من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)
الجزء الأول (٤)
أعرابي:
وذات حليل أيَّمتْها رماحُناقديماً وأخرى قد جعلنا لها بعلا
وما العدل أن يروى القنا من دمائناوإنْ تَعرضوا من دون أوتارنا العقْلا
أعرابي ومدح قوماً:
تخالُهم للحلْم صُمّاً عن الخناوخرساً عن الفحشاء عند التَّهاجرِ
ومرضى إذا لوقوا حياءً وعفّةوعند الحفاظ كاللّيوثِ الخوادرِ
كأنَّ بهم وصْماً يخافون عارَهوما وصْمُهم إلاَّ اتّقاءُ المعايرِ
قد ذكرنا هذا المعنى وشيئاً من نظائره فيما تقدم وبقيت له نظائر نذكر منها هنا شيئاً، فممّا نذكره قديماً قول الشاعر وهو مروان:
لعمرٍ على حيَّى نزار كليهماأيادي كريم منَّ فيها وأنْعَما
فتى لم يدَعْ باباً من الخير مغلقاًولم يغشَ ممَّا حرّم الله مَحْرما
وتلقاه من فرط الحياء كأنَّهسقيم وإنْ أمسى صحيحاً مسلّما
وأتى به آخر فقال:
نَزْرُ الكلام من الحياء تخالُهضَمِناً وليس بجسمه سُقْمُ
مُتهلِّلٌ بِنَعم بلا متباعِدسيّان منه الوفْرُ والعُدْمُ
شاعر من الخزرج:
وطاعنّا وللنبْلِهرير يصدَعُ القلبا
فلما طاعنَ القومُتركنا فيهم الضَّربا
يقول: طاعنّا بالرماح وأعداؤنا يرمون بالنبل، فلما دنا بعضُنا من بعض وأفضى أعداؤنا إلى الطعن بالرماح جالدناهم بالسيوف. وهذا المعنى من المعاني الجياد، فإن كان قائل هذا الشعر اخترعه وكان الأصلَ فيه، زاد زهير بقوله:
يطعنُهم ما ارتمَوا حتَّى إذا اطّعنواضاربَ حتَّى إذا ما ضاربوا اعتنقا
لأن زهيراً أتى بالمعنى الَّذي قدَّمنا ذكره، وهو بيتان، في بيت واحد، وله أيضاً فيه زيادة جيدة لأنه ذكر أنَّه يطعنهم وهم يرتمون ثمَّ يضربهم وهم يتطاعنون فإذا اضطربوا بالسيوف عانق، ولم يُتمِّم أحد هذا المعنى بمثل هذا، إلاَّ أنّ زهيراً أخذه بغير شكّ من المهلهل بن ربيعة التغلبي في قوله:
أنبضوا مَعجِسَ القِسيّ وأبرقْنا كما يوعِدُ الفحولُ الفُحولا
وبيت المهلهل، وإن كان سابقاً للمعنى، فهو دون بيت زهير ودون بيت الأنصاريّ لأنه ذكر أنهم أنبضوا القسيّ وأبرقنا، فيجوز أن يكون أنبضوا قسيَّهم من بُعد وأبرقنا من بُعد، ولم يدنُ بعضهم من بعضٍ، وهذا غير مستوفٍ للمعنى استيفاءً جيداً. وبيت الأنصاريّ، وإن كان دون بيت زهير أيضاً، فهو أجود من بيت المهلهل لما قدّمنا ذكره من العيب الظاهر فيه. وإلى هذا المعنى نظر البحتري في قوله:
فمن كان منهم ساكتاً كنتَ ناطقاًومن كان منهم قائلاً كنتَ فاعلا
ولهذا المعنى نظائر تأتي فيما يستأنف إن شاء الله.
قال عتيبة بن مرداس:
رأيتُ المعلّى ليس يُشبه عمَّهولا خالَه ولا أباه المقدَّما
أولئك ما زالوا عرانينَ خندفإذا كان يوماً كاسفَ الشَّمس مُظلِما
وهذا فما نلقاه إلاَّ مصمِّماًعلى مال ذي القُربى وإن كان مُعدِما
فتى تكثر الأموال تحتَ عِجانهإذا أكثر النَّاس النَّدى والتكرُّما
تراه كماء البحر يدفع مِلحهلورّاده عنه وإن كان مُفعَما
من هنا أخذ البحتريّ قوله:
جِدَةٌ يذود البخلُ عن أطرافهاكالبحر يدفع مِلحَه عن مائهِ
ولقد جوّد البحتري، وإن كان قد أخذ المعنى بأسره وبعض اللفظ.
أعرابيّ:
لقد بان منّا مالك وجيادهتخمَّطُ فيما بينهن المذاودُ
ولا يبعدنك الله ميتاً فإنّماحياة الفتَى سير إلى الموت قاصدُ
من هنا أخذ البحتري قوله:
وكانت حياة المرءِ سوقاً إلى الرَّدىوأيامُه دون الممات مراحِلُ
وله مثله:
وما أهل المنازلِ غير ركبمناياهم رواحٌ وانتظارُ
أعرابي من كلب، يمدح مسلمة بن عبد الملك:
نزور امرأً من آل مروان لم يزللنا منه عِلمٌ لا يحدُّ ونائلُ
تراه إذا ما أظلمَ الخطبُ مُشرقاًكمثل حسام أخلصَتْه الصياقِلُ
أخذه البحتريّ فجوَّد فيه:
يتوقَّدْن والكواكبُ مطفاتٌ ويقطعن والسيوفُ نوابي
هذا معنى قد اشترك فيه جماعة، فمن جوّده أبو تمام في قوله:
ترمي بأشباحنا إلى مَلِكنأخذُ من ماله ومن أدَبِهْ
وأخذه البحتري فجوّد فيه:
يفيض سماحةً والمزن مُكْدٍويقطع والحسامُ العَضْبُ نابِ
آخر:
نغدو فإمّا اسْتعرنا من محاسنهفضلاً وإمّا اسْتَمحنا من أياديهِ
ولقد أتى ابن الرومي في نهاية التجويد واستيفاء المعنى بقوله:
يقول عليّ مرَّة وأنالنيوكان عليّاً في معانيه كاسْمهِ
أرى فضلَ مال المرءِ داء لعِرضهكما فضل طعم المرء داء لجسمهِ
فرحتُ برفدَيهِ وما زلت رابحاًبرِفدَين من شتّى نداه وعلمِهِ
أبو قيس بن الأسلَت:
من يذقِ الحربَ يجدْ طعمهامُرّاً وتتركْه بجَعجاعِ
قد حصَّتِ البيضةُ رأسي فماأطعم نوماً غير تهجاعِ
أعددتُ للأعداء موضونةفضفاضةً كالنِّهي بالقاعِ
أحفِزُها عنِّي بذي رونقمهنّدٍ كالملح قطَّاعِ
هلاَّ سألتِ القوم إذ قلّصتْما كان إبطائي وإسراعي
هل أبذلُ المالَ على حبِّهِفيهم وآتي دعوةَ الداعي
وأضربُ القونَس يوم الوغىبالسيف لم يَقْصُر به باعي
وقال يزيد بن خذاق العبدي:
لن يجمعوا ودّي ومَعْتبتيأو يُجمعَ السَّيفانِ في غِمْدِ
ماذا بدا لك نحتُ أثلتِنافعليكَها إن كنتَ ذا حَرْدِ
ومكرتَ مُلتمِساً مذلَّتناوالمكْرُ منك علامةُ العَمْدِ
وهززتَ سيفك لي تحاربنيفانظُر لسيفك من به تُردي
أخذ قوله " أو يجمع السيفان في غمد " أبو ذؤيب فقال:
تريدين كيما تجمعيني وخالداًوهل يُجمعُ السيفان ويحكِ في غمْدِ
وأخذه آخر فقال:
إذا جُمع السيفان في الغمد فالتمِسصلاحَ بني عمرو وآل رزين
ابن وعلة الشيباني:
غَدونا إليهم والسيوف عصِيُّنابأيماننا نَعلو بهنّ الجماجِما
لعمري لأشبَعْنا ضِباعَ عنيزةٍإلى الحول منهم والنسورَ القشاعِما
ومستلَبٍ من درعِه ورماحِهتركتُ عليه الذِّئبَ ينهش قائما
مقاس العائذيّ:
ألا أبلغ بني شَيبان عنّيفلا يكُ من لِقائكم الوداعا
إذا وضعَ الهزاهزُ آل قومفزاد اللهُ حيَّكم ارتفاعا
وقد جاورتُ أقواماً كثيراًفلم أرَ مثلكم حزماً وباعا
أخذ القطامي قوله " إذا وضع الهزاهز آل قوم " فقال:
إذا ما الله أوضع آل حيٍّفزاد الله حيَّكم ارتفاعا
قال ذو الرمّة:
وليل كجلباب العَروس ادّرَعْتُهبأربعةٍ والشخصُ في العين واحِدُ
أحمُّ عِلافيّ وأبيضُ صارِموأعيَسُ مُهْريّ وأشْعَبُ ماجِدُ
أخذه البحتريّ فقال:
يا نديميَّ بالسواجير من ودّبن عمرو وبُحتر بن عَتودِ
اطْلُبا ثالثاً سوايَ فإنّيرابعُ العيس والدُّجى والبيدِ
وما نعلم أنّ البحتري أخذ لمتقدّم معنى أو لمحدث إلاَّ زاد فيه أو ساواه بكلام عذب مليح إلاَّ هذا المعنى فإنَّه لم يلحقْهُ وقصَّر عنه. ولله درُّ ذي الرمَّة فلقد طرف كلام بيته الأوّل وقد جوّد قسمة الثاني، وقد ذكر قوم ولم يصحّ عندنا أنّ البحتريّ ردّ هذا المعنى في قصيدة أوّلها:
ما لها أولعَتْ بقطع الودادِكلَّ يوم تروعني بالبعادِ
وإن صحّ هذا الشعر للبحتري فإنَّ ذي الرمّة أجود كثيراً، يقول فيها:
عُني الخضر بي فصيَّرني بعدَك عيناً على عيارِ البلادِ
ثاني العيس ثالث الليل والسّيْرِ نديم النجوم ترب السهادِ
عبد العزيز بن زُرارة الكلابيّ:
رحلنا من الوعساء وعساء مالكلحين وكنا عندها بنعيم
فما لبَّثَتْنا العيس أن قذفت بنالذي غربة والعهد غير قديم
فأصبحن قد ودَّعن نجداً وأهلَهوما عهد نجد عندنا بذميم
هذا مثل قول الآخر:
ولئن رحلْنا عن دياركمفبِها تعلَّلْنا عن الكَرْبِ
أعرابيّ:
أكْفِ العشيرة أن ولَّوك أمرَهموإن كفَوك فلا تحسد ولا تَعِبِ
احمل مجاهلَهم واضمَنْ مغارِمَهمرحب اللبان بها مسترخي اللَّبَبِ
زهراء الأعرابية:
وسائلةٍ بظهر الغيب عنّاوما تدري أمُتْنا أم حييْنا
فنحن كما يسرّكِ غير أنّابنا الأيّام بعدكِ يرتمينا
فإنْ نسلمْ نزُرْكِ على قلاصيجاذبن الأزمَّةَ والبُرينا
أعرابيّ:
دفعناكم بالحِلم حتَّى بَطِرتموبالرَّاح حتَّى كان دفع الأصابعِ
فلمّا رأينا شرَّكم غيرَ منتهٍوما غاب من أحلامكم غير راجعِ
مسِسْنا من الآباء شيئاً وكلُّناإلى حسبٍ في قومه غير واضعِ
فلمَّا بلغْنا الأمَّهاتِ وجدْتمبني عمَّكم كانوا كرامَ المضاجعِ
ما أحسن هذا المعنى وأجوده! وزاد أنَّه قال: ما زلنا نحلم عنكم وندفع بلاءكم بجهدنا، فلمّا رأيناكم غير مقلعين عن مكروهنا ذكرنا آباءكم، وهم أعمامنا، فلم نجد فيكم مطعناً، فلمّا ذكرنا أمَّهاتكم رأيناهنّ في الشرف دون أمّهاتنا، لأنّ أمّهاتنا أشرف، فعلمتم أنتم أنَّ بني عمّكم كانوا يضاجعون نساء كانوا أكرم ممّن كان يضاجع آباءكم، ففضلنا عليكم بالأمهات، وإن كان الآباء واحداً.
أعرابيّ:
فإن يكُ إحسانٌ يقرّبُ حاجتيإليك ويُدنيها فقد حان حينُها
وقد أقسمَتْ جهدا التجحد دَينَنافقد حَرِجت فينا وبرّتْ يمينُها
سوّار بن المُصرَّب السَّعديّ:
فلَو سألتْ سراةَ الحيّ سَلمىعلى أنْ قد تلوَّنَ بي زماني
لخبَّرَها ذَووا أحسابِ قوميوأعدائي فكلٌّ قد بلاني
بأنِّي لا أزالُ أخا حُروبٍإذا لم أجْنِ كنتُ مجِنَّ جاني
طفيل الكلابي:
طُلِّقتِ إن لم تسألي أيُّ فارسحليلُكِ إذ لاقى صُداءً وخَشْعَما
أكُرُّ عليهم دَعْلجاً ولبانَهُإذا ما اشتكى وقعَ الرماح تَحمْحَما
وهذا مثل قول عنترة:
ما زلتُ أرميهم بغرَّة وجْههولبانه حتَّى تسَرْبل بالدَّم
وازْورَّ من وقع القنا بلبانهوشكى إليَّ بعَبرةٍ وتحمحُم
لو كان يدري ما المحاورةُ اشْتَكىأو كان لو عرف الكلامَ مكلِّمي
ومثله قول عمر بن أبي ربيعة:
لَشكى الكميتُ الجَرْي لمّا جهدتُهوأفصحَ لو يستطيع أن يتكلَّما
ومثله وأومَى إلى فرس الممدوح فقال:
كم كم تجرِّعه المنون فيصبِرُلو يستطيعُ شكا إليك الأدْهَمُ
أُنَيف بن زبّان الطَّائي:
دَعَوا لنزارٍ وانتَمينا لطَيِّءٍكأُسْدِ الشّرى إقدامُها ونِزالُها
فلمّا التقينا بيَّن السيفُ بيننالسائلةٍ عنّا حفِيٍّ سُؤالُها
الفرّارُ السُلَميّ:
وكتيبةٍ لبَّسْتُها بكتيبةٍحتَّى إذا التَبَستْ نفضتُ لها يدي
فتَركتُهم تقِصُ الرماحُ ظهورَهموقُتلتُ دون رجالهم لا تَبْعدِ
ومثل هذا قول الحارث بن هشام المخزوميّ:
اللهُ يعلمُ ما تركْتُ قتالَهمحتَّى عَلَوا فرمى بأشْقَر مُزبِدِ
وعلمتُ أنّي إنْ أقاتلْ واحداًأُقْتَلْ ولا يضرُرْ عدوّيَ مَشهدي
فصدَدتُ عنهم والأحبّةُ فيهمطمعاً لهم بعقاب يومٍ موصدِ
كان سبب هذا الشعر أنَّ الحارث بن هشام، وهو أحد الفرّارين، فرَّ من وقعة كان شهدها فقال فيه بعض الشعراء وهو حسان بن ثابت:
إنْ كنتِ كاذبةَ الَّذي حدَّثتنيفنَجوت مَنجى الحارث بن هشامِ
ترك الأحبَّةَ أن يُقاتلَ دونهموبحا برأس طمِرَّةٍ ولجامِ
فلمّا بلغ الحارث الشعر قال يعتذر بالشعر الَّذي قدمنا ذكره، وإلى هذا نظر البحتري في قوله:
وقعدتُ عنك ولو بمهجة فارسغيري أقوم إليهم لم أقعُدِ
ما كان قلبك في سواد جوانحيفأكون ثمَّ ولا لساني في يدي
وللشعراء في ذكر الفرار أشعار تكثر وتتسع جدّاً ونحن نأتي بأشياء من نظائره في غير هذا الموضع.
قال الحصين بن الحُمام المُرّي:
تأخَّرْتُ أستبقي الحياةَ فلم أجِدْلنفسي حياةً مثلَ أنْ أتقدّما
ولَسْنا على الأعقاب تدمى كلومُناولكن على أقدامنا تقطُرُ الدَّما
وأطرق إطراقَ الشّجاع ولو يَرىمساغاً لنابَيهِ الشجاعُ لصمَّما
لِذي الحلم قبل اليوم ما تُقرَعُ العصاوما عُلِّم الإنسانُ إلاَّ ليعلما
قوله " تأخرت أستبقي " البيت، مثل قول الخنساء:
نهين النفوسَ وهونُ النفوسِ يومَ الكريهة أبْقى لها
ومثله أيضاً:
ولا يُنْجي من الغمرات إلاَّبراكاءُ القتال أو الفِرارُ
وقوله " ولو يرى مساغاً لنابيه الشجاع لصمَّما " يقول: يصيب صميم القلب بسنّه فيقتل، وقد روي " فسمَّما " من طريق السمّ، وهذا جائز إلاَّ أنّ الأول أجود تمييزاً.
فأما قوله " لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا " البيت، فالأصل فيه أنّ ذا الأصبع العَدواني كان حكم العرب في أيامه، يقضي بينهم في المشكلات في أمورهم حتَّى أسنّ وتغيَّر عقلُه، فكان ربّما أنى بالشيء الَّذي لا يجوز حتَّى يتبيَّنه ثمَّ يرجع. وكان له ابن عم يتصدّر للحكومة، فقال أهل ذي الأصبع له: إنّك ربّما خلطت في أحكامك، ونحن نخاف أن ينزل بنا بلاء من هذا الأمر، قال: فاجعلوا بيني وبينكم علامة، إذا خلطت عرفتموني بغير كلام حتَّى أنْتَبه. فقالوا: إنّا نقيم أمَتَك فلانة لهذا الأمر، وكانت فهمة لبيبة، فإذا خلطتَ قرعتِ العصا بالأرض فتعلم الخبر، فقال: افعلوا، فكانت الأمة لا تفارقه، فإذا اختلط قرعتِ العصا فانتبه وعلم أنَّه قد أخطأ فيرجع إلى فكره ويزول عنه خلطه. وقد ذكر أيضاً في قرع العصا شيء آخر، وهو أنّ بعض الأعراب كان في ناحية عمرو بن هند الملك، وكان غالباً عليه، وكان عمرو بن هند جبَّاراً لا يراجع في قول ولا فعل أمر، وكان لهذا الرَّجُل أخ عاقل لبيب، فإذا أراد عمرو توجيهه إلى ناحية يرتاد فيها الكلأ لينتجعه توجّه إلى تلك الناحية وحدّ له أياماً، فتجاوز الحدّ بأيام أُخر، فغاظ ذلك عمراً، فقال: والله إن جاءني حامداً للموضع أو ذامّا له لأقتلنَّه. ثمَّ ندم على يمينه وقال لأخيه: قد ندمت، ولا بدّ من إمضاء الأليّة، فقال له أخوه: أبيت اللعن! دعني أنذره ليتخلَّص. فقال: افعل فلمّا قدم على الملك قرع له أخوه العصا وكأنّه علم ما في نفسه، ثمَّ قال له الملك: كيف وجدت الأرض، قال: لم أجد خصباً يحمد ولا جدباً يذمُّ، فتخلَّص من سطوته، وضربت العرب بقرع العصا مثلاً. والأول من الخبرين أصحّ عندنا وأثبت في العقل. وقد قيل في ذلك أيضاً إنّ جذيمة الأبرش لمّا سار إلى الزبّاء، وقد وجَّهت إليه أن يصير إليها لتتزوّج به، وكانت ملكة شرقي الفرات، وكان مولاه قصير قد نهاه عن المصير إليها وحذَّره إياها، فلم يقبل. فلما شارف بلادها رأى أمارات استوحش لها، فقال لقصير: إيش الرأي عندك؟ قال: ببَقةَ أُبْرم الرأي، وكان أشار عليه، وهو نازل ببقّة أن يأتيها، وبقّة ناحية الأنبار، فلم يقبل، فذهبت كلمته مثلاً، وقال له جذيمة: دع عنك هذا، ما الرأيُ؟ وكانت لجذيمة فرس يقال لها العصا لا تُجارى ولا يشقُّ غبارها، فقال له قصير: قد صرنا في بلدها ودارت بنا عساكرها، فإذا قرعت لك العصا بالسوط فاعمَل على أن تطرح نفسك عليها وتنجو بحشاشتك فضربت العرب بضرب العصا مثلاً للرجل ينبَّه على الأمر الَّذي تخشى عاقبته.
قال إياسُ بن قبيصة الطائي وقد هرب من كسرى:
ما ولدتْني حاصِنٌ ربَعيَّةلئن أنا مالأتُ الهوَى لاتّباعِها
ألم ترَ أنَّ الأرضَ رحبٌ فسيحةفهل تُعجزنّي بقعة من بقاعِها
ومبثوثةٍ بثَّ الدَّبى مُسيطرَّةٍرددْنا على بِطائها من سراعِها
وأقْدَمتُ والخطّيّ يخطُر بيننالأعلمَ من جَبانُها من شجاعِها
أعرابي قتل أخوه ابناً له فقدَّم إليه ليقْتاد منه فألقى السيف من يده وقال:
أقولُ للنفس تأساءً وتعزيةًإحدى يديَّ أصابتني ولم تُرِدِ
كلاهما خلَف من فقد صاحبههذا أخي حين أدعوه وذا ولَدي
وهذا مثل قول الآخر:
وما كنتُ إلاَّ مثل قاطع كفّهِبكفٍّ له أخرى فأصبحَ أجْذَما
يَداه أصابت هذه حتفَ هذهفلم تجدِ الأخرى عليه مقدَّما
فلمّا استقادَ الكفُّ بالكفِّ لم يجدْله دَرَكاً في أن تَبينا فأحْجما
ولبعض المحدثين في مثل هذا:
لم أجْنِ ذنباً ولم أُرِدهُ فإنقارفتُ ذنباً فغيرَ مُعتمدِ
قد تطرِف الكفُّ عينَ صاحبهافلا يَرى قطعها من الرَّشَدِ
وإلى هذا نظر البحتري في قوله يخاطب قوماً من طيئ:
إنْ أرمِكم يكُ من بعضي لكم شُعَلتَهوي إليكم ومن بعضي لكم جُنَنُ
رَددْتُ نفسي على نفسي فقلت لهابنو أبيك فما الأحقادُ والإحَنُ
وقد ردّ هذا المعنى في موضع آخر فقال:
لآل حميد مذهب فيّ لم أكُنلأذهبَهُ فيهم وإنْ جَدَعوا أنْفي
ولم أرمِ إلاَّ كان عِرْض عدوِّهممن النَّاس قدّامي وأعراضم خَلْفي
وقال لي الأعداء ما أنت صانعوليس يراني الله أنحتُ من حَرْفي
وإنّي لئيم إنْ تركت لأسرتيأوابدَ تبقى في القراطيس والصحْفِ
وهذا المعنى كثير في المحدث والمتقدّم، ولو أتينا به لكان كتاباً مفرداً، ولا بدّ أن نذكر فيه أشياء في مواضع من هذا الكتاب.
قال عمير بن الأهتم العبديّ:
إذ دنَونا ودنَوا حتَّى إذاأمكنَ الطعنُ ومن شاء ضَربْ
ركدتْ فينا وفيهم ساعةسمهريّاتٌ وبيضٌ كالشُهُبْ
أعرابيّ:
أأمام إنّا ما تزال جيادنارُجُعاً بهنّ من الجراح ندوبُ
يحملن كلَّ مجرّبٍ يوم الوغىشاكي السلاح يُحبُّه المكروبُ
ذكرت الرواة أنة مُنْصفات أشعار العرب ثلاثة أشعار، فأولها قصيدة عامر بن معشر بن أسحم بن عديّ بن شيبان بن سود ابن عُذرة بن منبّه ابن لُكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار:
ألم ترَ أنّ جيرتنا اسْتقَلُّوافنِيَّتُنا ونيّتهُم فَريقُ
فِداءٌ خالتي لبني لُكيزخصوصاً يومَ كُسُّ القوم روقُ
تلاقينا بسبسبِ ذي طُرَيْفٍوبعضُهم على بعضٍ حنيقُ
فجاءوا عارِضاً بَرِداً وجئناكمثل السيل غصَّ به الطَّريقُ
كأنَّ النَّبْلَ بينهم جَرادٌتُصفّقه يمانيةٌ خَريقُ
قليلٌ ما ترى فيهم كميّاًكبا لديه إلاَّ فيهِ فوقُ
كأنّ هريرَنا لمّا التقيناهريرُ أباءةٍ فيها حريقُ
بكلّ قرارةٍ منّا ومنهمبنانُ فتًى وجُمجُمة فليقُ
فكم من سيِّدٍ منّا ومنهمبذي الطّرفاء منطِقهُ شهيقُ
فأشْبعنا السِباعَ وأشبعوهافراحت كلُّها تيقٌ تفوقُ
وأبْكينا نساءهُم وأبْكَوانساءً ما يجفُّ لهنَّ موقُ
يُجاوبنَ النياحَ بكلّ فجرٍفقد صَحِلتْ من النَّوح الحُلوقُ
تركنا الأبيض الوضّاحَ منهمكأنَّ سوادَ قُلَّته العُذوقُ
تُعاوره رماحُ بني لُكيزفخرَّ كأنّهُ سيفٌ دَلوقُ
وقد قتلوا به منّا غلاماًكريماً لم تأشّبهُ العروقُ
وأُفْلَتنا ابنُ قرانٍ جَريضاًيمرُّ به مُساعفةَ مروقُ
فلمّا اسْتيقنوا بالصبرْ منّاتذكّرت الأواصرُ والحقوقُ
فأبقينا ولو شئنا تركنالُجَيْماً لا يقودُ ولا يسوقُ
أما قوله " فداء خالتي لبني لكيز " البيت، فقد قدّمنا شيئاً من نظائره وممّا لم يذكر قول الأعشى البكري:
وإذا ما الأكَسُّ شُبّه بالأروق عند الهيجا وقلَّ البصاقُ
وقول عنترة:
ولقد حفظتُ وصاة عمّي بالضُّحىإذ تقلصُ الشَفتانِ عن وضَح الفَمِ
وقال آخر:
وتقلّصت شفتاه عند نزالهمفكأنّه يوم الوغى متبسِّمُ
وأخذه آخر فقال:
حين توخَّيتُه بذي شطبأبيض كالصُّبح كشَّفَ الحَنكا
قابلَني مبدِياً نواجِذهكأنه ضاحكٌ وما ضَحِكا
ولمقّاس العائذيّ في هذا المعنى:
لمّا رآني في مجال ضَنْكِوالحيلُ تردى بالأسود المعكِ
أبدى الثنايا آئِساً من تركيكأنَّه يضحكُ وهوَ يبْكي
وللرّبيع بن زياد العبسيّ:
عطَفنا وراءك أفراسَناوقد أسْلَم الشَفتان الفَما
ومثله للعجاج:
ونحن أهل البأس والتقدُّمِإذا السيوف أخرجَتْ أقصى الفمِ
ونحن بمشيئة الله وعونه نذكر ما بقي من نظائر هذا المعنى في مواضع نستأنفها من هذا الكتاب.
المنصفة الثانية لعبد الشارِق بن عبد العزيز الجُهَنيّ:
ألا حُيِّيتِ عنا يا رُدَينانُحيِّيها وإن بخلتْ علينا
رُدينةُ لو رأيتِ غداةَ جِئناعلى أضْماننا وقد احْتوَينا
وأرسَلْنا أبا عمرو رسولاًفقال ألا انعَموا بالقوم عينا
ودَسُّوا فارساً منهم عِشاءًفلمْ نَغْدر بفارسهم لدَيْنا
فجاءوا عارضاً بَرِداً وجئناكمثل السَّيل نركَبُ وازِعَيْنا
تنادَوا يالَ بُهثةَ إذ لقونافقلنا أحسِنوا قولاً جُهَينا
سمعنا نَبأة عن ظهر غيبًفجُلنا جولةً ثمَّ ارْعَوينا
فلمَّا أنْ تواقَفْنا قليلاًأنَخْنا للكلاكلِ فارْتمينا
ولمَّا لم ندَعْ سهماً ورُمحاًمشينا نحوهم ومشَوا إلينا
تلألُؤَ مُزنةٍ بَرقَتْ لأخرىإذا حجَلوا بأسيافٍ رَدَيْنا
فمن يرَنا يقُلْ سيل أتِيٌّنكرُ عليهم وهم علينا
شدَدنا شدَّة فقتلتُ منهمثلاثةَ فِتيةٍ وأسرتُ قَيْنا
وشدّوا شدَّة أخرى فجرُّوابأرجُلٍ مثلهم ورَموا جُوَينا
وكان أخي جُوَينٌ ذا حفاظوكان القتلُ للفتيان زَيْنا
فآبوا بالرِّماح مكسَّراتوأُبْنا بالسيوف قدِ انْحنَينا
وباتوا بالصَّعيد لهم أُحاحٌولو خفَّتْ لنا الكَلْمى سَرَينا
للنصفة الثالثة للعبّاس بن مرداس السُّلَميّ وأولها:
لأسماءَ رَبع أصبح اليوم دارساًوأقْفَرَ منها رَحْرحان فراكِسا
يقول فيها:
فدَعْها ولكن هل أتاها مُقادُنالأعدائنا نُزجي الظِّباءَ الكوانسا
يقول: نسوق بين أيدينا الظباء والعرب تتشاءم بها.
نشدّ بتعطاف الملاء رؤوسَناعلى قلص نعلو بهنّ الأمالسا
سَمونا لهم سبعاً وعشرين ليلةًنجوبُ من الأعراض قفراً بَسابِسا
فبِتنا قُعوداً في الحديد وأصبحواعلى الرُكبات يتَّقون الدُّنافِسا
فلم أر مثلَ الحيّ حيّاً مُصبَّحاًولا مثلنا يوم التقينا فوارِسا
أكَرَّ وأحمى للحقيقة منهمُوأضربَ منّا بالسيوف القَوانسا
إذا ما شدَدْنا شدّة نَصبوا لناصدورَ المَذاكي والرّماحَ المَداعسا
إذا الخيل أجْلَتْ عن قتيل نكرُهاعليهم فما يرجعْنَ إلاَّ عوابِسا
وكنتُ أمامَ القوم أولَ ضاربٍوطاعنتُ إذ كان الطّعان تخالُسا
وكان شُهودي مَعْبدٌ ومخارِقٌوبِشرٌ وما اسْتَشهدتُ إلاَّ الأكالِسا
ومارسَ زيدٌ ثمَّ أُقصِدَ مُهرهُوحُقَّ له في مثلها أنْ يُمارِسا
وقُرَّةُ يحميهم إذا ما تبدَّدواويطعنُنا شزراً فأبْرحت فارِسا
ولو مات منهم من جَرَحنا لأصبحتْضِباعٌ بأكناف الأراكِ عرائسا
ولكنَّهم في الفارسيّ فلا ترَىمن القومِ إلاَّ في المُضاعِفِ لابِسا
فإنْ يقتلُوا منَّا كريماً فإنَّناأبَأنا به قتلَى تذلّ المعَاطِسا
قتَلْنا به في مُلتقَى القوم خمسةًوقاتلَهُ زِدنا مع اللَّيل سادِسا
وكنَّا إذا ما الحربُ شُبَّتْ نشُبُّهاونضربُ فيها الأبلَجَ المتقاعِسا
وتجاهلَ في أبيات فيها لم نذكرها.
وقال سعد بن مالك بن ضُبيعة:
يا بُؤسَ للحرب الَّتيوضعتْ أراهطَ فاسْتَراحوا
والحربُ لا يبقَى لجاحِمِها التَّخيُّلُ والمِراحُ
إلاَّ الفتَى الصبَّارُ في النَّجداتِ والفرسِ الوَقاحِ
والنَثرةُ الحصداء والبيضُ المُكلّلُ والرِّماحُ
كشفتْ لهم عن ساقِهاوبدا من الشّرِّ الصُّراحُ
فالهمُّ بَيضاتُ الخدورِ هناك لا النَّعَم المُراحُ
مَن صدَّ عن نيرانِهافأنا ابنُ قَيس لا بَراحُ
أما قوله: " النَّعَم المراحُ " فهو الأصل لكل من تبعه، ومنه أخذ أبو تمام قوله:
إنَّ الأسود أُسود الغِيل همَّتُهايومَ الكريهةِ في المسلوبِ لا السَّلبِ
وأوَّل من نطق بهذا المعنى عنترة في قوله:
أغشَى الوغَى وأعفُّ عند المغنمِ
وقال المنخّل اليشكري:
إنْ كنتِ عاذلتِي فسيرينحوَ العراقِ ولا تَحُوري
لا تسْأَلي عن جُلّ مالي واسْألي كرَمي وخيرِي
وإذا الرِّياحُ تناوحَتْبجوانبِ البيتِ الكبيرِ
ألفَيتنِي هَشَّ اليدَيْنِ بمَرْيِ قِدْحي في الجزورِ
وفوارسٍ كأُوار حرِّالنَّارِ أحلاس الذكور
شدوا دوابر بيضهمفي كلِّ محكمةِ القتيرِ
واسْتَلئَمُوا وتلبَّبواإنَّ التلبُّبَ للمُغيرِ
وعلى الجياد المضمرَاتِ فوارسٌ مثلُ الصُّقورِ
أقْرَرتُ عيني من أُولَئكَ والكواعبِ كالبُدورِ
يرفلنَ في المسكِ الذَّكيِّوَصائكٍ كدم النَّحيرِ
ولقدْ دخلتُ على الفتاةِ الخِدرَ في اليومِ المطيرِ
الكاعبِ الحسناء ترْفُلُ في الدِّمقْسِ وفي الحريرِ
فدفعتُها فتدافعَتْمشي القطاةِ إلى الغَديرِ
وعطَفْتها فتعطَّفتْكتعطُّفِ الغصنِ النَّضيرِ
يا رُبَّ يومٍ للمنَخّل قد لَها فيه قَصيرِ
فإذا انْتَشيتُ فإنَّنيربُّ الخَورْنَق والسَّديرِ
وإذا صحوتُ فإنَّنيربُّ الشُوَيهةِ والبعيرِ
ولقدْ شربتُ من المُدامةِ بالصغيرِ وبالكبيرِ
أبو ثمامة العبديّ:
أقولُ لمحرزٍ لمَّا التقَيناتنكَّبْ لا يقطِّرك الزّحامُ
فجارُك عند بيتك لحم ظبيوجاري عند بَيتي لا يُرامُ
يقول: إنَّ جارك مثل لحم الصيد وأنت لا تدفع عنه ولا تمنع منه، وجاري لا يرومه أحد لعزَّتي وامتناع جانبي.
أبو الطَّمَحَان القينيّ:
وإنِّي من القومِ الذين عرفتَهمإذا فاتَ منهم سيّدٌ قام صاحبُهْ
نجومُ سماء كلَّما غابَ كوكبٌبدَا كوكب تأوِي إليه كواكبُهْ
أضاءتْ لهم أحسابُهم ووجوهُهمدُجَى اللَّيل حتَّى نظَّمَ الجزعَ ثاقبُهْ
معنى هذه الأبيات كثير ونظائره متسعة ونحن نذكر منها ههنا شيئاً وندع أشياء لمواضع أخر، فمن ذلك قول طفيل الغنويّ:
وكانَ هُرَيمٌ من سنانٍ خليفةًوعمرٍو ومن أسماءَ لمَّا تغيَّبوا
نجومُ سماءٍ كلَّما غارَ كوكبٌبدا وانجلتْ عنه الدُّجُنَّةُ كوكبُ
وأخذه الآخر فقال:
ألستَ ابن قعقاع تكلّله نُحْلُوعمّك إنْ عدّ العمومة صاحبُ
ومثله قول الخريميّ:
بقيَّة أقمار من العزِّ لو خبَتْلظلَّتْ معدّ في الدُّجى تتكسَّعُ
إذا قمر منها تغوَّرَ أو خبَابدا قمرٌ في جانبِ الأُفقِ يلمعُ
زياد الأعجم:
إذا مات منهم سيّد ودعامةبدا في ركاب المجد آخر صالحُ
السَّموأل بن عاديا:
إذا مات منهم سيّد قام سيّدٌقؤولٌ بأقوال الكرام فَعولُ
عبد الصمد بن المعذّل:
بنو قُتيبة نورُ الأرض نورُهمإذا خبا قمرٌ منهم بدا قمرُ
ابن أبي حفصة:
وأبناء عباس نجوم مضيئةٌإذا غابَ نجمٌ لاح آخر زاهرُ
وأما قوله: " أضاءت لهم أحسابهم " البيت، فكثير أيضاً، فمنه قوله:
وجوهٌ لو أنَّ المدلجين اعْتشَوا بهاصدعنَ الدُّجى حتَّى ترَى اللَّيلَ ينجلِي
والأصل في هذا المعنى قول امرئ القيس:
يُضيء الفراشَ وجهُها لضجيعِهاكمِصباح زيتٍ في قناديلِ ذُبَّالِ
ومثله للنابغة الذبياني:
وتخالُها في البيتِ إن فاجأتَهاقد كانَ مَحجوباً سراجُ الموقدِ
وأخذه قيس بن الخطيم فقال:
قضَى لها الله حينَ صوَّرهابأنَّها لا يُكنُّها سدَفُ
من ههنا أخذ أبو نواس قوله في صفة الخمر:
لا ينزلُ اللَّيلُ حيث حلَّتْفدهرُ شُرَّابها نهارُ
ومن المعنى الَّذي قدَّمنا ذكره:
من البِيضِ الوجوهِ بني سنانٍلو أنَّك تستضِيء بهم أضاءُوا
ومثله للعباس بن الأحنف:
ومحجوبَة بالسّتر عن كلِّ ناظرٍولو برزتْ باللَّيلِ ما ضلَّ من يسرِي
أقول لها والعِيسُ تُحدَجُ للنَّوىأعدِّي لفقدي ما استطعتِ من الصَّبرِ
أليسَ من الخسرانِ أنَّ ليالياتمرُّ بلا نَفع وتُحسبُ من عمري
وقال آخر:
نمشي على ضوءِ أحساب أضَأنَ لناكما أضاءتْ نجومُ اللَّيل للسَّارِي
قد ذكرنا في هذا الموضع من نظائر هذا المعنى ما فيه مقنع إلى أن يأتي ما نحتاج أن نذكر منها شيئاً آخر إن شاء الله، وإلى هذا نظر البحتري في قوله:
مَدَّ ليلاً على الكُماة فمايمشون فيه إلاَّ بضوء السُّيوفِ
وقال حاتم بن عبد الله الطَّائي:
أماوِيَّ إنْ يُصبحْ صداي بقفرةٍمن الأرضِ لا ماءٌ ولا خمرُ
ترى أنَّ ما أبقيتُ لم أكُ ربَّهوأنَّ يدِي ممَّا بخِلتُ به صِفرُ
ومثله للنمر بن تولب:
أعاذلَ أن يُصبح صداي بقفرةٍتنكَّبَ عنها صاحبِي وقريبِي
ترى أنَّ ما أبقيتُ لم أكُ ربَّهُوإنَّ الَّذي أمضيتُ كانَ نَصيبي
أعرابي:
هلاليَّة أو من نمير بن عامرٍبذي السّرح من وادِي المياهِ خيامُها
إذا ابتسمتْ في البيتِ والبيتُ مظلمأضاءَ دُجَى اللَّيل البهيم ابتسامُها
تكشُّفَ برقٍ من حَبِيّ تلألأتْبه سمحة الإيماض غرّ غمامُها
قد أكثر الشعراء قديماً ومحدثاً في ذكر الابتسام وتشبيهه بالبرق، وأسهبوا أيضاً في صفات الثغور وتشبيهها بالأقحوان والإغريض والبرد واللؤلؤ وغير ذلك، ونحن نذكر هنا من ذلك طرفاً وفي غير هذا الموضع أشياء بمشيئة الله وعونه، فمن أحسن ما قيل في الابتسام وأجوده وأملحه قول الشاعر:
أحاذِرُ في الظّلماء أن تستشِفَّنيعيون الغيارى في وميضِ المضاحكِ
هذا البيت أجود ما قيل في هذا المعنى، وما نعرف مثله حسن كلام وجودة معنى وإحكام بناء. ومن ذلك قول مسلم:
تبسَّمنَ فاستضحكن طامسةَ الدُّجَىعن الأُفقِ والظّلماء أوجهُها طُحْلُ
مثله أيضاً لحاتم:
يضيء بها البيت الظَّليلُ خَصاصُهُإذا هي ليلاً حاولتْ أنْ تبسَّما
ومثله:
كأنَّ ابتسامَ البرق بيني وبينَهاإذا لاحَ من بعضِ الحديثِ ابتسامُها
وهذان البيتان، وإن كانا للمتقدمين، فما يقصر بيت مسلم عنهما، بل هو أجود لولا استكراه في لفظه، وأما البيت الثاني الَّذي قدَّمناه فما لمسلم ولا لغير مسلم ممَّن أتينا بشعره أو نأتي، مثله، ولآخر في هذا المعنى:
يستَبرق الأُفُق الغربيُّ ما ابتسمتْبرقَ السُّيوف سِوَى أغمادِها القُضُبِ
ومثله لجميل:
وتبسم عن لمع البروق منصَّبٍأغرّ الذّرَى يُزجي صَبيراً منضَّدا
كشمس تجلَّتْ عن فُروج غَمامةٍوقد وافقتْ طَلْقاً من النَّجم أسعدا
وللبحتري:
فيرجع اللَّيل مبيضّاً إذا ضحكتْعن أبيضٍ خَصِرِ السمطَين وضَّاحِ
ومثله لذي الرمَّة:
إذا ما التقَين من ثلاثٍ وأربعٍتبسَّمنَ إيماضَ الغَمامِ المُكلَّلِ
وقال آخر:
إذا ما ابتسَمن حسبت البروقَبدتْ لك في اللَّيلة المُظلِمَهْ
قد ذكرنا ههنا طرفاً ممَّا ذكر به الابتسام، ونحن نأتي بما بقي في مواضع أخر من كتابنا هذا.
فأمَّا ذكر الثغور فإنَّ الشعراء قد أكثرت في وصفها، ونحن نذكر هنا شيئاً من ذلك، قال الشاعر:
ومجدولة جدلَ العنان خريدةلها شَعَرٌ جَعد وجسم منعَّمُ
وثغرٌ نقيّ اللَّون عذبٌ مذاقهتُضيء له الظَّلماءُ حين تبسَّمُ
قال آخر:
وشفَّ عنها خمارُ القزّ عن بَرَدكالبرقِ لا كَسَسٌ فيه ولا ثَعَلُ
كأنَّه أقحوانٌ بات يضرِبهُليلٌ من الدجن سقاطُ النَّدَى خضلُ
قد شاب هذان الشاعران شعرَهما في صفات الثغور بذكر الابتسام
لتقارب المعنيين، ومن جيد ما قيل في صفة الثغر ونادره قول مسلم بن الوليد:
تبسَّمنَ عن مثلِ الأقاحي تبسَّمتْله مُزنةٌ صَيفيَّةٌ فتبسَّما
وأحسن ما قيل في هذا المعنى للمتقدمين قول بشر بن أبي خازم:
يُفلِّجنَ الشِّفاه عن أقحوانجلاهُ غبَّ ساريةٍ قِطارُ
ويروى عن الأصمعي أنَّه قال: أحسن بيت ذُكر به الثغر بيت بشر هذا، وأحسن بيت قيل في فترة الجفون بيت ابن الرِّقاع:
وكأنَّها وسطَ النِّساءِ أعارَهاعَينَيهِ أَحورُ من جآذرِ جاسمِ
وَسْنانُ أقصدَهُ النُّعاسُ فرنَّقتْفي عينِه سِنَةٌ وليسَ بنائمِ
ولعمري أن بيتي ابن الرقاع هذين في نهاية الحسن، ونحن نأتي بالنظائر في تفتير العيون وسقامهنّ في مواضع أُخر. فأمَّا قوله إنَّ بيت بشر أحسن ما قيل في صفة الثغر فالأمر عندنا بخلاف ذلك. والَّذي عندنا أنَّ بيت مسلم، وإن كان قد أخذ المعنى من بشر، أجود تركيباً وأحسن لفظاً وأبلغ معنى. وبعدُ إنَّ للمحدثين في ذكر الثغور من البدائع ما لم يأتِ بمثلها المتقدمون وإن كانوا الإمام المتَّبع، ونحن نذكر ههنا شيئاً من قول الجميع ونذكر أول من اخترع المعنى من المتقدمين. وأوَّل من شبَّه الثغر بالأقحوان أبو دؤاد الإيادي بقوله:
قامتْ تُريكَ غداةَ البين مُنْسَدلاًوبارداً كأقاحِي الرَّملِ برَّاقا
ومنه أخذ سائر الشعراء هذا التشبيه، فممَّن أخذه النابغة:
تجلُو بقادمتَي حَمامة أيكةبَرَدا أُسِفَّ لِثاتُهُ بالأثمِدِ
كالأقحوان غداةَ غبّ سمائِهجفَّتْ أعاليه وأَسفلُه نَدِي
شبه شفتيها واللَّما الَّذي فيهما بقادمتي الحمامة، وهذا الريش الَّذي
في قوادم الجناح، لأنَّه أشدّ سواداً من الخوافي، فلذلك خصَّ القوادم بالتَّشبيه، ويجوز أن يكون إنَّما عنى أصابعها وشبهها بقادمتي الحمامة وذكر أن أطراف أصابعها مخضوبة وأنَّه نظر إليها وهي تستاك فشبه أصابعها بقوادم ريش الجناح، وهذان القولان جميعاً جائزان، وذكر الأصمعي أنَّه عنى سواد لحم الأسنان وذلك أنهم كانوا يدمون اللثة ثمَّ يذرون عليها الكحل لتسودَّ فيكون سوادها مع بياض الأسنان حسناً، وهذا أيضاً قولٌ. وقد أخذ جماعة من الشعراء هذا المعنى من النابغة، فأحدهم الأعشى في قوله:
تجلو بقادمتَي حمامة أيكةبَردا أُسِفَّ لِثاتُه بسوادِ
ذكر أنَّها لمياء الشفتين، والعرب إذا وصفت بياض الثغر خلطت بذلك سواد اللثة، وأول من اخترع هذا المعنى امرؤ القيس فقال:
منابتُه مثل السُّدوس ولونُهُكشوك السَّيَال وهو عذبٌ يفيضُ
السُّدوس: النِيلَنج، وهو أيضاً الطيلسان الأسود، والسَّيال: نبتٌ أصوله بيض أمثال الثنايا، فأخذ هذا المعنى الأعشى فقال:
باكرتْها الأعرابُ في سِنَة النَّومِ فتجرِي جلالَ شَوك السَّيالِ
وأخذه أيضاً أبو تمام فقال:
كانَ شوكَ السَّيال حُسنا فأمسَىوبه للعناد شوكُ القَتادِ
جوَّد أبو تمام هذا البيت والمعنى بذكره شوك السَّيال في حُسنه وشوك القتاد في صعوبته، وأخذ الأحوص معنى النابغة فقال:
تجلُو بقادمتَي قُمريَّةٍ بَرَداغُرّا في مجاري ظَلْمِه أشَرَا
وقال آخر:
تُريك ثغراً عذباً مقبَّلهُلا كسَسٌ عابَهُ ولا روَقُ
كأقحوان الكثيب باكرَهُ الطَّلُّ فأضحَى يهتزُّ يأتَلِقُ
وقال مسلم:
إذا ما اشْتَهَيْنا الأقحوانَ تبسَّمتْلنا عن ثنايا لا قصارٍ ولا ثُعْلِ
بيت مسلم هذا مثل البيتين الذين كتبناهما قبله إلاَّ أنَّه أحسن منهما لفظاً وأجود تركيباً، وقد أخذ طرفة بن العبد معنى النابغة فقال:
وتبسم عن ألْمَى كأنَّ منوِّراًتخلَّلَ حرَّ الرَّملِ دِعْصٌ له نَدِ
وقال أيضاً:
وإذا تضحك تُبدي حَبباًعن شتيتٍ كأقاحي الرَّمل حُرْ
بدَّلته الشَّمسُ من منبِتهبَرَدا أبيضَ مصقولَ الأشُرْ
روي عن الشعبي أنَّه كان يسأل جلساءه عن معنى هذا البيت فلا يجيبون، ثمَّ فسَّره لهم فقال: كان الغلام أو الجارية من غلمان العرب، إذا سقطت سنُّه، يقف بحذاء الشَّمس فيحذفُ بها ثمَّ يقول يخاطب الشَّمس: أبدليني بها سنّاً أحسن منها، فهذا معنى قول طرفة بن العبد الَّذي ذكرنا. وقال ساعدة بن جؤيَّة في ذلك وشبَّ الثغر بالأقحوان:
ومنَصّب كالأقحوان منَطَّقبالظّلْم مصقول العوارض أشنب
الظلْم، مسكن اللام: الماء الَّذي يشفّ في الأسنان لمن تأمَّلها. وروى بعضهم أنَّه سأل الخليل عن الظلم وكان الخليل يأكل رمّاناً فأخذ حبَّة من حبّ الرمّان وقال للسائل: هذا الظلم، يريد الماء الَّذي يشف في حب الرمّان، ويقال للثلج أيضاً الظلم وأنشد:
أفي شنباءَ مُشربَةِ الثَّنايابماء الظَّلْم طيبةِ الرضابِ
فهذا البيت شاهد في الثلج أنَّه يسمَّى الظلم، والعوارض: ما يبدو من الأسنان عند الضحك، ومنه يقال: فلانة مصقولة العوارض، والشنب: بَرد الفم ورقَّة الأسنان، وحدّ كلّ شيء غربه وهذا عندنا الصواب.
وقال آخر يُشبِّه الأسنان بالأقحوان:
ويضحك عن غرّ الثَّنايا كأنَّهذرى أقحوان نبتُه لم تنتَّلِ
وقال الأعشى:
وشتيتٍ كالأقحوان جلاه الطَّلُّ فيه عذوبة واتِّساقُ
وقال سعيد بن سمي:
تُجري السّواكَ على حُوٍّ مناصبُهكأنَّه أقحوان حين تبتسِمُ
وقال جميل:
بذي أُشُرٍ كالأقحوان يزِينهندى الطَّلِّ إلاَّ أنَّه هوَ أملَحُ
وقد شُبِّه الثغر أيضاً بالدُّرّ، قال الشاعر:
تبُذ بالحسن كلَّ جاريةكما يبُذُّ الكواكبُ القمَرُ
كأنَّ درّا نَظْماً إذا ابتسمتْمن ثغرها في الحديثِ ينتثرُ
ومن جيد ما وصف به الثغر قول الشاعر:
إذا ما اجْتلَى الرَّائي إليها بطرْفِهغروبَ ثناياها أضاءَ وأظلَما
أراد أضاء من الضوء والتألّق وأظلم من الظَّلم وهذا حسنٌ جداً. وقد شبه أيضاً الثغر بالإغريض وهو الطَّلْع ويقال البَرَد، وقال الشاعر:
ليالي تصطاد الرجال بفاحِمٍوأبيض كالإغريض لم يتثلَّمِ
ويقال الإغريض أيضاً للقطر الكبار أول ما تأخذ السحابة في المطر، قال الشاعر وذكر امرأة:
فدانَت سماحاً واستهلَّت دموعُهاكإغريض مُزنٍ حطَّمته الجنائبُ
وممَّن شبه الثغر بالبَرَد جرير بقوله:
تُجري السّواك على أغرَّ كأنَّهبَرَدٌ تحدَّر من متونِ غَمامِ
وقال رؤبة بن العجَّاج:
تَضحك عن أشنبَ عذبٍ مَلثَمُهْيكادُ شفَّافُ الرِّياح يرأمُهْ
كالبرق يجلو بَرَداً تبسُّمُهْ
وقال آخر:
إذا ضحكت لم تَبْتَهِر وتبسَّمتْعن أشنبَ لا كُسٍّ ولا متراكبِ
كنَور النقا أصبحتَه حين أظهرتله الشمسُ قرناً بعد نوءِ الهواضبِ
يزلّ الندى عنه ومن تحته الثرىبأجرعَ مَيْثٍ طيّب الرَّيقِ عازبِ
قد ذكرنا ها هنا قطعة من أشعار المتقدمين، وخلطنا بشيء يسير من أشعار المحدثين، إذ كانت أشعار المحدثين وتدقيقهم في المعاني أضعاف ما للمتقدمين؛ إلاَّ أن المتقدمين لهم الاختراع وللمحدثين الاتباع، ولو لم يكن للمحدثين في هذا المعنى غير قول أبي تمام والبحتري لكفاهم ذلك تجويداً وإصابة للمعنى وحذقاً به. قال أبو تمام في الثغر والابتسام:
وثناياك إنّها إغريضٌولآلٍ تُوام وبرقٌ وميضُ
فأتى البحتري شبيهاً به في قوله:
يضحكنَ عن بَرَد ونَور أقاح
ثمَّ زاد على هذا وعلى قول أبي تمام بقوله:
كأنّما يبسم عن لؤلؤٍمنظّم أو بَرَدٍ أو أقاحِ
فأتى في هذا البيت بأكثر ما وصفت به الثغور، وإنَّما أقصرنا عن أن نأتي بما نعرف للمحدثين في هذا المعنى ها هنا بحالين، إحداهما أنّه كثير متَّسع، والأخرى أنا نحتاج إلى أن نأتيَ به معنًى معنى في مواضع من الكتاب نضطر إليها.
خرج خِراشُ بن أبي خراشٍ الهذلي وعروة بن مرَّة، فأغارا على ثُمالة، فنذر بهما حيَّان من ثمالة يقال لأحدهما بنو دارم والآخر بنو هلال فأخذوهما فأمَّا بنو هلال فأخذوا عروة بن مرَّة فقتلوه، وأمَّا بنو دارم فأخذوا خراش بن أبي خراش فأرادوا قتله، فألقى رجل منهم عليه ثوباً وقال: انجُهْ، ففحص كأنَّه ظبي واتَّبعه القوم ففاتهم، وأتى أبا خراش فحدَّثه الخبر وعرفه أن بعضهم ألقى عليه ثوبه، فقال: وهل تعرفه؟ فقال: لا، فقال أبو خراش وذكر ذلك ورثى أخاه:
حمِدتُ إلهي بعد عروةَ إذ نجاخراش وبعضُ الشَّرِّ أهونُ من بعضِ
فوالله لا أنسَى قتيلاً رزِئتُهبجانب قَوسي ما مشتُ على الأرضِ
بلَى إنَّها تعفو الكلومُ وإنَّمانُوكَّلُ بالأدنَى واًن جلَّ ما يمضي
ولم أدرِ مَن ألقَى عليه رداءهُسوى أنَّه قد سُلَّ عن ماجدٍ مَحضِ
ولم يكُ مثلوجَ الفؤادِ مُهيَّجاًأضاعَ الشَّبابَ في الربيلةِ والخَفضِ
ولكنَّه قد نازعتهُ مخامِصٌعلى أنَّه ذو مِرَّةٍ صادقُ النهضِ
كأنَّهم يشَّبّثونَ بطائرٍخفيف المُشاشِ عظمُهُ غير ذي نَحضِ
يُبادرُ قربَ اللَّيل فهو مُهابِذٌيحثُّ الجناح بالتبسط والقبضِ
لا نعرف للعرب في معنى هذه الأبيات أجود منها، وله فيها أشياء نحن نبيّنها ونأتي بنظائرها، فمن ذلك قوله: " فوالله لا أنسى قتيلاً " البيت، وهذا من إفراط جزعه، ثمَّ تبيَّن أنَّه سيسلو فقال: " بلى إنَّها تعفو الكلوم " البيت، يقول: إنِّي وإن حلفتُ أنِّي لا أنسى هذا القتيل فإن الكلوم تبرأ فضربه مثلاً للمصائب التي تُنسى، يقول: يُنسى قديمها وتوكّلوا بحديثها وإن كان القديم جليلاً. وقوله: " نوكل بالأدنى " يقول: إنَّما نحزن على الأقرب فالأقرب، وكلّما تقادم الشيء نسيناه، ومثل هذا أو قريب منه قول الآخر:
كلَّما تبلَى وجوهٌ في الثَّرىفكذا يبلَى عليهنَّ الحَزَنْ
وقال أبو العباس ثعلب: قلت لأبي عبد الله محمد بن الأعرابي: هل تعرف مثل شعر أبي خراش هذا؟ وأنشدته الأبيات، فقال:
آخر ما شيء يَغُولكَ والأقدم تنساهُ وإنْ هوَ جَلْ
قد نَحدثْني الحادثات فلاأجزع من شيء ولا أجذلْ
هذا الشعر من العروض الثانية والضرب الرابع من السريع وبيته:
النشرُ مسكٌ والوجوه دنانيرُ وأطراف الأكُفِّ عَنَمْ
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع