هـ)
الرسالة الموضحة (٣)
فلم يرضه أن يقصر عليها واحدة حتى ذكر أربعاً لصنعها. وأنت لما اقتصرت بها على واحدة جعلتها شلائلاً. فقال: إنما أردت تؤثر باللبن مع قلته وارتفاعه على العيال لعتقها وكرمها. فقلت: وأنت إذا أردت ذلك وذهبت إليه تخبر عن اللزبة والشدة وانقطاع الألبان، وهذا مقصر بالفرس مع إيثارها وناقض من صنعها ومخل بقوتها، وأحمد منه مطير وأدل على حسن الصنع. ويقال ناقة شائلة وشائل أيضاً وجمعها شول وشائلة للتي شالت يذنبها، ليعلم أنها لا قح وجمعها شول قال أبو النجم:
كأن في أذنابهِنُ الشُولِمن عبَسِ الصُيفِ قرونَ الأيلِ
ثم قلت: وأخطأت في الكلمة التي أولها:
) كد عواك كل يدعي صحة العقل (
بأن قلت:
تُمِرِ الأنابيتُ الخَواطرُ بَينَنَاوتذَكُرُ إقبالَ الأمير فتحلَوْ لي
فإنك أتيت ببيت مردف في قصيدة غير مردفة، وهذا شاذ. فقال: هذا وإن كان شاذا كما ذكرت، فإنه عذب على اللسان غير قلق في الإشادة، وقد جاء مثله للعرب:
وبالطوْفِ نالا خيرَ ما نالهَ الفتىوما المرْءُ إلاَ بالتقلُبِ والطُوْفِ
ثم قال:
فرِاقٌ حبَيبِ وانتهاء عنِ الهوَىفلا تعَذَليني قد بَدا لكِ ما أخفْي
فقلت: لعمري إن قوماً لا علم لهم يرون هذا شاذاً، ولا يرون الواو المفتوح ما قبلها ولا الياء شاذاً ردفاً، يزعمون أنهما ليسا بحر في مد، لأن الصوت لا تمتد بهما كامتداده بالياء والواو المكسور والمضموم ما قبلهما. وذلك غلط من قائله إذ فتح ما قبلهما عن جنسهما إذا كانت مخرجهما في الحالين من مكان واحد من الفم، فصورتهما في اللفظ واحدة وإنما الفتحة تنقلهما قليلاً، فلا يمتد الصوت بها كل الامتداد، ولكنه يمتد امتداداً يسحقان به أن يسميا حرفي مد. فإذا جاء للعرب بيت فيه ردف مع ما لا ردف فيه معاً واعتد شاذاً، كما لهم الإقواء والإكفاء والإيطاء، فليس لمحدث أن يرتكب مثل ذلك، ولا يسمح في قوافيه بشيء من المعائب، وإن كانت موجودة في أشعارهم على طريق الشواذ. ألا ترى إلى قول ابن بيض يخاطب خالداً القسري وكان حبسه:
شاحِبُ باطِنٌ كصَدرِ يمَانٍصارِمِ الوَقع لُف في غيرِ جفَنِ
ومتى تَم عادَ عصَباً حُساماًوجَلا شَفرتَيِه حد المِسَن
لم يكُنْ جناِيَةٍ لحقَنيعن يسَاري ولا جنَتها يميني
بلْ جنَاها أخْ وخِل كَريمُوعلى أهلها بَراقِش تَجسْني
أفيجوز لمحدث أن يأتي بمثل هذا ويحتج به أو بمثله؟ كلا. فقال: قد أكثرت القول فيما لا أعتد بشيء منه، وإنما أجري على طبعي، وأقول ما يسوغه لساني. ومما يتعلق به عليه في التقفية قوله:
أنا بالوٌشاةِ إذا ذكرَتٌكَ أشبَهٌتأتي النُدىَ ويذاعُ عنَكَ فتَكْرهُ
وإذا رأيتُك دونَ عِرضٍْ عارِضاًأيقَنْتُ أن الله يبَغي نصَره
ما حرف الروي في هذين البيتين؟ قال: الهاء. فقلت له: فإن جعلت الهاء حرف الروي لم يجز ذلك. لأن هاء الضمير لا يكون روياً، إلا إذا سكن ما قبلها كقول طرفة: ألا يا أيها الظبي الذي يبُرِقُ شَنْفاهٌ
ولولا الملًكٌَ القاعدِقد ألشَمَني فاهُ
فإن جعلت الراء حرف الروي والهاء صلة، وهو الوجه، فما تصنع بقولك:) إذا ذكَرْتكَ أشْبهُ (اللهم إلا أن تذهب إلى أن تذهب أنه لم يصرع. فأقبل علي وقال: أنصفْ فإن النصفة من شيمك، وأنعم النظر إنعام مثلك ممن تقدمت في العلم قدمه، الإشارة إلى موضعه ولا تسلط الهوى على الرأي من الذي تناسبت مبادهيه، وتشابهت أعجاز شعره وهوادبه؟ ومن ذا الذي برئ من معاب؟ وساء من يتبع ناظماً كان أو ناثراً من الشعر كان أو آخراً وما أنا ببدع منهم. وإذا أنصفت من نفسك، وألقيت رداء الحمية عن كاهلك، ألقيت نفسك في جميع ما عددته من سقطاتي، ونعيته من أبياتي، محجوجاً. لأن من أحسن في الكثير، اغتفرت إساءته في القليل اليسير. هذا امرؤ القيس وهو إمام الشعراء، والفائق لهم أكمام المعاني، وربّ القصب والسبق إلى كل لفظ مهذب، ومعنى مخترع، وتشبيه مخترع مبتكر، قد أحسن في مواضع، وتوسط في مواضع. وأساء في حال، كما أحسن في حال. أليس هو القائل في كلمته البائية:
ألم تَرَ أنّي كلُما جئتُ طارقاًوجدتُ بها طيباً وإن لم تطَيّبِ
فقس هذا بقوله في وصف هذه المرأة:
عَقيلةُ أترابٍ لها لا ذَميمةُولا ذاتُ خلقٍ إن تأملتَ جأنَبَ
وهو القائل فيها يصف فرساً:
إذا ما ركبنا قالَ ولْدانُ أهلناَتعَالوْا إلى أن يأتيَ الصيدُ نحطبِ
وهذا نهاية الوصف في الثقة يسبق الفرس وإدراكه ما يطلبه. فقس هذا بقوله في وصف هذا الفرس
فللزّجرِ ألهوُبُ وللساقِ درِةُوللسَوطِ منهُ وَقعُ أخرجَ مُهذبِ
وهو الذي يقول في اللامية يصف عقاباً:
تصَيدُ خزّانَ الأنيْعمِ بالضّحىوقد حَجَرتْ منها ثعاَلبُ أورالِ
ثم قال في أثره:
كأنّ قُلوبَ الطّير رَطْباً ويابساًلدى وكرِها العُنّابُ والحشفُ البالي
فما أبعد ما بين البيتين، وأشد تنافي ما بين الكلامين، وهو الذي يقول:
منِ ذكْرِ ليلىَ وأينَ ليلىَوخيرُ ما رُمتَ ما ينالُ
وهذا من أحسن كلام وأسهله وأجزله، وأشرده مثلاً، وأعذبه نهلاً.
وقال في الأخرى في نحوه:
أمنِ ذكرِ ليلى إذ نأتْك تنوصُفتقصرُ عنها خُطوةً وتبوصُ
تَبوصُ وكم من دونِها من مفَازةٍومن ارضْ جدبٍ دونها ولصوصُ
فتأمّل تفاوت ما بين الكلامين، وبعد منزلتها في البلاغة. فقلت له: فما في هذا من لعب؟ فقال: لعمري إنه لا عيب فيه، ولكنه ليس كالأول ولا مقارباً له. فقلت له: على ذاك فلم يحل كما أحلت ولم يخطئ كما أخطأت. فقال: كذاك، وهذا النابغة الذبياني، وقد اعتده قوم أشعر من امرئ القيس، واعتده آخرون تالياً له، وإلى هذا ذهب يقول في كلمته العينية التي سارت مسير الشمس:
فإنك كالليلِ الذي هوَ مدْركيوإن خلتُ أن المنتأى عك واسع
فهذا عين من عيون الشعر الناظرة، وغرة من غروه الشادخة. ثم قال في أثره فسقط دونه سقوطاً تشهد به:
خطاطيفُ حُجنُ في حبالٍ متينةًتمدُّ بها أيدٍ إليك نوَازعُ
فقلت: وما في هذا البيت؟ إنما ذهب في هذا إلى أنه في قدرته عليه كالذي في يده خطاطيف معوجة يجذب بها ما شاء جذبه من قليب وغيره. ومن هاهنا أخذ الأول قوله يصف فرساً:
صَبحتْهُ قَبل أن تلغىَ عصافُرهمسُتخفياً صاحبي وغيرهُ الخافي
لا يُوئل الَوحشَ منه أن يلاوذهُكأنهُ معلقُ منها بخطافِ
فقال: ومما سبق إليه النابغة واتبعه الناس فيه قوله:
على أنّ حجْليها وإن قلُتَ أوسعاَصموتانِ من ملئٍ وقِلهِ منِطقِ
ثم قال وأساء وأبعد:
إذا ارتعَشَتْ خافَ الجَبانُ رِعاثهاَومنَ يَتعَلقْ حيثُ علقَ يفرقِ
لأن هذا دليل على إفراط طول العنق. فقلت له، وأي دليل في لبيت على إفراطه وخروجه عن حدّ الاعتدال المستحسن في مثله. وإنما ذهب إلى أنها عيطاء جيداء، فقد جمعت إلى جيد العنق طول القامة فبعد مهوى قرطها من أجل تمام خلقها وطول عنقها. وارتعثت بقرط فيخاف الجبان من أهلها ومن يلي أمرها من والد ووالدة وحاضنة ضياع رعاثها. فحذف، إذ كان فيما بقي من الكلام دلالة على ما حذف منه. فاستحسنت الجماعة ذلك. ثم قال: هذا زهير ومكانه من الحذق وتصفية الشعر وتهذيب اللفظ المكان المتعالم يقول:
على مكُثريهمِْ حقُ مَنْ يَعتربهمُوعندَ المقُليّنَ السّماحةُ والبدْلُ
سعىَ بَعدهم قوْمُ لكيْ يُدرِكوهمُفلم يَفعلوا ولم يلاُموا ولم يألُوا
فماَ كانَ منْ خيرٍ أتوهُ فإنماّتوَارثَهُ آباءُ آبائهمْ قبْلُ
وهلْ ينْبتُ الخطََي إلاّ وشيُجهُوتُغرَسُ إلاّ في منابتِها النّخْلُ
قال: وهذا من سرّ الكلام وجوهره ثم قال في هذه الكلمة:
فأقسَمتُ جَهداً بالمحصبِ من مِنيَوما سُحفَتْ فيه المقاديمُ والقَمْلُ
وهذا من أوضع وأرذل لفظ. فقلت: ما فيه مما يستجفى إلاّ قوله) القمل (، وما سوى معنى ذلك فإنما جرى فيه على عادة العرب في أقسامها وزهير القائل:
سواءُ علهِ أيَ حين أتيتْهُأساعَةَ نَحسنٍ تتُقى أمْ بأسْعدُِ
فلوْ كانَ حمدُ يخلدُ المْرْءَ لم يمتْولكنّ حمَدَ المْرءِ ليس بمخلدِ
فقال: وهذا لفظ شريف انتظم مثلين شرودين سارا شرفاً وغرباً ثم قال فيها:
تقيُ نَقيُ لم يكثرْ غَنيمةًبنَكْةِ ذي قربىَ ولا بحقلَّدِ
قال: وكان هذا اللفظ مع جفائه وقلقه لم يجتمع وما تقدم من ذلك اللفظ الجزل في صدر واحد فقلت: إنما جرى الرجل في قوله) بحقلد (، وهو الضيق السيئ الخلق، على لغته ولسانه. من أجل أنها لفظ غريبة وجب أن تنعى عليه إلى مساويه. والمعنى في هذا البيت لطيف؛ وذاك أنه أراد أنه لا يظلم قريباً ولا وحيداً ولا ينتهك حقه من غنيمة يشهدها معه استضعافاً له وتسلطاً عليه واستيلاء على نصيبه تكثراً منه لمنعمه وتوفيراً لمرباعه. فنفى عنه ما يسف إليه غيره فقال: ومن أبياته السائرة التي لم يسبق إليها ولم ينازع فيها:
فإن الحَقّ مقَطعَةُ ثلاثُيَمينُ أوْ نفارُ أوْ جلاءُ
يريد أن الحقوق إنما تصح بواحدة من هذه الثلاث، إما يمين أو محاكمة أو حجة، قال: وفيها يقول:
تلُجْلجُ مضُغةً فيها أنيضُأصَلتْ فهي تحتَ الكشحَ داءُ
تلجلج: تحركها ولا تزدرها وأنيص: لم ينضج. وأصلت: أروحت. وفرقان ما بين هذا وبين ما تقدم غير خافٍ على من تعلق بالعلم وانتسب إلى أهله. فقلت: لا أعرف متعلقاً على البيت أكثر من استعماله ألفاظاً من اللغة غير وحشية ولا مهجورة. والمعنى على ذلك مستحيل ولا هجين فنا وجها لتعلق عليه مما لا متعلق فيه؟ فقال: وهذا الأعشى، أنسبهم وأهجاهم وأمدحهم، وهو القائل:
كلا أبويكمُ كانَ فَرْعاً دعامةًولكنهمّ زادوا وأصبحت ناقصاَ
تبيتونَ في المشيَ ملاءً بطونكُمْوجاراتكُمْ غرَثىْ يبَتنَ خمائِصاَ
وهذا من أهجى بيت قيل في غير فحش. وهو القائل:
فتىَ لوْ يناُدي الشمّس ألقتْ قناعهاَأو القَمَرَ السّاري لألقَى المقالِداَ
فقال بعض من مضر: ما معنى) ينادي (؟ فقلت: يجلس معها في نادٍ واحد، وهو المجلس. قال: فما معنى) قناعها (؟ فقلت: أراد ضوءها فقال: فما قوله) لألقى المقالدا (؟ فقلت: يريد سلم الحسن إليه وفوضه، كما يقال: ألقيت مقاليدي إلى فلاف، أي فوضت أمري إليه. فقال أبو الطيب كأن الكلم وقوله لم يجتمع في خاطرة واحدة ولا قذفت بهما فكرة، فإنه قال مادحاً علقمة:
وهل تنكرُ الشّمسُ شمسُ النهّروالقمرُ الباهرُ الأبَرصُ
ولو كانت لفظة الأبرص في كتاب الله تعالى لكدرت شرب بلاغته ولما أراده الله تعالى ذكره، كنى عنه بأحسن كتابة من قوله جل اسمه) بيَضْاء مِنْ غَيرِْ سوء (وقال أيضاً:
فرَمَيْتُ غَفْلةَ قَبلهِ عن شاتهِفأصبَتْ حبةَ قلبهاِ وطحالهاَ
فقلت: إنه إنما خص الطحال لأنه مقتل. فقال: هب ذاك كذاك، أما لفظة الطحال بعيدة عن ألفاظ المحبين؟ ثم قال: فهؤلاء المبرزون في حلبات الشعر، السابقون إلى حلو القول مره، والذين وقع الإجماع على تقدمهم في ضروبه وفتحهم ما استغلق من أبوابه، ليس منهم إلاّ من قد طن على شعره، ومن أخل بالإحسان مع تناصر إحسانه. والكلام كله لا يجري على سنن واحد، ولا يأتي متناصفاً ولا متكافئاً، ولا بد من سقطة يهفو بها خاطر، وعثرة يزل بها لسان. ومن هذا الذي تناسب كلامه، أو سلم من التتبع شعره؟ وما أنا ببدع منهم، وإذا أنصفت من نفسك ألفيتها محجوجة.
فقلت له: أما ما تخيلت أنك تتبعته على هؤلاء الأربعة الذين هم فرسان الشعر وأمراء الكلام، فقد ظلت الشبه في جمعيه، وأوضحت أنهم على مدرجه الصواب فيه. واحتججت في كل بيت بما لو أرعيته سمعك وصرفت إليه تأملك لعدلت عن بيات الطريق وترهات القول وزخارف الظنون، وعلمت أنه لا مماثلة بين الذي أوردته محتجاً به وبين ما تعلقت به عليك. لكنك تجري شأو الجموح عجباً بنفسك، ورمياً بهمتك إلى حيث لا مرقى لها. وتضعها بحيث لا تستحق وضعها به وتزنها بالميزان العائل تفخيما لها. وقلت: وقد أخطأت أيضاً في قولك:
ابْعدْ بعدت بياضاً لا بياض لهُلأنتَ أسَودُ في عينيَ منَ الظُلمِ
وهو على ما فيه مأخوذ من قول أبي تمام:
لهُ منَظرُ في العينِ أبيضُ ناصعُولكنهّ في القلبِ أسودُ أسفحُ
فعمدت إلى هذه الألفاظ السليمة الكريمة، فأوردتها في عبارة فاسدة غير مستقيمة وقولك) لأنْتَ أسْودُ (خطأ وإن كانوا قد أنشدوا: فقلت: هذا بيت مولد محدث ليس بحجة. ولكنهم قد انشدوا:
جارِيةُ في رَمضانَ الماضيأبيضَ من أخت بني إباضِ
تقطع الحديث بالإيمانِ وذكروا قول طرفة:
أمّا الملُوكُ فأن اليومْ أوْسَخهمْعرضاً وأبيضهمْ سرْبال طباخِ
وهذه شذوذ لا يرخص لمحدث فيها. وقد تأول. وقد تأول قوم لا علم لهم بجوهر الكلام، في بيت المتنبي تأولاً بعيداً وقيل: أراد لأنت يا أسود في عيني من الظلم. وهذا تأول بعيد. وكيف تقول يا أسود وهو أبيض؟ وكان وجه الكلام إذا أراد هذا، أن يقول: وأنت مع بياضك أسود كأنك من سواد الظلم. ولو ذهب إلى ذلك وأفصح عنه بعبارة مقبولة يقع بها الإفهام ويزول معها اللبس لكان الغرض صحيحاً. لكنه أبهمه وأسره. وقلت له: ومما أخطأت أيضاً في نعته ولفقته من موضعين قولك:
ضَيفُ ألمّ برأسي غيرَ محتشمِالسيفُ أحسنُ فعلاً منه باللَممِ
فأما التلفيق فقولك) ضيْقُ ألمَ برأسي (وهذا من قول دعبل. على أنك قد غادرت بعض المعنى ولم تستوفه لأنه قال: أحبُ الشَيبَ لماّ قيلَ ضيفُ فسماه ضيفاً. ثم ذكر محته إياه ثم أتبع ذاك بذكر العلة في محبته فقال:
كحبيّ للضيوفِ الناّزلينا
ودعبل أخذه من قول الأول:
ألقىَ عصاهُ وأرْخى من عمامتهِوقال ضيفُ فقلتُ الشيبُ قال أجلْ
وفي قوله) وأرخى من عمامته (معنى لطيف، وهو أنه أراد أنه في أمر سلم لا حرب كما قال الآخر:
أناُ ابن جلاَ وطلاّعُ الثناياَمتى أضع العمامةَ تعرفوني
فذكر ذلك لنه لم يضع العمامة في سلم. وقيل بل أراد بقوله) متى أضع العمامة (أي متى أغضب. وأخذت قولك:
) والسيْفُ أحسنُ فعلاً منهُ باللسممِ (
من قول البحتري:
فليَتَ بياضَ السّيف يومْ لفيتيَمكانُ بياض الشّيبِ كان بمفرقي
وأما الخطأ فقولك:) غير محتشم (تريد غير منقبض. وهذا خلاف ما عليه محصلو أهل العلم؛ إذ كانت الحشمة في كلام العرب الغضب. وسمي حشم الرجل حشماً، لأنهم يغضبون له: فقال: ألم يقل الشاعر:
أخاف تكرارَ قوْلي) كلْ (فأحشُمهوالصْمتُ ينُزلُه منّي على بخَل
فقلت: هذا بيت مولد محدث ليس بحجة. ولكنهم قد أنشدوا:
لعَمُرك إنَ قرْضَ أبي خبيبٍبطيء النضجِ محشومُ الأكيل
فقيل: معناه مغضب الأكيل لأنه لا يرضيه؛ وقيل: مقبوض الأكيل عن أكله والأول المعتمد. والحشمة مما وضعته العامة غير موضعه. ومما أسقطت أيضاً فيه وأسأت في أخذه:
الأدبُ المُهذبُ الأصْيدُ الضّربالذكيُ الجعدُ الرئيسُ الهُمام
فإنّك نسخاً من قول البحتري:
سالمتنيَ الأيامُ لماّ تحرمْتُبظلّ الرئيسِ ذي الإنعامِ
بالأديبِ المهُذب الفاضلِ القمرْالأبيَ الندْبِ الوفيَ الهمامِ
وما ظننتُ أحداً تجرأ على هذا اجتراءك عليه، فإن أحداث المتأدبين ممن يتعاطى نظم الشعر يترفع عن مثله. ولست أجد أيضاً للجعد مذهباً في المدح، إذ كان الجعد القصير. قال:
يا ربّ جعَدٍ منهمُ لوْ تدْري،يضربُ ضْربَ السبطَِ المقاديمُ
بيضُ جعادُ كأن أعينهمُْيكحلهاُ في الملاحمِ السَدفُ
يريد الجعاد القصار. وذكر الباهلي أنه وصفهم بالجبن، لأن الجبان تسود عينه عند الكرب. ويقال: فلان جعد الراحة، إذا كان بخيلاً وأنشد:
سبْطُ البنانِ بما في رحلْ صاحبهِجعدُ البنانِ بما في رحلهَ قططُ
ويقال: فلان جعد الراحة إذا كان بخيلاً، وجعد الخلق إذا كان ضيق الخلق، وجعد اليد إذا كان قصير الأصابع. والذئب يكنى أبا جعدة، من أجل تقبضه. وشعر جعد من هذا، وأنشد:) سبط البنان... (وذكر البيت. ومما أخذته فبترت معناه وأفسدته قولك:
مُبرْقعي خيلهمْ بالبيضِ متخذيهامِ الكماةِ على أرماحهم عذبَاَ
من أجل أن الهام لا تشبه بالعذب في حال على القنا، إلاّ إذا كانت ذات لمم وضفائر، وإلاّ فهي مشبهة بالتيجان. ألا ترى قول أبي تمام، ومنه استرقت المعنى فأحلته:
من كلّ ذي لمةّ غطّتْ ضفائرهُصدرَ القناة فقد كادتْ تُرىَ علماَ
فاللمة بالعذبة واقعة التشبيه، والهامة مشبهة بالتاج حتى يصح التمثيل.
وقد قال مسلم بن الوليد في تشبيهها بالنيجان:
يكسْو السًيوفَ نفُوس اَلنُاكثينَ بهِويجَعلَ الهام تيجانَ القَنا الذُبُلِ
ومسلم أخذه من قول الأول:
كأنّ رؤوسَ القوْمَ فوْقَ رِماحناإذا أشرعتْ تيِجانُ كسرَى وقيصَرا
وما كلّ هامة بذات لمة، وإن لم يكن ذات لمة أو ضفيرة فلا حظ لها في التشبيه بالعلم. قلت: وأخطأت أيضاً في قولك مع ضعف لفظك وسخف عبارتك:
ذي المَعالي فليعَلُونْ منَ تعالىهكذا هكذا وإلا فلا لا
شَرفُ ينطحُ النّجومَ بروْقيهِوعزُ يقُلقلُ الأجباْلا
فإنّك أغرت في البيت الأول على بكر بن النطاح في قوله:
يَتَلقىّ النّدى بوجهٍوصدورَ القناَ بوجه وقاحِ
هكذا هكذا تكُون المعاَليطُرقُ المَجد غيرُ طرقِ المزاحِ
فقولك) فلا لا (ركيكة جداً، وأنت تعجب بتكرير هذه اللفظة قال: وكيف؟ قلت: ألست القائل:
جوابُ مسُائليِ ألهُ نظيرُِولا لك في سؤالك لا ألا لا
وأخذت البيت الثاني من قول أبي تمام فأفسدته:
همّةُ تنطحُ النّجومَ وجدَُآلفُ للحضيضِ فهوِ حضيضُ
قال: وبأي شيء أفسدته؟ قلت: لأنك جعلت لشرف الرجل قرنين. قال: وما يدريك؟ قلت تقل ينطح النجوم بروقية، والروقان القرنان؟ قال: أجل إنها استعارة. لعمري إنها وإن كانت استعارة، ولكنها استعارة خبيثة جارية في المعاظلة التي نفاها عمر بن الخطاب، رضوان الله عليه، عن زهير، وذكر اجتنابه إياها، فقال: كان لا يعاظل بين الكلمتين، أي يداخل الكلمة، إذا لم تكن إحداهما من جنس الأخرى، ولا كانت مناسبة لها ولا مشتقة منها. ويقال: تعاظلت الجرادتان، إذا ركبت إحداهما الأخرى وتداخلت فيها. ومن مليح أبيات المعاني:
أخذَوا قسيَهمُ بأيْمنهمْيتعَاَظلونَ تعاَظُلَ النَملِْ
يقول: نقد النبل وفنيت السهام وأخذوا القيسيَ بأيمنهم يتضاربون بها ويتجالدون، وداخل بعضهم بعضاً كتراكب النمل وتداخلها، لأن الرمي إنما يكون باليسار. والمعاظلة المذمومة أحسن الاستعارة كما قال أوسُ ابن حجر:
وذاتُ هدِمٍ عارٍ نواشرُهاتصمتُ بالماء توْلباً جدَعاَ
فجعل للمرأة تولباً، والتوب ولد الحمار كما جعلت أنت للشرف قرنين. وهذا من أبعد الاستعارات وأشدها مباينة لمذاهب حذاق الشعراء. وقد تقدم القول في أنواع الاستعارة وإن أرعيت لما أقوله سمع منصف، علمت أن مواجهة ملك من الملوك كسيف الدولة، مع عظم شأنه ونباهة سلطانه واشتماله بشمائل الكرم دون كثير من ملوك زمانه، بمثل ما واجهته به من تلك الاستعارة، من معاظم الأمور التي لا يقدم عليها من راضته الحنكة وثقفت كلامه الروية.
وكل استعارة لطيفة، وتوجب بلاغة بيان بالحقيقة غير نائبة منابها، لأن الحقيقة لو قامت مقامها لكانت أولى بها من الاستعارة. ألا ترى إلى قول امرئ القيس
وقد أغتدي والطيرُ في وُكناتهِابمنجَردٍ قيَدِ الأوابد هيكلِ
وهذا النوع من الاستعارة يسمى الإرداف؛ وهو أن يريد الشاعر الدلالة على معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الذي يدل على ذلك المعنى، بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع له. فإذا دل التابع دل على المتبوع ومثل ذلك) قيد الوابد (وذلك أنه أراد وصف الفرس بالسرعة وانه جواد إذا أرسلته على الصيد كالقيد لها وكانت كالمقيدة له؛ وذلك أن وشك سبقه ومعية إحضاره، يتبعها أن تكون الأوابد كالمقيدة له. وحقيقة) قيد الوابد (، مانع الأوابد وحابسها.) قيد الوابد (، أبلغ وأحسن وقيل المنين للأسير، وقيل في وصف الفرس قيد الرهان، وقيل: النواظر قيد الخواطر وقيد العيون، وكل ذلك تركيب على لفظ الفرس.
ومن الاستعارات قول الأعشى:
فإنّ عتاقَ سوْفَ تزَوركمْثَناءَ على أعجازهنّ معَلقّ
به تنُفضُ الأحلاسُ في كلّ منزلٍوتعقدُ أطرافُ الحبالِ وتطُلقُ
وقال تأبط شراً:
فخالطَ سهلَ الأرْضِ لم تكدحَ الصَفابهِ كَدحةً والمْوتُ خَزْيانُ ينظرُ
ومن بديع الاستعارة قول الهذلي:
ولوْ أنّني استوْدعتهُ الشمسَ لارْتقتْإليهْ المنًايا عينُها ورَسولهاُ
وقولُ ابن هرمة، وأحسنُ ابن هرمة كل الإحسان:
فقلتُ إما تَرينيْ قد تخَوّننيدهْر أشَتُ بهذا الناسِ مقلوبُ
قد روّحَ الشيبَ في رأسي غريبتهُفما لهُ عن شواةِ الرأس تغريبُ
فقد أجرُ فُؤادي فضْلَ مقودِهِوتتقىّ عبَرتي البيضُ الّرعابيب
وقالُ ابن الرقاع:
وهنْانةُ تسَتعرّ القْومَ أعينُهمْحتى ترُدّ إلى ذي النيقةِ النَظرا
فقال أبو الطيب: هذا كله إغراق وغلو وبعد عن الحقيقة. وأراك علقاً بهذا المذهب من الشعر، دون ما سلمت ألفاظه، وصحت عند التأمل معانيه فإذا ورد عليك شيء من جنسه، وإن كان بهرجاً قدمته وألغيت غيره. فقلت له: هذا قول من لا يفرق بين الاستعارة والحقيقة ولا بين الغلو والمبالغة. فقال: وهل بين الغلو والمبالغة فرق؟ فقلت: كل الفرق قال عنترة يصف فرسه:
فازْورَ منِ وقْعِ القَنا بلبانهِوشكا إليَ بعبرةَ وتحمُحمِ
فجعل اشتكاء الفرس إليه، إذ كان من لحيوان الذي ينطق بحمحمته وعبرته دون النطق والعبارة. فلم يخرجه عما هو له، ثم كشف المعنى في البيت الأخير فقال:
لو كان يدري ما المحاُورةُ اشتكىَولكانَ لوْ علمَ الَكلامَ مكَلميَ
وقد أخذ هذا المعنى بشارّ بن برد وأحسن بقوله:
ولّما تَولىّ الحرُ واعتصرَ الثَرىَلظىَ القيَظِ من نجمٍ توَقّدَ لاهُبهْ
وطارتْ عصَافيرُ الشقّائقِ واكتسَىَمنَ الآلِ أمثالَ المجرَةِ قاصبُهْ
غدَتْ عانَةُ تَشكو بأبصارِها الصدَىإلى الجأبِ إلاّ أنّها لا تخاطبُوْ
فهذا المبالغة في الوصف من غير عدول عن الحقيقة. ونحوه قولُ ابن هرمة واصفاً كلباً
يكادُ إذا ما أبصرَ الضَيفَ مقبلاًيُكلمهُ من حبّهِ وهوَ أعجمُ
فقرن بهذه المبالغة) يكاد (. فأخرجه عن الغلو الذي يبتعد عن الحقيقة. وانظر إلى قول المثقب العبدي في هذا المعنى حاكياً عن ناقته ما يبعد كل البعد عن الحقيقة:
تَقولُ إذا درأتُ لها وضينيَأهذا دينهُ أبداً وديني
أكلَ الدّهر حلُ وارتْحالُأما يبقي علي ولا يقيني
فهذا هو الغلو البعيد ن الحقيقة. وإنما ذهب إلى أن الناقة لو تكلمت لأعربت عن شكواها بمثل هذا القول. وبعض أصحابنا يجري هذا ونظائره في باب المجاز.
وكانت الجماعة الحاضرة تستخدم أقلامها في تعليق أوائل الأبيات التي جرت المنازعة فيها، وتراعي مواقع احتجاجاتي واحتجاته، وتثبته رمزاً ووحياً وكان جمعيه نصب عيني، وله كالمرآة من حفظي. فحين نهضت عن المجلس، ولم أنض إلا بعد راجعت جميلاً في خطابه، وأطنبت في تقريظه، وفي تعفية أثر عقوبتهن وفي إلانة جانبي له. واتبعني القوم راغبين إلي في نظم ما جرى وضم شيته، والرجوع إلى ما ثبت في تعليقهم من جملته، واستمداد قريحتي في ذكره، وإنشاء رسالة أنبه في أثنائها عن أمره. وكان النهار قد تصرم شبابه، وشابت هرماً ساعاته، وكربت الشمس للمغيب وضرعت للأفول. وامتد عنان المشاجرة، واستفحل الأمر عن المذكرة، فلم تتسع القدرة في الحال لنظم الرسالة. واستصحبت ما ثبت في صحفهم، وعدت إلى داري فاتخذت الليل مطية ثلاث ليال لا أطعم فيهن الكرى، إلى أن تغور أخرى النجوم، وتتولى أسراب الظلام ويبتسم الصبح، إلى أن انتظمت الرسالة. وقدت ثلاثاً أقعدتها أسهرهن نافياً عن عيني الكرى إلى أن يمزق الفجر سربال الدجى، ويبسم ثغره في ثغرة الضحى. ونمي الخبر واشتهرت الحال، ونودي بها في كل ناد. ورسم الوزير أبو محمد والرئيس أبو الفرج محمد بن العباس - وإياه خاطبت هذه الرسالة وأمره المسموع في نظمها امتثلت - وهما كوكبا المملكة وناظرا الدولة، شرحها فشرحتها، وأنهيا الصورة إلى معز الدولة فأنعمت في مسرته، ووكد الوصاة بمراعاتي والتكرمة الشديدة لي ثم رأى الوزير أبو محمد الجمع بيننا في مجلس، وأن تكون مراجعته الكلام ومناقلته إياه بحضرته. وأنا مورد ذلك مجلساً مجلسا على هيئته. فإن أبا محمد المهلبي رسم لإثباته كاتبين من خواص كتابه، ووكد القول عليها في الاحتراس من أن تشذ واحدة منه؛ فحصلا ذلك تحصيلاً شديداً. وكان ممن شاهد الحال، وأبدى صفحته في الظاهرة والتنبيه عن مواقع إحساني في تلك المفاوضة والمنازلة: هبة الله بن المنجم، وهو من الأدب بحيث لا يخرج مشهده، وعلي بن محمد الشاعر المعروف بابن البقال، وله مكانه من الفضل. وأنا أذكر إن شاء الله ما شجر بيننا، وأشفعه بما تعلقت به عمله من سرق وإحاله، ومن لفظ هجين ومعنى فاسد، وأومئ إلى مواضع أحسن فيها من شعره، وأنبه على معان يكاد يكون مخترعاً لها، وعلى معانِ أخذها فأحسن العبارة عنها والزيادة فيهاً، متصرفاً الحق في جميع ما أفضي به، لتكون هذه الرسالة جامعةً مستوعبةً قناع اللبس في أمره، وخاتمة الدعاوى والتحامل عليه بحول الله وقوته.
استحضر أبو الطيب وجماعة من أهل العلم. وحضرت مجلس الوزير أبي محمد المهلبي ورسمت مناقشته. فأبدى تنكراً وتنمراً وإباء وامتناعاً، فألنت له جانبي، ثمتَ أعجلته القول وسألته عن قوله:
أُحَادُ أمْ سُداَسُ في أُحادِليْلتناُ المنُوط بالتّنادِ
وقلت: ما أردت؟ فقال: أرادت أليلة واحدة أم ست ليالٍ في ليلة، استطالة لها واستبعاداً لمداها. فقلت: أجل وأراك نظرت فيه إلى قول الأول:
لقد طال هذا الليلُ حتى كأنهبلَيلَينِ موْصوليَنِ ما يتزحزَحُ
وإلى قول الآخر:
وليلٍ أبيَ أن يُسفرَ الصّبح والدُجىترَدّدَ منه بيَنَ عجَزٍ وأولِ
كانَ بَهيَم اللّيلِ أعمىْ مقيدُتحيَرَ في تيهٍ من الأرْضِ مجَهلِ
كأنّ الظّلامَ حِنَ أرْخى سدُولهبنَجْدٍ على ليلٍ بلبلٍ موُصلًِ
وقد قال عدي بن الرقاع في هذا المعنى:
وكأنّ ليَلي حينَ تغَربُ شمسهُبسوَادِ آخرَ مثِلهِ موْصولُ
وإلى هذا المذهب الفرزدق بقوله:
ولَيَلةِ يوْمٍ مُرْجحنٍّ ظلامهاُسواء عليناَ طوُلهاُ وهموُمهُا
كأنّ بها الأيامَ والليْلَ وصلاًوظلماءَ مسُوداً علينا بهَيمها
وأحسن بشار كل الإحسان:
خلَيليّ ما بالُ الدّجىَ لا تَزَحزحوما بال ضوْءِ الصّبحِ لا يتوَضّحُ
أضلّ النّهارُ المسُتنيرُ سبيلهأمِ الدّهرِ ليلُ كلهُ ليسَ يبرَحُ
قلت: فهؤلاء كلهم جرى على مدرجة واحدة في استطالة الليل، مغالياً كان فيها أو مقتصداً، غير أنه لم يقرن إلى صدر بيته ما يناقص عجزه وينافيه، ويباينه كل المباينة ولا يقتضيه، كفعلك. فإنك وصلت بينك بعجز أفسده، وبعد كل البعد عنه؛ وذلك أنك قلت أليلة واحدة أم ست ليال في ليلة. ثم صغرت على مذاهب العرب في تصغير المعظم في قولهم:) دويهية (و) عذُيقها المرجبّ، وجذيلها المحكك (وكما قال الأول:
فُوَيقَ جُبيلٍ شامخِ الرأسِ لم يكنْليبَلغُه حتى يكلّ ويعْملاَ
وكما قال الآخر:
يا ميُ سقاَكِ البرُيقُ الومضىُوالدّيمُ الغاديةُ الفضُافضُ
فقال: إلى هذا ذهبت. فقلت: ثم قلت:) المنوطة بالتنادي (، فأحلت. قال: كيف ذلك؟ قلت: كيف تناط بالتناد ما تخيله ليلة واحدة أو ستاً في واحدة؟ وإنما نظرت في قولك) المنوطة بالتنادي (إلى قول الشاعر:
قلتُ لضَيْفي حيَن نَبًهُتهفي لَيلَةٍ ماطِرَهْ
ما لي أرى اللًيْلَ آخِرٍكأنهُ قد نِيطَ بالآخرِهْ
فهذا جعل في استطالته منوطاً بالآخرة، فلم يقرن ذلك بما أفسده وشوه معناه، ولا أحاله إحالتك بيتك حتى استفهمت استفهام شاك في أنها ليلة واحدة أو ست في ليلة. ثم ناقضت بإخبارك أنها منوطة بالتنادي، فشتان ما استفهامك هذا وقول الآخر على تأخر زمانه:
لَسْتُ أدري أطال ليَليَ أمْ لاكيفَ يدري بذاكَ منَ يتَقَلى
لوْ تَفرَُغتُ لاستطالةِ ليَلْيولرَعيِ النَجومِ كنتُ مخُلى
وكأنك لم تسمح قول سويد بن أبي كاهل:
وإذا قُلتُ لَيلي قَدْ مضَىَعَطَفَ الأوُلُ منهُ فرَجَعْ
واحتذي هذا المعنى خالد بن يزيد فقال:
تَباعَدَ الصًبحُ حتى ما أؤمُلهُوازدادَ هَمُ فما يُرْجى ترَحله
والليًلُ وَقْفُ علَينا ما يُفارِقُناكأنُما كلُ وَقتٍ منهُ أولُهُ
وهذا أحسن من قول الآخر وإن تقدم زمانه:
ليسَ لليْلِ آخرُيشَفَي منهُ عاشقُ
آخِرُ اللًيْلِ أولُلا يُرىَ فيهِ شارِقُ
لأنه جعل آخره أولاً، وخالد جعل كل وقت من أوقاته أولاً. ونحو هذين البيتين قول الحسن بن زياد الرصافي:
يا لَيَلةً طالَتْ على عاشِقٍمنُتظَرٍ في الصبحِ ميِعَادا
كادتْ تكونُ الحَبْل في طولهِاإذا مضَىَ أولُها عاَدَا
وهذا نهاية في معناه وفيه زيادة بقوله " منتظر في الصبح ميعادا " وعلى أن قوله:
رَقَدْتَ ولم ترْثِ للساهرِولَيلُ المُحبُ بِلا آخرِ
بديع جداً، متقدم كثيراً عما قيل في طول الليل، وكأن هذا من قول اليقطيني:
أقولُ لهُ لماً رَسَتْ داجيِاتهُُعدِمتُكَ من ليَلٍ أماَلك آخرِ
فنمي إلي بعد ذلك أنه غير البيت أو غيره بعض شيعته فجعله) المنوطة بالتنادي (وقال معناه تنادى القوم بالرحيل وهذا قول واهٍ جداً، ومعنى لا طائل فيه. وقلت في قصيدتك هذه:
كأنّ بَناتِ نعْشىٍ في دُجاهاخرَائدُ سافراتُ في حداد
ولا تعلق للخرائد من النساء دون غيرهن بهذا التشبيه؛ إذ كانت الخريدة الحيية والخرد الحياء. وليست النجوم في الدجى أشبه مناسبة للخرائد في السواد، منها لمن حياء من النساء. وإنما قلت) خرائد (، ليلتبس الموضع ويخفى الأخذ، لأنُ ابن المعتز قال:
كأنّ نجُوم الأفقِِ في فَحمةِ الدّجىوجوهُ عذارى في ملاحفَ سودِ
فقال: ما وجه اختصاص العذارى دون العون؟ قلت: لأن العذراء تتميز عن العون بكثرة ماء الوجه وغضارته ورقة ديباجته؛ ولذلك قالوا) درة بكر (، لم تثقب، و) روضة بكر (، لم تزرع، و) خمر بكر (، لم تبز. ولذلك سموا الخمر) عذراء (، إذا لم تفتض بمزاح أو لم تبزل من دن، كما قال الأخطل:
عذْراءُ لم يجَتلَ الخطابُ بهَجتهاَولا اجتلاَها عباديُ بدينارِ
وقالُ ابن المعتز:
وَرَنا إليّ الفرْقدانِ كأنماّزرَقْاء تنظرُ من نقابٍ أسودِ
قال أيضاً:
وارىَ الثرَياّ في السماءّ كأنماّقدَم تبدّتْفي ثيابِ حدادِ
فأحسن التصرف في هذا المعنى والتوكيد له، وأسأت في أخذه. وفي هذه القافية تقول:
جزىَ اللهُ المَسيرَ إليهِ خَيراًوإنْ تَرَك المطَايا كالمزَادِ
وإنما ذهب إلى أن السير أنضى جرومها وتخون نيها. وذهبت إلى تشبيهها بالمزاد المشنشنة فلم تستطع استيفاء التشبيه، وقصرت بك المادة، فاقتصرت على ذكر المزاد، وليس كل مزادة بالية ولا مشنشنة وإنما نظرت إلى قول الراجز:
كأنما والشرَْكَ كالشَنانِتميسُ في حُلةٍ أرْجوانِ
والشنان القرب اليابسة، وهذا تشبيه صحيح، وبيتك الذي استرقته منه فاسد سقيم. ولو أوردت الصفة لدلت على الموصوف. فأما أن تورد الاسم الذي تعتوره الصفات المتغايرة، فإنه لا يدل بذكر مجرداً على ما ذهبت إليه من صفته. ألا ترى إلى قول أبي النجم يصف إبلاً:
تمْشي من الرًدًةِ مشْي الحفلِمَشْيَ الرّوايا بالمزادِ المثُقلِ
فلم يقتصر على ذكر المزاد حتى وصف بصفة حاله أخرجت التشبيه عن هجنة الافتراق. ثم قلت: وفي هذه الكلمات تقول:
تَهَلُل قَبل تسَليمي علَيْهِوألقَى قَبلَ الوِساَدِ
وأحسب الأول قفا أثرك في هذا المعنى فقال:
مِراراً ما دنَوْتُ إلَيهِ إلاَتبسًم ضاحكِاً وثَنى الوِساَداَ
ومن أبكار معانيك فيها قولك:
فظَنوني مَدَحُتُهُمُ قدَيماًوأنتَ بما مَدحتُهُمُ مُرادي
وكأن أبا نؤاس سمع هذا فقال:
وإنْ جرَتِ الألفاظُ بمدِحَةٍلغَيرِكَ إنساناً الذي نَعني
على أن كثيراً بن عبد الرحمن قد قال:
متى ما أقلْ في آخر الدهرِ مِدْحَةًفما هي إلاُ لابنِ لَيلي المُكَرُمِ
ثم قلت: وفي هذه الكلمة تقول، فتطول وتفخر وتصول وتوهم أن المعنى غير مقول:
كأنَ الهَامَ في الهَيْجا عُيُونوقد طُبِعتْ سُيوفُك من رقُادِ
وقد ضُعتَ الأنسُةَ من هُمومٍفما يَخطُرْن إلاُ في فُوادِ
فسبحان من ذلك أعناق الكلام لك، ووطأ كواهله وجمع شتيته، وقاد لك المعاني بازمتها، حتى اخترعت منها ما قصرت عنه خواطر من تقدمك من فرسان الشعر وأمراء النظم والنثر. وهذان البيتان هما من قول بعض الشاميين:
تَخَيل الَهامَ أحداقاً صوَارمهُما بيَنَ أجفانِها صيغتْ منَ الوَسنِ
تعَلو عَواملَ قد سًددن من وجليسَلكْنَ بالطّعن منهُ مسلك الفطنِ
فقال بعض من حضر، وأحسبه أبا علي الحسين بن محمد الأنباري، وكان ضلعه معه هذان البيتان مفتعلان مصنوعان لا يعرف قائلهما. قلت: فاصنع أنت مثلهما ودعهما، قد أخذ البيت الأول من بيتيه من قول منصور النمري:
ذكرُ بروْنَقَهِ الّدماءُ كأنّمايعلوُ الرّجال بأرْجونٍ فاقعِ
وكأنّما خَدَرُْ الحُسامِ بهامهِخدَرُ المنيةِ أوْ نعُاسُ الهاجعِ
وأماّ قوله:) وقد صُغْت الأسنةّ (إلى آخره، فمن قول البحتري يصف ذئباً وهو من أحسن ما قيل:
وأطْلسَ ملء العَينِ يقَسمُ زَوْرَهوأضلاعَهُ من جانبيهِ شوى نهدُ
طَواهُ الطوًىَ حتى استَمرّ مريرُهُفما فيهِ إلاّ العظْمُ والروّح والجلْدُ
سماَ لي وبي من شدّةِ الجُوعِ ما بهببيداء لم تحُسسْ بها عيشَةُ رَغْدُ
فأوْجَرْتهُ خرَقْاءَ تَحسبُ ريشَهاعلى كوكبٍ ينقصّ والليلُ مسودُ
وأتبعتهاُ أخرىَ فأضلْتُ نصلهاَبحيثُ يكونُ اللبُ والرّعبُ والحقدُ
والبحتري أخذ هذا من قول أبي تمام:
من كلّ أزْرَقَ نظارٍ بلاِ نظرٍإلى المقاتلِ ما في عوُدِهِ أوَدُ
كأنه كانَ ترْبَ الحُبً مذْ زَمنٍفليسَ يعُجزهُ قلبُ ولا كَبدُ
أخذه من قول عمرو بن معدي كرب:
والضّاربينَ بكُلّ أبيضَ صارِمٍوالطاعنينَ مجاَمعَ الأضغانِ
فقال أبو الطيب: من أبو تمام والبحتري؟ ما أعلم أني سمعت بذكرهما إلا من هذه الحاضرة. فقلت: أبو تمام والبحتري اللذان اختلبت ألفاظهما، واستلحقت معانيهما، ووقعت دونهما وقوع السهم المقصر عن رميته.
ثم قلت: وأخطأت في قولك:
غضبتْ لهُ لما رأيتُ صفِاتهِبلا واصفٍ والشعرُ تهذي طماَطمه
ومن أجل أن الهذيان كلام المهتر والعليل، ومن به طيف جنة. والهاذي والهذاءة من الأوصاف المذموتة كما قال الأول:
هذرْيان هذر هذاءةموشكُ السًقطةِ ذو لبٍ نثْرِ
والطَمطةَ كلام العجمي الذي لا يفهم، يقال: أعجمي طمْطم وطُمطْماني، إذا كان كلانه غير مفهم، قال عنترة:
تأوي لهُ قُلص النّعانِ كما أوتْحزقُ يمانيةُ لأعْجمَ طمِطِم
فجعلت شعرك واعتلاجه في صدرك ودبيبه على لسانك وما منحته قريحته منك بمنزله كلام الهاذي والأعجمي الطمطم الذي لا يفهم كلامه. ولا خير في ما هذه سبيله ووجه الكلام أن كنت تقول: والشعر يمور تياره، ويغطمط لجه، ويجيش بحره، وتتغاير قوافيه في مدحه، هذا الكلام كما قال أبو تمام:
تَغايرَ الشعْر فيه إذ سهرتُ لهُحتى ظنْنتُ قوافيهِ ستَقتتْلُ
لكن القافية اضطرتك إلى ما هجن الكلام وأفسد معناه وأحاله عن الصحة. فأقبل علي وقال: أنصف، فإن المنصف من يميز، وأنعم النظر إنعام من تقدمت في العلم قدمه، ووقعت الإشارة إلى فضله. ولا تسلط الهوى على الرأي. فقلت: قل: فقال: إنما أجري على سبيل الشعراء المبرزين في الإحسان واختراع المعاني، فإذا استبهمت مسالك الإبداع، جريت على وتيرة من تقدمني في اقتفار الأثر والملاحظة والنظر. وما أبرئ خاطري، وإن كان الصواب يتصرف به على سبيله، من زلة تجوز بي وعثرة اعتمدها. فقلت له: أفمن اختراعاتك قولك في صفة نعلك:
لا ناقَتي تحمَلُ الرّديف ولابالْسوطِ يومَْ الرًهانِ أجهدُها
شراكُها كورهاُ ومشْفَرُهازِمامهُا والشُوُعُ مقِوَدها
فقال: أليس هذا مخترعاً؟ فقلت: أجل وهو مخترع لأبي نؤاس في قوله:
إليكَ أبا العَبُاسِ مَن مشَىعلَيها، امتَطَينا الحَضرَمُي المُلسَناَ
قَلائصَِ لم تَحملِْ حنَيناً طَلاًولم تدَْرِ ما قَرْعُ الفَنيقِ ولا الهنِا
وقولك:) ناقي (من قول أبي نؤاس " قلائص " وقد زدت المعنى وأشبعته في البيت الثاني وتركت من قول أبي نؤاس:
قَلائِصُ لم تَحملْ حَنيناً على طَلاًولم تَدرِ ما قَرْعُ الفَنيقِ ولا الهِناَ
وزدت أنك لا تجهدها بالسوط، وأن شراكها كورها، وزمامها مشفوها، والشوع مقودها. ومن معانيك المخترعة قولك:
ماضي الجَنانِ يُريهِ الحزْمُ غدٍبقَلْبهِ ما تَرى عَيناهُ بعدَ غدِ
وهذا من قول دريد بن الصمة معنى ولفظاً:
يرَى عاقباتِ الرُأيِ والأمرُ مقُبِلُكأنُ لهُ في اليوْمِ عَيناً على غَدِ
وقد قال الآخر:
يصَيِر بأعقابِ الأمورِ كأنُماتخاطبهُُ من كل أمرٍ عَواقِبهْ
وقد كرر المتنبي هذا المعنى في موضع آخر ولم يحسن العبارة عنه فقال:
مستَنبِط من عِلِمهِ ما في غَدٍوكأنُ ما سيكون فيهِ دوُناُ
وأول هذا المعنى قول أوي بن حجر:
الألمَعيُ الذي يَظُنُ بكَ الظُنكأنْ قد رأى وقد سمعاَ
وفي الكلمة يقول المتنبي:
لمُا قَفلْتَ منَ السُواحل نحونَاقفَلَتْ إلَها وَحشةُ من عندِنا
وإنما أخذه من قول البحتري:
رَحَلَ الأميرُ محَمدُ فترَحلتْعَنُا عَصارةُ هذه النعُماءِ
ومما يناسب هذا اختراعاتك قولك:
متى ما ازدَدْتُ من بَعْدِ التَناهيفقد وقعَ انتقِاصي ازْدياِدِ
وهذا منقول من قول محمود:
أسَرعَ في نقَصِ امرئٍ تَمامُهُتُدْبرِ في إقْبالهِ أيامُه
وقد أحسنُ ابن الرومي العبارة عن هذا المعنى فقال:
تُخالسهُ الأوقاتُ وهيَ نَماؤُهوتغَتاُلُه الأقواتُ وهيَ لهُ طَعْمُ
إذا ما رَأيتَ الشيء يُبليهِ عُمرُهُويفَسدِ أن يَبقى ففي دائِه عقْمُ
وهذا المعنى ينظر نظراً إلى قول حميد بن ثور الهلالي:
أرى بصَري قد رابنيَ بعدَ صحةٍوحسبكَ داءً تصح وتسلماَ
وحميد فيه نظر إلى قول النمر:
يوَدُ الفتى طُولَ السّلامة جاهداًفكَيفَ ترىَ طولَ السّلامة يفعلُ
فلو شئت لاقتصرت عن التعرض لما هذه سبيله، لا سيما وأنت غرض لكلَ عرض، نهزة لكل متفرص. وما تصنع بقولك:
فرَأيتُ قرْنَ الشّمس في قمرِ الدّجىمتُأوُداً غُصْنُ بهِ يَتأوَدُ
مع قول مسلم:
هَيفاءُ في فَرعهاِ ليْلُ على قمرٍعلى قضيبٍ على حقفِ النّقا الدَهسِ
كأنّ قلبي وشاحاها إذا خَطرَتْوقلبْها قلبُهاُ في الصمتِ والخرَسِ
تجري محَبتهُا في قلبِ عاشقهاِمجْرىَ السّلامةِ في أعضاء منتكسِ
وقلت: ومما استرقته وأفسدته قولك:
ها فانظرُي أو فظمّيُ بي ترَىْ حُرقاًمن لم ذقْ طرفاً منها فقدْ وألا
علّ الأميرَ يَرىَ ذليّ فيشَفعَ ليإلى التي تركتنيَ في الهوىَ مثَلاَ
وذلك أنك عرضت الممدوح للقيادة، برجائك إياه أن يكون شافعاً لك إلى من تحبه. وهذا من أقبح خروج وأسخف معنى تعاطاه شاعر في مخاطبة ممدوح. وإنما احتذيت فيه قول أبي نؤاس:
فلو شاء رَبّي لابتلاَهمْ بما به ابْتلاَناَفكانواُ لا علَيْنا ولاَ لناَ
سأشكُو إلى الفضلْ بن يحيىَ بن خالدٍهواكِ لعلّ الفضلَ يجمعُ بينناَ
وإنما ذهب أبو نؤاس في توجيه هذا إلى استعطاء الممدوح وإرفاده، أو تزوجها إن كانت حرة ودلَ على ذلك قوله في البيت الخير:
أميرُ رأيتُ المالَ في نغَمَاتهِذليلاً مهَينَ النفسّ بالضًيمِ مذُعنا
إذا ضنَّ ربُ المالِ ثوّبَ جُودةُبحي على مالِ الأميرِ وأذّناَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع