تجاوز إلى المحتوى

من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)

الجزء الأول (٣)

قوله " حتَّى أسلم الماء غامره " يقول هزمناهم فملكنا ماءهم لهزيمتنا إياهم.

وقوله " انثّ عليه الغدر والرمح شاجره " زعم أنّه طعن رجلاً غادراً فلمّا طعنه ذكّره غدرَه.

أعرابيّ وأقاد السلطان أخاً له يقال له زيد بقتيل قتله اسمه أيضاً زيد:

علا زيدُنا يوم الوغى رأسَ زيدِكمبأبيَضَ من ماء الحديد
فإن تقتلوا زيداً بزيد فإنّماأقادكم السلطان بعد زمان

آخر قريب من معناه:

فإن تضربونا بالسِّياط فإنَّناضربْناكم بالبيض يوم الصرائمِ
وإنْ تَحلقوا منّا الرؤوس فإنَّناحلقْنا رؤوساً باللِّحى والغلاصمِ

عبّاد بن أنف الكلب الصيداوي من بني أسد:

دفَعْنا طريفاً بأطرافناوبالرّاح عنَّا ولم تدفعونا
فلمْ يبقَ إلاَّ التي حاولواوخِفنا وأحْرِ بها أن تكونا
فإنْ كان فيكم لكم ثروةفإنَّا عديدٌ وإن كان دونا
وإنا إذا قابلَتْنا السيوفوقد هاجت الحرب ضرباً ثبينا
وطاح الرئيس وهادي اللّواءولا تأكل الحربُ إلاَّ سمينا
وأعْصمَ بالصَّبر أهلُ البلاءفإنَّا هناك كما تعلمونا

قوله " دفعنا طريفاً " يقول دفعنا حربهم بكلّ ما نقدر عليه، وهو مثل قولهم: دفعتُه عنّي بالراحة فلم يندفع.

وقوله " فلم يبق إلاَّ التي حاولوا " البيت، يريد أنَّهم لا يندفعون عنّا وإن احتملناهم حتَّى يقع بيننا الحرب. ثمَّ خاطبهم فقال: إنكم وإن كانت لكم ثروة وعدد فإنا نحن أيضاً عديد وإن كان دونا، وهذا مثل قول الآخر:

أبا خُراشةَ إمّا كنتَ ذا نفَرِفإنَّ قوميَ لم تأكلهمُ الضَّبُعُ
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أبا خراشة أما كنت ذا نفر»

ومثله:

فقلتُ لها إنَّ الكرام قليلُ

ثمَّ ذكر الحرب وإنَّ الرئيس وحامل اللّواء يُقتلان لأنَّهما مشهوران، والحربُ لا تأكل إلاَّ السمين، وهذه استعارة حسنة، يريد أنَّ الفارس المشهور يقصده أعداؤه حتَّى يُقتل بشهرته ووضوح موضعه في الحرب. ورُوي عن الحسن أنَّه قال: لو نادى منادٍ أنَّ رجلاً من أهل الأرض في النار، لخفتُ أن أكون ذلك الرَّجُل.

قال عمرو بن كلثوم:

معاذَ الإله أنْ تَنوحَ نساؤُناعلى هالك أو أن نَضِجَّ من القَتلِ
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «معاذ الإله أن تنوح نساؤنا»
قِراعُ السيوف بالسيوفِ أحلَّنابأرض براحٍ ذي أراك وذي أثلِ
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «معاذ الإله أن تنوح نساؤنا»
فما أبْقَتِ الأيامُ مِلْمالِ عندناسِوى جِذْم أدواد تُعينُ على الأزْلِ
ثلاثةُ أثلاثٍ فأثْمانُ خَيلناوأقواتُنا وما نسوق إلى العقْلِ
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «معاذ الإله أن تنوح نساؤنا»

أما قوله " معاذ الإله أن تنوح نساؤنا " البيت، فقد تناوله بعض الشعراء بأسره فقال:

معاذ الإله أن تنوح نساؤناعلى هالكٍ منَّا وإنْ قُصم الظَّهرُ

وأخذه آخر فقال:

فُجعوا بذي الحسب الصميم فأصبَحُوالا مُبْلسين ولا كِظاما وُجَّما
حتَّى كأنَّ عدوَّهم ممَّا يرَىمن صبرهم حسِبَ المصيبة أنعُمَا
للشاعر الجرنفش الطائي، اقرأ القصيدة

وأخذه آخر فقال:

هم القَوم لا يخشَون حَربا مضرَّةًوإن قتلوا لم يقشعِرُّوا من القتلِ

وأخذه أبو تمام فقال:

مسترسلين إلى الحتوف كأنَّمابين الحتوف وبينهم أرْحامُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

وقوله: " قراع السيوف بالسيوف " البيت، قد ذكرنا شيئاً من نظائر هذا البيت فيما تقدم من هذا الكتاب، فممَّا لم نذكر قول ابن الخرشب:

نزلْنا على رغم العِدى في مفازةمعاقلُنا فيها السُّيوف الصَّوارمُ

وقال التغلبي في هذا المعنى أيضاً:

لنا حصونٌ من الخطّيّ عاليةٌفيها جداولُ من أسيافنا البُتُرِ
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «لنا حصون من الخطي عالية»
فمن بنَى مَدَرا من خوف حادثةفإنَّ أسيافَنا تُغني عن المَدَرِ
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «لنا حصون من الخطي عالية»

وقد جوَّد هذا الشاعر وما قصَّر، وأصاب تشبيه السيوف إذ جعلها مثل الجداول لكثرة مائها وائتلافها، ثمَّ ذكر أنَّها تغني عن الحصون المبنية من المدر.

وقوله: " فما أبقت الأيام " البيت والَّذي يليه، فقد جوَّد فيما ذكر وأحسن القسمة في البيت الأخير إذ جعل جِمالهم ثلاثة أقسام، فقسم يُصرف في أثمان الخيل إذ كانت حصونهم التي يلجأون إليها ويبلغون بها الغايات ويدركون بها التِرات، وقسم في أزوادهم وأقواتهم وما يَقرون ضيوفهم، وقسمٌ يسوقونه في ديات من يقتلون، ولا نعلم أحداً اتَّفق له في بيت واحد ولا أبيات كثيرة كما اتَّفق لهذا من صحة القسمة وشرح الأبواب التي تصرف فيها.

المجنون:

وما بِنتُ إلاَّ خاصم البينُ حبّهابحالين من قلبي مطيع وسامع
تبارك ربِّي كم لليلى إذا انتحَتْبها النَّفس عندي من حميمٍ وشافعِ

قيس بن زهير العبسي:

تركتُ النهاب لأربابهوأكرهتُ نفسي على ابن الصَّعِقْ
جعلتُ يديَّ وشاحاً لهوبعضُ الفوارسِ لا يعتَنِقْ

قد ذكرنا كما تقدَّم أن أصل هذا المعنى بيت عنترة:

ينبِئك من شهد الوقيعة أنَّنيأغشَى الوغى وأعفُّ عند المغنمِ

وذكرنا معه شيئاً من نظائره، فلما وقفنا على هذا البيت علمنا أنَّه الأصل فإن قال قائل: قيس بن زهير وعنترة بن شدَّاد العبسيّين في عصر واحد، قلنا: صدقت، إلاَّ أنَّ قيس بن زهير كان أكبر من عنترة بدهر طويل. وأخرى أن هذا الشعر قاله قيس في آخر حرب داحس، وهو الوقت الَّذي قَتل فيه خالد بن جعفر العامريّ زهير بن جذيمة العبسيّ، في أسره عمرو بن الصعق العامريّ، وما نحسب أنَّ عنترة كان وُلد في ذلك الوقت، وإنَّما لحق عنترة آخر أيام عبس وذبيان بعد يوم جَبَلة، وإنَّما ثبتت شجاعته في يوم عُراعر

ويوم الفَروق وهذان اليومان بعد يوم جبَلة، ويوم جبلة كان وقد مضى من حرب داحس شبيه بخمسين سنة. وجوَّد أيضاً قيس في قوله: " جعلتُ يديَّ وشاحاً له " البيت، يقول: إن أكثر الفرسان يطعن برمحه وبسيفه ولا يعتنق إلاَّ الواحد من العدد الكثير. ومن جيد ما قيل في هذا المعنى الَّذي قدَّمنا ذكره وأقدمه قول عمرو بن كلثوم التغلبي:

فآبوا بالنهاب وبالسباياوأبْنا بالملوك مصفَّدينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

قالت هند بنت عتبة لعنه الله تعيِّر بنت عمّها، رملة بنت شيبة، لما أسلمت:

لحَاها الله صابئةً بوَجٍّومكَّة أو بأطراف الحجونِ
تدين لمعشر قتلوا أباهاأقتلُ أبيكِ جاءكِ باليقينِ
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «لحاها الله صابئة بوج»

المطوّح بن عثمان التغلبي:

إذا فخرتْ يوماً نُمير فقل لهاذروا الفخر إنَّ الفخر مسلكه صعبُ
للشاعر المطوح بن عثمان التغلبي، اقرأ القصيدة
نفاكم عن الدَّار التي كنتم بهارجال كرام من بني تغلب غُلبُ
للشاعر المطوح بن عثمان التغلبي، اقرأ القصيدة
هم أنكحوا بالغصبِ من فتياتكمجهاراً ومن شرِّ المجاهرة الغصبُ
للشاعر المطوح بن عثمان التغلبي، اقرأ القصيدة
وما كانَ منَّا عند قوم سبيَّةوما كانَ من أموالنا عندهم نهبُ
للشاعر المطوح بن عثمان التغلبي، اقرأ القصيدة
وما نالنا من معشر في ديارِناولا طَرَدتْنا عن منازلنا الحَربُ
للشاعر المطوح بن عثمان التغلبي، اقرأ القصيدة

أخذ الحارث بن غزوان الزيديّ التغلبيّ قوله " وما كان منا عند قوم سبيّة " البيت، فقال:

أراني كلَّما ناسَبْتُ حيّاأرى لي من كرام النَّاس خالا
وما تحتَ السماء لنا ابن أختبمُردفةٍ عليها القدحُ جالا

في قوله هذا زيادة بيِّنة على قول من تقدَّمه لأنه ذكر أنَّه ما ناسب أحياء العرب إلاَّ وجدهم أخواله لكثرة ما سبَى قومُه من نسائهم، ثمَّ قال: " وما تحت السماء لنا ابن أخت " لعزّنا وسطوتنا وإنَّه لا يرام ذلك منّا ولا تُسبى لنا امرأة فيضرب من سباها عليها بالقدح لأيّهم تكون، وفي البيت الأول أيضاً شيء من ذكر العزّ، يقول: إنّ أموالنا ليست تُرام فما انتهب أحد قطّ شيئاً من مالنا.

أعرابيّ يهجو امرأته:

خرقاءُ بالخير ما تُهدى لوِجْهتهوهيَ صَناعُ الأذى في الأهلِ والجارِ
ليستْ بشَبْعى ولو أوردتَها هَجَراًولا بريّا ولو حلَّتْ بذي قارِ

إلى هذا نظر هذا القائل:

كالحوت لا يكفيه شيءٌ يلهَمُهْيُصبحُ ظَمآنَ وفي البحر فَمُهْ

ولآخر يخاطب امرأته:

يا رُبَّ مثلكِ في النساءِ عزيزةٍبيضاء قد روَّعتُها بطلاقِ
لم ندرِ ما تحتَ الضُّلوع وغَرّهامنّي تجمّل عِشرتي وخلاقي

أعرابيّ من بني شَيبان:

ومالِي من ذنبٍ إليك عملتُهسِوى أنَّني من رهط بكر بن وائلِ
من الربعيين الذين سيوفُهممجرَّدةٌ في كلِّ حقٍّ وباطلِ

أعرابيّ يمدح معن بن زائدة، ويهجو روح المهلّب:

لئن كانَ معن زان شيبان كلّهالقد شانَ روحٌ كلّ آلِ المهلَّبِ
رفِيع بجدَّيه وضيع بنفسِهلئيمٌ مُحيَّاه كريم المركَّبِ

أخذ أبو تمام قوله: " رفِيع بجدَّيه وضيع بنفسِه " البيت، فقال:

يا أكرمَ النَّاس آباءً ومفتخَراًوأَلأَمَ النَّاس مَبلُوّاً ومُختبرا
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «يا أكرم الناس آباء ومفتخرا»
يُغضِي الرجالُ إذا آباؤه ذُكرواله ويُغضي إذا ما لؤمُهُ ذُكرا

والشعر الأول الَّذي أخذ أبو تمام هذا المعنى منه أجود من قول أبي تمام وأحسن تركيباً وتقسيماً وأبلغ في المعنى، وقد ألمَّ بهذا المعنى جماعة من الشعراء، فقال بعضهم:

إن قلتَ كانَ أبي في بيت مكرمةٍقلنا صدقتَ ولكن بئسَ ما ولَدا

وأتى به آخر فقال:

أبوك أبٌ حرٌّ وأُمك حرَّةٌوقد يلدُ الحُرَّانِ غيرَ نجيبِ
فلا يعجبنَّ النَّاسُ منك ومنهمافما خَبَثٌ من فضَّةٍ بعجيبِ

ولابن المعتز يخاطب به رجلاً فيقول: إنك كريم الآباء لئيم النفس، وهو:

حتَّى كأنَّك نِقمة في نِعمةٍأو ثُومةٌ في روضةٍ من نرجسِ

وقال الله تعالى:) يخرج الخبيثَ من الطيِّب (والشعر في مثل هذا المعنى كثير، وهو يجيء في مواضع أُخر إن شاء الله.

أعرابيّ ذكر سيفاً:

وصافي الفرنْدِ كأنَّ الدّبَىعَلاه فغادرَ فيه أَثرْ
يُرقرقُ للشَّمس في متنِهِشعاعٌ يحسّر عنه النَّظرْ
سريع إذا استكرهته اليمينكأنَّ معاً وِردَه والصَّدَرْ
تبيتُ المنيَّةُ في حدِّهوتُلحقُهُ بصروف القدرْ

آخر:

وقلنا لهم ثِنتانِ لا بدَّ منهماصدورُ رِماح أشرِعتْ أو سلاسلُ
لهم صدرُ سَيفي يومَ صحراء سَحْبَلِولي منه ما ضُمَّتْ عليه الأناملُ
إذا ما ابْتدرنا مأزِقاً فرجَت لنامَضائقهُ بيضٌ جلَتْها الصَّياقلُ

الرواية " بأيماننا بيض ". أما قوله: " وقلنا لهم ثِنتانِ " البيت، فإنَّه ذكر أنهم قالوا لأعدائهم من عزّهم وسطوتهم واقتدارهم عليهم: إمَّا أن تختاروا القتل بصدور الرماح أو الشد بالسلاسل في الأسرة.

وقوله: " لهم صدر سيفي " البيت، فمثل قول الآخر، ولا ندري أيّهما أخذ من صاحبه:

نقاسمهم أسيافَنا شرَّ قسمةٍففينا غواشيها وفيهم صدورُها
للشاعر جعفر بن علبة الحارثي، من قصيدة «ولا يكشفُ الغَّماءَ إلاَّ ابنُ حُرَّةٍ»

أعرابي من بني تغلب:

يناديني لأنظرَهُ بريمٌفدَعْني إنَّما أربأْ أمامِي
دَلَفْتُ له بأبيضَ مَشرفيٍّكما يدنو المُصافحُ للسَّلامِ
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

يقول: دعاني بريم لأنظر إلى مواقفه في الحرب، فقلت له: دعني فإنِّي أُريد التقدم أمامي في القتال. ثمَّ قال: " دَلَفْتُ له بأبيضَ مَشرفيٍّ كما يدنو المُصافحُ للسَّلامِ " يقول: إنِّي أدنو إلى قِرني غير مرتاع منه كما يدنو من يريد مصافحة صديقه والسلام عليه، ومن هنا أخذ البحتري قوله:

تسرَّعَ حتَّى قال من شهِد الوغَىلِقاء أعادٍ أو لقاء حبائبِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «هبيه لمنهل الدموع السواكب»
لقد كانَ ذاك الجأشُ جأشَ مُسالمٍعلى أنَّ ذاك الزِّيَّ زيّ محاربِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «هبيه لمنهل الدموع السواكب»

ومثله قول أعرابي قديم:

حنَّتْ لهم بكرٌ فلم تسْتطِعْهمُكأنَّهم بالمشرفيَّة سامرُ

يقول: كأنَّهم قوم يتحدثون في سامرٍ، ليس عليهم روع الحرب ولا جزع القتال.

الضحاك بن عمرو العدواني:

فإن لا أمُتْ أشهدْ سوابقَ غارةتُساقي المنايا بالوشيج المقوَّمِ
بكلِّ رُدَينيّ كأنَّ سِنانهسَنا لهبٍ في عارضٍ متضرّمِ
لكم صعدةٍ دنّستُ بالطعن لونَهابمُعتبط من قانئِ الجوف أسْحمِ
سقاها فروَّاها من الدَّم فانطوَتعلى عَلَق في ثعلبٍ متهضمِ

قوله: " في ثعلب متهضمِ " قريب من قول البحتري: " أو نثر القناة كعوبا " وفي مثله: " وفي صُلبه ثعلب ينكسِر ".

عبد الله بن الحارث:

إذا طلعتْ شمس النهار مريضةًوجُرّد بالأيدي السيوفُ القواطعُ
وأشرِع أطرافُ الرِّماح كأنَّهاحبالُ جَرورٍ مدَّهن النوازعُ

قوله: " إذا طلعتْ شمس النهار مريضةً " يقول: إنَّ يوم الحرب يكسو نور الشَّمس بما يرتفع من الغبار كأنَّها مريضة.

وقوله في وصفه الرماح: " وأشرع أطراف الرِّماح " البيت، مثل قول عنترة بن شداد:

أشطانُ بئرٍ في لبان الأدهم

والجرورُ: البئر البعيدة القعر، وقد أخذه ابن المعتز فقال:

وصَعدةٌ كرشاء البئرِ ناهضةٍبأزرقٍ كاتِّقاد النَّجم يقظانِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «يا دار يا دار أطرابي وأشجاني»

وروي عن بعض الأعراب أنَّه سُئل عن وقعة كانت لهم فقال: لمَّا لقيناهم جعلنا الرماح أرشِيةً لمناياهم، فنزحنا بها ركايا نفوسهم. والبيت الأول أجود ممَّا ذكرنا بعده لأنه جعل الرماح الطوال وزعم أنَّها لا تكون إلاَّ مع الشجعان لحذقهم بالطَّعن، قال زياد الأعجم:

لعمرك ما رماح بني نُميربطائشةِ الصُّدور ولا القِصارِ

ويروى أن امرأة من بني نُمير أُحضرت، فاجتمع حولها قومُها ليلقِّنوها الشهادة، فقالت لهم: من القائل: " لعمرك ما رماح بني نُمير " البيت؟ فقالوا: زياد الأعجم، قالت: فبكَم يجوز أن أتصدَّق من مالي؟ قالوا: بثلثه، قالت: فأُشهدكم أنَّه له. فأما قول عنترة: " أشطانُ بئر في لبان الأدهم "، فيجوز أن يكون أراد طولاً، ويجوز أن يعترض عليه معترضٌ فيُعلّ بيته، إذ لم يذكر طولاً ولا قصراً. وأما بيت ابن المعتز فهو ناقص لأنه ذكر " صَعدة " وهو الرمح القصير عندهم بغير شك.

وقال في رمح وسنان:

له فارطٌ ماضي الغِرار كأنَّههلالٌ بدا في آخر الليل ناحلُ
أصَمّ إذا ما هُزَّ مارتْ سَراتُهُكما مار ثعبانُ الرّمالِ الموائلُ
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة

أعرابي:

لقد علمتْ عرسي أُمامةُ أنَّنيطويلٌ سنا ناري بطيء خمودُها
إذا حلَّ أضياف الفلاة فلم أجدسوى خشب الأطناب شبّ وقودُها
إذا لم تجد إلاَّ الكريمةَ للقِرىفرِدْ نفسَها إنَّ المنايا تُريدُها

آخر:

إذهبْ فلا يُبعدنك اللهُ من رجلٍدفَّاع ضيم وطلاَّبٍ بأوتارِ
قدْ كنتَ تحمل قلباً غير مهتضممركَّباً في نصابٍ غيرِ خوَّارِ
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يا عين فيضي بدمع منك مغزار»

جميل:

وقد زعمتْ أنِّي سأرضي بها العدَىسرقت إذاً يا بثن زادَ رفيقي
عمِيتُ إذاً يا بثن حتَّى يقودنيإليك العِدَى لا أهتدي لطريقي

الشَّمردل اليربوعيّ:

ألا لا أُبالي من أتاه حمامُهُإذا ما المنايا عن بجير تجلَّتِ
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
يكون أمام الخيل أوَّلَ فارسويضرِبُ في أعجازها إنْ تولَّتِ
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة

ومن هذا أخذ البحتري قوله:

طليعتهم إن وجَّه الجيشُ غازياًوساقتهُم إن وجَّه الجيشُ قافِلا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أرى بين ملتف الأراك منازلا»

وقد ذكرنا نظائر هذا المعنى، وأكثرها فيما كتبنا في هذا الكتاب، وبقيت تأتي في مواضع أخر.

أعرابي وذكر قوماً أبادهم الدهر:

ولقد ترَى ناديهم وكأنَّهطوق المجرَّةِ غُرَّةً وتماما
أُمراء غير مؤمَّرين ترى لهمأمراً وهم من قدرهم إعظاما

مثل هذا قول الآخر:

إنَّ الأميرَ هو الَّذييضحي أميراً عند عزلهْ
إنْ زال سلطان الإمارة كانَ في سلطان فضلِهْ

أعرابي:

لا تَبحثَنْ مولاكِ عمَّا بقلبهولا ترتَقي مرقاتَه حين يغضبُ
فبعضُ اجْتماع الحيّ أطوع فرقةوبعضُ التَّنَحِّي من صديقك أقربُ

هذا المعنى كثير جداً، ولو ذهبنا إلى استقصائه كان كتاباً منفرداً، وإنَّما نأتي من النظائر بما عزّ وقلّ في أيدي الناس، ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول سعيد بن حميد:

رُبَّ هجر يكون خيفة هجروفراقٍ يكون خوف فراقِ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة

ومن أحسن ما قيل في مشي النساء ما قال بعض الأعراب:

فقمن بطيئاً مشيهن تأوّداعلى قصبٍ قد ضاقَ عنه خلاخِلُه
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة
كما هزَّت المرّانَ ريحٌ فحرَّكتأعاليَ منه وارْجحنَّتْ أسافلُه
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة

أعرابي:

فيا لله يشتمني قعينتعالى اللهُ ربِّي ذو الجلالِ
فتى إن يرضَ لا ينفعْك شيئاًوإن يغضبْ فإنَّك لا تُبالي

وقد أخذه ابن الرومي فقال:

غضبتَ وطُلْتَ من سفه وطَيشتهزهزُ لحيةً في قدِّ رُقْشِ
فما افترقتْ لغضبتك الثّريَّاولا اجتمعتْ لذاك بناتُ نعشُ

وقول ابن الرومي هذا أجود من الأول لفظاً وزيادةً في المعنى، ومثل الأول قول الآخر:

أبو عامر كالنَّاس يرضَى ويغضبُويبعد في بعضِ الأمور ويقربُ
ولكن رضاه ليس يُجدي قلامةًفما فوقَها وسخطه ليس يرهبُ
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة

أخيرُ من هذا كلّه قوله:

أرعِدْ وأبرِقْ يا يزيدُ فما وعيدُك لي بضائرِ

ولشتَّان بين قول هذا في الغضب وقول جرير:

إذا غضبتْ عليك بنو تميمحسبتَ النَّاس كلَّهم غِضابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

وبين قول بشار بن برد:

إذا ما غضِبْنا غضبةً مضَرِيَّةًهتكْنا حجابَ الشَّمس أو قطرتْ دما
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

ومثل المعنى الأول في الاستهانة بالغضب قول أبي على البصير:

يا أبا العَيناء لا تَغْضَبْ وإنْ تغضبْ فأَهوِنْ

الأعشى:

أبا لِموتِ خَشَّنني عباد وإنمارأيتُ منايا القوم يسعَى دليلُها
فما مِيتةٌ إنْ مُتُّها غير عاجزٍبعارٍ إذا ما غالتِ النفسَ غُولُها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «لميثاء دار قد تعفت طلولها»

وله:

أبا ثابتٍ لا تعلَقَنْكَ رماحُناأبا ثابت واقعُدْ فإنَّك طاعمُ
طعامَ العراق المستجادَ الَّذي ترَىوفي كلِّ عام كسوة ودراهمُ

فأخذ هذا المعنى الحطيئة فزاد على الأعشى زيادة بيّنة بقوله:

دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيَتِهاواقعدْ فإنَّك أنتَ الطَّاعمُ الكاسي
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

وما أقرب هذا المعنى من قول الآخر:

إذا ما كنت ذا أكل وشُربفلا تطمَحْ إلى نيلِ المعالي

هذا ضد قول امرئ القيس:

فلو أنَّ ما أسعَى لأدنَى معيشةٍكفاني ولم أطلبْ قليل من المالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»
ولكنَّما أسعَى لمجد مؤثَّلٍوقد يُدركُ المجدَ المؤثلَ أمثالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

أعرابي من بني عامر وخطب امرأة منهم كانت قد تزوَّجت قبله وكان لها مال فلم تتزوجْه وردَّته فقال:

أترجو العامريَّة زوج صدقٍوقد زادتْ على مائة سنُوها
يُطفطفُ ما يريد الزوج منهاوأنْتنَ في طويل العمر فُوها
ونُقِّل رحلُها في كلِّ حيٍّوجرَّبتِ الرجالَ وجرَّبوها
فما وجدوا مناسبَها كراماًولا هُم عند خلوتها رضُوها
ولا هي بالولود لمن أتاهاولو ولدتْ لَشينَ بنُوها
وفيها لابنها خِزيٌ طويلٌكما قد كانَ أخزاها أبُوها

عمرو بن معد يكرب:

أعاذلَ إنَّما أفنَى شبابيركوبي في الصِّريخِ إلى المنادِي
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أعاذل إنما أفنى شبابي»
أعاذلَ شِكَّتى بدَنِي ورُمحيوكلّ مقلّص سلِس القِيادِ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»

ومثله قول الآخر:

وأفنَى شبابي قِراع الكُماةوإلجام خيل وإسراجُها

وقال آخر:

إنَّما أفنَى شبابي أنَّنيأركبُ اللَّيلَ إذا نامَ الدثورُ

قد تقدَّم شيء من نظائر هذا المعنى في صدر هذا الكتاب.

سلمة بن رِشْك اليشكريّ:

عاودَ القلب خبالٌ رَدَعَهْكلَّما قلتُ تناهى صَدَعَهْ
للشاعر سلمة بن رِشْك اليشكريّ، اقرأ القصيدة
وجوى من حبِّ سلمى مضمرٌأتعبَ القلبَ وأبْدى جزعَهْ
للشاعر سلمة بن رِشْك اليشكريّ، اقرأ القصيدة
وصديق السُّوء لا تأخذهبل جميلُ الرَّأي في أن تدعَهْ
للشاعر سلمة بن رِشْك اليشكريّ، اقرأ القصيدة
فاجْتَنِبْه واجتنبْ أشياعَهُإنَّ من آخَى لئيماً وضعَهْ
للشاعر سلمة بن رِشْك اليشكريّ، اقرأ القصيدة

أما قوله: " إنَّ من آخى لئيماً وضعه " مثل قول الأنصاري:

سَلِي عن جليسي من الندِيّ ومألَفِيومن هوَ لي عند الأمور ظهيرُ

وقريب منه قول علي بن الجهم:

نبيلُ الصديق والعدوّ وإنَّمايعادي الفتَى أكفاءه ويُصالحُ

إلاَّ أنَّ بيت علي بن الجهم أشد استيفاء للمعنى وأحسن في اللفظ ممَّن تقدمه، وما يعرف في هذا المعنى مثل بيت عليٍّ هذا جودةً وفصاحة وحسناً.

ومثله:

يُقاسُ المرءُ بالمرءِإذا ما المرءُ ماشاه

والأصل في هذا قول عدي بن يزيد:

عن المرءِ لا تسأل وسل عن قرينهفإنَّ القرين بالمقارنِ مقتدي
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أتعرِف رسم الدار من أم معبد»

أعرابي من كندة:

إن تهجُ كندةَ ظالماًلم تنجُ من أظْفارها
وهُم إذا ما الحربُ شبَّتْ يصطلون بنارِها
واعلمْ بأنَّك والمليكَ لشاربٌ بعُقارها
إنْ لم تُصبك بنارهايتلِفْك حرُّ شرارها

الأخطل:

لعمري لئن أبصرتُ قصدي لربَّمادعاني إلى البِيض الحِسان دليلُها
للشاعر الأخطل، من قصيدة «دنا البين من أروى فزالت حمولها»
ووحشٍ أرانِيه الصِّبا فاقتنصتُهُوكأس سُلافٍ باكرتْني شَمولُها
فما لبَّثتْني أنْ حنَتْني كما ترَىقصيرةُ أيَّام الفتَى وطويلُها
للشاعر الأخطل، من قصيدة «دنا البين من أروى فزالت حمولها»
وما يَزدهيني في الأمورِ أخفُّهاولا أضلعَتْني حين نابَ ثقيلُها
للشاعر الأخطل، من قصيدة «دنا البين من أروى فزالت حمولها»

آخر:

قومي هم قتلوا أُميم أخيفإذا رميتُ يُصيبُني سهمي
للشاعر الحارث بن وعلة الرقاشي، اقرأ القصيدة
فلئن عفوتُ لأعفُونْ جَلَلاًولئن قتلتُ لأُوهِنَنْ عَظمي

قد تقدَّم لهذا المعنى فيما كتبناه نظائر كثيرة، وممَّا لم نكتب منها قول العبديّ:

نُطاعنُ قومَنا بمثقَّفاتٍتردّ القِرنَ منجدلاً نزيفا
ولم أرَ مثلَنا يومَ التقيْنَاتَفُلُّ سيوفُنا منَّا سُيوفا

وهذان البيتان من أحسن ما قيل في هذا المعنى وصفاً ولفظاً، ولقد جوَّد أبان العنبريّ أيضاً في قوله وذكر هذا المعنى:

نُغادي آل مرَّة كلّ يومٍبأسيافٍ وأرماح لِدانِ
ونعلمُ مثلَ علمهمُ بأنَّانُقطِّعُ بالبَنان قوى البنانِ

أعرابي من بني الحارث بن كعب:

بني عمّنا لا تَنطقوا الشعرَ بعدَمادَفنتُم بصحراء الغَميم القوافِيا
فلسْنا كمن كنتم تُصيبونَ مرَّةًفنقبَل ضَيماً أو نحكِّم قاضِيا
ولكنَّ حكم السَّيف فينا محكَّمٌفنرضَى إذا ما أصبح السيفُ راضِيا
فإنْ قلتمُ إنَّا ظلمنَا فلم نكنْظلمنا ولكنَّا أسأنَا التَّقاضِيا
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «وعدتم وأعطيتم مدى المطل حقه»

آخر:

إذا ما أراد اللهُ ذلَّ عشيرةٍرماها بتشتيتِ الهوَى والمجادلِ
وأوَّل عجز القوم عمَّا ينوبُهمتدافعُهم عنه وطولُ التواكلِ
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة

الأحيمر السعديّ وطرده قومه لكثرة جناياته:

وإنِّي لأستَحْيي من الله أنْ أُرَىأُجرِّرُ حبلاً ليس فيه بعيرُ
للشاعر الأُحَيمِر السَعدي، اقرأ القصيدة
وأنْ أسألَ الوغدَ البخيلَ بعيرَهوبُعْرانُ ربِّي في البلادِ كثيرُ
عوَى الذئبُ فاستأنستُ للذئب إذ عوَىوهينَمَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ

بعض الأعراب:

رُجحٌ فلسنَ من اللَّواتي بالضُّحىلذيولهنَّ على الطريقِ غُبارُ
وإذا خرجنَ يعدنَ أهل مصيبةٍكانَ الخُطا إسراعُها الأشبارُ
يأنَس عند بعولهنَّ إذا خلَوْاوإذا هُم خرجوا فهنَّ خِفارُ
وكلامهنَّ كأنَّما مرفوعُهُبحديثهنَّ إذا التقينَ سرارُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أعرفت بين رويتين وحنبل»

من ههنا أخذ أبو تمام قوله:

فالمشيُ همس والنداءُ إشارةخوفَ انتقامك والحديثُ سرارُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»

جرير:

طرقتْ نواحلَ قد أضرَّ بها السُّرىبرِحتْ بأذرعها نتائفَ زُورا
مشق الهواجرُ لحمهنَّ مع السُّرىحتَّى ذهبنَ كلاكِلاً وصُدورا
للشاعر جرير، من قصيدة «صرم الخليط تباينا وبكورا»
حور يُربِّبُها النعيمُ وصادفتْعَيشاً كحاشية الفرند غريرا
ما قاد من عرب إليَّ جوادهمإلاَّ تركتُ جوادهم محسورا
للشاعر جرير، من قصيدة «صرم الخليط تباينا وبكورا»
وإذا هززْتُ قطعتُ كلَّ ضَريبةومضيتُ لا طَبِعاً ولا مبهورا

جميل:

ألا يا خليل النَّفس هل أنت قائلٌلبثنة سرّاً هل إليك سبيلُ
فإن هي قالت لا سبيلَ فقل لهاعناءٌ على العذريِّ منكِ طويلُ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «ألا هل إلى إلمامة أن ألمها»

أعرابي:

وربَّ مصاليط نشاط إلى الوغىسِراع إلى الدَّاعي كرامِ المقادمِ
أخضتُهم بحر الحِمام وخُضتُهرجاءَ ثوابٍ لا رجاءَ المغانمِ
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
فأُبْنا وقد حزنا النهابَ ولم نُردسوى الموتِ غنماً وابتناء المكارمِ

أعرابي يمدح ابنه:

تنجَّبْتُها للنسل وهي غريبةفجاءتْ به كالبدرِ خِرقاً مُعمَّما
فلو شتم الفتيان في الحيِّ ظالماًلما وجدوا غير التَّكذُّب مَشتَما

المعمَّم عندهم السّيد يلجأون إليه في النوازل، وكذلك المعصَّب، ومثله:

منعتُ من العُهَّار أطهارَ أُمِّهوبعض الرِّجال المدَّعين غثاءُ
فجاءتْ به عبلَ الذِّراع كأنَّماعِمامتُهُ فوق الرِّجال لواءُ

" عمامته فوق الرجال لواء " معنى جيّد، وهم يصفون السيد بالطُّول، والأصل في ذلك قول عنترة:

بطلٌ كأنَّ ثيابَه في سرحةٍيُحذَى نعالَ السَّبتِ ليس بتوأَمِ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

أخذه أبو نواس فقال:

أشمُّ طوالُ السَّاعدَين كأنَّمايُناط نِجاداً سيفِه بلواءِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لقد طال في رسم الديار بكائي»

وردَّه في موضع آخر فقال:

غَمَرَ الجماجِمَ والرِّجالُ قيامُ

وهذا كثير ونحن نأتي به في موضعه.

أعرابيّ:

أَلا قالت الخنساء يوم لقيتُهاكبرتَ وما تجزع من الشَّيب مَجْزَعا
رأتْ ذا عمًى يمشي عليها وشيبةًتقنَّعَ منها رأسُهُ ما تقنَّعا
فقلتُ لها لا تهزئي بي فقلَّمايسودُ الفتَى حين يشيبَ ويصلَعَا
وللقارحُ اليَعبوبُ خَير عُلالةًمن الجذَع المُزجَى وأبعدُ منزَعا

قوله: " وللقارحُ اليَعبوبُ " البيت، معنى جيد، يريد أن الكهول الذين لاقوا الحروب دفعة بعد أخرى أصبرُ عليها وأقدم فيها من الشَّباب، مثله:

وابنُ اللَّبونِ إذا ما لزَّ في قرَنٍلم يستطع صولةَ البُزْلِ القَناعيسِ
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الهدملة من ذات المواعيس»

معنى جيد يريد أن الكهول الذين قد لاقوا الحروب دفعة بعد أخرى أصبر عليها وأقدم فيها من الشباب الذين لم يتمهَّروا فيها وهم أيضاً أشحُّ على الحياة من الكحول، والكهول أيضاً يعلمون ما في الفرار من العار والقالة القبيحة فهم يقدمون خشية ذلك. ومثل هذا المعنى قول الشاعر:

لعمركُ للشبانُ أسرع غارةًوللشيبُ إنْ دارتْ رحى الحربِ أصبرُ

يقول: إن الشبان، لما فيهم من الجهالة، أسرعُ إلى الحرب، والمشايخ أصبر فيها وأبعدُ من الفرار عنه، وقال آخر:

يُرَى الغِرُّ عن ورد الكريهة مُحجِماًإذا الكهل في ورد الكريهة أقدَما
وما يستوي الاثنان هذا مُوَقَّحٌوهذا تراه في الحروبِ مُحرَّما

وقد أخذ البحتري هذا المعنى فأجاده وهذَّبه بطبعه فقال:

يُهالُ الغلام الغِرُّ حتَّى يرُدُّهإلى الهولِ من مكروهها الأشيبُ الكهلُ

ومثله قول جرير وجاء به مثَلاً:

وابن اللَّبونِ إذا ما لَزَّ في قرَنٍلم يستطع صَولة البُزل القناعيسِ
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الهدملة من ذات المواعيس»

وقال العنبريّ ووصف حرباً:

تهولُ الإفلَ إذا أُضرمتْوليس تهولُ الفحولَ القُرومَا

ولهذا المعنى نظائر تأتي في مواضعها.

أعرابيّ يمدح بعض الخلفاء:

على خَشَبات الملك منه مَهابَةوفي الرَّوع عبل السَّاعدين فروعُ
يشقّ الوغى عن وجهه صدق نجدةوأبيضُ عن ماء الحديد صنيعُ

السموأل بن عاديا:

إنِّي إذا ما الأمرُ بُيِّنَ شكّهوبدتْ عواقبُه لمن يتأمَّلُ
وتبرَّأ الضُّعفاء من إخوانهموألحَّ من حُرِّ الصَّميم الكلكلُ
للشاعر السموأل، من قصيدة «إني إذا ما المرء بين شكه»
أدَعُ الَّتي هي أرفقُ الحالاتِ بيعند الحفيظةِ للَّتي هي أجملُ
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

لبعض الخوارج يقول لامرأته وكانت ترى رأيه وأراد الخروج فقالت: أخرجْني معك، فقال:

إنَّ الحروريَّةَ الحرَّى إذا ركبُوالا تستطيع لهم آمالُك الطَّلَبا
إنْ يركبُوا فرساً لا تركبي فرساًولا تُطيقي مع الرجَّالة الخبَبَا

أعرابيّ:

أراني في بني حكَم قَصِيَّاغريباً لا أزورُ ولا أُزارُ
أُناس يأكلونَ اللَّحمَ دونيوتَأتيني المعاذرُ والقُتَارُ
للشاعر أبو شَليل العنزي، اقرأ القصيدة

ومثله قول الآخر:

إذا مدَّ أربابُ البيوت بيوتَهمعلى رُجُح الأكفال ألوانُها زُهرُ
فإن لنا منها خباءً تحفُّهُإذا نحنُ أمسيْنا المجاعة والفقرُ

أعرابيّ:

ألم تسألْ فوارسَ من سُليمبنَضْلَةَ وهو موتورٌ مُشيحُ
رأَوهُ فازدرَوه وهو خرقٌوينفعُ أهلَه الرجلُ القَبيحُ
فلم يخشَوْا مَصَالتَه عليهموتحت الرُّغوةِ اللَّبنُ الصَّريحُ
للشاعر أبو محجن الثقفي، من قصيدة «ألم تسل الفوارس من سليم»
فأطلقَ غُلَّ صاحبِه وأردَىجريحاً منهم ونجَى جريحُ
للشاعر أبو محجن الثقفي، من قصيدة «ألم تسل الفوارس من سليم»

فأما قوله: " رأوه فازدروه " البيت مأخوذ من قول الأول:

ترى الرَّجُل النحيفَ فتزدريهوفي أثوابهِ أسَدٌ يَزيرُ
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»

ونظر أبو تمام إلى قوله: " وتحت الرُّغوةِ اللَّبنُ الصَّريحُ ":

وليستْ رَغوتي من تحت مَذْقٍولا جَمْري كمينٌ في الرمادِ

ليلى ابنة النضر بن الحارث بن كلدَة تخاطبُ النبي ﷺ وقد قتل أباها النضر بن الحارث صبراً عند منصرفه عن غزوة بدر:

أبْلغ بها ميتاً فإنَّ قصيدةما إنْ تزال بها الركائبُ تخفِقُ
ولَيَسْمَعَنِّي النضرُ إن ناديتُهُإن كانَ يسمعُ ميّتٌ أو ينطِقُ
ظلَّتْ سيوف بني أبيه تنوشُهُلله أرحامٌ هناك تشقَّقُ
للشاعر قتيلة بنت النضر، اقرأ القصيدة
قسراً يُقادُ إلى المنيَّة مُتعباًرسفَ المقيّد وهو عان مُوثَقُ
للشاعر قتيلة بنت النضر، اقرأ القصيدة
أمحمدٌ ها أنتَ صِنوُ نجيبةمن قومها والفحلُ فحلٌ معرِقُ
ما كانَ ضرَّك لو مننْتَ وربَّمامنَّ الفتَى وهوَ المغيظُ المُحنقُ
للشاعر قتيلة بنت النضر، اقرأ القصيدة

فيقال أنَّ النبي ﷺ قال: لو سمعتُ شِعرها قبلَ أن أقتله ما قتلته. أما قولها: " ظلَّت سيوف بني أبيه تنوشُهُ " البيت، فمن قول الآخر:

ألم ترنا والله يصلح بينَنانُقطِّعُ من أرحامنا ما توصَّلا

ومنه أخذ الآخر قوله:

إذا وصلَ الناسُ أرحامَهمفإنَّا نُقطِّعها ظالِمينا
ولولا اتّقاءُ كلام العداةِلكنَّا لأرحامنا واصِلِينا

هذا ذكر أنَّ قطيعة أرحام أقربائه في الحرب خوفاً من المعائر التي تلحق النَّاس عند تغافلهم عن طلب ثأرهم. وإلى مثل هذه المعاني نظر البحتري وغيره ممَّن ذكرنا أقاويلهم في مواضع من كتابنا.

أبو نزار العقيلي يقول لعقيل بن مرَّة الأشجعي:

يظنُّ عقيلٌ أنَّ من نالَ مجلساًوخلوةَ يوم منه نالَ غنى الدَّهرِ
للشاعر أبو نزار العقيلي، اقرأ القصيدة
فقل لعقيل ليس هذا كما ترَىنبيذك لم يُخلق أماناً من الفقرِ
للشاعر أبو نزار العقيلي، اقرأ القصيدة

لبعض خوارج الأعراب وهو قطريّ بن الفجاءة:

أقولُ لها إذا جاشتْ حياءمن الأبطالِ ويحَك لن تُراعِي
فإنَّكِ لو طلبتِ حياةَ يومعلى الأجلِ الَّذي لكِ لَن تُطاعي
فصبراً في مجال الموتِ صبراًفيما نيلُ الخلودِ بمُستطاعِ
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
وما ثوبُ الحياةِ بثوب عزٍّفيُطوَى عن أخي الخَنَع اليَراعِ
سبيلُ الموتِ غايةُ كلّ حيٍّوداعِيه لأهل الأرض داعِي
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
ومَن لا يُعتبطْ يهرَمْ ويسأَمْويُفضِ به البقاءُ إلى انقطاعِ

قوله: " أقول لها " البيت، شبيه بقول ابن الإطنابة:

أقولُ لها إذا جشأَتْ وجاشتْمكانكِ تُحمَدي أو تستريحِي

وقد ذكرنا ما في هذا البيت من العيب فيما تقدم من الكتاب.

وأما قوله: " فإنك لو سألت " البيت، قد أخذه بعض العرب فقال:

فإنِّي لو طلبتُ حياةَ يومعلى أجَلي لكانَ مدًى بعيدا

وقال الآخر:

فلا تكُ طامعاً في عيشِ يومإذا وافاك يومٌ لا يُرَدُّ

وهذا كثير جدّاً في القديم والمحدث من أشعارهم.

وأما قوله: " ومَن لا يُعتبطْ يهرَمْ ويسأَمْ " البيت، فكما قال أمية بن أبي الصلت الثقفي:

من لم يمُتْ عبطةً هرَمافالموتُ كأسٌ والمرءُ ذائقُها
للشاعر ابن عبد ربه، اقرأ القصيدة

وهذا أيضاً كثير ولذلك أقصرنا عن الإسهاب فيه.

ولبعض الخوارج أيضاً:

إلى كَم تُعاديني السيوفُ ولا أَرَىمُعاداتَها تُدني إليَّ حِمامِيَا
أُقارعُ عن دار الخُلود ولا أَرَىبقاءً على حال لما ليس باقِيَا
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
ولو قرَّب الموتَ القِراعُ لقد أَتَىلموتيَ أن يدنو بطولِ قِراعِيَا
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
أُغادِي جلادَ العَالمين كأنَّنيعلى العسَل الماذيِّ أُصبحُ غادِيَا
وأدعو الكُماةَ للنِّزال إذا القناتحطَّمَ فيما بيننا من طِعانِيَا
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
ولستُ أرَى نفساً تموتُ وإن دنتْمن الموتِ حتَّى يبعثَ اللهُ داعِيَا
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة

ولآخر منهم:

لا يركنَنْ أحدٌ إلى الإحجاميومَ الوغَى متخوِّفاً لحِمامِ
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
فلقد أراني للرِّماحِ درِبَّةمن عن يميني تارةً وأمامِي
ثمَّ انصرفتُ وقد أَصبتُ ولم أُصبْجذَعَ البَصيرة قارحَ الأقدامِ
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة

قيس بن عاصم المنقريّ:

إنِّي امرؤ لا يطَّبي حَسَبيسَفَه يكدّره ولا أمنُ
من مِنقَر في بيتِ مكرمةٍوالغصنُ ينبتُ حوله الغصنُ
حُلَماء حين يقول قائلُهمبيضُ الوجوه مصاقعٌ لُسْنُ
لا يفطَنون لعَيب جارِهموهمُ لحفظ جواره فُطْنُ
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة

وله أيضاً:

إنْ يسمعوا ريبةً طاروا بها فرَحاًعنِّي وما سمِعوا من صالحٍ دفَنوا
صُمٌّ إذا سمعوا خيراً ذكرتُ بهِوما ذكرتُ به من سيِّئٍ

وقال بعض لصوص العرب:

وطالَ احتضاني السَّيف حتَّى كأنّمايلاط بكشحي جفنُهُ وحمائلُهْ
أخو فلواتٍ صاحَب الجنَّ وانْتأَىعن الإنسِ حتَّى قد تقضَّتْ وسائلُهْ
له نسب الإنسيِّ يُعرف نَجْرُهُوللجنِّ منه شكلُهُ وشمائلُهْ
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة

أما قوله: " وطال احتضاني " البيت، مثل قول الآخر:

وطال احتضاني الرمح حتَّى كأنّماعلَى منكبي غصنٌ من الأثل نابِتُ

أعرابيّ قطعت يده ورجلُه:

اللهُ يعلَم أنِّي من رجالهموإن تقطّع عن مَتنيَّ أطماري
وإن رُزِئتُ يداً كانت تُجمِّلُنيوإن مَشيتُ على زُجٍّ ومِسمارِ

أعرابيّ:

لا تَحْقرنَّ سُبَيباًكم فاد خيراً سُبيبُ

وقد بقي لهذا المعنى نظائر تأتي في مواضعها إن شاء الله.

وقال ودَّاك بن ثُميل المازنيّ:

مقاديمُ وصَّالون في الرَّوع خَطوهمبكل رقيق الشفرتَين يَمانِ
للشاعر وداك بن ثميل المازني، اقرأ القصيدة
إذا استُنجدوا لم يسألوا من دعاهمإلى أيّ حيٍّ أم بأيّ مكانِ

أما قوله: " مقاديم " البيت، فالأصل فيه قول قيس بن الخطيم:

إذا قصرت أسيافنا كان وصلهاخطانا إلى أعدائنا فنُضاربُ
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «ونحن بنو الحرب العوان نشنها»

وقد ذكرنا هذا وشيئاً من نظائره فيما تقدَّم، وبقيت أشياء لم نذكرها هناك، منها قوله:

إذا الكُماةُ تنحَّوا أن ينالَهمُحدَّ الظباة وصلناها بأيدينا

وأخذه آخر فقال:

وصلْنا الرقيقَ المرهفاتِ بخَطْوناعلى الهول حتَّى أمْكنَتْنا المضاربُ

وقال بعض الرجَّاز في مثل هذا:

الطاعنون في النُّحور والكلىوالواصلون للسيوف بالخُطى

وقال آخر:

سَلَّ السيوف وخُطًى تزدادُها

وقال معن بن أوس المزني:

فلا وأبي حبيبٌ ما نفاههوازنُ من بلاد بني يمانِ
وكان هوى الغنيِّ إلى غناهوكان من العشيرة في مكانِ
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
تكنّفَهُ الوشاةُ فأزعجوهُودسُّوا من قضاعة غيرَوانِ
ولولا أنَّ أمَّ أبيه أُمِّيوأنّي من هجاه فقد هجاني
إذاً لأصابه منِّي هجاءٌتناقله الرواة على لِساني
أعلِّمه الرماية كل يومفلمَّا اشتدَّ ساعدهُ رماني
للشاعر ابن أبي حصينة، اقرأ القصيدة

يُروى بالسين غير معجمة من السداد في الرمي وبالشين معجمة أكثرُ، أخذ دِعبل هذا المعنى فقال:

إنْ عابني لم يعِبْ إلاَّ مؤدِّبَهفنفسَه عاب لمّا عاب أدَّابَهْ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «يا بؤس للفضل لو لم يأت ما عابه»
وكان كالكلب ضرَّاهُ مكلِّبهُلصيده فغدا فاصْطادَ كلاَّبَهْ

أعرابي:

وإنِّي لأطوي البطن من دون ملئهلمستنبح في آخر الليل صائحِ
وإنَّ امتلاءَ البطن في حسب الفتَىقليل الغناء وهو في الجسم صالحِ

من جيد ما قيل في هذا المعنى ونادره قول الشاعر:

أُقسِّم جسمي في جسومٍ كثيرةوأحْسو قَراحَ الماء والماءُ باردُ
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إني امرؤ عافي إنائي شركة»

وقد ذكرنا هذا وشيئاً من نظائره في أوّل الكتاب.

أعرابيّ يلقَّب بالمُفَرِّق:

ونُبِّئتُ أخوالي أرادوا عمومتيبشَنعاء فيها ثامل الشرّ منقَعا
سأركبها فيكم وأدعى مفرِّقاًفإن شئتمُ من بعدُ كنتُ مُجمِّعا
للشاعر أبو قيس بن رفاعة، من قصيدة «وأنبئت أخوالي أرادوا نقيصتي»

بهذا البيت سمِّيَ مُفرِّقاً.

أعرابيّ:

سقَّى الرَّبابَ مجَلجِلُ الأكنافِ لمَّاحٌ بروقُهْ
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «سقى الرباب مجلجل الأكناف»
جَونٌ تكفكفُه الصَّباوهْناً وتَمريه خريقُهْ
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
حتَّى إذا ما ذرعُهُبالماءِ ضاق فما يُطيقُهْ
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «سقى الرباب مجلجل الأكناف»
حلَّتْ عزالِيَه الجَنوبُ فنجَّ واهيةً خروقُهْ
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «سقى الرباب مجلجل الأكناف»
أأبا شُرَيح هل ترىأفقاً يؤرِّقُني بُروقُهْ
أعلى ذُؤابة حضرموت فبطن واديها طريقُهْ
صابتْ عليه هواطلٌحتَّى يُغَرْغرها عميقُهْ
ولقد غدوتُ مُناهباًبأقبَّ لم توسَم فليقُهْ
نهدِ التَّليل مُشايحٍكالجذع شذّبَهُ سحوقُهْ
طاوي الأياطل سابحٍكالذّئب طال به خفوقُهْ

أعرابيّ:

فإنْ يمنعوا منّا السلاحَ فعندناسلاحٌ لنا لا تُشترى بالدّراهمِ
جنادِل أملاءُ الأكفِّ كأنَّهارُؤوسُ رجالٍ حُلِّقت بالمواسمِ

رُوي أنَّ غلاماً من الأعراب أراد أن يمضي مع قوم من بني عمّه إلى حرب كانت لهم، فقال لهم: تجنَّبوا النبل فإنَّها رسل المنيَّة، واحذروا الرماح فإنَّها أرشية الموت، وتوقَّوا السيوف فإنَّها لا سوء بعدها، قالوا: فيم نقاتل؟ فقال: بقول الشاعر:

جنادل أملاء الأكف كأنهارؤوس رجال حلّقت بالمواسم

أعرابيّ:

نظرت إلى نار لعصماء أوقِدَتْوفي القوم عنها والمطيّ صُدودُ
أكاتِم أصحابي هواها وليتَنيلما بين أيدي المصطلين وقودُ

حبس بعض الولاة أعرابياً وقيَّده بقيدين فقال:

حبوني بخلخالين ليسا بفضَّةولا ذهب عارٌ عليَّ يسيرُ
وقد وعدوني ثالثاً من قيودهموإنِّي بقيد رابعٍ لظهيرُ

وقال جعفر بن عُلبة الحارثي:

وقد قلت يوماً للفريقين عرِّجاعليَّ وشدّا لي على جملي رحلي
للشاعر جعفر بن علبة الحارثي، من قصيدة «وقد قُلتُ يومًا للفريقينِ عَرِّجَا»
ولا تعجلا بي بارك الله فيكمافقد كنت وقَّافاً على ذي هوى مثلي

أعرابيّ:

فأبْلغ عامراً عنِّي رسولاًوهل تجد النصيح بكلّ وادِ
تعلَّمْ أنَّ أكثر من تراهموإنْ ضحكوا إليك من الأعادي

وقال عمار بن ثقيف الهلالي:

يا ربّ قائلة يوماً لجارتهاهل أنتِ مخبرتي ما شأنُ عمّارِ
قالتْ أرى رجلاً بادٍ أشاجعُهكأنَّه ناقهٌ أو نضو أسفارِ
إمّا تريني لجسمي غير محتشدٍفإنَّني حشد للضيف والجارِ
وما على الحرّ أن تعرى أشاجعُهأو يلبس الخلَق المرقوع من عارِ

هذا البيت مثل قول الآخر:

قد يدرك الشرفَ الفتَى ورداءهُخلَق وجيبُ قميصه مرقوعُ

وهذا البيت أجود لفظاً وإغراقاً في المعنى.

أعرابيّ:

أكرمْ أخاك الدهرَ ما كنتما معاًكفى بالمماتِ فرقة وتنائِيا
إذا جئتُ أرضاً بعد طول اجتنابهاتنكَّرتُ أهلي والبلاد كما هيا

أما البيت الأول فمثل قول العجّاج:

واسْتَعجلَ الدَّهر وفيه كافِلفرقة الأحباب والأُلاَّفِ

وأخذه آخر فقال:

فلا تسبق بهجرك ريبَ دهرفإنّ الدَّهر يفعل ما يُريد

وأخذه آخر فقال:

كفى بمرور الدَّهر يا أمَّ مالكوبالموتِ قطَّاعاً لكلّ قرين

وأخذه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فقال:

رُويدكِ إنَّ الدَّهر فيه كفايةلتفريقِ ذات البين فانتظري الدهرا
للشاعر عبد الله بن طاهر، اقرأ القصيدة

وقوله " إذا زرتُ أرضاً بعد طول اجتنابها " مثل قول زهير:

بلينا وما تَبْلى النجومُ الطوالعُوتبقى الجبالُ بعدنا والمصانعُ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»

أعرابي ومدح قوماً:

وعافوا حياض الماءِ فاختلَجتْهمحياضُ المنايا عن لئيم المشاربِ
فماتوا ظماءً خيفة العار وابتنَوامكارمَ ناطوا عزّها بالكواكبِ
شرَوا أنفساً كانوا قديماً أضِنَّةًبها طمعاً في باقيات العواقبِ
فأضحَوا وهم سنُّوا الوفاء وأورثوامواريثَ مجد ذكرُها غيرُ ذاهبِ

هذا مثل قول الآخر:

إنَّ الألى بالطَّف من آل هاشمتآسوا فسنَّوا للكرام التآسِيا

أعرابي:

ألا طرقَت أسماءُ رَحْلي ودونهاحِقافٌ ومنقاد من الرمل أعْنَقُ
ألمَّتْ بكالسَيف المحلّى ونضوةلها مدمعٌ خِلو ولَحْيٌ معرَّقُ
سرى ما سرى ثمَّ استغاث برفعهوقد لاح شِمراخٌ من الصبح أبلقُ
أقال لكِ الواشون باح وصدرُهعلى بعض أطراف الودائع مُغلقُ
وما باح إلاَّ أنَّ إنسانَ عينهلذكراك من ماءِ الصبابة يَعْرقُ

عليه متعلق في قوله " على بعض أطراف الودائع مغلق " لأنه ذكر بعضاً ولم يذكر كلاً، فيجوز أن يكون أذاع من سرِّها شيئاً وكتم شيئاً.

أعرابي يهجو أباه:

إذا كانت الآباءُ مثل أب لنافلا أبقتِ الدُّنيا على ظهرها أبا
إذا شابَ رأس المرء أقصر وارعوىوإنَّ أبانا حين شاب تشبَّبا

أعرابي يهجو قوماً وهو زياد الأعجم:

فمَنْ أنتم إنّا نسينا من أنتموريحكُم من أيّ ريح الأعاصرِ
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
أأنتم أولى جئتم مع البقل والدَّبَىفطارَ وهذا شخصُكم غير طائرِ
فلم تعرِفوا إلاَّ بمن كان قبلكموما تدرِكوا إلاَّ مدَقَّ الحوافرِ

لمّا أسنَّ قيس بن زهير العبسي وضجر من الحروب التي كانت بينه وبين بني ذبيان وغيرهم من العرب، أشار على قومه بالرجوع إلى قومهم ومصالحتهم، فقالوا: سِرْ نَسِرْ معك، فقال: لا والله لا اطلعتْ في وجهي ذبيانيةٌ قتلتُ أباها أو أخاها أو زوجها أو ولدها؛ ولكن الحقوا بقومكم ودعوني. فلحقوا بقومهم وصالحوهم. وكان قيس بن زهير يدور في الفيافي ويتقمّمُ العشب ولا يقرب حيّاً من أحياء العرب لأنَّ العرب كانت تعظم أمره وفتكه وتطيَّرُ بالنظر إليه. فبينا هو في ليلة قرَّة في بعض الفلوات إذ نظر إلى صائد قد أورى ناراً فقصده يستطعمه وكان قد مكث دهراً لم يطعم غير العشب، فلمَّا همّ بذلك أنِفَ وقال: إنَّ بطناً يحملني على هذه الخطّة لبطن سوء، والله لا أدخله شيئاً حتَّى أموت ولم يطعم شيئاً حتَّى مات، فقال فيه بعض قومه:

إنَّ قيساً كان ميتتهكرماً والحيُّ منطلِقُ
شام ناراً باللّوى اقتدحتْوشجاع البطنِ يختفِقُ
في دريسٍ ليس يستُرهرُبَّ حُرٍّ ثوبه خَلِقُ

أعرابي يمدح رجلاً:

فتى لا تراه الدَّهر إلاَّ مشمِّراليدرك مجداً أو ليرغم لوّما
تقسّمت الأموالُ عن طيب ذكرهوإن كان يُبكيها إذا ما تبسّما

آخر:

لعمرك ما أتلفتُ مالاً كسبتُهإذا كنتُ معتاضاً بإتلافه نبلا
ولا قيل لي والحمد لله غادرٌولا استحسنَتْ نفسي على صاحب بُخلا
ولا نزلتْ بي للزمان ملمَّةٌفأحذر منها حين تنزل بي ذلاّ
صبرت لريب الدَّهر يحدث دائباًفلما رأى صبري لإحداثه مَلاَّ

أعرابي:

إذا متّ فابْكيني بثنتين لا يُقلكذبتِ وشرّ الباكيات كذوبُها
بعفّة نفس حين يُذكَر مطمعٌوعزَّتها إن كان أمرٌ يريبُها
فإن قلتِ سمحٌ بالندى لم تكذَّبيفأمَّا تُقَى نفسي فربّي حسيبُها

أعرابي من بني عامر:

غداة لقينا من عبادة أسرةًمجرّبةَ الأيام ذات عُرامِ
إذا وصلوا أيمانهم بسيوفهمفليسوا على أحسابهم بلئامِ

آخر:

سنبكي بالرماح إذا التقيناعلى آبائنا وعلى بَنينا
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة
وضرب تُرعَدُ الأحشاءُ منهوطعن يقلب الألوان جونا

آخر:

وفتيان صدقٍ لا ضغائن بينهمسريت بهم حتَّى تلين السوالفُ
غيوث إذا راحوا ليوث إذا غدواصروف إذا أعيا الرجالَ المصارفُ

النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حماسة الخالديين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.