من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)
الجزء الأول (٩)
وأمَّا قوله: " وما الحزم إلاَّ لمستأثر " البيت، فمثله لآخر:
وما العجز إلاَّ أنْ تشاور عاجزاًوما الحزم إلاَّ أنْ تهمَّ فتفعَلا
ومثله:
إذا همّ ألقَى بين عينيهِ عزمَهُونكَّبَ عن ذكر العواقب جانبا
وهو كثير جدّاً.
فأمَّا قوله: " وإنِّي لأصفح عن قدرة " البيت، فقد أخذه أبو عليّ البصير أخذاً قبيحاً فقال:
وإنِّي ألِينُ لمَن رامَنيبلينٍ وأحْلُو وطوراً أُمِرّْ
أعرابيّ:
وإنِّي وعمرو يومَ برقة منشِدعلى كثرةِ الأيدي لمُؤتسِيانِ
أذقْنا وذُقْنا بالقَنا جُرعَ الرَّدَىفأكرِمْ بنا صبراً على الحدثانِ
كلانا وَقور القلب في مستقرّهإذا طاشَ قلبُ المرءِ بالخَفَقانِ
إذا همَّ أنْ يلوِي أمَلْتُ عِنانَهوإنْ رُمتُ أنْ ألْوي أمال عِناني
أعرابيّ:
سرت نحوي عقاربه وليستبضائرة الدَّبيب ولا السّمام
ليبعثَني على عِرض حلالوأبعثَه على عرضٍ حرامِ
منه أخذ عليّ بن الجهم قوله:
يُبيحك منه عِرضاً لم يصُنْهويرتع منك في عِرضٍ مصونِ
أعرابيّ:
بكى صاحبي لمَّا رأى الموتَ فوقَنامظلاّ كإظلالِ السَّحاب إذا اكفهرّْ
فقلتُ له صبراً جميلاً، فإنَّمايكونُ غداً حسنُ الثَّناءِ لمن صبرْ
هذا مثل قول امرئ القيس:
بكَى صاحبي لمَّا رأَى الدَّربَ دونَهوأيقنَ أنَّا لاحقانِ بقيصَرَا
فقلتُ له لا تبكِ عيناكَ إنَّمانُحاولُ ملكاً أو نموتَ فنُعذرا
أعرابيّ:
هلْ خنتُ سرّاً أمينٍ كانَ يأمَنُنيأمْ هلْ سمعتِ بسرٍّ كانَ لي نُشِرا
أمْ هل تلومنَّ أقواماً إذا نزلواأم هلْ تقولنَّ منهم سائلٌ أُسرا
نقريهم الوجهَ ثمَّ البذلَ نتبِعهلا نترك الجهدَ منَّا قلَّ أو كثُرا
قوله: " نقريهم الوجه " يقول: نلقاهم بالبشر وهذه استعارة حسنة طريفة. ولشعراء العرب وغيرهم من المولّدين في هذا المعنى شعر كثير قد كنَّا ذكرنا منه شيئاً ونذكر ها هنا شيئاً آخر وبعد هذا الموضع إن شاء الله أشياء أُخر لأنه كثير متّسع، فمن ذلك قول عمرو بن الأهتم المنقريّ:
ومُستنبِح بعد الهدوءِ دعوتُهُوقد حانَ من نجم الشِّتاءِ خفوقُ
يعالجُ عِرنيناً من القرّ بارداًتلفُّ رياحٌ ثوبهُ وبروقُ
أضفتُ فلم أُفحشْ عليه ولم أقلْلأحرمهُ إنَّ المكانَ مضيقُ
وقلتُ لهُ أهلاً وسهلاً ومرحبَافهذا مبيتٌ صالحٌ وصديقُ
وضاحكتُهُ من قبلِ عرفانيَ اسمَهُليأنسَ إنِّي للكَسيرِ رفيقُ
وقمتُ إلى الكُوم الهواجدِ فاتَّقتْمقاحيدُ كُومٌ كالمجادلِ روقُ
بأدماءَ مِرْباع النِّتاجِ كأنَّهاإذا أعرضتْ دون العِشارِ فَنيقُ
بضرْبةِ ساقٍ أو بنجلاءَ ثرَّةٍلها من أمام المنكبَيْن فَتيقُ
وقامَ إليها الجازرانِ فأوْفَدايُطيران عنها الجلدَ وهيَ تفوقُ
فباتَ لنا منها وللضَّيف مَوْهناشواءٌ سمينٌ راهنٌ وغبوقُ
وباتَ له دون الصَّبا وهْيَ قرَّةٌلِحافٌ ومصقولُ الكساءِ رقيقُ
وكلُّ كريمٍ يتَّقي الذَّمَّ بالقِرَىوللخيرِ بين الصَّالحينَ طريقُ
لعمركَ ما ضاقتْ بلادٌ بأهلِهاولكنَّ أخلاقَ الرِّجال تضيقُ
ومن هذا المعنى قول الآخر:
لمْ تعلمِي يا قرَّةَ العَين أنَّنيأُضاحكُ ضَيفي قبل ردَّ سلامهِ
وأُخرج عن بيتي كريمةَ قومهالأُهملهُ في البيتِ عند منامهِ
على الحالَتَين في مصيفٍ مصمّموقرّ شتاءٍ يرتَمي بسهامهِ
ومثله للرَّاجز:
أَبسطُ وجهي للضُّيوف النُّزَّلِوالوجه عنوانُ الكريم المفضلِ
ومثله:
ولستُ مقطِّباً وجهي إذا ماأتاني الضَّيفُ في اللَّيل المطيرِ
ولكنِّي أُضاحكه وأُثنيعليه وإنَّني عينُ الفقيرِ
ومثله:
إذا ما أتاني الضَّيفُ واللَّيل مطبقٌونَوْء الثُّريَّا ذائب يتحلّبُ
تلقَّيتهُ بالبشر قبل نزولهوآثرتُهُ بالقُوتِ والعامُ مُجدبُ
ومثله:
كأنَّكِ لمَّا تعلَمي كيف شِيمتيإذا ما أتاني الضَّيفُ واللَّيل أليَلُ
ألستُ ضحوكَ السِّنّ والنَّار مُبكياًرقاب المهارَى صائحاً يتبلَّلُ
ومثله:
أُضاحكُ الضَّيفَ وسيفي في يديلساقٍ كوماءِ النّجاء جلعدِ
ومثله:
أُضاحكُ ضيفي قبلَ إنزال رَحْلهويُخصبُ عندي والمحلُّ جديبُ
وما الخصبُ للأضيافِ أن يكثُر القِرىولكنَّما وجه الكريم خصيبُ
أعرابيّ:
إذا ما رفيقي لم يكن خلف ناقتيله مركبٌ فضلٌ فلا حملتْ رَحْلِي
ولم يكُ من زادي له نصفُ مزوديفلا كنتُ ذا زادٍ ولا كنتُ ذا أهلِ
شريكان فيما نحن فيه وقد أرَىعليَّ له فضلاً بما نالَ من فضلِي
أعرابيّ يرثي ابناً له:
لصقتَ بالقلبِ حتَّى كنتَ أسودَهُوبالجوانحِ حتَّى كنتَ لِي كبِدا
فلستُ أدرِي وكلٌّ منك يخلِجُنيأكنتَ لي مهجةً أمْ كنتَ لي ولَدا
أعرابيّ:
ألا يا هوَى ليلَى أفِقْ عن حشاشتيوهل حبُّ ليلَى عن صداك مُفيقُ
أما هو إلا الموت أومنك راحةأما بين بينِ الخليتن طريق
إعرابي:
وشى الناس حتى لو تمر بأعظمىعلى النعش قالوا مرزوراً على نعم
ولا نُعمَ إلاَّ أنَّ باقيَ وصلهاعلى النَّأيِ مِثلٌ للمطيَّةِ والجسمِ
أعرابيّ:
ولمَّا رأيتُ البَينَ قد صدعَ العصاوفرَّق أُلاَّفاً شديداً عويلُها
رفعتُ فأُنسيتُ الحمولَ الَّتي غدتْبمطروفةٍ ينهلُّ بالدَّمعِ جُولُها
إذا نحنُ ذُدناها قليلاً تهلَّلتْمدامعُها حتَّى يُخلَّى سبيلُها
أعرابيّ وصحب رجلاً فعدا على رحله فسرقه فقال:
فلو أنَّني صاحبتُ ثوبَ بن مالكوأدهم ما باتا يدبّان في رَحْلي
وما ضرَّني في صُحبتي غير أنَّنيإذا أنا صاحبتُ امرأً خلتُهُ مِثلي
أعرابيّ:
خذوا الحقَّ لا أُعطيكم اليومَ غيرَهوللحقِّ إن لم تقبَلوا الحقَّ دافعُ
ولا الضَّيم أُعطيكم من أجل وعيدكمولا الحقّ من بغضائكم أنا مانعُ
سُئل المفضّل الضَّبِّيّ عن أبي حيَّ النُّميريّ فقال: اسمه الهيثم بن الرَّبيع، وكان شاعراً على لُوثةٍ فيه، قال الأصمعي: كان أبو حيَّة شاعراً وكان أجبنَ العرب وأكذبهم، فمن جُبنه خبره مع الكلب الَّذي دخل بيته وهو خبر معروف، ومن كذبه ما حكاه، قال: كنت في بعض الفلوات فأرملتُ أيَّاماً من الزَّاد، ثمَّ عنَّ لي سربٌ من ظباء فتعمَّدتُ بسهمي ظبية من السِّرب، فلمَّا أطلقتُ السّهم وكاد يخالطها ذكرتُ هوَى لي بالرَّمل وشبَّهت الظبية به، فلحقت السّهم وقد كاد أن يصل إليها حتَّى قبضت عليه فلم يُصبها. ولا يجوز أن يكون في الكذب أعظم من هذا. ومن أخباره الطريفة ونوادره العجيبة ما حدَّثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزديّ قال: حدَّثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمّه عن أبي حيَّان العُكلي قال: أقبلتُ أريد البصرة فإذا أنا بأبي حيَّة النميريّ مُلاقياً لي، فقلت: من أين بك يا أبا حيَّة؟ قال: من بلدٍ ملوكه أوساط، وقرّاؤه أشراط، وعُربانه أنباط، والنَّاس بعد ذلك فيه أخلاطٌ، قلت: فهل لك في نفسك من خبر تذكره أو نبأ تأثره، قال: شذّ ما لا يُنبئك عجبا لا مَيْنا ولا كذبا، كان لي بكرات عشر أرعيتهنّ أُنف الرَّبيع في جَناب مريع قد غذته السماء بدرَّتها وفوَّقته الأرض بزينتها فهو كالنَّمارق المصفوفة والزَّرابيّ المبثوثة، يروق عين النَّاظر ويملأُ نفس الرَّائد حتَّى إذا ضاق بهنَّ السَّهل فرحاً والوعر مرحاً وصرنَ كالدُّمى في حليهنّ أو المها في حسنهنّ يحملن أسنمة مفعمة كالآطام المشيَّدة على الآكام المنيفة أدركني شؤم الجدّ ونكد الحظّ فهجم عليَّ حيٌّ عكرٌ ونعمٌ دثرٌ فأزالوني عن الموضع وأجلوني عنه، فانصرفت ببكراتي أسفاً موتوراً مضطهداً مقهوراً أتتبَّع بهنَّ النهار اليفاع وآوي بهنَّ اللَّيل الوهاد حتَّى استبدلن بحال حالاً وتساوكنَ ضعفاً وهزالاً، ونال منهنَّ القرّ وفشا فيهنّ الضرّ فيمَّمت بهنَّ الحاضرة أبتغي جاهلاً أخدعه أو خائناً أصرعه، فأتاح اللهُ لي علجاً ضيطراً كالصَّخرة الململة أو العلاوة المهندمة فابتاعهنَّ منِّي بعد المساومة والمراوضة والمشاولة بمائة درهم كلّ واحدةٍ بيض أوضاح، جياد صحاح، فلما آن وقت النقد أنطاني قراضة له كرضاضة الزُّجاج، وبعثرة الدّجاج، فأطرتها غضباً في الهواء، وانبعث عليها أحابيش الغوغاء، فغادروا الأرض منها صفراً، والمحلَّ قفراً، من بين حاثٍ في حجره ومهيل إلى كمِّه وأنا واقف أتعجَّب من نهبهم لها وإكبابهم عليها. ثمَّ قلت للعلج: عاودني النَّقد، لا أُمَّ لك، على ما أوجبه الشَّرط وأحكمه العقد، فضمَّ يده وحبق فيها حبقة بفِيه، فقلت: ما هذا ويلك؟ قال: هذا مالُك، فلهزتُهُ - وأبيك - لهزةً ما كان فيها لمثل العلج متكلّمٌ لولا ثقته ببطشه وإدلاله بأيْده وأعوانه من السّفلة، فقال: يا أعرابيّ ما أحسبك تعرف التّشويص، فقلت: لا، وما التّشويص ثكلتك أُمّك؟ فجمع إبهامه مع أصابعه وجعل يده كالقطعاء ثمَّ ذبلني بها دوَين الشّراسيف ممَّا يلي الشَّاكلة ذبلةً ألمت منها ألماً شديداً فنفحته بعصاي نفحة أطارت العمامة عن رأسه وثلمتُ ثلماً في يافوخه ليس بالخفيّ صغراً ولا المفرط كبراً وأسلت الدّمّ على وجهه. فلما بصر العلج بالدّمّ انقلبت عيناه واربدَّ لونه وكشَّر عن أنيابه وقبض على حلقي بإحدى يديه ودعم بالأخرى قَفاي وضغطني ضغطةً قدحت لها عيناي ناراً وأنفي شراراً وأحسست روحي تجول في صدري ثمَّ دحا بي فخررت على أُمّ رأسي وقمت كالمهموم الوسنان أو الثّمل السّكران وناديت يا للعرب! يا للعرب! أوَيقتل ذؤابة بني نمير وذو فخرها وقدرها وشِعرها بين القزم والعضاريط؟ وإذا قد أقبل شابٌّ تملأُ العين صورته ويبهر القلب جلاله وهيبته، فولَّى أنصار العلج من حوله وعلاه بمدمج كان بيده وأشلى عليه حمرانه وسودانه، فمرَّ هذا هرباً في سككٍ متشعّبة وطرق متلاحزة، وأيم الله أن لو لحقته لدسته دوس الحَلَمة، ولخبطته خبط السَّلمة، واستنقذ الشَّابّ بكراتي وسلَّمهنَّ إلى من يحفظهنّ عليَّ وعطف بي غلمانه إلى منزلٍ جلَّت محاسنه أن توصف، وكثرت ظرائفه أن تنعت، ثمَّ أتونا بالخوان يحمله وصيفان مقرّطان متوّمان وعليه أرغفةٌ كأخفاف العيس ليست بطراميس ومهلهلاتٌ يضحكن عن مثل حباب القطر ولؤلؤ البحر، ثمَّ والى علينا الصّحاف المترعة
والألوان المختلفة نمتري منها ثمار كلّ شجرة، ونستنشي منها ريح كلّ ثمرة، فكنتُ أسرع النقل وأجتنب المضغ وأعدل إلى اللحم عن البقل، ثمَّ أتونا بعرموس حنيذٍ مكنت أملّخه إملاخ السَّبع، وأقذف به في مثل وِجار الضبع، ثمَّ أردفوا ذاك - يا ابن عمّ - بصفحة زجاج فيها هنةٌ برَّاقة رجراجة أشبه شيءٍ بالعروس المحلّقة في ائتلاقها، والعذراء المجلاّة في إشراقها، فيها طعام أهل الجنَّة، بلا شكّ ولا مظنَّة، فكنت - وعيشك - أكسع بالإبهام وأرفدها سائر الأصابع وأديل أمثال الأثافيّ وألقم لقم النّضو الحسير. ثمَّ جاءوا - يا هناه - بشراب لهم كنار الحباحب وأعين الجنادب يستنكه عن مثل جني الورد ونسيم الياسمين الغضّ، ثمَّ كثر هتافهم بظالم، فقلت: وما ظالم، لا خصب جنابه ولا أمطر نوءه، وذلك لما هجس في نفسي من أمر العلج، فأقبل إلينا هَنٌ أدلم له شعر كدحارج البعر يحمل هامة ضخمة كهامة الشارف وعينين سجراوين وأُذنين غضفاوين ومنخرين رحبين وله شفتان كرحارح المرّان وكفَّان كزّتان شفنة أصابعهما قحلةٌ أشاجعهما فبُثَّت له الوسائد ونُضدت له النَّضائد وأنا متعجَّب منه لا معجب به، ثمَّ جاءوا بمثل الفخذ الممكورة والسَّاق المجدولة خشبةً عيناها في صدرها ورِجلها في رأسها وأصابعها تدبِّر أمرها قد عالوا عليها حبالاً دقاقاً محكمة الفتل جيّدة الصنع، فقلت: أربعة مختلفة في الصَّنعة متفاضلة في الرُّتبة، لئن لمن يعرضني الخطل أنَّها لشبه أميرٍ ووزيرٍ وكاتبٍ وخادمٍ، فللأمير البربرة وللوزير الزَّمجرة وللكاتب الهمهمة وللخادم .....، ثمَّ شدا ظالم بمقطّعات من مليح أشعاره وموصلات من ألحانه يُديرها بصوتٍ له كدويّ الرَّعد القاصف، وبنفس كنفس الرِّيح العاصف، فقلت: بأبي وأُمِّي من طمطمانيٍّ، ما أسمج منظرك وأحسن مخبرك! يا ليت إنك عبدٌ لي، فقال: وما كنت تصنع بي يا أعرابيّ؟ فقلت: ترعى عليَّ بكراتي، وتطربني في خلواتي، فاستفرغ العبد الضَّحك واستفزَّه الطَّرب ثمَّ غشيت - وأبيك - عيني السَّمادير من كثرة الشُّرب وخالط الوله عقلي، فأنكرت ما كنت أعرف من أمري، فلم أعلم بما كان منِّي إلى متع النهار من الغد، لكنني أهبُّ من رقدتي فإذا أنا فوق مزبلة في سوءةٍ سوآء وفضيحة شنعاء، فجمعت ثيابي الَّتي شانها اللهُ وشان لابسها، وطفق أغيلمة سوءٍ من ذلك الحيّ ينبذونني نبذاً قبيحاً وسعتهم بلساني سبّاً وبالجندل قذفاً وفتُّهم ولم أكد سبقاً، قلتُ: فهل قلت في ذلك شيئاً يا أبا حيَّة، فقال: إيه الله، نعم، قلتُ: فأنشدني ما قلتَ، فأنشدني:
ألم تَرَني والعلجَ في السُّوق بيننامناوشةٌ في بيعنا وتلاطمُ
رأى بكراتٍ بالياتٍ تساوَكتْبها ذهبتْ من دونهنَّ الدَّراهمُ
أسلتُ دماءَ العلج من أُمِّ رأسهِبمنحوتةٍ تستكُّ منها الخياشمُ
تعمَّد حلْقي من يدَيه بعصرهمحلّجة تنهدُّ منها اللَّهازمُ
وشوَّصَني تشويصةً خلتُ أنَّهاستأتي على نفسي فها أنا سالمُ
وفاتَ الحسامُ العضبُ رجعة طَرفهوولَّيت عنه غارماً وهو غانمُ
ورحتُ إلى ظلٍّ ظليلٍ ومنظرٍأنيق وما يهواه لاهٍ وطاعمُ
وزيتيَّة صهباء أخرج كرمَهالشاربها ن جنَّة الخلد آدمُ
وتاهتْ بألباب النَّدامَى خُشيبةبها عند تحريك الحبالِ غماغمُ
إذا ظالمٌ أنحَى عليها بكفِّهأماتَ وأحيَا من يغنِّيه ظالمُ
فبتُّ وندماني فريقان قاعدٌمن السُّكر في عيني وآخرَ قائمُ
وأصبحتُ في يومٍ من الشَّرِّ كالحٍكأنِّي فيما كنتُ بالأمسِ حالمُ
تقولُ لي الصّبيانُ إنَّك راذِمٌورغميَ فيما قيل إنَّك راذِمُ
فقلتُ لهم خلُّو الطريقَ فإننيكريم نَماني الصَّالحون الأكارمُ
لئن كانت الوجعاء منِّي فربَّمايخون الفتَى وجعاؤه وهوَ نائمُ
أما في خفوق الشَّرْب أن يحمل الأذَىويكرم عن نشر القبيحِ المُنادمُ
ويستأنف النّدمان أُنساً مجدَّدافيرفعُ مَعْ رفع النَّبيذِ الملاوِمُ
وأبو حيَّة، مع هذه النَّوادر الَّتي تُحكى عنه، شاعرٌ مجوِّد، فمن جيّد شِعره قوله:
ألا حيِّيَا بالجناب الدّياراوهل يرجعنَّ ديارٌ حِوارا
زمانَ الصِّبا ليت أيَّامَنارجعنَ لنا الصَّالحاتِ القِصارا
زمان عليَّ غرابٌ غُدافٌفطيَّره الشَّيبُ عنِّي وطارا
فأصبح موقعَهُ نابضاًمحيطاً خِطاماً محيطاً عذارا
فلا يُبعِدِ اللهُ ذاك الغدافوإن كان لا هُوَ إلاَّ ادِّكارا
وهازئةٍ أنْ رأتْ كَبرةًتلفَّعَ رأسي بها فاسْتَنارا
أجارَتنا إنَّ ريب المنونِقبليَ غالَ الرِّجالَ الخِيارا
فإمَّا ترَى لمَّتي هكذافأكثرتِ ممَّا رأيتِ النِّفارا
كمل الجزء الأول من الأشباه والنظائر ويتلوه في الجزء الثاني " قال المرقّش الأكبر ".
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع