تجاوز إلى المحتوى

من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)

الجزء الأول (٥)

وأجود ممَّا اختاره ابن الأعرابي قول الأحوص:

النفسُ فاستَيقِنا ليست بمعولةشيئاً وإن جلَّ إلاَّ ريث تعترفُ
إنَّ القديمَ وإن جلَّت رزيَّتُهينضو فيُنسَى ويبقَى الحادثُ الأَنِفُ

هذا معنى جيد مسفر وبيت أبي خراش أجود منه، وقال أبو العتاهية في هذا المعنى:

فإذا انقضى همّ امرئ فقد انْقضَىإن الهموم أشدّهنَّ الأحدثُ

وقد ردَّ أيضاً أبو العتاهية هذا المعنى فقال:

إنَّما أنت طول عمرك ما عُمِّرتَ في السَّاعة الَّتي أنتَ فيها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «من أحب الدنيا تحير فيها»

وبيت أبي العتاهية هذا في نهاية الجودة وإصابة المعنى، وقد ذكرنا شيئاً من نظائر بيت أبي خراش هذا الَّذي قدمنا ذكره فيما تقدَّم من الكتاب.

وأما قوله: " ولم أدر من ألقى عليه رداءه " البيت، فهو أول من مدح من لا يعرف وذلك أن خراشاً لما غشى ألقى عليه رجلٌ ثوبه فواراه وشُغلوا بقتل عروة عنه، فنجا خراش، فقال أبوه: ولم أدرِ من فعل هذا الفعل ولكنَّ صاحب هذا الثوب قد سُلَّ عن ماجد محض، أي فعل هذا الفعل رجلٌ كريم، وإلى هذا المعنى نظر أبو نواس في قوله:

ولمْ أدرِ ما هُم غيرَ ما شهِدتْ بهبشرقِيّ ساباطَ الرّسوم الدّوارسُ

وقول أبي خراش يصف خراشاً: " ولم يكُ مثلوج الفؤاد " البيت والَّذي بعده، يذكر أنَّه لم يكن مُنْتَفلاً مقيماً في الدعة والنعمة والأكل والشرب فيكون مهبّجاً لذلك، ولكنه قد جاذبه الجوع حتَّى خفَّ لحمه، فإذا نهض نهض بحقيقة ولم يكذب، ثمَّ وصف جودة حُضْرِه فقال: " كأنَّهم يشَّبّثون بطائر " البيتين، لا نعرف في السرعة مثل هذا لأنه شبَّهه في الخفَّة بطائر فقال: " خفيف المشاش " ليكون أسرع له، ثمَّ قال: " عظمه غير ذي نحض " أي ليس على عظمه لحم، ثمَّ ذكر أنَّه يبادر بحثّ جناحه في البسط والقبض قرب الليل، فما نحسب أحداً ذكر في الكلام المنظوم والمنثور أحداً بالسرعة ولا وصفه بذلك إلاَّ دون هذه الصفة، وكان أبو خراش أحد الفرّارين ومن يُحضر فلا يُلحق، وممَّا ذكر من شدَّة حُضره وخفَّته في فرة فرَّها من الخزاعيين، وكانوا يطلبونه بثأر، فقال:

رَفَوني وقالوا يا خويلدُ لا تُرَعْفقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ هُم هُمُ
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
تذكَّرتُ ما أين المفَرّ وإنَّنيبغرْزِ الَّذي يُنجي من الموتِ مُعصِمُ
فوالله ما رَبْداءُ أو عَير عانةٍأقَبُّ وما أن تَيسُ رَملٍ مُصمِّمُ
بأسرعَ منِّي إذ عرفتُ عدِيَّهمكأنِّي لأُولاهم من القربِ توأمُ
أوائلُ بالشَّدِّ الذليق وجُنَّتيلدى المتنِ مشبوحُ الذّراعين خَلجمُ
فلولا دِراكُ الشَّدِّ ظلَّت حَليلَتيتخيَّرُ في خطَّابها وهي أيِّمُ
فتسخَطُ أو ترضَى مكاني خليفةًوكانَ خراش يوم ذاكَ تيتَّمُ

وقال أيضاً في مثل هذا المعنى:

لمَّا رأيتُ بني نُفاثة أقبلُوايُشلُون كلَّ مقلِّص خِنَّابِ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «لما رأيت بني نفاثة أقبلوا»
ونشِبتُ ريح الموت من تلقائهموكرهتُ وقعَ مهنَّدٍ قِرضابِ
أقبلتُ لا يشتدُّ شدّي فادرٌعِلجٌ أقَبُّ مشمّر الأقرابِ
ودفعتُ ساقاً لا أخافُ عِثارَهاوطرَحتُ عنِّي بالعَراء ثيابي

وقد أخذ في شعره الضادي الَّذي قدمنا ذكره مصراعاً بأسره لطرفة بن العبد فقال:

حمدتُ إلهي بعد عُروةَ إذ نجاخراش وبعض الشرّ أهون مِن بعضِ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قليل إلى غير اكتساب العلى نهضي»

وقال طرفة:

أبا منذر أفنيتَ فاسْتَبق بعضَناحنانَيك بعض الشرِّ أهون من بعضِ
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أقول لنعمان وقد ساق طبه»

وقد أتى بهذا المعنى غير أبي خراش فقال:

ورفَّعتَ لي ذكري وما كانَ خاملاًولكنَّ بعضَ الذّكر أرفَعُ من بعضِ

هذا الكلام حذو كلام طرفة، بل هو منه، وإن كان غير المعنى الَّذي أتى به خراش وطرفة. ولأبي خراش في الفرار والعدو على الرجلَين أشياء كثيرة، قد ذكرنا بعضها وسنذكر منها شيئاً آخر، فمن ذلك قوله في فرَّة فرَّها يعتذر منها:

لحا اللهُ جَدّاً راضِعاً لو أفادنيغداةَ التقَى الرّجلانِ في كفِّ شاهكِ
فإن تزعمي أنِّي جَبُنْتُ فإنَّنيأفرُّ وأرمي مرَّةً كلَّ ذلكِ
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
أُقاتلُ حتَّى لا أرَى لي مقاتلاًوأنجُو إذا ما خفتُ بعض المهالكِ
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

ومن ههنا أخذ الآخر قوله:

أُقاتل حتَّى لا أرَى لي مقاتلاًوأنجُو إذا غمَّ الجبانُ من الكربِ
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

وقال تأبَّط شرّاً وذكر شدة حُضْره من أعدائه:

إنِّي إذا خُلَّةٌ ضنَّتْ بنائلهاوأمسكتْ بضعيفِ الحبلِ أحذَاقِ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «يا عيد ما لك من شوق وإيراق»
نجوتُ منها نجائي من بَجيلَةَ إذألقيتُ ليلة خَبْتِ الرَّمل أرواقِي
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «يا عيد ما لك من شوق وإيراق»
ليلةَ صاحوا وأغرَوا بي سِراعَهمبالعَيكتَينِ لدى مَعْدَى بنِ بَراقِ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «يا عيد ما لك من شوق وإيراق»
كأنَّما حثحَثُوا حُصّاً قوادِمُهوأُمَّ خِشفٍ بذي شتٍّ وطُبَّاقِ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «يا عيد ما لك من شوق وإيراق»
حتَّى نجوتُ ولمَّا يَنزِعوا سَلَبيبوالهٍ من قنيص الشَّدِّ غَيداقِ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «يا عيد ما لك من شوق وإيراق»

وقال آخر:

فِدًى لكما رِجليَّ أمّي وخالَتيغداةَ الكلاَبِ إذ تُجنُّ الدوائرُ

وأشعارهم في هذا المعنى كثيرة. وفي الاعتذار من الفرار في حال وتحسينه في حال وتقبيحه في أُخرى أكثر من أن تحصى، وقد ذكرنا من ذلك شيئاً في هذا الموضع وفي غيره من كتابنا ونذكر فيما يستأنف بمشيئة الله وعونه.

وقال أبو خراش:

وإنِّي لأُثوِي الجوعَ حتَّى يَمَلنيفيذهب لم تَدْنَس ثيابي ولا جِرْمي
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
أردُّ شجاعَ الجُوعِ قَد تعلمينهوأُوثِرُ عبدي من عيالِكِ بالطّعمِ
مخافةَ أن أحْيَا برغمٍ وذلَّةٍولَلْموتُ خيرٌ من حياةٍ على رغمِ
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

الحجَّاج بن عثمان التجيبيّ من قبيلة تجيب:

ولي صاحبٌ ما خانَني مذ حملتُهولا كانَ إلاَّ مُسعداً لي على الدَّهرِ
شبيهيَ إرهافاً وإن كنتُ فوقهبياناً إذا ما قوبلَ الأمرُ بالأمرِ
أنستُ به من دون أهلي ولو غداضجيعيَ في قبري لما هالني قَبْري
وما خفتُ مذ يوم ارتدَيتُ نِجادَهُظلامة والٍ أو مبادهةَ الفقرِ

أخذه عبيد الله بن طاهر فقال:

وما أخذتْ كفِّي بقائك نَصلهِفحدَّثتُ نفسي بانهزامٍ ولا فرِّ

هذا معنى جيد قد تشارك فيه جماعة الشعراء، فمن أحسنهم قولاً مسلم بن الوليد في قوله:

أتَتْك المطايا تهتدي بمطيَّةعليها فتًى كالنّصل يؤنِسه النصلُ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «تعز فقد مات الهوى وانتهى الجهل»
فلمَّا انبعثنَ النُّورَ خَوَّينَ تَحتهعلى أملٍ يشجَى به اليأسُ والمَطْلُ

هذان البيتان من أحسن وصف، والبيت الأول منهما مليح التشبيه طريف المعنى في قوله: " يؤنسه النصلُ " وأتى بهذا المعنى آخر فجوَّد بقوله:

رُبَّ ليلٍ جعلتُهُ طيلسانيمؤنسي صارمي وقلب مجنِّي

ظَرُف في قوله: " قلبي مجنّي " ولا نعلم أنَّ أحداً أتى بهذا قبله وجعل ترسه قلبه، وقد أخذه بعض العلويين فقال:

قومي إذا حضرُوا الوغَىجَعَلوا الصُّدور لها مسالِكْ
الَّلابسينَ قُلوبَهمفوقَ الدُّروعِ لدفعِ ذلكْ

وإليه نظر بعضهم فقال:

يلقى السُّيوف بنحره وبصدرهويقيم هامتَه مقام المِغْفَرِ

وأتى به طاهر بن الحسين فقال:

سيفي رفيقي ومُسعدي فرسيوالكأس خدني وقينتِي أنَسِي
أربعة لا أُريد خامسةًسوى نديم عارٍ من الدنَسِ

ومثله لآخر:

مهري جواد وسيفي صارم ذكروالزّقُّ خلفي ورزق الله قدَّامِي

إنَّما أردنا من هذين البيتين أنَّه جعل سيفه رفيقه، وقال الحمدوني في هذا المعنى فجوَّد:

تستأنس الظَّلماء منه بمخذممستأنسٍ بالمشرفيِّ المِخْذَمِ

أخذه أبو تمام فقال:

مستأنسِين إلى الحتوف كأنَّهابين الحتوف وبينهم أرحامُ

وللبحتري مثله:

وما صاحبِي إلاَّ الحُسام وبزّهوإلاَّ العلنداة الأمون وكورها
للشاعر البحتري، من قصيدة «مغاني سليمى بالعقيق ودورها»

ولقد جوَّد ابن أبي زرعة الدمشقيّ في هذا المعنى بقوله:

ليس لي صاحبٌ على الهول إلاَّصاحبٌ ما يزالُ من عن يَساري
فإذا ما نسبته فيمانٍوهو في خندف قديمُ الجوارِ
أرتَضيه للحادثات فيرضاني لإيرادِه وللإصْدارِ

وذكره آخر فقال:

لي صاحبٌ لا أمَلُّ صحبتَهُلا يمَلُّ الرواء من قِبَلِي
كم من ظلام جعلتُهُ قَبَسيفيه وخطب أزاحَهُ جَلَلِ

وقال أبو زُبيد الطائي:

سأقطعُ ما بيني وبينَ ابن عامرٍقطيعةَ وصل لست أقطعُ جافيا
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
فتى يُتبع النُّعمى بنُعمَى تربهاولا يتبع الإخوان بالذّمِّ زاريا
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
إذا كانَ شكري دون فيض بنانهوطاولَني جوداً فكيف اختياليا
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

هذا معنى حسن وقد تجاذبه جماعة من الشعراء وولدوا فيه أشياء بقرائحهم نحن نذكر بعضها إلاَّ أنَّ الأصل فيه المخترع له أبو زُبيد في الأبيات الَّتي قدَّمناها، وممَّن جوَّد فيه أبو نواس بقوله:

قد قلتُ للعبَّاس مُعتذِراًمن حمل شكريه ومُعترفا
أنتَ امرؤٌ جلَّلْتَني نِعَماًأوهَتْ قُوَى شكري فقد ضَعفا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حلت سعاد وأهلها سرفا»
فإليك بعد اليوم معذرةًلاقَتك بالتَّصريح مُنكشِفا
لا تُسدِيَنَّ إليَّ عارفةًحتَّى أقومَ بشكر ما سلفَا
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «أنت امرؤ أو ليتني منناً»

وأتى بهذا المعنى دعبل بقوله:

فأُقسمُ لا عن جفوةٍ لا ولا قِلىولا مَلَل أبطأتُ عنك أبا بكرِ
ولكنَّني لمَّا أتيتُك زائراًفأفرطتَ في بِرِّي عجزتُ عن الشكرِ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة»
فمِلآنَ لا آتيكَ إلاَّ مسلِّماًأسلِّم في الشَّهرَينِ يوماً وفي الشَّهرِ
فإن زدتَني برّاً تزيَّدتُ جَفوةًفلا نلتقِي حتَّى القيامة والحشرِ

وهذه الأبيات دون أبيات أبي نواس، لأنَّ أبيات أبي نواس جيدة الألفاظ صحيحة المعنى، والَّذي أبدع في هذا المعنى حُسن لفظ واستيفاء معنى البحتري بقوله:

إنِّي هجرتك إذ هجرتك وحشةًلا العَودُ يُذهبُها ولا الإبداءُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمواهب هاتيك أم أنواء»
أخجلتَني بندى يدَيكَ فسوَّدتْما بينَنا تلك اليدُ البيضاءُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمَوَاهِبٌ هَاتِيكَ أمْ أنْوَاءُ»
وقطعتني بالجودِ حتَّى إنَّنيمتخوِّفٌ أن لا يكونَ لقاءُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمواهب هاتيك أم أنواء»
صلَة غدتْ في النَّاس وهي قَطيعةعَجَباً وبرٌّ راحَ وهْوَ جَفاءُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمواهب هاتيك أم أنواء»

وقد ردَّه البحتري أي هذا المعنى في شعر آخر وهو قوله:

إيهاً أبا الفضل شكري منك في نصبأقصِرْ فما ليَ في جدواك من أربِ
لا أقبلُ الدَّهرَ نَيلاً لا يقومُ بهشكري ولو كانَ مُسديهِ إليَّ أبي
للشاعر البحتري، من قصيدة «إليك ما أنا من لهو ولا طرب»

ولئن كان لأبي زُبيد فضيلة السبق وجودة الاختراع فإنَّ للبحتري حسن اللفظ واستيفاء المعنى، بل هو أحقّ بهذا المعنى من كلِّ من أتى به من المتقدمين والمحدثين. ومن جيد ما قيل في هذا المعنى أيضاً قول مسلم ابن الوليد:

ولِي صاحبٌ ما زالَ يُصبح رِفدَهُويُمسِي بلا منٍّ عليَّ ولا كِبْرِ
رأَى أنَّ شكري مستقلٌّ ببذلهفرَبَّ بعَودٍ لا بكيٍّ ولا نَزْرِ
متى أشكر النُّعمى وسَهلٌ يَرُبُّهاسيعجزني لا من جُحودٍ ولا كُفرِ

وقد أخذ معنى أبي نواس والبحتري بعض الشعراء فقال:

إذا كنتَ قد قلَّدتني لك منَّةوحمَّلتَ نُعمى لا أُطيقُ بها نَهْضا
فدَعني أُخفِّفُ ثقلَها بتشكُّريلعلَّ اضطلاعي بالتَّشكُّر أن يقضا
وما غبتُ عن عينيكَ مذ غبتُ عن قِلىولا كانَ إغفالي زيارتكم رَفْضا
بلَى جزتَ حدّ البرّ حتَّى فضَضْتَ عنكتاب احْتشامي خاتماً لم يكن فُضَّا
فإن زدتَني برّاً تزيَّدتُ جفوةًفلا نلتقي ما أمطرتْ مزنَةٌ أرضَا

وهذه الأبيات لفظ دعبل برمَّته وأخذ هذا المعنى وأتى به وزاد فيه قليلاً بقوله:

فإن يكُ أربَى شكري على ندىأُناسٍ لقد أرْبَى نداه على شكري

زيادته في هذا المعنى والبيت أنَّه ذكر أنَّ شكره قد أربى على ندى أقوام، وإنَّ ندى هذا الممدوح قد أربى على شكره، وقد نظر البحتري أيضاً إلى هذا المعنى في مكان آخر فقال:

كلَّما قلتُ أعتقَ المدحُ رقِّيرجعتْني له أياديه عبدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «بت أبدي وجدا وأكتم وجدا»

ولسعيد بن هاشم الخالديّ في هذا المعنى قوله:

ووالله ما عارضتُ جودَك ساعةًبشعري إلاَّ كانَ اشعر من شعرِي
للشاعر أبو عثمان الخالدي، اقرأ القصيدة
كأنَّ عطاياك الجسيمة أقسمَتْبأنِّي لا أنفكُّ مهتضم الشكرِ
للشاعر أبو عثمان الخالدي، اقرأ القصيدة

وقد ذكر جماعة من الشعراء أنَّ الشكر يوازي النعمة، فإن زاد شكر على النعمة كان أفضل منها، وإن كان مثلها لم يكن لأحدهما فضل على الآخر، ومن ذلك قول مسلم بن الوليد، وهذه القطعة الَّتي نذكرها من المعاني المخترعة الجياد، وهي قوله:

سبقتَ بمعروف فصلى ثنائِيافلمَّا تمادَى جرْيُنا صِرتَ تالِيا
أبا حسنٍ قد كنتَ قدَّمتَ نعمةوألحقتَ شكراً ثمَّ أمسكتَ عانِيا
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «سبقت بمعروف وصلى ثنائيا»
فلا ضيرَ لم يلحقك منِّي ملامةٌأسأتَ بنا عَوداً وأحسنتَ بادِيا
فمِلآنَ لا يغدو عليك مدائحيجوازي نُعمى قد نَضَت أو رواجِيا
لعلَّك يوماً أن تُسيءَ بصاحبٍفتذكُرَ إحساني به وبلائِيا
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «سبقت بمعروف وصلى ثنائيا»

ما نعرف في معنى هذه الأبيات مثلها إلاَّ أنَّ عبد الصمد بن المعذَّل حذا حذوها وتناول معانيها فقال:

برزَ إحسانُك في سبقهثمَّ تلاهُ شُكر لاحقُ
حتَّى إذا امتدَّ المدَى بينَناجاء المصلّى وهو السابقُ
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

هذا معنى مسلم بعينه، ومعنى هذين الشعرين أنهما أرادا أنَّ هذا المعطي تقدَّمت عطيَّته وثنى الشاعر بالشكر، ثمَّ إنَّ الشاعر تابع شكره وقطع المعطي عطيَّته فصار الشكر نامياً زائداً وصار المعطي المبتدئ متخلِّفاً تالياً. ألا ترَى أنَّ مسلماً قال: " فلمَّا تمادَى جريُنا صرتَ تالِيا " أي لمَّا أقمتُ أنا على الشكر وقطعت أنت النعمة سبقتُ أنا وصلَّيتَ أنت، وكذلك أيضاً قال ابن المعذّل: " حتَّى إذا امتدَّ المدَى بيننا جاء المصلّى وهو السابقُ " والدليل على صحة قولنا إنَّ مسلماً قال:

فأقسمتُ لا أُجزيكَ بالسُّوءِ مثلهكفَى بالَّذي جازَيْتَنا لك جازِيا
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «سبقت بمعروف وصلى ثنائيا»

هذا دليل واضح فمسلم وابن المعذّل جعلا الشكر ثمناً للبرّ، وإذا انقطع عنهما البرّ قطعا الشكر، وممن فضَّل البرّ على الشكر الشاعر بقوله:

بأبي شكري قليلوأياديك كثيرَهْ
لم يقلْ فيكَ لسانِيقطّ فاستوفَى ضميرَهْ

وممَّن فضَّل الشكر على النعمة الأخطل بقوله:

أبني أميةَ إن أخذتُ كثيرَكمُدون الأنام فما أخذتم أكثَرُ
أبني أميةَ لِي مدائحُ فيكمتُنسَوْنَ إن طالَ الزَّمان وتُذكرُ

ويروى أن ابنة زهير بت أبي سلمى حضرت موضعاً فيه ابنة هرم بن سنان، فقيل لها: هذه ابنة زهير، فقالت لها: أخذ أبوك من أبي أموالاً جمَّةً، فقالت لها ابنة زهير: أخذ أبي مالاً يفنَى وأعطَى أباك ذكراً يبقَى وثناء يروَى، فقطعتها، والَّذي قيل في الشكر أكثر من أن يحويه كتاب أو يدركه إحصاء وإنَّما ذكرنا في هذا الموضع منه ما روينا وأثبتنا ما عرفناه وتجنَّينا الكثير المشهور والمستفيض المعروف.

وقال بشامة بن عمرو بن هلال، وهو خال زهير:

هجرتَ أُمامةَ هجراً طويلاوأعْقَبك النَّأيُ عِبئاً ثقيلا
وحُمِّلتَ منها على بُعدهاخَيالاً يُوافي قليلاً قليلا
ونظرةَ ذي شجَن وامِقِإذا ما الركائبُ جاوزنَ مِيلا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»
أتَتْنا لتُسائلُ عن بثّنافقلنا لها قد عَزَمْنا الرَّحيلا
فبادرَتاها بمُسْتعجلمن الدمع ينضَحُ خدّاً أسِيلا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»
وما كانَ أكثر ما تولَّتْمن القَول إلاَّ صِفاحاً وقيلا
وقرَّبتُ للرَّحل عَيرانَةًعُذافِرةً عنتَريساً ذمُولا
مُداخلَةَ الخَلق مضبورةًإذا أَخذَ الخافقاتُ المقِيلا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»
إذا أقبلتْ قلتَ مَذعورةًمن الرُّبد تلحق هيقا ذَمُولا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»
وأن أدبرت قلت مشحونةأطاعَ لها الرِّيحُ فَلْغا جَفُولا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»
كأنَّ يدَيها إذا أرقلتْوقد جرت ثم اهتدينا للسبيلا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»
يدَا عائم خرَّ في غَمرةٍفدَاركه الموتُ إلاَّ قلِيلا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»
وحُبرْتُ قومي ولم ألْقَهُمأَجدُّوا على ذي شُوَيس جلُولا
وإمَّا هلكتُ ولم آتِهِمْفأبلِغْ أَمائلَ سَهمٍ رَسُولا
بأنْ قومُكم خُيِّروا خصلَتَيْنِ كلتاهما جعلوها عدُولا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»
فخِزيُ الحياة وخِزي المماتِوكلا أراه طعاماً وبِيلا
فإلاَّ يكنْ غيرُ إحداهُمافسِيروا إلى الموتِ سيراً جمِيلا
ولا تَقعدوا وبكم منَّةٌكفَى بالحوادثِ للمرءِ غُولا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»
وحُشُّوا الحروبَ إذا أُوقدَتْرِماحاً طوالاً وخَيلاً فحُولا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»
ومِن نَسج داؤد موضونةًترَى للقواضيبِ فيها صليلا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»

أما قوله في سير الناقة: " كأنَّ يديها إذا أرقلت " البيت، وقوله: " يدا عائم " البيت فمعنى جيد نادر، وقد أكثرت الشعراء في سرعة السير ونحن نذكر ممَّا قالوا ههنا طرفاً إن شاء الله، فمن ذلك قول الشاعر:

كأنَّ يديها إذا أرقلَتوصام النَّهارُ يدَا ملتدم

ومن جيد ما قيل في سرعة أيدي الإبل ما يروى لبعض شعراء الموصل:

كأنَّما طيّ الطَّريق الأطولما بين أَيديها وبين الأرجُلِ

طيّ كتاب في يدَي مستَعجل

وقال رؤبة:

كأنَّ أيديهنَّ بالقاعِ القَرِقْأيدي جوارٍ يتناهَبْنَ الورِقْ

وقال المثقَّب العبديّ:

كأنَّما رجعَ يدَيها إلىحَيزومِها فوقَ حصَى الجَدْجَدِ
نوحُ ابنة الجَون على هالِكتندُبُه رافعة المجلدِ
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «هل عند غان لفؤاد»

وقال الآخر:

كأنَّ يدَيها حين يقلق ظفرهايدَا نَصَفٍ غَيْرَى تعذَّرُ مِن جُرْمِ

ومثل هذا البيت قول الآخر:

كأنَّ يديها إذا أرقلتْيدا ذاتِ ضِغن تريغ السباما

وقال جرير:

كأنَّ العرمس الوجناء منهاعجول خرمت عنها صِدارا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ألم تسأل بعارمة الديارا»

ومن أجود ما قيل في هذا المعنى قول ابن أحمر:

إذا بركتْ خوَّتْ على ثَفِناتِهامجافيةً صُلباً كقنطرة الجسرِ
للشاعر ما قيل في الناقة والقوافل، من قصيدة «إذا بركتْ خوَّتْ علَى ثَفَناتها»
كأنَّ يدَيها حين جدَّ نجاؤُهاطريدان والرِّجْلانِ طالِبَتا وِتْرِ

ولا نعرف في سرعة المشي أجود من هذين البيتين، وقال آخر:

كأنَّ يدَيها يدَا ماتِحٍمُدِلٍّ إلى يوم وردٍ ورودا
يخاف العقابُ وفي نفسِهإذا هو أصدَرَ ألاَّ يَعُودا

وقال آخر:

كأنَّ ذراعَيها ذراعا بذيةمفجّعةٍ لاقَتْ حلائلَ عنْ عُفْرِ
سمِعنَ لها واسْتَفْرَغَت في حديثهافلا شيء يَفري باليدين كما تَفْرِي

ومثله:

كأنَّ ذراعَيها ذراعا مُدلَّةٍبعيد السِّبابِ حاولَتْ أن تعذرا
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «أتعرف رسما دارسا قد تغيرا»

وقال آخر:

كأنَّ ذراعَيها وقد خبطت بهوجوهَ الدُّجَى والبيد كفَّا مُلاطِمِ

وقال آخر:

عفرناةٌ كأنَّ سدى يدَيهاإذا شُنِقَت وأوجعَها القَفارُ
يدا نوَّاحة ثكلت أباهاتشقَّقَ عن ترائبها الصِّدارُ

آخر:

كأنَّ أيديَهُنَّ في المَوْماةِأيدي عذارَى بين مُعوِلاتِ

ومثل هذا البيت الأخير:

كأنَّ يدَيها حين جدَّ نجاؤهايدا معوِلٍ خرقاء تسعد مأتَمَا
تُرائي الَّذين حولَها وهْيَ ليهارخِيّ ولا تبكي بشجو فَتيلما

يقول في هاتين القطعتين إنَّ هذه الباكية غير حزينة ولكنَّها ترائي من هبل، وهو اشد لتحريك يديها لتُشكر على ذلك وإن كان قلبها خليّاً من توجع المصيبة، وشبيه بهذا المعنى الَّذي تكلمنا عليه، لا الأول، قول بعض شعراء العرب يذكر النوائح، وإنَّ بكاءهنَّ ولطمهنَّ الصدور والخدود مُراءاةً لا لفجيعة، وهو:

وهيَّج وجد الناعجات عشيَّةنوائحُ أمثالُ النعامِ النوافِرِ
بكى الشجو ما دون اللَّهَى من حلوقهاولم يبكِ شجواً ما وراءَ الحناجِرِ

وما يعرف في ذكر النوائح أحسن من هذا ولا أبدع إصابة معنى وجودةَ لفظ، ومن المعنى الأول في سرعة السير قول الشاعر:

قطعت قيعانها بقلقلِهْتلعب في البيدِ بالحصَى يدُها

وقال أبو نواس:

ما رِجلُها قفَا يدِهارِجْلُ وليدٍ يلهو بدبُّوقِ

وقال آخر:

خُوص نواجٍ إذا صاحَ الحُداةُ بهارأيتَ أرجُلَها قدَّامَ أيدِيها
للشاعر القصافي، اقرأ القصيدة

وهذا البيت من الإغراق المتفاوت، وهو من أحسن ما نعرف في هذا الباب، وقد ذكرنا من هذا المعنى شيئاً وبقيت أشياء تأتي إن شاء الله.

حاول الشعراء أن يأتوا بمثل قول النبي ﷺ في البراق وهو يضع حافره منتهى بصره، فما بلغوه.

قال الشنفرى من قصيدة:

لعمرك ما بالأرضِ ضيقٌ على امرئٍسرَى راغباً أو راهباً وهْوَ يعقِلُ
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدورَ مطيَّكمْ»
إذا مُدَّتِ الأيدي إلى الزَّادِ لم أكنْبأعجَلِهم إذا أجشَعُ القومِ أَعجلُ
وما ذاك إلاَّ بسطةٌ من تطوّلٍعليهم وكانَ الأفضلَ المتطوِّلُ
وأستفُّ تُربَ الأرض كي لا يرَى لهعليَّ من الفضلِ امرؤٌ متفضِّلُ
ولولا اتّقاء الذّلّ لم يلف مَشربٌيُعاشُ به إلاَّ لدَيَّ ومأكَلُ
ولكنَّ نفساً حرَّةً لا تُقيمُ بيعلى الخَسفِ إلاَّ رَيثما أتحوَّلُ
وفي الأرضِ منأى للكريمِ عن الأذَىوفيها لمَن رامَ القِلَى متعزَّلُ
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»

وهذه القصيدة كثيرة المحاسن، وقد قدمنا ذكر شيء منها في صدر كتابنا هذا، ونحن نذكر منها بعد هذا الاختيار أشياء أُخر في مواضعها.

أما قوله: " ولكن نفساً حرَّة " البيت، " وفي الأرض منأى " البيت، فهو معنى قد أكثرت الشعراء فيه، ونحن نذكر منه شيئاً، والأصل في هذا امرؤ القيس بقوله:

وإذا أُذيتُ ببلدة ودَّعتُهاإذ لا أُقيمُ بغير دار مُقامِ
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة

فأخذه لبيد فقال:

أو لم تكن تدري نوار بأنَّنيوصَّالُ عقد حبائلٍ جذامُها
نزَّالُ أمكنةٍ إذا لم أرْضَهاأو يعتلِق بعض النُّفوس حِمامُها

وقال جرير:

وإنِّي لعفّ الفَقر مُشتركُ الغِنَىسريعٌ إذا لم أرضَ داري احتماليا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي رهبى ثم حي المطاليا»

وقال أوس بن حَجَر:

أُقيمُ بدار الحزم ما دام حزمُهاوأحرِ إذا حالَت بأنْ أتحوَّلا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «صحا قلبه عن سُكره فتأملا»

وقال:

احذَرْ محلَّ السوءِ لا تحلُلْ بهوإذا نبَا بكَ منزلٌ فتحوَّلِ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «تمشي النعام به خلاء حوله»

ويروى أنَّ هبنَّقة القيسي، الَّذي يحمَّق، سمع منشداً ينشد هذا البيت، فقال: أخطأ القائل، قيل له: ولِمَ؟ قال: لأنَّ أهل السجون قد نبا بهم منزلهم ولا يقدرون على التحوّل، ولكنَّ الصَّواب أن يقول:

إذا كنت في دارٍ يهينك أهلُهاولم تكُ مكبولاً بها فتحوَّلِ

وقد أتى الراعي بهذا المعنى فقال:

لا خير في طولِ الإقامة لفتَىإلاَّ إذا ما لم يجد متحوّلا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «صدقت معية نفسه فترحلا»

وقال آخر:

أُقيمُ بالدَّار ما اطمأنَّت بي الدَّارُ وإن كنتُ نازعاً طربا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
وأيُّ أرض نبت بي الدَّارُ عجَّلْتُ إلى غير أهلها الهربا

قال آخر:

ودار هوان أنفتُ المقامبها فحللتُ محلاً كريما

وقال مسكين الدارميّ:

أُقيمُ بدار الحيّ ما لم أُهَنْ بهاوإنْ خفتُ من دارٍ هواناً تركتُها

آخر:

وكنتُ إذا دارٌ نبَتْ بي تركتهالغيري ولم أقعدْ على شرِّ مقعدِ

آخر

فإن تُنصِفونا يالَ مروانَ نقتربْإليكم وإلاَّ فأذَنُوا ببعادِ
فإنَّ لنا عنكم مراحاً ومرحلابعيس إلى ريح الفلاةِ صوادِي
وفي الأرض عن دار القلى متحوّلوكلّ بلاد أوطِئَتْ كبلادِي

وقال عبد الله بن الحسن:

فإن بنتِ عنّي أو تُرد لي إهانةًأجِدْ عنكِ في الأرض العريضة مذهبا
للشاعر عبيد الله الجَعفي، اقرأ القصيدة
فلا تحسبنَّ الأرض باباً سدَدْتهِعليَّ ولا المصرَين أُمّاً ولا أبا
للشاعر عبيد الله الجَعفي، اقرأ القصيدة

آخر:

لا خيرَ في بلد يُضام نزيلُهوعن الهوان مذاهب ومنادِحُ

آخر:

فإن بلدة أعيا عليَّ طلابُهاصرفتُ لأخرى رحلتي وركابي

آخر:

فإذا الديار تنكرتْ عن أهلهافدعِ الديارَ وأسرعِ التحويلا
ليس المقامُ عليك حَتماً واجباًفي منزل يدعُ العزيزَ ذليلا

وقال أبو تمّام الطائي:

فإن صريح الرأي والحزم لامرئٍإذا بلغتْهُ الشمسُ أن يتحوَّلا

وقال سعيد بن هاشم الخالديّ:

غيري أقامَ بدار مَضْيعَةٍولسانهُ عَضْبٌ ومُنصَلهُ

وقال آخر:

إذا ما الرَّقتانِ تجافيانيفما الدُّنيا عليَّ الرقَّتان
سيُنصفني صديق من صديقٍويحملني مكانٌ عن مكانِ

آخر:

وقد عَجَنتْ منّي الخطوبُ ابنَ حُرَّةِمتى ما مرَتْه منزلَ السوء يرحلِ

هذا الباب متَّسع، وقد ذكرنا منه ها هنا قطعة صالحة إلى أن نحتاج إلى ذكر شيء منه بعد هذا الموضع فنذكره.

قال العوَّام بن عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سُلمى:

وخُبِّرتُ ليلى بالعراقِ مريضةفأقبَلْتُ من مصرٍ إليها أعودُها

هذا البيت تناحرَ الشعراء فيه:

فوالله ما أدري إذا أنا جِئْتُهاأأبْرِئها من دائها أم أزيدُها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يقولون ليلى بالعراق مريضة»
ألا ليتَ شعري هل تغيَّرَ بعدَناملاحةُ عَينَي أمّ يحيَى وجيدُها
للشاعر العوام بن عقبة، اقرأ القصيدة
وهل أخلقَتْ أثوابُها بعد جدَّةألا حبَّذا خُلقانُها وجديدُها
للشاعر العوام بن عقبة، اقرأ القصيدة
خليليَّ قوماً بالعمامةِ واعصباعلى كبدٍ لم يبق إلاَّ عميدُها
للشاعر العوام بن عقبة، اقرأ القصيدة
ولن يلبث الواشون أن يصدعوا العصاإذا لم يكن صلباً على البرْيِ عودُها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا عمرو كم من مهرة عربية»
لقد كنتُ جلْداً قبل أن توقِدَ النَّوىعلى كبدي ناراً بطيئاً خُمودُها
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
ولو تُرِكتْ نارُ الهوَى لتضَرَّمتْولكنَّ شوقاً كلَّ يوم يزيدُها
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
وقد كنت أرجو أن تموتَ صبابتيإذا قدُمَتْ آياتُها وعهودُها
للشاعر العوام بن عقبة، اقرأ القصيدة
فقد جعلَتْ في حبَّةِ القلب والحشاعِهادُ الهوَى تولي بِشوق يزيدُها
للشاعر العوام بن عقبة، اقرأ القصيدة
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى أزورهاأرى الأرض تُطوى لي ويدنو بعيدُها
للشاعر العوام بن عقبة، اقرأ القصيدة
من الخفرات البيض ودّ جليسُهاإذا ما قضَتْ أُحدوثة لو تعيدها
للشاعر العوام بن عقبة، اقرأ القصيدة
خليليّ إنِّي اليوم شاكٍ إليكماوهل تنفع الشكوى إلى من يزيدُها
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «خليلى إنى اليوم شاك إليكما»
حَزازات شوق في الفؤاد وعَبرةًأظلُّ بأطراف البنان أذودُها
للشاعر العوام بن عقبة، اقرأ القصيدة
وتحت مجال الدمع حرّ بلابلمن الشوق لا يُدعى لخطبٍ وليدُها
للشاعر العوام بن عقبة، اقرأ القصيدة
نظرتُ إليها نظرةً ما يسرُّنيبها حُمرُ أنعام البلاد وسودُها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لقد هجرت سعدى وطال صدودها»
إذا جئتُها وسطَ النساء منَحتُهاصدوداً كأنَّ النفس ليس تريدُها
للشاعر العوام بن عقبة، اقرأ القصيدة
ولي نظرةٌ بعدَ الصدود من الجوىكنظرة ثكلى قد أُصيبَ وحيدُها
للشاعر العوام بن عقبة، اقرأ القصيدة
رفعتُ عن الدُّنيا المُنى غير وجههافلا أسألُ الدُّنيا ولا أسْتزيدُها
للشاعر العوام بن عقبة، اقرأ القصيدة

هذه الأبيات من جيد غزل الأعراب ونادره، وفيها أشياء لها نظائر نحن نذكر بعضها، فمن ذلك قوله: " وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي " البيت، وقوله " فقد جعلت في حبة القلب والحشا " البيت، وهذا المعنى جيد، يقول: كنت أرجو أن تموت صبابتي إذا تطاولت الأيام، فلما اشتدت وتطاولت زادت صبابتي، وشبيه بهذا قول الشاعر وهو عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:

وعلَّقت ليلى وهي ذات ذؤابةترُدُّ علينا بالعشيّ المراميا
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «وعلقت ليلي وهي ذات ذؤابة»
فشاب بنو ليلى وشاب بنو ابنهاوهذي بقايا حبّ ليلى كما هيا
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «وعلقت ليلي وهي ذات ذؤابة»

وقال آخر مثله:

فشاب بنو ليلى لِصُلبي وأدركواوشاب بنوهم وهي مالكة قلبي

فأما قوله: " وكنت إذا ما جئت ليلى أزورها " البيت، فقد أخذه أبو نواس فقال:

قالت لقد أبْعدَ المسرى فقلتُ لهامن عالج الشوقَ لم يستبعد الدَّارا

ومثله قول الآخر:

وإذا أتَيتك زائراً متشوقاًقصر الطريقُ وطال عند رجوعي

وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: قلتُ لزهراء الأعرابية: كم بيننا وبين منزلك؟ فقالت:

أما على كسلانَ وانٍ فنازِحوأما على ذي حاجة فقريبُ

وأما قوله " من الخفرات البيض " البيت، فأحسنُ ما قيل في معناه، وقد تركنا نظائر كثيرة له في صدر هذا الكتاب ونحن نذكر ههنا شيئاً مما لم نذكره هناك، فمن ذلك قول الشاعر:

كأنَّما عسَل رجعانُ منطقهالو أن رجع كلام يُشبه العسَلا

آخر:

وإنّا لَيَجْري بيننا حين نلتقيحديثٌ له وشيٌ كوشي المطارفِ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وإنا ليجري بيننا حين نلتقي»
حديث كوقع القَطر في المحل يَشتفيبه من جَوى في داخل القلب شاغفِ

بشار:

ولها مضحكٌ كغرّ الأقاحيوحديث كالوشي وشي البرودِ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «اشفعي لي صريم عند الكنود»
نزلَتْ في السواد من حبَّة القَلْبِ ونالت زيادة المستزيدِ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «نزلت في السواد من حبة القلب»

ذو الرمّة:

ونِلْنا سِقاطاً من حديث كأنّهجنى النَّخل ممزوجاً بماء الوقائعِ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا عوجة»

آخر:

لها بشَرٌ مثل الحرير ومنطقٌرقيقُ الحواشي لا هُراءٌ ولا نَزْرُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا دار مي على البلي»

وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ:

وحديثٍ بمثله تنزِلُ العُصْمُ رخيمٍ يشوبُ ذلك حِلْمُ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «طال ليلى واعتادني اليوم سقم»

النابغة:

لو أنَّها عرضَتْ لأشمطَ راهبٍعبد الإلهَ صرورة مُتعبِّدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»
لَرنا لبهجَتها وحُسن حديثِهاولَخالهُ رُشْداً وإن لم يرشُدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

كثيّر عزّة:

وأدنَيتني حتَّى إذا ما اسْتبيتنيبقول يُحِلّ العُصمَ سهلَ الأباطحِ
تباعدتِ عنّي حينَ لا ليَ ملجأٌوخلّيت ما خلّيت بين الجوانحِ

آخر:

ظللنا بيوم عند أمّ محلّمنشاوى ولم نشرب طلاءً ولا خَمْرا
إذا صمتت عنا أذنّا بصَمتهاوإن نطقت هاجت لألبابنا سُكرا

آخر:

وترى لها دلاًّ إذا نطَقتْتركَتْ بناتِ فؤاده صُعْرا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا عمر حم فراقكم عمرا»
كتساقُط الرُّطَبِ الجَنيِّ من الأفناءِ لا نثراً ولا نزرا
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة

ولأعرابي:

يا رُبّ عيشٍ بالشباكِ رغدِمن تمْرٍ بَرْنيٍّ وزُبْدٍ جَعْدِ
وفتيات صادقاتِ الوعدحديثهُنَّ مثل طعم الشُّهْدِ

أبو حيَّة النّميري:

حديث إذا لم نخش عيناً كأنَّهُإذا ساقطَتْهُ الشهدُ بل هو أطْيبُ
لوَ انَّك تَستشْفي به بعدَ سكرَةمن الموتِ كادتْ سكرةُ الموتِ تذهبُ
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

وقال الأخطل:

وقد تكونُ بها سلمى تحدِّثُنيتساقُطَ الحَلْي حاجاتي وأسْراري
للشاعر الأخطل، من قصيدة «تغير الرسم من سلمى بأحفار»

جرانُ العَود:

حديثاً لوَ أنَّ اللحم يولى ببعضهغريضاً أتى أصحابَه وهو منضجُ

أبو حيّة النميريّ:

إذا هنَّ ساقَطْنَ الحديثَ كأنَّهسقاط حَصَى المرجان من كفِّ ناظمِ

وشبيه بقول الأعرابيّ:

نظرتُ إليها نظرةً ما يسرُّنيوإن كنت مسكيناً بها ألف درهَمِ

وهذا الأعرابيّ على ضعفه ومسكنته كانت نظرته إلى من يحبّ أكثر عنده من ألف درهمٍ.

وقال كعب بن زهير:

لأيّ زمانٍ يخبأُ المرءُ نفعَهُغداً فغداً والدهرُ غادٍ ورائِحُ
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «لأي زمان يخبأ المرء نفعه»
إذا المرءُ لم ينفعكَ حيّاً فنفعهُقليلٌ إذا رُصَّتْ عليه الصفائحُ
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «لأي زمان يخبأ المرء نفعه»

الأصل في هذا المعنى قول الحطيئة:

لا أحسبنّك بعد الموتِ تَنفعنيوفي حياتي ما زوَّدتني زادي

ومن أمثالهم في هذا قولهم: لأيِّ يوم يخبأُ المرءُ السعة، ومثل هذا قول الشاعر:

إنِّي أُريدك للدنيا وزينتهاولا أريدك يوم الدين للدِّينِ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حتى متى ليت شعري يا ابن يقطين»

آخر:

كلانا غنيّ عن أخيهِ حياتَهُونحنُ إذا مِتنا أشدُّ تغانِيا
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «وعين الرضا عن كل عيب كليلة»

آخر:

إذا فاتني نفعه في الحياةِفلستُ أؤمِّلُه في المعادِ

آخر:

إذا فاتَ في الدُّنيا الَّذي بك أرتجيفنفعكَ عنِّي في المعاد قليلُ

آخر:

وإذا لم يُرجَ للدُّنيا فتًىفبعيد أن يرجَّى للمعادِ

آخر:

إذا كان في الدُّنيا رجاءك شاسعاًففي الحشر يغدو وهوَ أنْأى وأشسعُ

أعرابيّ:

ولستُ كمن لم يركب الهولَ بَغْتةًوليس لرحْلٍ حطَّهُ الله حاملُ
إذا أنتَ لم تُعرِضْ عن الجهلِ والخناأصبْتَ حليماً أو أصابكَ جاهِلُ
للشاعر أوس بن حجر، اقرأ القصيدة

وقال ابن مقبل:

يهزُزْنَ للمشي أعطافاً منعَّمةًهزَّ الرِّياح ضُحًى أغصانَ يَبْرينا
يمشين مثل النَّقا مالت جوانبهُينهالُ حيناً وينهاه الثرى حينا

هذا من جيد ما قيل في المشي وقد ذكرنا قطعة من هذا النوع فيما تقدم، ونحن نذكر ههنا أشياء أخر لم نذكرها قبل هذا الوقت، بل نذكر أموراً شتى من أمور مشي النساء والرجال على ضروب مختلفة مثل مشي السكران وغيره، إذ كان قصدنا أن نعدِّد في هذا الكتاب قطعة في كل نوع من أنواع الشعر. فمن أحسن ما نعرف، وهو أحق بالتقديم لجودة ألفاظه ورقّة معانيه وإحكام بنيته، أبياتٌ لمسلم بن الوليد يذكر فيها مشي امرأة، ولا نعرف في هذا المعنى أحسن من هذه الأبيات، وهي:

مريضةُ أثناء التَّهادي كأنَّماتخافُ على أحشائِها أنْ تقطَّعا
تسيبُ انْسِيابَ الأيْمِ أخْصرَهُ النَّدىفرفَّعَ من أعطافه ما ترفَّعا
تأمّلتها مغبرَّة وكأنَّمارأيتُ بها من سُنَّةِ البدرِ مطْلَعا
إذا ما ملأتَ العينَ منها ملأتَهامن الدَّمْعِ حتَّى تنزفَ الدمعَ أجْمعا

لولا أنّا شرطنا ألا نقدّم في هذا الكتاب إلاَّ أشعار المتقدمين ثمَّ نأتي بعد ذلك بالنظائر للمحدثين والمتقدمين، لكان سبيلنا أن نجعل هذه الأبيات الإمام في هذا المعنى لجودة ألفاظها وصحة معانيها وأنَّها واسطة القلادة في هذا المعنى والمعاني في صفة المشي كثيرة التصرّف، فمن الشعراء من شبه المشي بتحريك الأغصان، ومنهم من ذكر ذلك بانسياب الحية، ومنهم من وصفه بمرور السحاب، إلى أشياء من التشبيهات كثيرة، ونحن نذكر من كل هذه الصفات والتشبيهات ما يعنّ لنا بحول الله وقوته.

العَرْجيّ:

يمشي كما حرّكت ريحٌ يمانيَةٌغُصْناً من البانِ رطباً طلَّه الرِّهَمُ

وإلى هذا نظر البحتري في قوله:

تهتز مثل اهتزاز الغصن أتْعَبهمرور غيث من الوسميّ صحّاحِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألمع برق سرى أم ضوء مصباح»

وقال ذو الرمّة:

مشَين كما اهتزّتْ رِماحٌ فسفَّهتْأعاليَها مرضى الرياح النَّواعِمِ

آخر:

تأوّدنَ لمّا أن تهادَين نحوناكما حرَّكتْ ريح العشياتِ خروعا

آخر:

يمشين مشي قطا البطاح تأوُّداًقُبَّ البطون رواجحَ الأكْفالِ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «هلا سألت معالم الأطلال»

وأول من شبه مشي المرأة بمشي السكران امرؤ القيس بقوله:

وإذْ هي تمشي كمشي النَّزيف يصرَعُه بالكثيبِ البُهُرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

وشبهه المنخل اليشكري بمشي القطاة فقال:

ودفعتها فتدافعتمشي القطاة إلى الغديرِ

وقال ابن ميَّادة:

إذا الطّوالُ سَدَونَ المشيَ في خطَلقامت تَزيكُ قواماً غير ذي أوَدِ
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
تمشي ككُدرية في الجوف واردةٍتهدي سروبَ قطا يَسْرين للثَّمَدِ
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

آخر وهو جران العَود:

فلمّا رأين الصبحَ بادرن ضوءهرسيم قطا البطحاء أو هنّ أقطَفُ

آخر:

وكأنهنَّ إذا أردن خُطايقلَعْنَ أرجلَهنَّ من وحَلِ

البحتريّ:

لما مشين بذي الأراك تشابهَتْأعطافُ قضبان به وقدودِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «شغلان من عذل ومن تفنيد»

آخر:

وبيض تطَلّى بالعبير كأنَّمايطأن ولو أعنَقن في جدَدٍ وَحْلا
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

هذا بيت جيد في هذا المعنى، لأنه لم يرضَ أن يجعلها تمشي في الجَدَد، وهو السهل المستوي من الأرض، حتَّى قال: كأنها تطأ الوحل وإن هي أسرعت في مشيها.

آخر:

خرجت تأطَّر في الثياب كأنّهاأيْم يسيب على كثيبٍ أهْيَل
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ودع لبابة قبل أن تترحلا»

وصفها بالتثني والمتثنِّيةُ لا تكون إلاَّ بطيئة المشي، والتأطّر: التثنّي، يقال أطرت الغصن: أي ثنيته، قال كثيّر:

تأطَّرْنَ حتَّى قلت لسْنَ بوارحاًوذُبنَ كما ذابَ السديفُ المُسَرْهَدُ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تمشي الهوينا إذا مشت فضلا»

آخر:

يزجين بكراً يُنْهِجُ الرَّيط مشيُهاكما مار ثعبان الغضا المتدافِعُ

فأما أول من شبه المشي بمشي السكران للتَّثني والانعطاف فامرؤ القيس في قوله:

وإذ هي تمشي كمشي النّزيفِ يصرعه بالكثيبِ البُهُرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

أخذه مضرس الفقعسيّ فقال:

تساكَر سلمى من سجية مشيهاوما سكر سلمى من طلاء ولا خَمْرِ
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة

وقال الشماخ:

تَخامَصُ عن برد الوشاح إذا مشَتْتخامُصَ حافي الخيل في الأمعز الوجي
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «ألا ناديا أظعان ليلى تعرج»

أخذه جرير فقال:

إذا ما مشَت لم تبتَهرْ وتأوَّدتْكما انْآدَ من خيل وجٍ غير مُنعَلِ

وشبه عبد بني الحسحاس مشي النساء بتدافع السَّيل فقال:

تهادى سيل جاء من رأس تلعةإذا ما علا صَمْداً تفرَّعَ واديا

أخذه حميد بن ثور فقال:

فجاءتْ تهادى مِشيةً مرجَحِنَّةتهادِيَ سيلٍ قد مضى وتصرَّما

وقال مسلم في صفة مشي السكران:

دارت عليه فزادت في شمائلهلين القضيب ولَحْظَ الشادن الفَردِ
مشَتْه لما تمشَّت في مفاصلِهلعبَ الرياح بغُصن البانة الخضِدِ

أخذه خالد الكاتب فقال:

وولَّى وفعل السكر في حرَكاتهِكفعل نسيم الريح في الغصن الغضِّ

فأما وصف مشية السكران على غير هذا المذهب فمثل قول الشاعر:

اسْقِني بالكبير يا سعدُ حتَّىأحسب النَّاس كلَّهم لي عبيدا
وأراني إذا مشيتُ كأنِّيأعدل الأرضَ خشية أن تميدا

أخذه الآخر فقال:

وما زلت أشرب حتَّى اعتمدتعلى الأرض أعدلُها أن تميلا

ومن جيد ما قيل في هذا المعنى قول الآخر:

سقاني هذيلٌ من شرابٍ كأنَّهدمُ الجوف يستدعي الحليمَ إلى الحَبْلِ
فما زلتُ أسْقى شربةً بعد شربةلعمرك حتَّى رُحتُ متَّهم العَقْلِ
خرجت أجوب الأرضَ أركُلُ متنَهاإذا هي مالت بي فيعدلُها رَكْلي
يقدمني طوراً أمامي قاصداًويركض مشي القهقرى مرةً رِجلي
ترى عيني الحيطانَ حولي كأنَّهاتدور ولو كلَّمتَني قلتَ ذو خبلِ
فلا العين تهديني وبالرجل ما بهافلأياً بلأيٍ ما بلغت إلى أهْلي

آخر:

وذي غَيَد لم يدرِ ما الخمر قبلَهاسقيناه حتَّى صار قيداً له السُكْرُ

قد ذكرنا شيئاً من ضروب المشي، وإنّما ذكرنا من كل شيء ليسيرا كما شرطنا، ولو أردنا أن نأتي بما قيل في جميع الفنون بأسره لطال ذلك واتّسع

ولكان في شعر البحتري وحده ما يقع في كتاب مفرد، ولا بدّ بعد هذا أن نذكر منه شيئاً آخر إن شاء الله.

العرندس بن وثاق اليربوعيّ وذكر منهزماً:

فأولى على عمرو بن بدر فإنَّهيُطوَّع في عال من الركض زائدِ
مضى يحمد الشقراء لما تمطَّرتبه تحت جُؤشوشٍ من اللَّيل وافدِ
إذا ما رأى لمعَ السيوف بدا لهطريق نجاء للفرار مساعدِ
لئن جرعت منه القنا دون ريّهالما هو عن ربّ القنا بمباعدِ

هذه أبيات جياد في صفة هارب. وأما قوله: " لئن جرعت منه القنا " البيت، فذكر أنّه قد طعن طعنات لم تأتِ على نفسه لهربه، ثمَّ هدَّده فقال: وما هو عن ربّها ببعيد، وقد أخذ هذا المعنى منه مسلم بن الوليد فقال:

ولَّى وقد جرعَتْ منه القنا جُرَعاًحيَّ المخافةِ مَيتاً غير موءودِ

والبيت الأول أجود من بيت مسلم هذا، وقد أخذ هذا المعنى أبو تمام فأتى به في غاية الجودة والصحّة، وهو قوله:

من مُشرقٍ دمُه في وَجْههِ بطلٍأو ذاهلٍ دمُه للرعب قد نزفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»
فذاك قد سُقيت منه القنا جرعاًوذاك قد سُقيت منه القنا نُطفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»

بيت أبي تمام هذا، وإن كان أخذه ممن ذكرنا، فهو جيد التقسيم مطّرد الصدر، والعجز مليح اللفظ، ونذكر ها هنا أشياء من ذكر المنهزمين، ولا نستغرق الكلَّ في هذا الموضع إذ كنَّا نحتاج إلى بثّ ذلك في مواضع من الكتاب، وقال أبو تمام وذكر منهزماً:

مُوَكَّلاً بيَفاع الأرضِ يُشْرِفهُمن خفّة الروع لا من خفة الطَّربِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

ومن الجيد النادر في صفة منهزم قولُ البحتري:

تحيَّر في أمريه ثمَّ تحبَّبَتْإليه الحياةُ ماؤها غلَلٌ سَكْبُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قليل لها أني بها مغرم صب»
تكرّه طعم الموت والسيف آخذمخنّقَ ليثِ الحرب حاصلُهُ كلْبُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قليل لها أني بها مغرم صب»
ولو كان حرَّ النفس والعيشُ مدبِرٌلمات وطعم الموت في فمه عَذبُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قليل لها أني بها مغرم صب»
ولو لم يحاجز لؤلؤ بفرارهلكان لصدر الرمح في لؤلؤ ثقبُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قليل لها أني بها مغرم صب»
تخطَّأَ عرض الأرض راكب وجههليمنع منه البعد ما يبذل القربُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قليل لها أني بها مغرم صب»
يحبُّ البلادَ وهي شرقٌ لشخصهويُذعرُ منها وهي من فوقه غَرْبُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قليل لها أني بها مغرم صب»
إذا سار سهباً عاد ظُهراً عدوَّهوكان الصديقَ غدوةً ذلك السهبُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قليل لها أني بها مغرم صب»

يقول: كل شيء يقطعه من الأرض فهو من قبل أن يجتازه مثلُ الصديق له، فإذا جازه صار عدوّاً لما يخاف من الطلب. وما نعرف مثل هذه الأبيات في المنهزمين إلاَّ له في مواضع أخر، ثمَّ نذكر بعضها ههنا وبعضها بعد وقت آخر، وقال يصف منهزماً:

لما تضايق بالزحفَين قُطرُهمافضاربٌ بغرار الصَّيف أو واجي
للشاعر البحتري، من قصيدة «كنت إلى وصل سعدى جد محتاج»
قالت له النفس لا تألوه ما نصحتْوالخيلُ تخلط من نقع وأرهاج
للشاعر البحتري، من قصيدة «كنت إلى وصل سعدى جد محتاج»
إنّ المقيم قتيل لا رجوع لهإلى الحياة وإنَّ الهاربَ الناجي
للشاعر البحتري، من قصيدة «كنت إلى وصل سعدى جد محتاج»
فمرّ يَهوي هويَّ الريح يُسعدهجوّ يشطُّ وليلٌ مُظلم داجي
إنْ لا تنَلْه العوالي وهو منجذِبٌفقد كوَتْ صلَوَيْه كيَّ إنضاج

وله أيضاً في مثله يصف منهزماً في البحر:

مضى وهو مولى الريح يشكر فضلَهاعليه ومن يولي الصنيعة يُشكَرِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألَمْ تَرَ تَغْلِيسَ الرّبيعِ المُبَكِّرِ»
إذا الموج لم يبلغه إدراك عينهثنى في انحدار الموج لحظة أخزرِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألم تر تغليس الربيع المبكر»

وله أيضاً:

ومضى ابنُ عمرو قد أساء بعمرهظنّاً ينزّق مهرَه تنزيقا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أأفاق صب من هوى فأفيقا»
فاجتاز دِجلةَ خائضاً وكأنَّهاقَعْبٌ على باب الكحيل أُريقا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أأفاق صب من هوى فأفيقا»
لو خاضها عمليق أو عوج إذنْما خوَّضَتْ عوجاً ولا عمليقا
لولا اضطرابُ الخوف في أحشائهرسبَ العُبابُ به فبات غَريقا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أأفاق صَبٌّ مِنْ هَوىً، فأُفِيقَا»
خاض الحتوفَ إلى الحتوف معانقاًزجلاً كقهر المنجنيق عتيقا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أأفاق صَبٌّ مِنْ هَوىً، فأُفِيقَا»
يجتاب حُرَّةَ سهلها وجبالهاوالطيرَ هان مِرارُه ودقوقا
لو نفَّسته الخيلُ لفتةَ ناظرملأَ البلادَ زلازلاً وفتوقا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أأفاق صب من هوى فأفيقا»

وله أيضاً:

أشلَى على منويل أطرافَ القنافنجا عتيق طمرَّةٍ جرداءِ
لو أنَّه أبطى لهنَّ هنيهةلَصَدرْنَ عنه وهنَّ غير ظماءِ
فلئن تبقّاه القضاءُ لوقتهفلقد عممتَ جنودَه بفناءِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»
أثكلتَه أشياعَه وتركتَهللموت مرتقِباً صباحَ مساءِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»
حتَّى لو ارتشفَ الحديدَ أذابَهبالوقْدِ من أنفاسهِ الصُّعَداء
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»

وله أيضاً:

كما انْهزم المغرورُ من مَرْج دابِقوخيلك في جَنبَي قُوَيق تُحاولُهْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لقد وفق الله الموفق للذي»
تأوَّبَ من حموص أبوابَ بالسمسيراً لفرط الذّعر تطوي مراحِلُهْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لقد وفق الله الموفق للذي»
تقوّس من حدّ الأسنّة ظهرُهوقد سُلَّ منها منكباه وكاهلُهْ
يخيطُ عليه كاثِبَ النقع مُرْعياًلكي تتغطَّى في العَجاج مَقاتلُهْ
إذا مرّ بالصحراء جانبَ قصدهايرى أنّها أرسال خيل تقاتلُهْ
أتى سادراً بالبغي مستفتحاً بهوحاولَ نصرَ الله واللهُ خاذلُهْ

وله:

بَهتَتْه أهوال الوغى فلو أنَّهعينٌ لشدة رُعبه لم تَطرفِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أتراك تسمع للحمام الهتف»

وله:

ولم ينج ابن جستان بشيءسوى الأقدار عاقبت المنونا
يلاوذ والأسنة تدَّريهشمالاً حيث وجَّهَ أو يمينا
للشاعر البحتري، من قصيدة «عزمت على المنازل أن تبينا»
يصدُّ عن الفوارس صدَّ قالٍيرى العشرات يحسبُها مئينا
للشاعر البحتري، من قصيدة «عزمت على المنازل أن تبينا»

لم نذكر من هذا المعنى في هذا الموضع أكثر ممّا ذكرناه للبحتري، ولم نترك أن نذكر لمسلم بن الوليد، وأبي نواس، وأبي تمام، وابن الرومي وغيرهم من المجوّدين، إلاَّ ليقع في مواضع أخر. ولا بد أن نشوب ما ذكر المحدثون في هذا المعنى والفنّ بشيء من أشعار المتقدمين، وإن كان ليس في هذا المعنى ما يكثر ويتَّسع، وقد ذكرنا فيما تقدم من ذلك أشياء، ونحن نذكر غيرها بعد هذا الموضع إن شاء الله.

أعرابيّ:

ونِضْوٍ على نضو تجشّمَ شُقَّةًإليك بعيدٌ سهلُها من جبالِها
يشقُّ على مرّ الرياح اعْتِسافُهاويبعد قطراها عليَّ من آلِها
وتغدو بها الوجناءُ بعد مراحهاوقد قُيِّدَتْ أرساغُها بكلالها
فإن تفعلي فعلَ المحبّ فهيِّنٌعلينا سُراها وامتدادُ ارتحالها
وإن كان ذاك البخل منك فعندنالها دمعُ عينٍ وكّلَتْ بانهمالها

النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حماسة الخالديين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.