تجاوز إلى المحتوى

من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)

الجزء الأول

﷽

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

الحمد لله الواحد بلا كيفية تقع بها الإحاطة، والأزليّ بلا وقت تنسب الصفات إليه، حمداً يورد من جليل نعمه، وجزيل قسمه، مشرباً عذباً ومَسحباً رحباً، وصلى الله على سيدنا محمد ما أورق شجر، وأينع ثمر، وعلى الطاهرين من عترته وسلم تسليما.

وبعد فسح الله لنا في مدّتك، ووفقنا لما نؤثره من خدمتك، فإنَّا رأيناك بأشعار المحدثين كلِفاً، وعن القدماء والمخضرمين منحرفاً، وهذان الشريجان هما اللذان فتحا للمحدثين باب المعاني فدخلوه، وأنهجوا لهم طرق الإبداع فسلكوه، أمَا سمعتَ، زاد الله قدرك علوا ورفعةً وسموّاً، قول الشاعر:

فلو قبل مبكاها بكيتُ صبابةًإليها شفيتُ النَّفس قبلَ التندُّمِ
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «وما شجاني أنني كنت نائما»
ولكن بكتْ قبلي فهيَّج لي البكابُكاها فقلتُ الفضلُ للمتقدِّمِ
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «ولما تلاقينا وجدت بنانها»

ومن أمثالهم السائرة: ما ترك الأوَّل للآخر شيئاً، إلاَّ أنَّ أبا تمام لم يرض بهذا المثل حتَّى قال يصف قصيدةً له:

لا زلت من شكريَ في حلةلابسُها ذو سلب فاخرِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل للأمير الأريحي الذي»
يقول من تقرعُ أسماعَهكم ترك الأوَّلُ للآخرِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل للأمير الأريحي الذي»

ومن المعنى الأول قول عنترة: " هل غادر الشعراء من متردّم؟ "

أي ما تركوا كلاماً لمتكلّم. فإذا كان عنترة - وهو في الجاهلية الجهلاء، وإمام الفصاحة الفصحاء - يقول مثل هذا القول فما ظنك بهذا العصر وقبله بمائتي سنة؟ فلسنا بقولنا هذا، أيدك الله، نطعن على المحدثين ولا نبخسهم تجويدهم ولطف تدقيقهم وطريف معانيهم وإصابة تشبيههم وصحة استعاراتهم. إلاَّ أنَّا نعلم أن الأوائل من الشعراء رسموا رسوماً تبعها من بعدهم، وعوَّل عليها مَن قفا أثرهم، وقلَّ شعرٌ من أشعارهم يخلو من معانٍ صحيحة، وألفاظ فصيحة، وتشبيهات مصيبة، واستعارات عجيبة، ونحن - أطالَ اللهُ في العزّ بقاءك، وكبت بالذل أعداءك - نضمّن رسالتنا هذه مختار ما وقع إلينا من أشعار الجاهلية ومَن تبعهم من المخضرمين، ونجتنب أشعار المشاهير لكثرتها في أيدي النَّاس فلا نذكر منها إلاَّ الشيء اليسير ولا نُخليها من غرر ما رويناه للمحدثين، ونذكر أشياء من النظائر إذا وردت، والإجازات إذا عنّت، ونتكلم عن المعاني المخترعة والمتبعة ولا نجمع نظائر البيت في مكان واحد ولا المعنى المسروق في موضع، بل نجعل ذلك في موضع ذكره، وإن كنا نعلم أنك - أدام الله تأييدك - أعلمُ بما نحمله إليك، ونعرضه عليك، منّا. ومن أين لنا قرائح تنتج ما لا تزال تُريناه، وتسألنا عنه، من دقيق المعاني وطرائف السرقات. ولقد تأتَّى لك - أيدك الله - في بيتَي أبي تمام والبحتري على غموض المعنى وبُعده في النوعين من دقة النظر ولطيف الفكر ما لا يتوهم أنَّه يطَّرِد لسواك ولا يعنُّ لغيرك، وهو أنك - أيد الله عزّك - قلت لنا: من أين أخذ البحتري قوله:

رَكِبا القَنا من بعد ما حملا القنافي عسكر متحامل في عسكرِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصر فإن الدهر ليس بمقصر»

فلم يكن عندنا فيه شيء غير الاستحسان والتقريظ، فعرّفتنا - أيدك الله - أنَّه مأخوذ من قول أبي تمام:

رعَته الفيافي بعد ما كانَ حِقبةرَعَاها وماءُ الرَّوض ينهلُّ ساكِبُهْ

ولا نعرف في النظر أدقّ من هذا ولا ألطف إلاَّ أنَّا نوفّي الخدمة حقَّها بما نتكلّفه من الاختيار والكلام على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.

قال المهلْهِل بن ربيعة:

بكُرهِ قلوبنا يا آل بكرٍنُغاديكم بمُرهفةِ النِّصالِ
لها لونٌ من الهاماتِ جَونٌوإن كانت تُغادَى بالصّقالِ
ونبكي حين نذكركم عليكمونقتلُكُم كأنَّا لا نُبالي

أبيات المهلهل هذه هي الأصل في هذا المعنى، ومثله قول الحُصَين بن الحُمَام المرّي:

نفلِّقُ هاماً من رجالٍ أعزَّةٍعلينا وهُم كانوا أعقَّ وأظلَما
للشاعر محمد سعيد الإسكافي، اقرأ القصيدة

وأخذه بعضهم فقال:

قوْمي همُ قتلوا أُميمَ أخيفإذا رمَيتُ أصابني سهمِي
للشاعر الحارث بن وعلة الرقاشي، اقرأ القصيدة
فلئن عفوتُ لأعفوَنْ جَللاًولئن قتلتُ لأُوهِنَنْ عظمِي

وأخذه مالك بن مطفوق السعديّ فقال:

قتلْنا بني الأعمام يوم أوارَةوعزَّ علينا أن نكون كذلِكا
هُم أحرَجونا يوم ذاك وجرَّدواعلينا سُيوفاً لم يكنَّ بواتِكا

وأخذه حرب بن مِسعر فقال:

ولمَّا دعاني لم أُجِبْه لأنَّنيخشيتُ عليه وقعةً من مُصمِّم
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
فلمَّا أعاد الصَّوت لم أكُ عاجزاًولا وكِلاً في كلّ دَهْياءَ صَيْلَم
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
عطفتْ عليه المُهْر عطفةَ مُحرجصؤولٍ ومن لا يغشِم النَّاسَ يُغشَم
وأوجرتُهُ لَدْن الكسوب مقوّماًفخرَّ صريعاً لليدَين وللفَم
وغادرتُهُ والدَّمعُ يجري لقتلهوأوداجُهُ تجري على النحر بالدَّمِ

فأخذا هذا المعنى ديك الجن فقال في جارية كان يحبها فقتلها:

قمرٌ أنا استخْرجتُهُ من دُجْنةلبليَّتي وجلوتُهُ من خِدرِهِ
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «أشفقت أن يرد الزمان بغدره»
فقتلتُهُ وله عليَّ كرامةٌملء الحشا وله الفؤادُ بأسرِهِ
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «أشفقت أن يرد الزمان بغدره»
عهدي به مَيْتاً كأحسنِ نائمٍوالحزنُ ينحرُ عَبرتي في نحرِهِ
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «أشفقت أن يرد الزمان بغدره»

وإلى المعنى الأول نظر أبو تمام في قوله:

قدِ انْثَنى بالمنايا في أسنَّتِهِوقد أقامَ حياراكم على اللَّقَمِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سلم على الربع من سلمى بذي سلم»
جذلانُ من ظفر حرَّانُ أن رجعتْأظفارُهُ منكمُ مخضوبةً بدَمِ

ومن هذا المعنى أخذ البحتري قوله:

إذا احْتربَتْ يوماً ففاضت دماؤهاتذكَّرتِ القربى ففاضت دموعُها
للشاعر البحتري، من قصيدة «منى النفس في أسماء لو تستطيعها»

بيت البحتري أطرف وأبدع من بيت المهلهل إلاَّ أنَّه أرشده إلى المعنى ودلَّ عليه. ومثله القتَّال الكلابي:

فلمَّا رأيتُ أنَّه غيرُ منتهٍأمَلْتُ له كفّي بلَدْن مقوّمِ
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
فلمَّا رأيتُ أنَّني قد قتلتهُندِمتُ عليه أيَّ ساعة مندَمِ

ولبعضهم:

أتتْني آية من أُمّ عمروفكدتُ أغَصّ بالماء القراحِ
فما أنسَى رسالتها ولكنذليلٌ من ينوءُ بلا جناحِ

قوله: " ذليلٌ من ينوء بلا جناح " من الأمثال الجياد المختارة.

قال الحكم بن عبدل الأسديّ:

إذا كنتَ جاراً خائفاً ومُحوِّلالاقيتَ عمرانَ بن ورقاءَ فانْزلِ
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
هو الغيث والشَّهر الحرام وضامنلك الدَّهر إن أخنى عليك بكلكلِ
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة

قال عمرو بن برَّاقة الهَمْداني:

تقول سُليمى لا تعرّضْ لتَلْفَةوليلُك عن ليل الصَّعاليك نائمُ
للشاعر عمرو بن بَرّاقَة، اقرأ القصيدة
وكيف ينام الليل مَن جُلَّ مالِهِحُسام كلون الملح أبيضَ صارِمُ
للشاعر عمرو بن بَرّاقَة، اقرأ القصيدة
كذَبتم وبيتِ الله لا تأخذونهامُراغمة ما دام للسَّيف قائمُ
للشاعر عمرو بن بَرّاقَة، اقرأ القصيدة
متى تجمع القلبَ الذكيّ وصارماوأنفاً حمِيّا تجتنبْكَ المظالمُ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «متى تجمع القلب الذكي وصارما»
ومَن يطلبِ المال الممنّع بالقنايعشْ ماجداً أو تخترِمْه الخوارِمُ

مثله:

ومن يطلبِ المالَ الممنّع بالقنايعشْ مُثرِياً أو يُودِ فيما يمارسُ
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
إذا جرَّ مولانا علينا جريرةًصبَرنا لها إنَّا كرامٌ دعائمُ
للشاعر عمرو بن بَرّاقَة، اقرأ القصيدة
وننصرُ مولانا ونعلمُ أنَّهكما النَّاسُ مجرومٌ عليه وجارِمُ
للشاعر عمرو بن بَرّاقَة، اقرأ القصيدة
وكنتُ إذا قوم غزوني غزوتُهمفهلْ أنا في ذا يالَ هَمْدان ظالمُ
للشاعر عمرو بن بَرّاقَة، اقرأ القصيدة

قال يزيد خذَّاق العبدي:

فَلَت عينَها عنِّي سَفاهاً وراقَهافتى دون أضيافِ الشتاءِ شروبُ
دهينُ القفا يُدني تبيعةَ سيفهوما كلُّ أصحابِ السُّيوفِ نجيبُ

قوله: " فتى دون أضيافِ الشتاءِ شروبُ " نهاية في الهجاء، وإنَّما خصَّ بقوله أضياف الشتاء للكِنّ والصلاء وما يضيف في الشتاء من العرب إلاَّ المبرّز في السماحة لكَلَب البرد وصفر البيوت لأنه يريد أن يحصر عياله ويخرج من بيته ماشيته ليتَّسع المكان على ضيفه. وأخرى إن الزاد عندهم في الشتاء قليل وفي الصيف كثير.

قال الغطَمَّش الضبّي:

إنِّي وإن كانَ ابنُ عمِّيَ عاتبالمقاذِفٌ من دونِهِ وورائِهِ
ومفيدُه نصري وإن كانَ امرأمتزَحزِحاً في أرضِهِ وسمائِهِ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني وإن كان ابن عمي كاشحا»
وإذا اكْتَسى ثوباً جميلاً لم أقلْيا ليت أنَّ عليَّ مثلَ ردائِهِ

قال كِنار بن صُريم الجرميّ:

أرد الكتيبة مفلولةًوقد تركت ليَ أحسابَها
ولستُ إذا كنت في جانبأذُمُّ العشيرة مُغتابَها

قوله: " وقد تركت لي أحسابَها " معنى جيد، ذكَر أنَّه هزم أعداءه فصارت مفاخرهم له بهزيمته إياهم.

وأنشد لبعض الأعراب:

أرى كلّ أرض دمَّنتها وإن مضتلها حججٌ يزداد طيباً ترابُها
ألم تعلمنْ يا ربّ أن ربَّ دعوةدعوتُك فيها مُخلصاً لو أُجابُها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أرى كل أرض دست فيها وإن مضت»
لعمر أبي ليلى لئن هي أصبحتْبوادي القرى ما ضرَّ غيري اغترابُها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أرى كل أرض دست فيها وإن مضت»

مثله للبحتري:

لعمرُ الرسومِ الدارساتِ لقد غدتبريّا سُعاد وهي طيبةُ العرفِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبالمنحنى أم بالعقيق أم الجرف»

مثله للنُّميري:

تضوَّعَ مِسكاً بطنُ نعمانَ أن مشتبه زينبٌ في نسوةٍ عَطراتِ
للشاعر النميري، اقرأ القصيدة

مثله لأبي تمام:

لولا نسيم ترابها لم تُعرفِ

قوله: يزداد طيباً ترابها مثل قول جميل:

ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةًبأبطحَ فيّاحٍ بأسفله محلُ
يفوح علينا المسكُ منه وإنّمابه المسكُ أن جرَّتْ به ذيلها جمْلُ

ولبعضهم:

واستودعتْ نشرها الديارَ فماتزدادُ إلاَّ طيباً على القِدَمِ

ومن هنا أخذ العباس بن الأحنف قوله:

جرى السيلُ فاستبكانيّ السيلُ إذ جرىوفاضتْ له من مقلتيَّ غروبُ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
وما ذاك إلاَّ حين خبِّرتُ أنّهيمرُّ بوادٍ أنت منه قريبُ
يكون أُجاجاً دونكم فإذا انتهىإليكم تلقَّى طيبكم فيطيبُ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى»

أخذه ابن المعتز فقال:

فلما انتهى قول السلام وردُّهلفظن حديثاً عطَّرته الملافظُ

أبو العباس الأعمى:

ليت شعري أفاح رائحة المسك وما إن إخالُ بالخيف إنْسي
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

أنشد ابن الأعرابي:

على الميْتِ من بطن الجزيرة كلمامررْنا به أو لم نمرَّ سلامي
وما ذاك إلاَّ أنَّ زينب جرَّرتْبه الذيلَ لم تنزل لدار مُقامِ
كأنَّ تِجَاراً تحمل الطيبَ عرَّسوابه ثمَّ فضوا ثَمَّ كلَّ خِتامِ

وهذا كثير في أشعارهم قديماً ومحدثاً. وأحسنُ ما قيل في هذا المعنى قول الشاعر:

وأنتِ التي حبَّبتِ شغباً إلى بَدىإليَّ وأوطاني بلادٌ سواهُما
حللتِ بهذا حلّة بعد حلّةبهذا فطاب الواديان كلاهُما

ومثله لأبي نواس:

لمن دِمنٌ تزداد حُسنَ رسومعلى طول ما أقوتْ وطيبَ نسيمِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لمن دمن تزداد حسن رسوم»

عبد الله بن ثعلبة الأزدي:

فلئن عمرتُ لأشفيَنَّ النفسَ من تلك المساعي
ولأعلمنَّ البطن أنَّ الزادَ ليس بمُستطاعِ
أما النهارَ فرائيٌّقومي بمرقبة يفاعِ
في قَرَّة هلكٍ وشوكٍ مثلِ أنياب الأفاعي
ترد السباعُ معي فتحسبني السباعُ من السباعِ

أخذ أبو تمام هذا المعنى فجوَّده وظرف كلامه بقوله:

أنقَّ مع السباع الماء حتَّىلَخالته السباعُ مع السِّباعِ

سُويد بن أبي كاهل:

ذريني أشب عمِّي براحٍ فإننيأرى الدهرَ فيه فرجة ومضيقُ
وما أنا إلاَّ كالزمان إذا صحاصحوتُ وإن ماق الزمانُ أموقُ
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

هذا مثل قول بعض الطالبيين:

إذا عقل الدهرُ لم تلقنيجهولا وأجهلُ إما جَهِلْ
وما الحزم إلاَّ لدى نشوةٍتباكر بالكأس قبل العذَلْ

أخذ هذا الشاعر معنى هذين البيتين في تفسير هذين.

أعرابي:

فلو كنتُ في الدَّار التي تعرفانهامرِضتُ إذاً ما غاب عنّي معلِّلي
هنالك لو أنِّي اعتللتُ لعادنيعوائدُ من لم يأتِ منهن يُرسلِ

هذا مثل قول مالك بن الرَّيب:

وبالرمل منِّي نسوةٌ لو شهدنَنيبكين وفدَّين الطبيب المداويا

ومثل قول جرير أيضاً:

إن لا يكن لك بالمصرَين باكيةفرُبَّ باكية بالرَّملِ معوالِ

القتَّال الكلابي:

إذا هبَّتِ الأرواحُ كانَ أحبُّهاإليَّ التي من نحو نجدٍ هبوبُها
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
وإنِّي ليدعوني إلى طاعة الهوَىكواعبُ أترابٌ مِراض قلوبُها
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
كأنَّ الشفاه الحوّ منهن حُمِّلتْذرَى بَرَد ينهلّ عنها غروبُها
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
بهنَّ من الداء الَّذي أنا عارفوما يعرف الأدواء إلاَّ طبيبُها
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

طُرَيح الثقفيّ:

أصلحتَني بالجود بل أفسدتَنيوتركتَني أتسخَّطُ الإحسانا
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة
من جاد بعدك كانَ جودُك فوقهلا كانَ بعدك كائناً من كانا

أبو محجن الثقفي:

نعاهدُ أطرافَ القنا فنَفِي لهاإذا لم تُضرَّج من دمٍ أن تُحطَّما
حرامٌ علينا أن نشيمَ سيوفَناولم تروَ من أعناقِ أعدائنا دَمَا

ومن البيت الأول أخذ بشار قوله:

إذا أُكرهَ الخطّي فينا وفيهمجرى ماؤه في لامنا وتحطَّما
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إذا أكره الخطي فينا وفيهم»

وهذا معنى حسن غير متسع في الشعر. والأصل فيه قول الأسعر الجعفي:

وإذا حملتُ حملت غير مهلِّلوإذا طعنتُ كسرت رمحي أو مضَى

وأخذه البحتري فجوّد في قوله:

ألْوَى إذا طعنَ المدجّجَ تلَّهُ ليديه أو نثر القناةَ كُعوبَا

وردّه في موضع آخر في صفة السيف فقال:

وكنتَ متى تجمعْ يمينَك تهتِكِ الضّريبة أو لا تُبق للسيف مضرِبَا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجِدَّكَ مَا يَنْفَكُّ يَسرِي لزَيْنَبَا»

وأخذه أيضاً المَرْيَميُّ في استعارة فقال:

إذا غمزا قناةَ البغي قامتْبأدْنَى الغمزِ أو طارت شظَايا
للشاعر المريمي، اقرأ القصيدة

أُحَيحة بن الجَلاَح الأوسي:

وقد علِمتْ سراةُ الأوسِ أنِّيمن الفتيانِ أعدلُ لا أميلُ
وقد أعددتُ للحدثان حِصناًلو أنَّ المرءَ تنفعُهُ العقولُ
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «صحوت عن الصبا والدهر غولُ»
لعمرُ أبيك ما يُغني مكانيمن الفتيان زِمّيل كسُولُ
فهل من كاهل أودِيْ إليهإذا ما كانَ من قدَر نزولُ
يراهنُني فيرْهَنُني بَنيهِوأرهنُهُ بنيَّ بما أقولُ
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «صحوت عن الصبا والدهر غولُ»
لما يَدري الفقيرُ متى غناهوما يدري الغنيُّ متى يَعيلُ
وما تَدري إذا أجمعْتَ أمراًبأيِّ الأرض يُدركك المقيلُ
وما تَدري إذا أنتجتَ سقبالأيِّ النَّاس ينتقلُ الفصيلُ
وما تدري إذا أنتجتَ شَولاًأتلقَح بعد ذلك أم تُحيلُ

أما قوله: " بأي الأرض يُدركك المقيلُ " فأخذه من قول الله ﷿:) وما تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غداً وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموتُ (. وأما قوله: " وما تدري إذا أنتجت سقباً " البيت قريب من قول الحارث ابن حلزة اليشكري:

لا تكسَعِ الشَّولَ بأغبارِهاإنَّك لا تَدري من الناتِجُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «يا أيها المزمع ثم انثنى»

مالك بن كعب الأوسيّ:

مَعاذَ إلهي أن تقولَ حليلتيألا فرَّ عنِّي مالكُ بنُ أبي كعبِ
أُقاتلُ حتَّى لا أرى لي مُقاتِلاًوأنجُو إذا غُمَّ الجبانُ من الكربِ
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
عليَّ لجاري ما حيِيتُ ذِمامةٌوأعرف ما حقُّ الرَّفيق على الصَّحبِ
ولا أُسمعُ الندمانَ شيئاً يُريبُهُإذا الكأسُ دارت بالمدام على الشَّرْبِ
وكانَ أبي في المحْلِ يُطعمُ ضيفَهويُرْوي نَدَاماه ويصبرُ في الحربِ
ويمنع مولاه ويُدرك تَبْلَهوإن كانَ ذاك التّبل في مطلَب صعبِ
وإذْ ما منعتُ المالَ منكم لضِنّةٍفلا يَهْنِني مالي ولا ينمُ لي كسْبي

وله أيضاً:

ولا خيرَ في مولَى يظلّ كأنَّهإذا ضِيمَ مولاه أكبَّ على غُنمِ
حريصٍ على ظلم البَريّ مخالفعن القصدِ مأمونٍ ضعيفٍ عن الظلمِ
حسود لِذِي القربى كأنَّ ضلوعَهمن الغِشّ للأدنينَ ضُمَّت على كَلْمِ
قريب إذا عضَّتْ به الحربُ عضةوأبعد شيء جانباً منك في السِّلمِ
فذاك كغثِّ اللَّحمِ ليس بنافعولا بدَّ يوماً أن يُعَدَّ من اللَّحمِ

عمرو بن الإطنابة:

أبَتْ لي عفَّتي وأبَى بلائيوأخْذِي الحمدَ بالثمن الرَّبيحِ
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»
وإعطائي على المكروه مالِيوإقدامي على البطلِ المُشيحِ
وقولي كلَّما جشَأتْ وجاشتْمكانكِ تُحمَدي أو تَسْتَريحي
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»
لأدفعَ عن مآثِرَ صالحاتٍوأَحمِي بعدُ عن عِرضٍ صحيحِ
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»

أما قوله يخاطب نفسه: " وقولي كلَّما جشَأتْ وجاشتْ " فعليه فيه متعلّق لأنه ذكر نفسه بالجبن، وأنَّها تدعوه إلى الفرار، وأنَّه يقهرها بصبره، وفي الشعر مثل هذا كثير على العيب الَّذي قدمنا ذكره.

وله أيضاً:

ذُلُلٌ ركابي حيث شئتُ مشايعيلٌبِّي أَروعُ قطا المكان الغافلِ
أظليم ما يُدريك كم من خُلَّةٍحسنٍ مدامعُها كظبيةِ حابلِ
قد بتُّ مالِكَها وشاربَ قهوةٍدِرياقة أَروَيتُ منها واغِلي
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «صرمت ظليمة خلتي ومراسلي»
صهباءَ صافيةٍ ترى ما دونهاقعرَ الإناءِ تُضيءُ وجهَ الناهِلِ
إنِّي من القوم الذين إذا انْتَدَوابَدَأوا بحقِّ اللهِ ثمَّ النائلِ
للشاعر عمرو بن الإطنابة، اقرأ القصيدة
المانعين من الخنا جاراتِهموالحاشدين على طعام النازلِ
والخالطين فقيرَهم بغنيِّهموالباذِلين عطاءهم للسائلِ
والضاربين الكبشَ يَبْرُق بَيضُهضربَ المُهَجهَج عن حِياضِ الناهلِ
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «صرمت ظليمة خلتي ومراسلي»

قد أخذ في هذه الأبيات أشياء وأُخذ منه أشياء، فما أخَذ قوله: " ذلل

ركابي حيث شئت " البيت، وهذا البيت بأسره لعنترة إلاَّ أنَّا قد وجدنا مثل هذا في أشعارهم أشياء كثيرة، فمن ذلك قول امرئ القيس:

وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيَّهميقولون لا تهلِكْ أسًى وتجمَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

ولطرفة بن العبد مثله حرفاً بحرف، إلاَّ أنَّه جعل مكان " تجمَّل " تجلّدِ ".

ومن تصفَّح أشعار العرب رأى من هذا عجائب. وهم يسمونه التوارد وهو عندنا سرقة لا محال. وممَّا أخذه أيضاً قوله: " قد بتُّ مالكها وشارب قهوة " البيت، وهذا بأسره للبيد، إلاَّ أنهما في عصر واحد، فلا ندري أيّهما أخذ من صاحبه. وأخذ أيضاً قوله: " صهباء صافية ترى ما دونها قعر الإناء "، وتمام البيت من قول الأعشى:

تُريكَ القذَى من دونِها وهْيَ دونَه

إلاَّ أنَّه لم يأتِ بمثل كلام الأعشى ولا قاربه.

وأما ما أُخذ منه فقوله: " والخالطين غنيَّهم بفقيرهم "، والبيت الآخر أخذه منه حسان بن ثابت مصالتة فقال:

والخالطين غنيّهم بفقيرهموالمنعمين على الفقيرِ المُرمِلِ
والضاربين الكبشَ يبرُق بَيضُهُضرباً يَطيحُ به بنان المَفْصِلِ

وهذا أقبح ما يكون من الأخذ، وليس هو من التوارد الَّذي يذكرونه

لأنَّ ابن الإطنابة من الأوس وحسان من الأنصار، وهما من قبيلة واحدة، وكان ابن الإطنابة أقدم من حسان، فلذلك قلنا أخذَه منه أخذاً.

قيس بن الخَطيم:

إذا المرءُ لم يُفضِلْ ولم يلقَ نجدةًمع القوم فليقعُدْ بصُغرٍ ويبعدِ
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
وَذِي شيمةٍ عَسراءَ يكرَه شيمتيفقلتُ له دعْني ونفسَك أرْشِدِ
فإنِّي لأغنَى الناسِ عن كلِّ واعظيرى النَّاسَ ضُلاّلا وليس بمُهتدِي

وله أيضاً:

كأنَّا وقد أَجلَوا لنا عن نسائِهمأُسودٌ لها في غِيل خفّان أشبُلُ
كأنَّ رُؤوسَ الدارعين إذا التقتْكتائبُنا تَتْرَى مع الليل حنظَلُ

أخذ مروان بن أبي حفصة المصراع الآخر من البيت الأول فقال:

بنو مَطَر يوم اللقاء كأنَّهمأسود لها في غيل خَفّانَ أشبُلُ
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «كأن التي يوم الرحيل تعرضت»

أبو قيس بن الأسْلَت:

رَقودُ الضّحى صِفرُ الحشَى منتَهَى المُنَىقَطوفُ الخُطى تمشي الهُوَينا فتُبهَرُ
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة
خفيضة أعلَى الصَّوتِ ليست بسَلْفَعولا نَمَّةٍ خرَّاجةٍ حين تظهَرُ
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة
ويُكرمْنَها جاراتُها فيزرنَهاوتعتلُّ عن إتيانهنَّ فتُعذَرُ
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة
وليس بها أن تَستَهِينَ بجارةٍولكنَّها من ذاك تَحْيا وتَحصَرُ
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة

قيس بن الخطيم:

وكنتُ امرءاً لا أسمعُ الدَّهرَ سُبَّةًأُسبُّ بها إلاَّ كشفتُ غطاءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، من قصيدة «تذكرَ ليلى حسنَها وصَفَاءها»
وكانت شجَى في الحَلْقِ ما لم أثَرْ بهافأُبتُ بنفس قد أُصيب دواؤُها
وإنِّي لدَى الحربِ العوانِ موكَّلبتَقْديم نفسٍ ما أُريدُ بقاءها
متَى يأتِ هذا الموتُ لا تُلفَ حاجةٌلنفسيَ إلاَّ قد قضيتُ قضاءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وله أيضاً:

فما روضةٌ من رياض القَطاكأنَّ المصابيحَ حَوذانُها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
بأحسنَ منها ولا مُزنةٌدَلوحٌ تكشَّفُ أَدْجانُها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
وعَمرةُ من سَرَواتِ النِّساءِ تنفَحُ بالمِسكِ أرْدانُها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

عَمرةُ التي ذكرها أُمُّ النعمان بن بشير الأنصاري، وكانت له صحبة. وروى بعضهم أنَّ النعمان بن بشير غاب عن المدينة غيبة طويلة، ثمَّ قدِمها، فقال: أسمعوني من أغانيكم، فجاءوه بمغنِّية فاندفعت تغنِّي:

أجَدَّ بعَمرة غُنْيانُهاأتَهْجُرُ أم شأنُنا شانُها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
وعمرةُ من سروات النِّساءِ تنفَحُ بالمسك أردانُها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

فأَومى إليها جماعة من حضر المجلس أن تُخفي. وفطن النعمان لذلك، فقال: دعوها فما قالت إلاَّ جميلاً.

قيس بن الخطيم:

إذا جاوز الاثنينِ سِرٌّ فإنَّهُبِنَثٍّ وتكثيرِ الحديث قمينُ
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
سَلى مَن جَليسي في الندِيِّ ومألَفيومَن هو لي عند الصَّفاءِ خَدِينُ
وإنْ ضيَّع الإخوانُ سرّاً فإنَّنيكتومٌ لأسرارِ العشيرِ أمينُ
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
أَعِزّ على الباغي ويغلظُ جانبيوذو القَصد أحْلَوْلِي له وأَلينُ

سُوَيْد بن صامت الأنصاري:

وقد علمتْ سراةُ الأوسِ أنِّيإذا ما الحربُ تَحتدِمُ احْتِداما
أَحوطُ دِمارَهم وأَعفُّ عنهمإذا لم يشْدُدِ الورِعُ الحِزامَا
وأغشَى هامةَ البطل المُذَكِّيجُرازاً صارماً عَصْباً حُساما
إذا ما البِيض يومَ الرَّوع أبدَتْمحاسنَها وأبرزَتِ الخِداما
أتَتْني مالك بليوثِ غابٍضراغمَ لا يرون القتلَ ذَامَا
معاقِلُهم صوارمٌ مرهفاتٌيُساقون الكماةَ بها السِّمامَا
ومردية صبرتُ النَّفسَ منهاعلى مكروهها كيْ لا أُلامَا
لأكشفَ كُربةً وأُفيدَ غنماًوأمنعَ ضيمَ جاري أن يُضامَا

قيس بن الخطيم:

تبدَّتْ لنا كالشمسِ تحتَ غمامةٍبدَا حاجبٌ منها وضنَّت بحاجبِ
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «إذا الحاجب المذموم عن حلب مضى»
ولم أرَها إلاَّ ثلاثاً على مِنًىوعهدي بها عذراءُ ذاتُ ذوائبِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «سأبكي على ما فات مني صبابة»
فتلك التي كادتْ ونحنُ على مِنًىتحُلُّ بنا لولا نجاءُ الركائبِ

قال الحاتميّ: أخذ هذا المعنى أخذاً خفيّاً من امرئ القيس في قوله: " قيد الأوابد " وهو قوله: " نجاء الركائبِ ".

ومثلكِ قد أصبَيتُ ليست بكَنَّةولا جارةٍ ولا حليلةِ صاحبِ
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
أرِبتُ بدفع الحربِ حتَّى رأيتُهاعلى الدَّفع لا تزدادُ غيرَ تقاربِ
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
ولمَّا رأيتُ الحربَ شَبَّ أُوارُهالبِستُ مع البردَين ثوبَ المحاربِ
وكنت امرأ لا أبعثُ الحربَ ظالماًفلمَّا أبَوْا أشعلتُها كلَّ جانبِ
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
إذا ما مرَرْنا كانَ أسوَأ فَرِّناصدودَ الخدود وازْوِرارَ المناكبِ
صدودَ الخدودِ والقنا متشاجِرٌولا تبرحُ الأقدامُ عند التضاربِ
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
يُعَرَّين بِيضاً حين نلقَى عدوَّناويُغْمَدنَ حُمراً ناحِلاتِ المضاربِ
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
فإن غبتُ لم أُغفَل وإن كنت شاهداًتجدني شديداً في الكريهة جانبي
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

قوله: " وإن غبت لم أغفل " ضد قول جرير:

ويُقضَى الأمرُ حين تغيب تَيمولا يُستأذَنون وهم شهودُ
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا زارت وأهل منى هجود»

أخذ قوله بشار: " تبدت لنا كالشَّمس " البيت، في قوله:

قامت تَصَدَّى إذ رأتْني وحديكالشَّمس بين الزِّبْرِجِ المُنقدِّ
ضنَّتْ بخدٍّ وجلَتْ عن خدّثمَّ انثنَتْ كالنفَس المرتَدِّ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا طلل الحي بذات الصمد»

وما قصَّر بشار في هذا المعنى، بل جوَّده وزاد.

وقوله: " فتلك التي كادت ونحن على منًى " البيت، يريد: أنا نظرنا إليها ونحن سائرون، فلولا أن الإبل، لما شُغلنا بالنظر إليها، سارت ونحن لا نعلم لكُنَّا قد نزلنا. وفيه قول آخر، وهو أنَّا كنا محرمين فكدنا، بنظرنا إليها إن نحلَّ فيفسد إحرامنا. وشبيه بهذا قول الشاعر:

وتستوقفُ الركْبَ العِجَال بطَرفهافما أحدٌ يمضي من القوم أو تمضِي

وقال آخر:

أغرَتْ بموضع أخمصَيها طرفَهاتحثو التراب بنظرة المسترعَفِ
أخذَت بألحاظِ الركاب فلَعْلَعَتْمتقدّماً منهم على متخلّفِ

وقوله: " ومثلك قد أصبيتُ " البيت: معنى جيد في الحفاظ، وقد أخذه بعض المحدثين فقال:

قالت وقلتُ تحرَّجي وصِلِيحبلَ امرئٍ بوصالكم صبِّ
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «قالت وقلت تحرجي وصلي»
واصِلْ إذن بَعلي فقلتُ لهاالغدرُ شيء ليس من شَعْبي
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «قالت وقلت تحرجي وصلي»
ثِنتان لا أصْبُو لوصلِهماعِرسُ الخليل وجارةُ الجنبِ
أمَّا الصَّديق فلستُ خائنَهوالجارُ أوصاني به ربِّي

هذا جيد، إلاَّ أنَّ الأول أجود، لأنه جمع ما احتاج إليه من الكنة والجارة وامرأة الصاحب في بيت واحد، وهذا أتى بالجارة وامرأة الصاحب في أبيات ولم يذكر الكنة، وهذا المعنى كثير في أشعارهم قديماً ومحدثاً.

وقوله: " لما رأيت الحرب شبَّ أوارُها " البيت، أراد بالبردَين الشجاعة والشباب، ويجوز أن يكون أراد بهما ثوبيه. فأمَّا قوله: " ثوب المحارب " فهو الدرع لا محالة، ثمَّ قال في ذكر الفرار ما لم يقله أحد، جودة وحسن لفظ وصحة معنى. وقوله في ذكر السيوف: " ناحلات المضارب " شبيه بقول النابغة:

ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهمبهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

قوله: " إذا ما فرَرْنا " والبيت الَّذي بعده مأخوذ من قول الأعشى في يوم ذي قار:

ما في الخدودِ صدودٌ عن وجوههمولا عن الطَّعن في الَّلبَّات منحرَفُ

وقال عبد الله بن رواحة في جواب قيس بن الخطيم عن شعره هذا الشعر:

إذا غُيِّرت أحسابُ قوم وجدتَناإلى مشْعَرٍ فيها كرامُ الضرائبِ

قوله: " إذا غيّرت " البيت، أي أن يشِحُّوا بعد الجود لما صاروا إليه من الشدَّة والجهد في سنة قد تقدم ذكرها في الشعر.

نُدافعُ عن أحسابِنا بتلادِنالمُفْتَقِر أو سائل الحقِّ واجبِ
وأعمَى هدَتْه للسَّبيل حُلُومُناوخصمٍ أقَمنا بعدَ تَلْجيج شاغبِ
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة
ومُعتركٍ ضَنكٍ ترى القومَ وسطَهمشَينا له مشيَ الجِمالِ المَصاعبِ

أخذ قوله: " مشينا له " من النابغة في قوله:

إذا نزلوا عنهنَّ للضَّرب أَرْقَلواإلى الموتِ إرقالَ الجِمال المَصاعبِ

وقال رفاعة بن خالد الواقفي من الأنصار:

لا مهاذير في النَّديِّ ولا ينْفكُّ فيه لهم ندى وسماحُ
منهم الذائدُ الكتيبة بالسَّيْفِ كما يكشفُ السَّحابَ الرياحُ
فيهم للمُلايِنِينَ أناةٌوطِماحٌ إذا يُراد الطِّماحُ
ومداريكُ للذُّحول مَباذيلُ إذا قلَّ في السِّنين اللّقَاحُ

الرواية: القلاح.

وقال قيس بن رفاعة:

إن نُصبحِ اليومَ قد خفَّتْ مجالسُناوالموتُ أمرٌ لهذا النَّاس مكتوبُ
فقد غَنِينا وفينا سامِرٌ غَرِدٌوصارخٌ كأَتِيِّ السَّيلِ مرهوبُ

وقال نَهيك بن أُساف:

لعمري لقد أكرمتُ ندبة وابنَهاولكن عِرقَ السوءِ في المرءِ غالبُه
فلسنا وإن قلتِ السَّفاهةَ والخنابأوَّل من يَثْروه يوماً أقاربُه
ولو قلتِ بالمعروف أنبأتِ أنَّناإذا الكبشُ لاحتْ في الصَّباح كواكبُه
نطاعنُهُ حتَّى نُصرَّعَ حولَهونمشي إلى أبطالِهِ فنضاربُه

وقال قيس بن رفاعة:

وخيلٍ بعضُها حربٌ لبعضبحرِّ طرادها أُصُلاً صَليتُ
وفتيانٍ أطاعوا اللهوَ عنديفآبوا حامدين وما خَزيتُ
ولم أَعْتِمْ حلال القوم هَمِّيأُعدِّدُ بالأصابع ما رُزيتُ
متى ما يأتِ يومي لا تجدْنيبمالي حين أبذلُهُ شَقيتُ
ولا بموفِّرٍ شيئاً عليهمن الحقّ الملطّ إذا اجْتُديتُ

وقال القتَّال الكلابي:

لقد ولدتْ عوفَ الطعان ومالكاوعمرو العُلى والحارث المتنَجّبَا
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
رجالٌ بأيديها دماءٌ ونائلٌيكادُ على الأعداءِ أنْ يتَحلّبَا
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

ومن هذا أخذ البحتري قوله:

وصاعقة في كفّه ينكفي بهاعلى أرؤس الأبطالِ خمس سحائبِ
يكاد النَّدَى منها يفيض على العِدىمع السَّيف في ثِنيَيْ قنا وقواضبِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «هبيه لمنهل الدموع السواكب»

والبحتري وإن كان أخذ المعنى وأتى به في بيتين، فقد جوَّد وأحسن، وفاقَ على وِفاق الأول بما أبدع في المعنى الأول وزاد، لأنه صيّر السيف صاعقةً، فيجوز أن يكون أراد حديدة من صاعقة، على ما يحكي بعض النَّاس في الصواعق، ويجوز أن يكون شبَّه السيف بالصاعقة لحدَّته، وأنَّه يتلف ما مرَّ به، ثمَّ ذكر أنَّه ينكفي به على أرؤس الأبطال خمس سحائب، يعني أصابع الممدوح. ومن النادر في هذا البيت أنَّه صيَّر السحائب مع الصاعقة، إذ كانا من جنس واحد. وتقول الفلاسفة: إنَّ الصواعق تكون مع السحائب الصَّيفيَّة دون الأمطار المطبقة في الشتاء. وممَّا يقوي هذا القول قول لبيد يرثي أخاه أَرْبَد وقد أحرقته الصاعقة:

أخشَى على أربدَ الحُتوفَ ولاأرهبُ نَوْءَ السِّماكِ والأسدِ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ما إن تعري المنون من أحد»

وهذان الكوكبان من منازل القمر، مطلعهما في آخر الرَّبيع وأول الصيف. وهذا هو الحذق في الشعر وأخذ معانيه، ومَن أخذ المعنى هذا الأخذ فهو أحقُّ به ممَّن ابتدعه. وقد شرحنا أمر المعاني شرحاً شافياً في رسالتنا التي ذكرنا فيها شعر أبي نواس، فلذلك لم نشرح ههنا إلاَّ اليسير. وبعد وقبل فقد سبق البحتري جميع الشعراء في هذا المعنى حُسناً وملاحة وصحة وفصاحة.

وكان القتَّال الكلابي أحد فُتَّاك العرب، وهو ممَّن كان يطرده قومه لكثرة جناياته، فروي أنَّه سلك في بعض الأودية، وكان مسلكاً ضيّقاً، فبينا هو فيه إذا هو بأسد مفترش ذراعيه على الطريق، ولم يعلم حتَّى هجم عليه، فخشي أن يرجع فيبادره، فلم يجد مقدماً إلاَّ بقتله. فانتضى سيفه وحمل على الأسد فقتله وقال:

أتتكَ المنايا من بلادٍ بعيدةبمنخرِق السّربال عَبْلِ المناكبِ
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
أخي العرف والإنكار يعلوكَ وقعةًبأبيضَ سقَّاطٍ وراءَ الضَّرائبِ
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

هذا البيت في صفة السيف نهاية في الجودة. ولولا كثرة ما ذكر به السيف واتّساعه في أيدي النَّاس لأثبتنا منه ههنا بقطعة صالحة إلاَّ أنَّه مشهور كثير فلذلك تركنا ذكره.

وللقتَّال أيضاً يهجو قوماً ويذكر أنَّ لهم عدداً وسلاحاً ولكنَّهم لا يثبتون في الحرب لمن قاتلهم بل ينهزمون ولا يثبتون:

أفي كلّ يوم لا تزال كتيبةٌعقيلية يَهفُو عليكم عقابُها
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
وأنتم عديد في حديد وشَفْرةوغابِ رماح يكْسِفُ الشَّمس غابُها
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
فما الشَّرُّ كلّ الشرّ لا خيرَ بعدهعلى النَّاس إلاَّ أن تَذِلَّ رِقابُها
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

وقال أيضاً:

ويَبيتُ يَسْتَحيي الأمورَ وبطنُهطَيّانُ طَيَّ البرد يحسبُ جائعا
من غير ما عُدْمٍ ولكن شيمةإنَّ الكرامَ هم الكرامُ طبائعا

وقال حُميد بن ثور الهلالي ووجّه صاحبين له إلى عشيقته فأوصاهما وصيَّة ما فوقها زيادة، وعرَّفهما من التلطّف والحيَل أموراً ما أتى أحد بمثلها ولا قارب وهو:

خليليَّ إنِّي مُشتكٍ ما أَصابَنيلتَسْتَثْبِتا ما قدْ لقيتُ وتعَلمَا
أَمنتُكما إنَّ الأمانةَ من يخنْبها يحتملْ يوماً من اللهِ مأثَما
فلا تُفشيا سرّاً ولا تخذُلا أخاًأبَثَّكما منه الحديثَ المكتّما
لتتَّخذا لي باركَ اللهُ فيكماإلى آلِ ليلى العامريَّةِ سُلَّما
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
وقُولا إذا وافيتُما أرضَ عامروجاوزتُما الحيَّين نَهدا وخَثعما
نَزِيعانِ من جَرم بن رَبّانَ أنَّهمأبَوْا أن يُريقوا في الهَزاهِزِ محجَما
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
وسِيرا على نِضوَيكما وتقصَّداولا تحمِلا إلاَّ زِنادا وأسهُما
وإن كانَ ليلاً فالْوِيا نسبَيْكماوإن خفتُما أن تُعرفا فتلَثَّما
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
وزاداً قليلاً خَفِّفاهُ عليكماولا تُبدِيا سرّاً لقومٍ فيُعلَما
وقولا خرجْنا تاجرَين فأبطأَتْركابٌ تركناها بتَثْليثَ قُوَّما
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
ومُدَّا لهم في السَّومِ حتَّى تمكّناولا تسْتَلِجَّا صفقَ بيع فتُلزَما
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
فإن أنتُما اطْمَأنَنْتُما وأمِنتُماواخليْتُما ما شئتُما فتكلّما
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
وقولا لها ما تأمُرينَ بصاحبلنا قد تركتِ القلبَ منه مُتيَّما
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
أبيني لنا أما رَحَلْنا مطِيَّناإليكِ فلم نبلُغْكِ إلاَّ تجشُّما
فجاءَا ولمَّا يقضِيَا ليَ حاجةإليها ولمَّا يجْعَلا الأمرَ مُبرَما
فما لهما من مرسَلَين لجاجةأسَافاً من المال التِلادِ وأَعْدَما

أما قوله: " وقولا إذا وافيتُما " البيت، وقوله: " نزيعان " البيت بعده فمن طريف الهجاء ودقيقه وممضّه؛ وذلك أنَّه ذكر قوماً فقال: هم لا يقتُلون ولا يقتَلون فليس أحد من العرب يطلبهم بوتر ولا طائلة، فلذلك أمر صاحبيه

بالانتساب إليهم لئلا يذكرا غيرهم من القبائل فيكون الَّذي يسألهما عن نسبهما يطلب تلك القبيلة التي ذكراها بطائلة فيقتلهما. وهذا من غريب الهجاء وبديعه. وشبيه به قول الآخر:

إذا الله عادى أهلَ لُؤم ودِقَّةفعادَى بني العَجلان رهطَ ابن مُقبلِ
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة
قُبيِّلَة لا يغدرون بذمَّةولا يظلمون النَّاسَ حبَّة خَردلِ
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة
ولا يرِدون الماءَ إلاَّ عشيَّةإذا صدرَ الوُرَّادُ عن كلِّ منهلِ
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

يريد أنهم لا يستطيعون أن يغدِروا ولا يظلِموا أحداً ولا يرِدون الماء حتَّى يصدر النَّاس عنه لضعفهم وذلَّتهم، وهذا مثل قول بنْتي شعيب لموسى ﵉ وقد سألهما عن وقوفهما والنَّاس يسقون، وقد قالتا له: " لا نَسقي حتَّى يصدرَ الرِّعاءُ " فهؤلاء نساء وحقهم الضعف عن مقاومة الرجال.

وشبيه بهذا المعنى قول الأعجم:

وبشكر لا تستطيع الوفاءَوتعجِز بشكرُ أن تغدِرا

فهذا ذكر أن الغدر في طباعهم إلاَّ أنهم يعجزون عنه لذلّهم وقهر النَّاس لهم. وذُكر أن بني العجلان استعْدَوْا عمر بن الخطَّاب على الَّذي هجاهم بالشعر الَّذي ذكرناه وقالوا: هجانا هجاء ما هُجيت العرب بأقبح منه. فقال لهم: أنشدوني ما قال فيكم، فأنشدوه:

قُبيِّلَة لا يغدرون بذمَّةولا يظلمون النَّاسَ حبَّة خَردلِ
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

فقال: ليتَ الخطَّاب وأهل بيته وجميع بني عديّ بن كعب بهذه الصفة، لا يغدرون ولا يظلمون، ما أرى بأساً، هِيه، فقالوا:

ولا يردون الماء إلاَّ عشيَّةإذا صدر الوُرَّادُ عن كلّ منهل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

فقال: ذاك أصفى للماء وأجَمّ له، ما أرى بأساً ولا على قائل هذا

الشعر عقوبة ولم يُعدِهم عليه. وعُمر كان أعلم بالشعر من قائله ولكنَّه أراد بهذا معنًى. وأمَّا قول حميد بعد وصيته لصاحبيه بما ذكرناه: " ومدَّا لهم في السَّومِ " البيت فنهاية في التيقظ.

وأمَّا قوله وقد عاد إليه رسولاه بغير قضاء حاجة: " فما لهما من مرسلَين " البيت، فقد جوَّد لهما إذ كانا يستوجبان أضعاف ما دعا عليهما به لتقصيرهما مع وصيته إياهما واحتياطه في توجيههما، ولشتَّان بينهما وبين صاحبة ابن أبي ربيعة التي يقول فيها:

وبعثْنا طَبَّة عالمةًتخلِط الجدَّ مِراراً باللَّعبْ
ترفعُ الصَّوتَ إذا لانتْ لهاوتُراخي عند سَورات الغضبْ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «طال ليلي وتعناني الطرب»

هذه بلغت بغير وصية كلّ ما نفس صاحبها، وهذان لم يبلغا، مع وصية صاحبهما، شيئاً.

ولحميد في هذا الشعر بيت قد أكثرت الشعراء في القديم والمحدث في معناه فما فيهم أحدٌ أتى به إلاَّ دون بيت حُميد، وهو قوله:

أرَى بَصَري قد خانني بعد صحَّةٍوحسبُك داءً أن تصِحَّ وتسْلَما

هذا بيت قد جمع مع صحة المعنى جودة اللفظ وحسن التقسيم وملاحة الكلام، وإن كان أخذه ممن قبله فقد زاد عليه لأنَّ النمر بن تولب أول من أتى بهذا المعنى في قوله:

ودعوتُ ربِّي بالسَّلامة جاهداًليُصحَّني فإذا السَّلامةُ داءُ
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وهذا البيت وأن كان الأول فبيت حميد أحسن كلاماً وأجود وصفاً. وروي أن ابن عباس سمع منشداً ينشد بيت النمر هذا فقال: لا إله إلاَّ الله، ما أعجب هذا! كلام العرب متشبك بعضه ببعض. قال النبي ﷺ: " لو لم يُوكل

بابن آدم غير الصحة والسلامة لأوشكا أن يُتلفا "، فالنبي ﷺ أتى بهذا المعنى منثوراً وأتى به الشاعر منظوماً. وقد ذكر جماعة من الشعراء المتقدمين والمحدثين هذا المعنى فبعضهم قارب وبعضهم قصّر. والأجود من كل ما قيل في هذا الباب بيت حميد. ولبعض المتقدمين فيه:

ويهوَى الفتَى طول السَّلامة جاهداًفكيف يُرى طولَ السَّلامة يفعَلُ

هذا وإن كان قائله متقدماً فهو دون ما ذكرنا، لأنه لم يبيِّن المعنى كما بيَّنه غيره، ولهذا قيل: المعنى لمن اخترعه، فإن زاد عليه الآخذ له فهو أحقّ به، وإن قصَّر عنه فإنَّما فضح نفسه. وقد جوَّد أبو العتاهية هذا المعنى في قوله:

نهوَى من الدُّنيا زيادتَهاوزيادةُ الدُّنيا هي النقصُ

وقال أيضاً:

أسرَعَ في نقصِ امرئٍ تمامُه

وفي مثله يقول الآخر:

وتحسِب أنَّ النقصَ فيك زيادةوأنت إلى النقصان حين تزيدُ

ولو ذهبنا إلى استغراق جميع ما في هذا الباب لطال واتَّسع.

وقال حميد أيضاً:

لياليَ أبصارُ الغواني وسَمعُهاإليَّ وإذ رِيحي لهنَّ جَنوبُ
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
وإذ ما يقولُ الناسُ شيء مُهوَّنٌعليَّ وإذ غصنُ الشَّبابِ رطيبُ
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
فلا يُبعدِ اللهُ الشَّبابَ وقولَناإذا ما صبونا صبوة سنتوبُ
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
فإنَّ الَّذي يشفيكَ ممَّا تضمَّنَتْضلوعكَ من وجدٍ بها لطبيبُ
وإنَّ الَّذي منَّاك أن تسعف النَّوىبها بعد أيَّام الصِّبى لكذوبُ
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

أما قوله في ذكر النساء: " وإذ ريحي لهن جنوبُ " فإن الجنوب عند العرب أحمد من الشمال لأنها تجلب المطر ويكون معها السحاب، والشمال تقطع السحاب ولا يكون مع أكثرها مطر ولذلك فضَّلوا الجنوب على الشمال.

وأما قوله:

فلا يبعد الله الشبابَ وقولَناإذا ما صبونا صبوة سنتوبُ
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

فمن أملح الكلام وأطرفه وأرقّه ولو لم يكن فضائل الشباب غير ما ذكر الشاعر في هذا البيت لكفاه، ولم نعلم أحداً أتى بأحسن من هذا المعنى واللفظ في تذكر عهد الصبا وأيام البطالة. وشبيه بقوله: " إذا ما صبونا " البيت، قول بعضهم:

أتانا بها حمراءَ يحلفُ أنَّهاطبيخٌ فصدَّقْناه وهو كَذوبُ
فهلْ هي إلاَّ ليلةٌ غاب نحسُهاأواقِعُ فيها الذّنبَ ثمَّ أتوبُ

ومثله قول أبي نواس:

لو شئتَ لم نبرحْ من القُفْصِنشربُها حمراء كالحُصِّ
نسرق هذا اليومَ من ربّناوإنَّما يُعفَى عن اللِّصِّ

وشبيه به بيت قرأناه في هيكل دير مَتَّى وهو:

سقِّنا يا غلام في هيكل الدَّيْرِ شراباً يختاره الرّهبانُ
هاتِها كالعقيق حمراءَ وليَجْهَدْ علينا بجهده رمضانُ
هو يومٌ مكانَ يومٍ ويعفو اللهُ عنَّا فربُّنا منَّانُ

ولحميد أيضاً من قصيدة:

قضَى اللهُ في بعضِ المكاره للفتىبرُشدٍ وفي بعض الهوَى ما يُحاذرُ
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
ألم تعلمِي أنِّي إذا الإلفُ قادَنيسوى القَصد لا أنقادُ والإلفُ جائرُ
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
وقد كنت في بعض الصَّباوة أتَّقيأموراً وأخشَى أن تدور الدَّوائرُ
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
وأعلمُ أنِّي إن تغطَّيتُ مرَّةًمن الدَّهر مكشوفٌ غِطائي فناظرُ
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
وما خلتنا إذ ليس يحجِزُ بينناوبين العِدَى إلاَّ القنا والحوافرُ
ووصل الخُطَى بالسَّيف والسَّيف بالخطَىإذا ظنَّ أنَّ السيفَ ذو السيفِ قاصرُ
إلى أن نزلنا بالفضَاء وما لنابه معقِلٌ إلاَّ الرّماح الشّواجرُ
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

أما قوله: " قضى الله في بعض المكاره " البيت، فمثل من أمثال العرب جيّد، وذلك أنَّه لم يقل: " قضى الله في المكاره " فيجمعها كلها فصيَّر الرشد في بعضها وكذلك في بعض الهوى، وهو مثل قول الله سبحانه:) وعسَى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم (فالله ﷿ إنَّما ذكر شيئاً من أشياء كثيرة، وكذلك الشاعر جعل في بعض الكره رشداً، وفي بعض الهوَى حذَراً، وقد قال بعض المحدثين في هذا المعنى وجوَّد:

توكَّلْ على الرحمن في كلِّ حاجةٍطلبتَ فإنَّ اللهَ يقضي ويقْدرُ
وقد يهلِكُ الإنسانُ من وجه أمْنِهوينجو بإذن الله من حيثُ يحذَرُ
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

وأما قوله: " ووصل الخطى بالسيف " البيت، فمأخوذ من قول الأنصاريّ:

إذا قَصرتْ أسيافُنا كان وصلُهاخطانا إلى أعدائنا فنُضارِبُ
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «ونحن بنو الحرب العوان نشنها»

ومن قول الآخر:

نصلُ السيوفَ إذا قصُرن بخَطْوناقُدما ونُلحقهنَّ إن لم تَلْحقِ

وهذان البيتان أجود من بيت حميد لفظاً وحسنا. وروي أنَّ فتى من الأزد دفع إلى المهلّب بن أبي صفرة سيفاً له وقال: يا عمّ! كيف ترى سيفي هذا؟ فقال له المهلّب: سيفك جيد إلاَّ أنَّه قصير، فقال له الفتَى: أُطوِّله يا عمّ بخَطوي، فقال له: والله يا ابن أخي إنّ المشي إلى الصين أو إلى أقصى أذربيجان على أنياب الأفاعي أسهل من تلك الخطوة. لم يقل المهلّب هذا جبناً بل على ما توجب الصورة، إذ كانت تلك الخطوة قرينة الموت. وقوله: " إلى أن نزلنا بالفضاء " البيت. فجيِّد نادر، وقد عوَّل ابن الرومي عليه في قوله:

حلُّوا الفضاءَ ولم يبنوا فليس لهمإلاَّ القنا وإطارُ الأفْقِ حيطانُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أجنت لك الوجد أغصان وكثبان»

ولحميد أيضاً، وقد روى بعض العلماء هذا الشعر لليلى الأخيلية:

إنَّ الخَليعَ ورهطَه من عامركالقلب أُلبِس جؤجؤاً وحَزيما
لا تُسرعنّ إلى ربيعة إنّهمجمعوا سواداً للعدوّ عظيما
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
شعباً تفرَّق من جِماع واحدعَدَلتْ مَعدّاً تابعاً وصميما
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
فاقْصِر بذَرعك لو وطئتَ بلادهملاقَتْ بِكارتُك الحِقاقُ قُروما
وتعاقبتك كتائبُ ابن مُطرِّففأرتْك في وضَح النهار نجوما
ومشقَّقٌ عنه القميصُ تخالُهوسطَ البيوتِ من الحياء سقيما
حتَّى إذا رُفِع اللِّواء رأيتَهتحتَ اللواء على الخميس زعيما
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
وإذا تُساءُ وجدتَ منهم مانعاًفُلْجاً على سخط العدوِّ مقيما
أو ناشئاً حدثاً يُحكِّم مثلَهصُلعُ الرجال توارثَ التحكيما

الَّذي لا شك فيه أن هذا الشعر لليلى الأخيلية، لأنها كانت كثيرة المدح لآل مطرِّف العامريّين حتَّى ضرب بذلك البحتري مثلاً في شعره فقال وذكر جيشاً:

لو أنَّ ليلى الأخيلية عاينَتْأطرافه لم تُطْرِ آل مُطرِّفِ

أما قوله: " ومشقق عنه القميص " البيت، والَّذي بعده، فمن جيِّد الكلام وفاخر المدح، وهم يمدحون الرَّجُل السيّد والمرأة الحسناء بالسقم والضعف، وليس يريدون السقم بعينه، ولكن يريدون الانكسار، فإذا وصفوا الرَّجُل بذلك أرادوا أنَّه ساكن الأطراف، والنظر العاقل والحلم، فإذا هيِّج للحرب زال عنه ما نعتوه به. وإنَّما يصفونه بهذه الصفة في حال السلم لا في الحرب. وقد أكثرت الشعراء في هذا المعنى. وقول ليلى أو حُميد الَّذي ذكرناه من أجود ما قيل فيه، ولقد جوَّد الآخر في قوله:

إذا غدا المسكُ يجري في مفارقهمراحوا كأنَّهُمُ مرضى من الكَرمِ
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة

النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حماسة الخالديين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.