من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)
الجزء الأول (٨)
مثله لحمَّاد عجرد:
وأغرُّ ذو أُشرٍ وما إن ذقتُهُشهدَتْ بذاك عذوبةُ المسواكِ
وهذا مثل معنى بيت بشار إلاَّ أنَّ بيت بشار أجود وأصحّ وأخذه بعض الكتَّاب فقال:
يخبِّرنا المسواكُ عن طيبِ ثَغرهابما لم يخبِّرنا به قطُّ ذائقُ
ومثله لابن الرومي:
وفم بارد المذاقة بالظَّنِّ ولم يُختبرْ ولمْ يُذقِ
وأخذه عمارة بن عقيل فقال:
وأشهدُ عند الله يومَ لقائِهِبأنَّ ثنايا أُمِّ سعدٍ لطائمُ
وما ذاقَها غيري ولا أنا ذقتُهاولكنَّني بصحَّة الظَّنِّ عالمُ
وهذا معنى يطول ويتَّسع متى أردنا استغراقه ولا بدَّ من ذكره في مواضع إن شاء الله.
وقال ابن الدُّمَيْنة:
حيِّ المنازلَ من جَمَّاءَ إذ درستْفأورثتْ قلبَك الأحزان والطَّربا
بيضاءُ تُسفرُ عن صلتٍ مدامعهُلا تستبينُ به خالاً ولا نَدَبا
بانُوا فما راعَنا إلاَّ حمولتُهموهاتفٍ بفراق الحيِّ قد نعَبا
ثمَّ اتَّبعنَ غَيوراً ذا مُعاسرةٍإنْ هنَّ شاورْنَه في نيَّةٍ غضِبَا
أتبعتُهم دَوْسَراً رحب الفُروج تَرىفي حدِّ مِرفقهِ عن زَورِهِ حَنَبا
يُصغي لراكبه في المَيس مجتنِحاًحتَّى إذا ما استوَى في غَرْزِه وَثَبا
أما قوله: " بيضاء تسفر " فهو بين ذي الرُّمَّة:
أرتْه يوم النَّقا خدّاً وسالفةًلا يستبينُ به خالٌ ولا ندبُ
وكذا قوله: " يصغي لراكبه " البيت، قال ذو الرُّمَّة:
تُصغي إذا شدَّها في الكُور جانِحةحتَّى إذا ما استوَى فر غرزها تثِبُ
وقال ابن الدُّمَيْنة:
ذكرتكِ والحدَّادُ يضربُ قيدَهعلى السَّاق من عَوجاءَ بادٍ كعوبُها
فقلتُ لراعي السِّجن والسِّجنُ جامعٌقبائلَ من شتَّى وشتَّى ذنوبُها
ألا ليتَ شِعري هل أزورنَّ نسوةًمضرَّجةً بالزّعفران جيوبُها
وهل ألقَيَنْ بالسِّدر من أيمَن الحمَىمصحَّحةَ الأجسام مرضَى قلوبُها
بهنَّ من الدَّاء الَّذي أنا عارفٌولا يعرفُ الأدواءَ إلاَّ طبيبُها
عليهنَّ ماتَ القلبُ موتاً وجانبتْبهنَّ نوًى غِبٌّ أُشِبَّ شعوبُها
وله:
وما نُطفةٌ زرقاءُ لا تكتم القذَىبعلياءَ يجري تحتَ نيقٍ حبابُها
يحومُ بها صادٍ يرَى دونه الرَّدَىمُحيطاً فيهوَى بَردَها ويهابُها
بأطيبَ مِن فيها ولا قرقَفِيَّةٌيُشابُ بماءِ الزَّنجبيلِ رضابُها
وله:
عُقيليَّةٌ أمَّا مَلاثُ إزارِهافدِعصٌ وأمَّا خصرُها فبَتِيلُ
تربَّعُ أكناف الحمَى ومقيلُهابتَثليث من ظلِّ الأراكِ ظليلُ
أيا زينةَ الدُّنيا ويا منتهَى المُنَىويا أملي هل لي إليكِ سبيلُ
فديتكِ أعدائي كثيرٌ وشُقَّتيبعيدٌ وأنصاري لديكِ قليلُ
وكنتُ إذا ما جئتُ جئتُ بعلّةٍفأفنيتُ عِلاَّتي فكيف أقولُ
وله:
هلِ القلبُ عن ذكرَى أُميمةَ ذاهِلُأجلْ حين يمشِي بي إلى القبرِ حامِلُ
أمُزمعةٌ بالبَين ليلَى ولم تمُتْكأنَّك عمَّا قد أظلَّك غافِلُ
ستعلمُ إنْ زالتْ بهم غُربة النَّوىفزالوا بليلَى أنَّ عقلكَ زائِلُ
وإنَّك لا تخلُو من البثِّ والنَّوىإذا ما خلتْ ممَّن تحبُّ المنازِلُ
بنفسيَ من لا تقنع النَّفسُ بعدَهومن لا تنالُ النُّجحَ فيه العواذِلُ
ومن لو رآني بين صَفَّين منهماصديقٌ ومستَولى العداوةِ باسِلُ
لَخذّل أعواني إذن ورأيتُهُعليَّ مع القوم الَّذين أُقاتِلُ
ولو جئتُ أستسقِي شراباً وعندهعيونٌ رويَّاتٌ لهنَّ جداوِلُ
صدِيّاً لمَا قالتْ ليَ اشربْ ولا درتْأفي العام أروَى أمْ قَصارِيَ قابِلُ
مثله:
فلو كانتْ تسوسُ البحرَ ليلَىصدرْنا عن مواردِه ظِماءا
ابن الدُّمَيْنة:
أيا أخوَيَّ بالمدينة أشرِفابيَ الصَّمْدَ أنظُرْ نظرةً هل أرَى نجدَا
فما زادني الإشرافُ إلاَّ صبابةًولا ازددتُ إلاَّ عن معارِفها بُعدا
فإنَّ بنجدٍ من برانيَ حبُّهُفلم يتَّرِكْ منِّي عظاماً ولا جلدَا
فقال المدينيانِ أنتَ مكلَّفٌبداعِي الهوَى لا تستطيع له ردَّا
أما قوله: " فما زادني الإشراف " البيت، فهو كثير في أشعار متغزّلي العرب يذكرون أنَّهم إذا علَو جبلاً وأشرفوا يفاعاً زاد شوقهم وكثر حنينهم، فمن ذلك قول بعضهم:
لا تشرفنَّ يفاعاً إنَّه طربٌولا تَغَنَّ إذا ما كنتَ مشتاقا
وقال آخر:
أمَّا اليفاعُ فإنِّي لستُ أشرفهُخوفاً من الشَّوق لكنْ أسلكُ الوادِي
مثله:
وما زال داعي الشَّوق يُحدث دمعةًأيضاً ما علاَ يوماً من الأرضِ مَيْفَعا
آخر:
وما أُشرفُ الأيفاعَ إلاَّ تحدَّرتْعَقابيلُ شوقٍ يمتَرينَ المَدامِعا
وقال ابن الدُّمَيْنة:
خليليَّ ليسَ الهجرُ أنْ تشحطَ النَّوىبإلفينِ دهراً ثمَّ يلتقيانِ
ولكنَّما الهِجرانَ أنْ تجمعَ النَّوىوتُمنعَ منِّي أن أرَى وترانِي
وكنَّا كريمَيْ معشرِ حُمَّ بينناهوًى فحفظنَاهُ بحسنِ صيانِ
وقال زميلِي يوم سائِفة النَّقاوعَينايَ من فرط الهوَى تكفانِ
أمِن أجلِ دارٍ بين لَوْذانَ والنَّقاغداةَ اللِّوَى عيناكَ تبتدرانِ
فقلتُ ألا لا بلْ قذِيتُ وإنَّماقذَى العينِ ممَّا هيَّجَ الطَّلَلانِ
فيا طلحَتَي لَوْذانَ لا زالَ فيكُمالمن يبتَغي ظلَّيكُما فَنَانِ
وإن كنتُما قد هجتُما بارحَ الهوَىودَنَّيتُما ما ليسَ بالمتدانيِ
خليليَّ إنِّي أرقتُ ونِمتُمافهلْ أنتما بالعِيس مدّلِجانِ
فقالا أنمتَ اللَّيلَ ثمَّ دعوتَناونحنُ غلامَا شُقَّةٍ رجِفانِ
فقُم حيث تهوَى إنَّنا حيث تشتَهيوإن رمتَ تعريساً بنا غَرِضانِ
خليليَّ ليسَ الرَّأيُ في صدرِ واحدٍأشِيرا عليَّ اليومَ ما تَرَيانِ
أأركبُ صعبَ الأمرِ إنَّ ذَلولَهبنجرانَ قد أعيَا بكلِّ مكانِ
خليليَّ من أهل اليفاعِ شُفيتُماوعُوفيتُما من سيِّئِ الحَدثانِ
ألا يا احمِلاني باركَ اللهُ فيكُماإلى حاضرِ القرعاءِ ثمَّ ذَراني
أحقّاً عباد الله أنْ لستُ ماشياًبذي الأثْلِ حتَّى يُحشرَ الثَّقلانِ
ولا لاهياً يوماً إلى اللَّيلِ كلِّهببيضٍ لطيفاتِ الخصورِ غوانِ
يُمَنِّينا حتَّى تَريغَ قلوبُناويخْلِطنَ مَطْلاً ظاهراً بليانِ
من النَّاسِ إنسانانِ دَيني عليهماملِيَّانِ لو شاءا لقدْ قَضَيانيِ
خليليَّ أمَّا أُمّ عمرٍو فمنهماوأمَّا عن الأخرى فلا تَسَلاني
مَنوعانِ ظلاّمانِ لا ينصِفانيبدَلَّيْهما والطَّرفِ قد خَلَباني
أفي كلِّ يومٍ أنتَ رامٍ بلادَهابعَينينِ إنساناهما غرِقانِ
برَى الحبِّ جِسمي غيرَ جُثمانِ أعظُمٍبلينَ وإنِّي ناطقٌ بلسانِ
أما قوله: " وقال زميلي " الأبيات الثلاثة فهو الَّذي اخترع هذا المعنى وقد أخذه بعده جماعة فكلٌّ عنده من لامه على البكاء بضرب من الضروب ونحن نذكر بعض ذلك، قال بشار:
وقالوا قد بكيتَ فقلتُ كلاَّوقد يبكِي من الطَّرب الجَليدُ
ولكنِّي أصابَ سوادَ عَينيشبا عودٍ له طرفٌ حَديدُ
وقالوا ما لدمعِهما سواءًأكِلتا مقلَتَيك أصابَ عُودُ
فهذا ذكر أنَّ عوداً أصاب عينه فجرى دمعهما وهو معذور إذ كان أعمى مع أنَّهم يذكرون أنَّ الأعمى تجري من عينه الدُّموع، ويقال إن عمر بن الخطاب سأل متمّم بن نُويرة عن شدَّة حزنه على أخيه مالك فذكر أشياء ثمَّ قال: بكيته يا أمير المؤمنين حتَّى أسعدتْ عيني العوراء الصحيحة، ويقال إنَّ الَّذي سأله عن هذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵇. ولبعض العوران يستعظم بكاء عينه العوراء:
كفَى حزناً أنِّي ترفَّعتُ كيْ أرَىذُرى قُنَّتَيْ دمخٍ فما تُريانِ
كأنَّهما والآلُ يجري عليهمامن البُعد عَينا بُرقعٍ خَلقانِ
عذرتُكِ يا عَيني الصَّحيحةُ في البُكافما لكِ يا عوراءُ في الهَمَلانِ
يجوز للمعارض أن يقول في هذا البيت: إنَّما خاطب الشاعر عينه العوراء فقال لها: أيش لك في البكاء وما رأيتِ شيئاً ويعذر عينه الصحيحة لأنَّها نظرت إلى قنَّتي دمخٍ اللَّتين ذكرهما وفيهما من يحبّ، وما الأمر عندنا إلاَّ أنَّه استعظم بكاء عينه العوراء وعجب من ذلك إذ ليس من شأنها البكاء ولا من عادتها الدموع فيما يقال، ويحكى أن بشَّاراً كان بلا أثر عين بوجه ولا سبب. وكان موضع العين في وجهه جبيناً فليت أنَّا علمنا في أيّ موضع بكى حتَّى لِيم فاحتجَّ بأنَّ عوداً طرَف عينه. وأخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال:
كم مِن صديقٍ لِي أُسارِقُه البُكاءَ من الحياءِ
فإذا رآهُ يقولُ ليفأقول ما بي من بكاءِ
لكنْ ذهبتُ لأرتَدِيفطَرَفتُ عَيني بالرِّداءِ
مثله لابن أبي فنن:
إذا اغرورقتْ عَيني تعلَّلتُ بالقذَىلأُخفي الَّذي ألقَى وإنْ كانَ باديا
وأخذه آخر فقال:
إذا اغرورقتْ عيني تثاءبتُ كيْ يرَىرقيبُك أنَّ الدَّمعَ فعلُ التَّثاؤُبِ
فأما الَّذي أخذ هذا المعنى فجوَّده وزاد فيه التَّنفُّس الزيادة البيّنة فالقائل:
شيَّعتُهم فاسْترابُوني فقلتُ لهمإنِّي بُعثتُ مع الأجمالِ أحْدوها
قالوا فلِمْ تتنفَّسْ هكذا صُعُداًومَا لعينيكَ ما ترقَا مآقيها
قلتُ التَّنفُّسُ من إدمانِ سَيركمُوالعينُ تسفحُ دمعاً من قذًى فيها
هذا أضاف إلى الدمع التنفس واحتج فيها حجةً عقليةً لا يمكن دفعا.
وأما قوله: " من النَّاس إنسانان " البيتين فإنَّ أبا كر محمد ابن يحيى الصُّولي حدَّثنا عن أبي العيناء قال: قال لي أبو المهنَّا مخارق المغنِّي وقد جرى ذكر الشعراء، قال: لعن الله الشِّعر فإنَّه يجرُّ المكروه على قومٍ ما قيل فيهم وينفع قوماً ما عرفوه، فسألته عن معنى قوله، قال: كنت بين يدي المتوكّل يوماً فغنَّيت: " من النَّاس إنسانان ديني عليهما " البيتين، فأطرق المتوكّل ساعةً يفكّر ثمَّ رفع رأسه وقال: أعد ويلك، فأعدت الصَّوت مرَّاتٍ وهو يقول: صدقت والله إنَّ دَيني عليهما، فلم يقف أحدٌ ممَّن حضر المجلس على ما أراد، واتصل الخبر بسليمان بن وهب وكان على بعض الدَّواوين فوجَّه إلى أحمد بن إسرائيل وكان على ديوان آخر: تأهَّب للنّكبة، فجاءه مسرعاً وقال: ما الخبر؟ فأنشده البيتين، فقال: ما أدري أيش تقول، مَن أمّ عمرو ومن الأخرى، ما أعرفهما، قال: أمَّا أُمُّ عمرٍو فأنت وأمَّا الأُخرى فأنا، وحدَّثه الحديث، فلم تمضِ إلاَّ مدَيدة حتَّى نُكبا.
قال ابن الدُّمَيْنة وزعم الزبير أنَّها لمزاحم بن عمرو السَّلوليّ:
أشاقتكَ الهوادجُ والخدورُوبينُ الحيِّ والظُّعُنُ البكورُ
وبِيضٌ يرتَمينَ إذا التقيناقلوبَ القومِ أعينهنَّ حُورُ
هِجانُ اللَّونِ أبكارٌ وعونٌعليهنَّ المجاسدُ والحريرُ
إذا اطَّردتْ فنونُ الرِّيحِ فيهتوشَّى المسكُ يأرَجُ والعبيرُ
بدونَ كأنَّهنَّ غمامُ صيفٍتهلَّلَ واكْفهرَّ له صبيرُ
فلمَّا أنْ ركبنَ تنكَّبَتاجَوافلُ من ذوي الحاجات زُورُ
نعم فبدَا المَحْجَمُ من فؤاديوكادَ القلبُ من وجدٍ يطيرُ
يكلّفُني على الحدثان قلبينوًى للحيِّ مطلبُها عسيرُ
على حين اندَمَلتُ وثابَ حلميولاح على مفارقيَ القَتيرُ
كأنَّ القلبَ عند ديار سلمَىسليمٌ أو رهينُ دمٍ أسيرُ
كذلكَ من أُمامةَ قبلَ هذالياليَ أنتَ مقتبلٌ غريرُ
إذا المتهانِفُ الغُرنوقُ يهوَىزيارَتنا ويكرهنا الغَيورُ
وعند الغانياتِ لنا ديونٌوفي مأوَى القلوب هوًى ضميرُ
تُريك مفلَّجاً عذبَ الثّناياكلَون الأُقحوانِ له أُشورُ
وعَينَي ظبيةٍ بجِواء رملٍيضُوع فؤادَها رَشَأٌ صغيرُ
فلو تُولِينَني لعلمتِ أنِّيبمعروفٍ لفاعله شكورُ
أُديمُ لكِ المودَّةَ إنَّ وصْليبأحسنِ ما ظننتِ به جديرُ
وأمنحُكِ الَّتي لا عارَ فيهاكأنَّ نسيبَها بُردٌ حَبيرُ
أتانا بالمَلاَ كَلِمٌ حَداهُحجازيٌّ بطيَّتِه فَخورُ
عدوٌّ لا ينامَ ولا تَراهُولو أبدَى عداوتَه نصيرُ
فلو جاوَبْنَني لقصَرتَ عنِّيوأنتَ من المدَى ناءٍ حسيرُ
ولو عادَدْتَني لوجدتَ قوميهم الأشراف والعدد الكثيرُ
إذا الجوزاءُ أردفتِ الثُّريَّاوعزّ القطرُ وافتُقِدَ الصَّبيرُ
وباتتْ في مكامنِها الأفاعِيولم يتكلَّمِ الكلبُ العَقورُ
وجدتَ بقيَّةَ المعروفِ فينامقيماً ما ثوَى بمنًى ثَبيرُ
أمَّا قوله: " إذا اطَّردت فنون الرِّيح فيها " البيت، فكثيرٌ جدّاً للمتقدمين وأكثر منه للمحدثين وقد افتنت الشعراء في هذا المعنى وخلطوا مع وشايا الطِّيب جرسَ الحليّ وغير ذلك ممَّا سنذكر بعضه في هذا الموضع وندعُ بعضه لموضع آخر، فمن ذلك قوله:
طرَقَتني في خُفيةٍ واكْتِتامِمن رقيبٍ وحاسدٍ وغيورِ
فأبان الحليُّ والطِّيبُ عمَّاسترتهُ مِن أمرِنا المشهورِ
ليس شيءٌ أعدَى لنا مِن يَواقيت عليها ومسكِها والعبيرِ
مثله:
وبنفسِي شادنٌ خرِقٌمُلبَساً من حُسنه وُشُحا
وإذا ما زارَ مُكتتماًنمَّ عنه المسكُ فافْتضحَا
مثله:
لها أرَجٌ إذا زارتْينبِّهُ كلَّ مَن رقَدا
فما تخفَى زيارَتُهاإذا ما حاسدٌ هجدا
وشبيه بهذا وإن لم يكن هو بعينه قول النُّميري:
تضوّع مسكاً بطنُ نعمان أنْ مشتْبهِ زينبٌ في نسوةٍ خفِراتِ
ومثله قول الأعمى مولَى هشام بن عبد الملك:
ليت شِعري من أين رائحة المِسكِ وما إنْ إخالُ بالخَيفِ إنسِي
حين غابتْ بنو أميَّة عنهُوالبهاليلُ مِن بني عبد شمسِ
فأمَّا الَّذي أبدع وجوَّد في المعنى الأوَّل فالبحتري بقوله:
فكان العبيرُ بها واشياوجرسُ الحليِّ عليها رقيبا
ما أحسن ما استعار حين جعل رائحة الطِّيب وأشيابها وصوت الحليّ رقيباً عليها، والَّذي أحسن أيضاً فيه كلّ إحسانٍ ابن أبي زرعة في قوله:
فاسْتَكْتَمتْ خَلخالَها ومشتْتحتَ الظَّلامِ به فما نطقا
حتَّى إذا ريح الصَّبا نسمتْملأَ العبيرُ بسرِّنا الطَّرُقا
ما أبين حذق هذا الشاعر في هذين البيتين إذ ذكر أنَّها استكتمت خلخالها سرَّها فلم ينطق لأنَّ من سبيلهم مدح الامرأة بصمت الخلخال والسّوار لامتلاء السَّاق والذّراع وجولان الوشاح لدقَّة الخصر فذكر أنّها استكتمت خلخالها فلم ينطق لامتلاء ساقها فلمَّا هب النَّسيم ذاع سرُّ زيارتها لرائحة الطيب في الطريق الَّتي مشت فيها، ومثله لمُسلم:
إذا ما مشتْ خافتْ نميمةَ حلْيِهاتُدارِي على المشيِ الخلاخلَ والعِطْرا
ومن مليح هذا وجيّده قول الصّنوبريّ:
قلْ لطَيفٍ سرَى فحيَّا المطيَّامُغرماً بي وكانَ قبلُ خليَّا
هكذا كلَّما مضَى اللَّيلُ تَمضيليتَ ذا اللَّيلَ لا يُطيق مُضيَّا
كلَّما زُرتِ زورةً في خفاءٍوأرَى البدرَ لا يكونُ خفيَّا
نبَّهَ الطِّيبُ والحليُّ علينافاهجُرِي الطِّيبَ طيبَها والحليَّا
ومثل هذا للعبَّاس بن الأحنف وقد جوَّد:
قلتُ الزِّيارةَ قالت وهيَ ضاحكةٌاللهُ يعلمُ فيها كُنْهَ إضماري
فكيف أصنعُ بالواشينَ لا سَلِمواوالعنبرُ الوردُ يأتيهمْ بأخْباري
مثله للنّوبختيّ:
إذا كتمتْ زيارتَهاأذاعَ الطِّيبُ ما كتمتْ
فأنْطقَ ألسُنَ الواشِينَ لا كانتْ ولا نطقتْ
وأجود من كلِّ ما ذكرنا قول البعيث:
إذا هيَ زارتْ بعدَ شحطٍ منَ النَّوَىوشَى نشرُها لا مسكُها وعبيرُها
هذا جعل نشرها أذكى من المسك والعبير وهذا النهاية، وما أقربه من قول امرئ القيس وإن لم يكن هذا المعنى بعينه:
ألمْ ترَ أنِّي كلَّما جئتُ طارقاًوجدتُ بها طيباً وإن لمْ تطيَّبِ
وقال ابن الدُّمَيْنة:
أسألتَ مغنَى دِمنةٍ وطُلولاَجرَّتْ بها عصُفُ الرِّياحِ ذُيولا
قطعاً تموجُ على المِتانِ بحاصبٍموجَ الخَبابِ وعاصفاً منخُولا
بالأبرَقَيْنِ تبينُ عن عَرصاتهارسماً كآيات الكِتاب مُحيلا
فثنَى عليَّ صبابةً عِزمانُهامن بعد ما همَّ الفؤادُ ذهُولا
ولقد رأيتُ بها أوانسَ كالدُّمَىيرفُلْنَ من سرِقِ الحرير فضُولا
ثمَّ انتحينَ ولم يقلنَ ولَو بِناأخلَيْنَ إلاَّ جائزاً وجميلاَ
ظلَّ الحديثُ كما تَساقَى رِفقةٌصِرفاً مُشعشعةَ الزُّجاج شَمولا
شُمُساً يدعنَ ذوي الجلادةِ كلَّهمدنِفَ الفؤادِ وما يدِينَ قتيلا
ويرَيْنَ قتلَ المسلمين بلا دمٍحِلاًّ لهنَّ وما طلبنَ ذُحولا
طرقتْ أُميمةُ هاجعاً لعبتْ بهقُلُصٌ تعسَّفُ سبسباً مجهولا
أنَّى اهتديتِ ولم يدعْ نائِي الهوَىوالكاشحون إلى اللّقاءِ سبيلا
أمَّا قوله: " ولقد رأيت بها أوانس " البيت، فإنَّه وصفهم بالجدَة واليسار وأنهنَّ لا يفتكرن في الثياب إذا سحبنها، ومثله قول ابن المعتزّ:
وقَصريَّة الأطرافِ حُمر بنانُهاتُهينُ ثيابَ الخزِّ جرّاً وتسحابا
وقد استقصينا الكلام على هذا البيت وأتينا بنظائره في كتابنا المسوّم في شعر ابن المعتزّ والتنبيه على معانيه.
وقال ابن الدُّمَيْنة:
متَى الدَّينُ يا أُمَّ العلاءِ فقد أنَىأناهُ مؤدًى للغريمِ المُطالبِ
لقد طالَ ما اسْتَنْسَأْتِ إمَّا لتظلِمِيوإمَّا لأرضَى بالقليلِ المقاربِ
فكيف عزاءُ القلب عنها وحبُّهايزيدُ إذا ما ماتَ وصلُ الكواعبِ
وله أيضاً:
خليليَّ مُرّا مُصعِدَين فسلِّماعلى نسوةٍ دون الأراكِ مِلاحِ
فإنْ أنتما كلَّمتماهنَّ فاشْكواضنى بدنٍ يزدادُ كلَّ صباحِ
لقد تركتْني ما أعي لمحدِّثٍحديثاً ولا أروى ببرد قَراحِ
وله أيضاً:
أنخْنا قَلوصيْنا وأرسلتُ صاحبيعلى الهوْلِ يخفى مرَّةً ويزولُ
فلمّا أتاها قال ويحك نوِّليمحبّاً له قلبٌ عليكِ عليلُ
فقالتْ يمينَ الله لو أنَّ نفسهعلى الكفِّ من وجدٍ عليّ تسيلُ
لأنْفعَهُ شلَّتْ إذا نفعْتُهبشيءٍ وقد حدِّثتُ أين يميلُ
وله:
وإنِّي لفي شكٍّ وما من عمايةٍمن الشكِّ إلاَّ سوف تُجْلى همومُها
يهيجُ عليَّ الشَّوقَ نوحُ حمامةٍمُطوَّقةٍ يُردي المحبَّ نئيمُها
وإن لم يهجْهُ هيَّجتْهُ مُخيلةٌيراها بأعلام الحمى من يشيمها
مضتْ حقبةٌ قد شطَّتِ الدَّار غَربةًبظمياء تبدو بالنَّهارِ نجومُها
فوالله لا أدري إذا ما حمدتُهاعلامَ ولا في أيِّ ذنبٍ ألومُها
نأتْ ونأيْنا ثمَّ لم ندْرِ إذ نأتْأنقطَعُ أسبابَ الهوَى أم نُديمُها
وله:
أرى غدْرُ ليلى يا خليليَّ حامليعلى غدْرةٍ ما كان قلبي يريدُها
لقد غدرتْ إنّا إلى الله بعدماوفيْنا وعُقبى كلّ يومٍ نريدُها
له:
فلو كنتُ أدري أنَّ ما كان كائنٌحذِرْتُكِ أيّامَ الفؤادُ سليمُ
ولكنْ حسبْتُ الهجرَ شيئاً أطيقُهولم أدْرِ أنّ الخطبَ فيه عظيمُ
أخا الجِنِّ بلَّغْها السَّلامَ فإنَّنيمن الإنسِ مزوَرُّ الجناح كتومُ
أخا الجنّ لا ندْري إذا لم يُدِمْ لناخليلٌ صفاءَ الوُدِّ كيف نُديمُ
ولا كيف بالهجران والقلبُ آلِفٌولا كيف يرضى بالهوان كريمُ
وله:
خليليَّ زورا بي أميمةَ فاجْلوابها بصري أو غمرةً من فؤاديا
فإنْ لا تزورا بي أميمة تعْلَماغداةَ غدٍ أن لا أخا لكما بِيا
ألا يا قطاتَي سدرة الماءِ بلّغاأميمة عنّي واحْفَظا قيلَها لِيا
وله:
إلى الله أشكو لا إلى النَّاس أنَّنيقريبٌ وأنِّي حاضرٌ لا أزورُها
وأنّي إذا ما جئتُ بيتكِ أرْشقَتْإليّ بصيراتُ العيون وعورُها
وله:
وواضحةِ المقلَّدِ أمِّ خِشْفٍتذكّرُني سُليمى مُقلتاها
إذا نظرتْ عرفتُ النَّحرَ منهاوعينَيْها ولم أعرف سواها
صددْتُ بصُحبتي أن يذعرُهابمحْنيَةٍ ترودُ إلى طلاها
كرِهْنا أنْ نروِّعَها وقلناأشلَّ الله كفّي من رماها
وله:
وبيضٍ كالظِّباء منعَّماتٍيصدْنَكَ جهْرةً غيرَ اغْترارِ
إذا حاولنَني فأصدْنَ قلبيجعلْتُ الوُدَّ منهنَّ انتصاري
وصرَّفْتُ الحديثَ لهنَّ حتَّىأُصافي وُدَّهنَّ على اقْتدارِ
فإنْ تكنِ الحوادثُ وقَّرَتنيوعدَّى الشَّيبُ عن طلب الجواري
فقد عاودْتُهنَّ ثيابَ لهوٍلبسناهُنَّ في المحرومِ عاري
لياليَ لا يغيِّرُ حبَّ ليلىغنائي إنْ غنيتْ ولا افْتِقاري
وله:
وأعرِضُ عن أمّ البخيل وأتَّقيعيونَ العِدى حتَّى كأنّي أُهينُها
وفي القلبِ من أمّ البخيل ضمانةٌإذا ذُكرتْ كان الجبينُ يُبينُها
أتتْنا بريَّاها جَنوبٌ مريضةٌلها برْدُ أنفاس الرِّياح ولينُها
من المُشرَبات المُزنَ هيفٌ كأنّهابمسكٍ وبردِ وهيَ لُدْنٌ متونُها
تطلَّعُ ملءَ الغورِ غوْرَيْ تِهامةٍبريحٍ ذكيّ المسك فُضَّ حصينُها
وله أيضاً:
أعَيْنيَّ ما لي لا نأمْتُ ببلدةمن الأرضِ إلاَّ كان دمعي قِراكُما
أعينيَّ أغْنى أمّ ذي الطَّوقِ عنكمابنونَ ومالٌ فانْظرا ما غِناكما
ألا قد أرى والله أن قد قذيتُمابمن لا يبالي أن يطولَ قذاكُما
أعينيَّ مهْلاً أجْملا الصَّبرَ تحظيافقد خِفتُ من طول البكاء عماكما
وله:
دعوتُ إلهَ النَّاس عشرين حجّةًنهاراً وليلاً في الجميع وخاليا
بأنْ يبتلي ليلى بمثلِ بليَّتيفيُنْصفني منها لتعلمَ حاليا
فلم يستجبْ لي الله فيها ولم يُفِقْهوايَ ولكنْ زيدَ حتَّى برانيا
فيا ربِّ حبِّبْني إليها وأشْفنيبها أو أرِحْ ممّا يُقاسي فؤاديا
وله:
عفا الله عن ليلى وإنْ سفكت دميفإنّي وإن لم تجْزِني غيرُ عاتبِ
عليها ولا مبُدٍ لليلى شكيَّةًوقد يشتكي المُشكَى إلى كلِّ صاحبِ
يقولون تُبْ من حبّ ليلى وودِّهاوما أنا من حبّي لليلى بتائبِ
وله:
وإنّي لأرْضى منكِ يا ليلُ بالذيلوَ ابْصَره الواشي لقرَّتْ بلابلُهْ
بلا وبأن لا أستطيع وبالمُنىوبالوعْدِ والتَّسويف قد ملَّ آملُهْ
وبالنَّظرة العَجْلى وبالحول تنقَضيأواخرهُ لا نلتقي وأوائلُهْ
وله:
يقولون ليلى بالمغيبِ أمينةٌله وهوَ راعٍ سرّها وأمينُها
فإنْ تكُ ليلى اسْتودعتني أمانةًفلا وأبي ليلى إذاً لا أخونُها
أَأُرضي بليلى الكاشحينَ وأبْتغيكرامةَ أعدائي بها وأُهينُها
معاذةَ وجهِ الله أن أُشمتَ العِدىبليلى وإنْ لم تجزِني ما أدينُها
وله:
إلى أيّ حينٍ أنتَ ضاربُ غمرةٍمن الجهلِ لا يُسليكَ نأيٌ ولا قُرْبُ
تَهيمُ بليلى لا نوالٌ تُنيلُهولا راحةٌ ممَّن تذكُّرُه نصْبُ
هواها خبالٌ عاد مكنونُه جَوًىومرْعاهُ باغي الخير من وصلها جدْبُ
وهجرُ سُليمى مستَبينُ طريقُهومسلكُه أمرٌ إذا رُمتَهُ صعْبُ
وعائبةٍ سلمى إلينا وما لناإليها سوى الوصلِ الَّذي بيننا ذنْبُ
ولا تستوي سلمى ولا من يعيبُهاإلينا كما لا يستوي الملْحُ والعذْبُ
وله:
أبلغْ سلامةَ أنّي لستُ ناسيهاولا مطيعٌ بظهر الغيب واشيها
يا لَيتنا فرد وحْشٍ نعيشُ معاًنَرْعى المِتانَ ونخْفى في فيافيها
وليتَ كُدْرَ القطا حلَّقنَ بي وبهادون السَّماءِ فنخْفى في خوافيها
قد حالَ دونَ سُليمى معشر قزَمٍوهم على ذاك دوني من مواليها
أكثرتُ من ليتَني لو كان ينفعُنيومن مُنى النَّفسِ لو تُعطى أمانيها
إنَّ الفؤادَ ليَهوى أنْ أُناقِلَهارجْعَ الكلامِ وإن عارتْ أدانيها
ودونها قومُ سوءٍ ينذرون دميفالموتُ إتيانُها والموتُ هجْريها
يا قاتلَ الله سلمى كيف تُعْجبنيوأخْبِرُ النَّاس أنّي لا أُباليها
إنّي ليأخذُني من حبّها عَرَصٌعند الصَّلاةِ فأنسى أن أصلِّيها
لنَظْرةٌ من سُليمى اليومَ واحدةٌأشهى إليَّ من الدُّنيا بما فيها
أما قوله " يا ليتنا فردا وحش " البيتين، فهو معنى قد اشترك فيه عدّة
من الشعراء وما أقلَّ زيادة بعضهم على بعض فيه، أكثرهم يسأل ربَّه أن يجعله والَّتي يحبّ جملين أجربين يطردان عن المياه ويقذفان بالحجارة عن المناهل وبعضهم يتمنَّى أن يكون غزالاً والَّتي يهوى ظبيةً في برّيّة خساف حيث لا يراهما أحدٌ ولا يسمع لهما خبرٌ، وهذا أصلح أمنيةً من الأول إلى أشياء كثيرة من هذا النوع ونحن نذكر بعضها، فممّن تمنّى أن يكون جملاً والَّتي يحبّ ناقةً الفرزدق:
ألا ليتَنا كنّا بعيرَينِ لا نَرِدعلى منهلٍ إلاَّ نُشَلُّ ونُقذفُ
كلانا به عَرّ يُخاف قِرافُهعلى النَّاس مطليُّ المشاعر أخشفُ
ويا ليتنا كنّا جميعاً بقفرةٍمن الأرض لا يجتازُها المتعسِّفُ
ولا زاد إلاَّ فضلتان سُلافةوأبيضُ من ماءِ المدامة قرقَفُ
وأشلاء لحمٍ من حُبارى يصيدهاإذا نحن شئنا صائد متألِّفُ
ومثله لآخر:
ألا ليتنا والله من غير ريبةٍبعيرانِ نرعى القفر مُؤتلفانِ
إذا ما أتينا حاضراً صاح أهلُهوقالوا بعيرا عُرّةٍ جَرِبانِ
فأمّا الَّذي أشبع هذا المعنى وتمنَّى فيه الأماني الطريفة فكُثيِّر بقوله:
ألا ليتنا يا عزَّ كنّا لذي غِنًىبعيرَينِ نرْعى في الخلاءِ ونَعْزُبُ
نكونُ بعيرَي ذي غِنًى فيُضيعُنافلا هو يرعانا ولا نحنُ نُطلبُ
كلانا به عُرٌّ فمن يرَنا يقُلْعلى حُسنها جرْباءُ تُعْدي وأجرَبُ
إذا ما وردْنا منهلاً صاحَ أهلُهعلينا فما ننفكُّ نُرْمى ونُضربُ
وددْتُ وبيتِ الله أنّكِ بكْرَةٌهجانٌ وأنّي مُصعبٌ ثمَّ نَهْربُ
والَّذي دعا الشعراء إلى هذه المعاني حتَّى تمنَّوا أن يكونوا جِمالاً جرِبة وغير ذلك من الأماني الَّتي لا يريدها النَّاس التَّفرُّد وأن لا يأخذهم أحدٌ للجرب الَّذي بهم لأن العرب لا تبغض شيئاً بغضها الجرب ولا تحذر من شيء حذرها منه، وقال آخر في هذا المعنى وإن لم تكن أمنيَّته أن يجعله الله جملاً أجرب ومن يخوى ناقةً جرباء:
ألا ليتَ أنِّي والَّتي لا تُحبُّنيوحبِّي لها باقٍ إلى يوم أُرمسُ
غزالانِ جوالانِ في صحنٍ مهمهمٍوليس به من سائرِ النَّاس مُؤنسُ
مثله:
ألا ليتنا يا مَيّ في رأس شاهقٍمن الطَّود لا يعلُوه كلُّ سحابِ
ويُسدي لنا ربُّ السَّمواتِ رزقنافأرزاقُه تأتي بغير حسابِ
مثله لآخر:
ليتَ أنِّي والَّذي أهْواهُ في فجٍّ عميقِ
حيثُ لا يبلُغُنا الرَّعدُ ولا لمعُ البُروقِ
لا ولا يعرفُ مخلُوقٌ لنا سمتَ طريقِ
زادُنا طِيبُ صبوحٍمن لئامٍ وغبوقِ
فذكرنا من هذا المعنى ها هنا ما فيه مقنَع ولا بدَّ من ذكرنا منه في أضعاف الكتاب.
أما قول ابن الدُّمَيْنة: " إنِّي ليأخذني من حبّها " البيت، فهو مأخوذ من قول ذي الرُّمَّة:
أُصلِّي فما أدري إذا ما ذكرتُهاأثنتينِ صلَّيتُ الضُّحى أم ثمانيا
وما بيَ إشراك ولكنَّ حبَّهامكان الشّجا أعيا الطَّبيبَ المُداويا
وإليه نظر ابن الأحنف بقوله:
أُصلِّي فأهْذي في الصَّلاةِ بذكرِهاليَ الويلُ ممَّا يكتبُ الملَكانِ
أُريدُ لأنْسَى ذكرَها فكأنَّماتمثَّل لِي فَوز بكلِّ مكانِ
هذا البيت بأسره لكثيِّر وهو:
أُريدُ لأنْسَى ذكرَها فكأنَّماتمثَّلُ لِي ليلَى بكلِّ سبيلِ
وما ندري ما دعا العبَّاس مع ظرفه وأدبه وصلاحيَّة شعره إلى أخذ بيت كثيِّر بأسره من غير تضمين ولا جهل منه.
و (*) لمحمد بن عبد الملك الزيَّات في هذا المعنى:
أُصلِّي إلى الوجه الَّذي تسكنينَهوإن لم يكن سمتا لقصد صلاتيا
وأجعلُ تسبيحي دموعاً أسرُّهاعليكِ وإدمانَ الحنين قُرانيا
وشبيه بهذا المعنى قول عبَّاس المَصِّيصيّ يهجو إماماً:
إذا صلَّى بنا بكر بن يحيىتفكَّرَ في الَّذي يقْرا سِنينا
ويشغله الهوَى عنَّا فيأتيبلفظٍ يُخرج الدَّاءَ الدَّفينا
وربَّتما تفكّرَ في الغوانيفأنَّ وأتبعَ النَّفَسَ الحنينا
لقد حُرمتْ بلادٌ صارَ فيهاإماماً واللّصوصُ مؤذِّنينا
وله مثله:
إذا صلَّى بنا عُمرُفليسَ تُطيعُه السُّوَرُ
تراهُ إذا تقدَّمناوقد دارتْ به الفِكرُ
يئنُّ أنينَ ذي شَغَفبظبيٍ زانَهُ الحَوَرُ
وليس بعاشقٍ أحداًولكنْ همُّه البِدَرُ
وقال ابن الدُّمَيْنة:
ألا خليليَّ اتْبَعاني لتُؤجَراولنْ تكسِبا خَيراً منَ الحمدِ والأجرِ
فقالا اتَّقِ اللهَ الجليلَ فإنَّماتُصَلِّيك أسبابُ الهوَى وهَجَ الجمرِ
فقلتُ أَطيعاني فليس عليكماحسابي إذا لاقيتُ ربِّي ولا وِزرِي
أتحرقُني يا ربِّ إنْ عُجتُ عَوجةًعلى رَخصةِ الأطرافِ طيِّبةِ النَّشرِ
ضِناكِ مَلاثِ الدّرعِ أمَّا وشاحُهافيَجري وأما الحليُ فيها فلا تجرِي
وأنذرُ للرَّحمن ما كنتُ آثِماًفهلْ أنتَ يا ربَّ العُلى قابلٌ نذرِي
صياماً وحجّاً ماشياً وهديَّةًأُوافي بها يومَ الذَّبائحِ والنَّحرِ
قال الزبير: كان ابن الدُّمَيْنة مع غزله ورقَّة شعره فارساً شجاعاً وقتل في الحرب الَّتي كانت بين خثعم وسلول، وهو كان الأصل فيها، وذاك أنَّ مزاحم ابن عمرو السلولي كان يهوى حماء بنت مالك امرأة ابن الدُّمَيْنة ويُكثر زيارتها والخلوة معها ثمَّ إنَّها هاجرته لشيء وقع بينهما فقال يهجوها ويعرِّض بابن الدُّمَيْنة:
يا بنَ الدُّمَيْنة كم من طعنةٍ نَفَذٍيعوِي خلافَ انتزاعِ الجَوفِ عاويها
جاهدتُ فيكم بها إنِّي لكم ولدٌأبغِي مساويَكم قِدماً فآتيها
بآيةِ الخالِ منها دون سُرَّتهاوفوقَ رُكبتها في وقت آتيها
وشهقةٍ تعتَريها عند لذَّتهالكيَّةٍ أُنضجتْ لا شلَّ كاويها
فنمى هذا الشعر فبلغ ابن الدُّمَيْنة فقال لامرأته: يا جمَّاء قد بلغني أنَّ مزاحماً يأتيك ويقول الشِّعر فيك، فأنكرت ذلك، فقال لها: أُعْطي الله عهداً إن لم تمكِّني منه لأقتلنَّك، فعلمت أنَّه سيَفي، فصالحت مزاحماً وواعدته، فجاءها ليلاً فكلَّمها وهي في مظلَّتها وابن الدُّمَيْنة معها فلم تكلِّمه، فقال: الخفر اللَّيلة يا جمَّاء، فقالت بصوت ضعيف: أُدخل، فدخل وأهوى بيده إليها فأخذت يده فوضعتها في يد ابن الدُّمَيْنة، فقبض عليه - وكان ابن الدُّمَيْنة أيِّداً - وتركه تحته وكان قد أعدَّ ثوباً فيه بطحاء من الرَّمل كثيرة الحصى ليقتله بها خوفاً أن يظهر فيه أثر السلاح فيُطلب بدمه ورجاء أن ينكتم خبره، فما زال يضرب بالبطحاء بطنه حتَّى قتله، ثمَّ أخذ قطيفةً كانت له وجعلها على وجه جمَّاء وحبس عليها حتَّى ماتت وقال:
إذا قعدتُ على عِرنين جاريةٍتحت القطيفة فادْعُوا لِي بحفَّارِ
فبكت بنيَّةٌ كانت لها من ابن الدُّمَيْنة فأخذها وضرب بها الأرض، فقال متمثّلاً: " لا تتَّخذ من كلب سَوءٍ جَرْوا " ثمَّ دفن امرأته وابنته وأخرج مزاحماً فطرحه ناحيةً من مظلَّته وقال:
لكَ الخيرُ إنْ واعدتَ جمَّاء فالْقَهانهاراً ولا تدلج إذا اللَّيلُ أظْلَما
فإنَّك لا تدرِي أبيضاءَ طَفلةًتُعانقُ أمْ لَيثاً من القومِ شَدْقَما
فلمَّا سرَى عن ساعديَّ ولمَّتيوأيقنَ أنِّي لستُ جمَّاء جَمْجَما
قال: وأصبح أهل مزاحم يقفون أثره حتَّى وقعوا عليه قتيلاً فبحثوا عن الخبر حتَّى وقفوا على صحَّته وعلموا أنَّ ابن الدُّمَيْنة قتل صاحبهم فوقعت الحرب بينهم لذلك ومكثتْ مدَّة طويلة وقُتل من الفريقين جماعة ثمَّ اصطلحوا، وكان لمزاحم أخٌ يقال له مصعب بن عمرو وكان لمَّا قُتل أخوه مزاحم صغيراً فقالت أُمُّه تذكُر قتل ابنها مزاحم وترثيه:
بنفسي ومالي ثمَّ عمِّي ووالديقتيلُ بني تَيْمٍ بغير سلاحِ
فلا تطمعوا في الصّلح ما دمتُ حيَّةًودام صحيحاً مصعب بن جناحِ
تريد بجناح جدَّها. قال مصعب بن عمرو، وهو قاتل ابن الدُّمَيْنة: لمَّا كبرت قالت لي أُمِّي: إذهب فاقتُل ابن الدُّمَيْنة قاتل أخيك فإنَّه يهجو قومك وقد طُلَّ دم أخيك، قال: وكان ابن الدُّمَيْنة قد قال يهجوهم:
وطئتُ على أعناقِ قيسٍ فما شكتْهواني ولا أحفَى محرّكها نَعْلِي
وقيسٌ كثَعْل العنْز لم أرَ مِثلَهأذلَّ ولا أخفَى مكاناً من الثَّعْلِ
قال مصعبٌ: فخرجت وأنا لا أعرف ابن الدُّمَيْنة وكان ينزل تبالةَ فلقيتُ رجلاً من بني نمير يريد تبالة فقال: ويحك يا مصعب من تريد؟ قلت: ابن الدُّمَيْنة أقتلُهُ، قال: لست من رجاله، قلتُ: عليَّ ذاك ولكن لستُ به عارفاً، فقال النّميريّ: فأنا أدخل السُّوق واتبعني فأوَّل من تراني أعانق فهو ابن الدُّمَيْنة فدونكه إن كان عندك خيرٌ، قال: فدخلنا السوق وكان أوَّل من لقينا فعانقه النّميريّ وتأمَّلته فإذا هو أحسن رجال العرب وأجملهم وأفصحهم، فلمَّا رأيته هبتُه ثمَّ إنِّي تحاملت فأضربه بسكين كانت معي وقد أخذت بمنكبه فأمسكني النَّاس وأخذوا السكين من يدي فأرسلت ثيابي في أيديهم وأخذت شفرة من قصاب فأدركته وقد كاد يدخل منزله فأضربه بالشفرة فما فارقته أغلغلُها في جوفه وقد غابت إلى النّصاب ثمَّ تركتها في جوفه وقد غابت وخرجت أعدو إلى دارٍ فدخلتها وأخذوني منها وحبسني السلطان بتبالة، ولبث ابن الدُّمَيْنة ليلة ومات فخشيت أن أُقتل به فكتبت إلى بني عمِّي من الحبس:
إذا نبحتْ كلابُ السّجن ليلاًهفا قلبي وهشَّ لها فؤادي
طَماعةَ أن يدقَّ السّجنَ قوميوخوفاً أن تُبيِّتَني الأعادي
فما ظنِّي بقومي ظنّ سَوءٍولا أن يُسلموني في البلادِ
وقد جدّلتُ قاتلَهم فأمسَىيمجُّ دمَ الوتين على الوسادِ
فلمَّا انتهى هذا الشعر إلى قومي طرقوني ليلاً فكسروا الباب وأخرجوني وطُلَّ دمُ ابن الدُّمَيْنة.
قال الأصمعيّ: في الفَرس اثنان وعشرون اسماً من أسماء الطَّير: الفَرْخ والهامَة والحرّ والنَّعامة والصُّرَد والسّمامة والفَراش والخشاش والصُّلصل والصَّداة والناهض والحدأة والرَخَم والقَطاة والخطَّاف والنسور والخَرَب والعصفور والدَّجاجة والغراب والذباب والعُقاب؛ فالفرخ من الفَرس الدّماغ والهامة وعاؤه والحرّ وهو ذكر الحمام عروق في أديمه والنَّعامة أمُّ رأسه والصُّرَد عرق في أصل لسانه والسَّمامة من الطَّير شبيهة بالعقعق دائرة في عنقه والفراش دود يطير في اللَّيل أجنحتها شبيهة بالنار يقال لها اليراع وهي أيضاً نار الحُباحب وهو ما دقَّ ورقّ من عظام رأس الدَّابَّة والخشاش وهو الدِّيك عظم خلف أُذنه والصلصل وهو الصداة أصل أُذنه أيضاً والنَّاهض وهو فرخ الصَّقر رأس المنكب والحدأة السالفة والرخم عضل السَّاقين والفخذين والقَطاة مَقعد الرِّدف والخطَّاف موضع عقبي الفرس والنُّسور في باطن الحافر مثل أظلاف الغزال والخرب دائرة في جاعرته والعصفور دائرة بين عينيه والدَّجاجة لحم زَور الفرس والغراب مجمع الوركين والذّباب ناظر العين والعقاب روح الفَرس.
قال الأصمعي: وقد ذكرت الشعراء هذه الأسماء في أشعارها فمن ذلك في الصلصل والعصفور والخطَّاف:
سِبط الصلصل طِرفٌ سابحٌبيِّنُ العصفور والخطَّاف نهدُ
وقال آخر في النَّعامة والفَراش والصُّرَد:
خفيف النَّعامة ذو مَيعةٍكثيف الفراشة صافي الصُّردْ
وقال آخر في الذّباب والجراد:
يزور بنا الجراد إذا أمِنَّاويَرمي بالذّباب إذا نُراعُ
وقال آخر في الحدأة والعُقاب والخَرَب:
طويل الحِدَاة سليم الشَّظَىشديد العُقاب عريض الخَرَبْ
وقال آخر في الغراب:
غدَونا بطرفٍ له مَيعةٌمتينِ الغراب مُطارٍ طمِرّْ
وقال آخر في الدّيك والسّمامة والحرّ والدّجاجة:
ظاهر الدّيك والسّمامة والحُرّ وثير الدّجاج كالجلمودِ
وقال آخر في الناهض:
حسَن المِشية صافٍ لونُهُمُدمج النَّاهض ذو شدٍّ عَجبْ
وقال آخر في الفرخ والهامة والخشاش:
له منخرٌ رحبٌ وفرخٌ وهامةٌمُلَمْلَمةٌ فوق الخشاش صلودُ
وقال آخر في النسور:
له حافر مثل قعب الوليدِيكِنُّ نُسوراً تُشَظِّي الصُّخورا
وقال آخر في القطاة والصداة:
وقطاة لم يخُنْها متنُهُوصداةٌ تسمعُ الرّكْزَ الخفيَّا
حدَّثنا ابن دريد عن عمّه عن ابن الكلبي قال: حدثني أبو زفير الكلبيّ قال: دخل عديّ بن الرِّقاع العامليُّ على عبد الملك بن مروان وعنده رجلٌ من كلب يقول الشِّعر يقال له شبيل بن الحنبار فقال شبيل: مَن هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا ابن الرِّقاع، قال: الرِّقاع الَّتي تكون في السِّقاء؟ قال: لا، هذا العامليُّ، قال: الَّذي يقول الله ﷿:) عاملةٌ ناصبةٌ تصلَى ناراً حاميةً (فضحك عبد الملك ثمَّ قال لابن الرِّقاع: أنشدْني فأنشده شعراً شبَّه نفسه فيه بالحيَّة:
نشَا مُستسرّاً بينَ هضبٍ هشيمةٍوبينَ حَبارٍ عُدْمُلِيٍّ تهدَّما
إذا اكتحلتْ عينُ البصيرِ برأيهِبدَاه بذعرٍ قبل أن يتهضَّما
أسلّ سماويٌّ كأنَّ لسانَهأُسِفَّ سواديّاً من الكُحل أسحما
إذا خافَ خوفاً أضمرتْه بلادُهُكما يُضْمر الصَّدرُ الحديثَ المُكتَّما
فاعترض عليه شبيل فقطع شعره فقال:
لك الويلُ هلاَّ كنتَ شبلاً لأجْفَرتشبَّهتَ أو ليثاً بخفَّانَ ضَيغما
فشبَّهتَ ما لا يرفع الدَّهرَ بطنَهعن الأرضِ إلاَّ ما حبَا وتقحَّما
فقال ابن الرِّقاع:
وفي النَّاس أشباه كثير ولم أكنْلأُشبِه شرّاً من شبيل وألأما
تشبَّهتُ ما لو عضَّ شبلَ بن حنبرلظلَّ شبيل يسلَح الماء والدَّما
فانقطع شبيل وغلبه ابن الرِّقاع.
أعرابيّ:
سرتْ نحوِي عقاربُهُ وليستْبضائرةِ الدَّبيب ولا السّمامِ
ليبعَثَني على عِرضٍ حلالٍوأبعثَهُ على عرضٍ حرامِ
من هذا أخذ عليّ بن الجهم قوله في ابن أبي حفصة:
بلاءٌ ليس يُشبهه بلاءٌعداوةُ غيرِ ذي حسبٍ ودِينِ
يُبيحُك منه عِرضاً لم يصنْهُويرتعُ منك في عرضٍ مَصونِ
وقريب منه قول الآخر:
ثالَبَني عمرٌو وثالبتُهفأُثِّمَ المثلوبُ والثَّالبُ
قلتُ له خيراً وقال الخَناكلٌّ على صاحبِهِ كاذبُ
جحظة قال: قال لي بعض إخواني: رأيت إنساناً يشتم مخنَّثاً أقبح الشَّتم والمخنَّث يُجيبه من المدح والتفضيل له بأحسن ما يكون، فلمَّا طال الأمر بينهما التفت المخنَّث فقال لي: يكذب - وحياتك - عليَّ وأكذبُ عليه، فضحكت سائر يومي من قوله.
أعرابيّ من ربيعة:
طلابُ العُلى بركوب الغررْولا ينفع الحذِرين الحذرْ
وقد يُنكبُ المرءُ من أمْنِهويأمنُ مكروهَ ما ينتظرْ
ولمَّا التقتْ حلقاتُ البطانودرَّ سحابُ الرَّدَى فاكفهرّْ
وأقبلَ والنَّقع بادِي القَتاممن الشَّرِّ يومٌ شديدٌ شِمِرّْ
لبستُ لبكرٍ وأشياعهاوقد حمِس النَّاسُ جلد النَّمرْ
فأوردتُهم مَورداً لم يكنْلهم عنهُ إذ وردوهُ صدَرْ
فولّوا شلالاً ولا يعلمونَأمرْخٌ خيامُهم أم عُشرْ
عباديد شتَّى أيادي سَبايسوقهمُ عارضٌ منهمرْ
إذا الغرُّ روَّعه ذعرُهُثناه إلى الحربِ كهلٌ مِكَرّْ
فمن بين ثاوٍ بصُمِّ القَناوآخر في قدِّه مقتشِرْ
وراضتْ ربيعةُ بِي صعبةًمن الحربِ أحجمَ عنها مُضرْ
ومَن رامَ بالخفضِ نيلَ العُلىفقد رام منه مراماً عسِرْ
وما الحزمُ إلاَّ لمستأثِرٍإذا همَّ بالأمرِ لم يستشرْ
وإنِّي لأصفحُ عن قُدرةٍوأعذُب حيناً وحيناً أُمِرّْ
ويُعجم عُودي إذا رابَنيمن الدَّهرِ ريبٌ فلا ينكسرْ
وأجْزِي القُروض بأمثالهافبالخيرِ خيراً وبالشَّرِّ شَرّْ
لهذه الأبيات نظائر كثيرة إلاَّ أنَّها من النظائر الَّتي تتَّسع وشرطنا أن لا نورد ما كان كثيراً معروفاً إلاَّ القليل، فمن ذلك قوله: " طلابُ العُلى بركوب الغرر " أخذه أبو تمَّام فقال:
رَكوبٌ لأَثباج المتالف عالمٌبأنَّ المعالي دونهنَّ المهالكُ
وأمَّا قوله: " وقد ينكب المرء من أمنه " البيت، فمنه أخذ الآخر فقال:
توكَّل على الرَّحمن في كلِّ حاجةٍطلبتَ فإنَّ اللهُ يقضِي ويقدرُ
وقد يهلكُ الإنسانُ من وجه أمْنِهوينجُو بإذن اللهِ من حيثُ يحذَرُ
وقريبٌ منه:
أَلا ربَّما ضاقَ الفضاءُ بأهلهوأمكنَ من بينِ الأسنَّة مخرجُ
ومثله:
كم هالكٍ وسطَ الفَضاءِ وسالمٍ بين الأسنَّهْ
ومثله:
كم فرجةٍ مطويَّةٍلك بين أثناءِ النَّوائبْ
وغنيمةٍ قد أقبلتْمن حيث تُنتظر المصائبْ
ومثله:
لا تجزعنَّ فربَّماجُرّ السُّرورُ من الهمومِ
واعلمْ بأنَّك إنْ صبرْتَ على صراطٍ مستقيمِ
ومثله:
قد يصحّ المريض من بعد سُقمويُعافَى ويهلك العُوَّادُ
ويُصادُ القطا فينجو سليماًبعد يأسٍ ويتلفُ الصيَّادُ
وقريب من هذا المعنى وليس هو من المتقدّم:
كم من عليلٍ قد تخطَّاه الرَّدَىفنجا وماتَ طبيبُهُ والعُوَّدُ
ونستقصي هذا المعنى في موضع آخر.
فأمَّا قوله: " إذا الغرّ روَّعه ذعره " البيت، فقد أخذه البحتري فقال:
يُهالُ الغلام الغِرّ حتَّى يرُدَّهإلى الهولِ من مكروهها الأشيبُ الكهلُ
ومثله لآخر:
لعمرك للشبَّانُ أسرعُ غارةًوللشِّيبُ إنْ دارتْ رحَى الحرب أصبرُ
والبيتان المتقدمان في هذا المعنى أتمّ وأجود.
وأمَّا قوله: " ومن رام بالخفض " البيت، فمثله لآخر وجوَّد:
ليس للخفض غير منخفض الهمَّةِ تُرضيه لامعاتُ السَّرابِ
والفتَى باركٌ بأفنيةِ الموتِ وفوقَ الأكوار والأقتابِ
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع