من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)
الجزء الثاني
﷽
قال المرقِّش الأكبر الضُّبَعيّ وسمِّي المرقَّش لقوله:
الدَّارُ قفرٌ والرُّسومُ كمارقَّش في ظهرِ الأديم قلَمْ
وله من قصيدة:
سرَى ليلاً خيالٌ من سُليمَىفأرَّقني وأصحابي هجودُ
فبتُّ أُديرُ أمرِي كلَّ حالٍوأذكرُ أهلَها وهم بعيدُ
على أنْ قد سمَا طرفي لنارٍيشبُّ لها بذِي الأرْطَى وقودُ
حَوَالَيها مهًى جمُّ التَّراقِيوأَرْآمٌ وغزلانٌ رقودُ
سكنَّ ببلدةٍ وسكنتُ أُخرىوقُطِّعتِ المواثقُ والعهودُ
فما بالِي أفِي وُيخانُ عهدِيوما بالِي أُصادُ ولا أَصيدُ
وقال أيضاً:
يا ذاتَ أجْوارنا قُومي فحيِّيناوإن سقيتِ كرامَ النَّاس فاسْقِينا
وإن ْ دعوتِ إلى جلَّى ومكرمةٍيوماً خيارَ بني حوَّاء فادْعينا
فوضَى منازلُنا تهوِي مراجِلُنانأسُو بأموالنا آثارَ أيدينا
المُطعمونَ إذا هبَّتْ شآميَةوخيرُ نادٍ يراهُ النَّاسُ نادِينا
ومن أُخرى:
ومنزل ضنكٍ لا أُريدُ مبيتَهكأنِّي به من خَشيةِ الرَّوع آنسُ
وقدرٍ ترَى شُمطَ الرِّجالِ عالَهالها قيِّمٌ سهل الخِلال مُؤانسُ
ضحوكٌ إذا الزُّوَّارُ أمّوا محلَّهوما هو مكبابٌ على الزَّادِ عابسُ
وقال المرقِّش الأصغر واسمه ربيعة بن سفيان:
آذنتَ جارتي بوشك رحيلٍباكراً خاطرتْ بأمرٍ جليلِ
أزمعتْ بالفراقِ لمَّا رأتْنيأُتلفُ المالَ لا يَذُمُّ دَخيلي
ارْبَعِي إنَّما يَريبكِ منِّيأُثرُ مجدِ إذا نظرتِ أصيلِ
عجباً ما عجبتُ للجامعِ المالَ وريبُ الزَّمان جمُّ الخُبولِ
اعجبي وَيكِ إنَّ رزقكِ آتٍلا يردُّ التَّرقيح شروَى فتيلِ
الصِّمَّة القشيريّ:
ألا أيُّها الصَّمدُ الَّذي كنت مرَّةًبحلّكَ أُسقيت الغواديَ من صمْدِ
ومنزلَتي ظمياءَ من بطن عاقلٍوذات السَّليل كيف حالكُما بعدِي
تتابعَ أنواء الرَّبيع عليكمالِما لكما بالحارثيَّة من عهدِ
جرير:
لقد وكفَتْ عَيناه أنْ ظلّ واقفاعلى دِمنةٍ لم يبقَ إلاَّ رميمُها
أبَينا فلم نسمعْ بهندٍ مَلامةًكما لم تُطعْ هندٌ إذاً مَن يلومُها
ولمَّا قال ذو الرُّمَّة:
وقفنا فسلَّمنا فكادت بمشرفٍلعرفان صوتي دِمنةُ الدَّار تنطقُ
تجيشُ إليَّ النَّفسُ في كلِّ موقفٍلميٍّ ويرتاعُ الفؤاد المشوّقُ
وإنسانُ عَيني يحسرُ الماءُ تارةًفيبدُو وأحياناً يَجِمُّ فيغرقُ
ونظر البحتري إلى بيت ذي الرُّمَّة الأوَّل فقال:
جئنا نُحيِّي من أثيلة منزلاًجُدُداً معالمُه بذي الأنصاب
أدَّى إليَّ العهدَ من عرفانهحتَّى لكادَ يرُدُّ رجعَ جوابِي
أخذه جِران العَود فقال:
نظرتُ كأنِّي من وراءِ زجاجةٍإلى الدَّارِ من فرطِ الصَّبابةِ أنظرُ
فعينايَ طوراً تغرقانِ منَ البُكافأغشى وطوراً تحسرانِ فأُبصرُ
فروى النَّاس هذين البيتين وأغفلا بيتي ذي الرُّمَّة وهما الأصل، ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول الآخر:
غلبتْ عينيَ الدُّموعُ فإنْساني كليلٌ يبدٌو مِراراً ويخفَى
فكأنِّي أراك من خلف سترٍهزَّتِ الرِّيحُ متنَهُ فتكفَّى
النمر بن تولب:
لا يعلمُ اللامعاتُ اللامحاتُ ضحًىما تحتَ كشحي ولا يعلمنَ أسرارِي
ولا أخونُ ابنَ عمِّي في حليلتهولا البعيدَ نوًى عنِّي ولا جارِي
حتَّى يقال إذا وُوريتُ في جدثِيلقد مضَى نمرٌ عارٍ من العارِ
مرَّة بن معروف:
لئن قارب الحدَّادُ خَطوى لربَّماتناولتُ أطرافَ الهموم الأباعدِ
فإنِّي لأهوَى أنْ أرَى مَن مكانُهُذُرَى عَقِدات الأبرقِ المتقاودِ
وإنْ أرِد الماءَ الَّذي شربت بهسُليمَى إذا ملَّ السُّرى كلّ واخِدِ
وأُلصقُ أحشائِي ببرْد تُرابهوإنْ كانَ مخلوطاً بسُمّ الأساودِ
ابن الضحَّاك القينيّ:
أقولُ لقمقامِ بنِ زيدٍ ألا ترَىإلى البرقِ يبدُو للعيونِ النَّواظرِ
فإنْ تبكِي للبرقِ الَّذي هيَّجَ البُكاأُعنكَ وإن تصبرْ فلستُ بصابرِ
بكر بن مصعب
خليليَّ قوما فانْظُرا نحو واسطأناراً به آنستُ توقدُ أمْ برقَا
قعدتُ له ذاتَ العشاء أَشيمُهوقد خفقت للنَّوم أعيُنُنا خفقا
فأرَّقَني منها مخايلُ جَمَّةتألَّفنَ حتَّى ما ترَى بينَها فَتْقا
إذا انصرفتْ منه لوجهٍ مَخيلةٌسمتْ أختُها حتَّى تكونَ لها رَتْقا
تخال امتصاع البرق رَيْطاً منشَّراإذا لاحَ أو غُرّا محجَّلةً بُلقا
إذا ما محضْتَ الودَّ منك لصاحبٍفعافَ عليك المحضَ فامذُقْ له مذْقا
وكن كامرئٍ جازَى امرأً ببلائهوكاذَبَه إذ لم يجدْ عندَه صِدقا
وقال الشَّنفرَى يرثي تأبَّط شرّا يقول فيها:
إنَّ بالشِّعب الَّذي دون سَلْعلقتيلاً دمُه ما يُطَلُّ
ووراءَ الثَّأر منِّي ابنُ أختٍمَصِعٌ عُقدتُه ما تحلُّ
مُطرقٌ يرشحُ مَوتاكما أطْرقَ أفعَى ينفُث السّمَّ صلُّ
خبرٌ ما نابَنا مُصْمَئلٌّجلَّ حتَّى دقَّ فيه الأجلُّ
بزَّنِي الدَّهرُ وكانَ غَشومابأبيِّ جارُه ما يذلُّ
شامسٌ في القُرّ حتَّى إذا ماذكتِ الشِّعرَى فبردٌ وطلُّ
يابسُ الجنبينِ من غير بُؤسونَدِي الكفَّين شهمٌ مُدِلُّ
يُورد الصَّعدةَ حتَّى إذا مانَهِلت كانَ لها منه عَلُّ
وفتُوٍّ هجَّروا ثمَّ أسْرَواليلَهم حتَّى إذا انْجابَ حلُّوا
كلُّ ماضٍ قد تردَّى بماضٍكسَنا البرق إذا ما يُسَلُّ
فاسْقِنيها يا سوادَ بنَ عمرٍوإنَّ جسمي بعد خالِي لَخَلُّ
حلَّتِ الخمرُ وكانتْ مُحِلاًّوبلأيٍ ما ألمَّتْ تحلُّ
أمَّا قوله: " مطرق يرشح موتاكم " البيت، فمثل قول المتلمّس:
وأطرقَ إطراقَ الشّجاع ولو يرَىمَساغاً لنابَيه الشّجاعُ لصمَّما
وأمَّا قوله: " شامس في القرّ " البيت، فمأخوذ من قول الأعشى:
وتبرد بردَ رِداءِ العَروسِ في الصَّيف رقرقتَ فيه العبيرا
وتسخُن ليلةَ لا يَستَطيعُ نُباحاً بها الكلبُ إلاَّ هَريرا
وأخذ هذا المعنى ابن أذينة اللَّيثيّ وزاد فيه، وهو قوله:
سخنة في الشّتاء باردةُ الصَّيفِ سراج في اللَّيلة الظَّلماءِ
وأمَّا قوله: " كلّ ماض قد تردَّى " البيت، فأخبرنا الصّوليّ عن الغلابيّ قال: قال لي أبو تمَّام حبيب بن أوس: دخلتُ على الحسن بن رجاء، فقال لي: يا أبا تمام، رأيت فيما يرى النَّائم كأنَّ إنساناً يقول بيت شعر ما أعرفه وقد حفظته، قلت: أنشدنيه، فأنشدني:
سيكفيك الَّذي أمسيتَ فيهسيوفٌ في عواتقها سيوفُ
فقلت: أظنّ أنَّ الأمير يحفظ قول الشَّنفرَى:
كلّ ماضٍ قد تردَّى بماضٍكسَنا البرق إذا ما يُسلُّ
قال: نعم، أنا أروي هذا الشِّعر، فقلت له: هذا البيت مثل ما رأيت، وبيت الشَّنفرَى ولده لفكرك.
وقد زعم قوم من العلماء أن الشّعر الَّذي كتبنا للشنفرى هو لخلف الأحمر، وهذا غلط، ونحن نذكر الخبر في ذلك: أخبرنا الصّوليّ عن أبي العيناء قال: حضرت مجلس العُتبيّ ورجلٌ يقرأ عليه الشعر للشنفرى حتَّى أتى على القصيدة الَّتي أوَّلها:
إنَّ بالشِّعب الَّذي دون سَلْعلقتيلاً دمه ما يطلُّ
فقال بعض من كان في المجلس: هذه القصيدة لخلف الأحمر، فضحك العُتبيّ من قوله، فسألناه عن سبب ضحكه، فقال: والله ما قال أبو محرز خلف من هذه القصيدة بيتاً واحداً، وما هي إلاَّ للشنفرى، وكان لها خبرٌ طريف لم يبقَ مَن يعرفه غيري، قلنا: وما خبرها؟ قال: جلسنا يوماً بالمِربَد ونحن جماعة من أهل الأدب ومعنا خلف الأحمر، فتذاكرنا أشعار العرب، وكان خلف الأحمر أروانا لها وأبصرنا بها، فتذاكرنا منها صدراً، ثمَّ أفضينا إلى أشعارنا فخضنا فيها ساعةً، فبينا خلفٌ ينشدنا قصيدةً له في رويّ قصيدة الشَّنفرَى هذه وقافيتها يذكر فيها ولد أمير المؤمنين ﵇ وما نالهم وجرى عليهم من الظّلم إذ هجم علينا الأصمعيّ، وكان منحرفاً عن أهل البيت ﵈ وقد أنشد خلف بعض الشعر فلمَّا نظر الأصمعي قطع ما كان ينشد من شعره ودخل في غيره إلاَّ أنَّه على الوزن والقافية ولم يكن فينا أحد عرف هذا الشعر ولا رواه للشنفرى، فتحيَّرنا
لذلك وظننَّاه شيئاً عمله على البديهة، فلما انصرف الأصمعي قلنا له: قد عرفنا غرضك فيما فعلت وأقبلنا نطريه ونقرّظه فقال: إنْ كان تقريظكم لي لأني عملت الشِّعر فما عملته والله ولكنَّه للشنفرى يرثي تأبَّط شرّاً، ووالله لو سمع الأصمعي بيتاً من الشعر الَّذي كنت أُنشدكموه ما أمسى أو يقوم به خطيباً على منبر البصرة فيُتلف نفسي، فادّعاء شعرٍ لو أردت قول مثله ما تعذَّر عليَّ أهون عندي من أن يتَّصل بالسلطان فألحق باللَّطيف الخبير. قال أبو العيناء: فسألنا العتبيّ شعر خلف الَّذي ذكر فيه أهل البيت ﵈ فدافعنا مدَّة ثمَّ أنشدنا:
قَدْك منِّي صارمٌ ما يُفللُّوابنُ حزمٍ عقدُه لا يحلُّ
ينثَني باللَّوم مِن عاذِليهِما يُبالي أكثَروا أم أقلُّوا
لرسول الله في أقربيهِوبَنيهِ حيثُ ساروا وحلُّوا
عنده مكنون نُصحٍ وودٍّخالصٍ لم يقتدحْ فيه غلُّ
أهل بيت ما على جاحِدِيهمحقَّهم في الزُّبر ألاَّ يصلُّوا
صفوةُ الله الأُلَى من لدُنْهُلهم القدرُ الأعزُّ الأجلُّ
ما أطاعَ اللهَ قومٌ تولَّوامن سواهُم بل عصَوهُ وضلُّوا
وبهم شُقَّ دُجَى الغيِّ عنهموعلى الإيمانِ والدِّين دُلُّوا
وبهم صُبَّت على كلِّ باغٍباذخِ العزِّ صَغارٌ وذلُّ
غَصبوهم حقَّهم واستحَلّواظالموهُم منه ما لا يحِلُّ
واقتدَوْا فيهم بما سنَّ رِجسٌبارزَ اللهَ زنيمٌ عُتُلُّ
لم يُراقبْ خشيةَ الله فيهمآصرٌ منه ولم يُرعَ إلُّ
فهمُ شتَّى قتيلٌ صريعٌدمُهُ فيهم حذاراً يطَلُّ
وأسير في طمارٍ عليهمن حديد القَين كبلٌ وغُلُّ
ومقيمٌ خاشعٌ في عدوٍّمُستضامٌ بينهم مُستذلُّ
لا على جرمٍ ولا عن شقاقٍركبوا الّحضَ إليهم فزلُّوا
غيرَ أنْ فاءَ على ظالِميهمبهم للمُلك فيءٌ وظلُّ
وأنْ أوفَوْا بالنَّبيّ المصفَّىجدّهم مأثرةً لا تقِلُّ
وبنَى الله لهم بيتَ مجدٍفطرةُ الدِّين به تستظلُّ
في جَميلٍ بارك الله فيهلم ينلْ ما خُوِّلوه جبلُّ
وارثُو مخزونِ علمٍ عليهكلُّ ذي علم عيالٌ وكَلُّ
وعليٌّ ذو المعالي أبوهمكرُمَ السَّامي به والمُدلُّ
عُلِّمَ الدِّينَ الَّذي مَن تَلاهسالكُ سبلَ الهدَى لا يضلُّ
وأمير المؤمنين المرجِّيفضلَه مُثْريهمُ والمقلُّ
باسط كفَّيه فيهم بعدلٍوصَبيرٍ صوبُخ مستهلُّ
عن سماءٍ لهم كلَّ يومٍدِيمةٌ منه ووبلٌ وطَلُّ
وشهابُ الله في كلِّ خطبٍوحسامُ الله والنَّقعُ يعلُو
حيث يلقَى في ظلالِ المناياكلَّ ليثٍ باسلٍ وهوَ فَلُّ
جسدٌ يعفوه طيرٌ عكُوفٌوضوارٍ شُرَّعٌ فيه زُلُّ
مَكنزٌ فيه من بعدِ حولللضّباع العُرج لحمٌ مُصِلُّ
بطلٌ أغلبُ في راحتَيهللقنا والبِيض نهلٌ وعَلُّ
يكره الأبطال منه ابنَ موتٍلا يملُّ الحربَ حتَّى يملُّوا
يحمد العضْبُ اليمانيّ شظَاهفي الوغا والسَّمهريُّ المتلُّ
فكأنَّ النَّقعَ ينشام عنهضيغم جهم المُحيَّا رِفَلُّ
قد غدا يُضمر بغضاً ويُبديبِغضة أضغانُها لا تُسَلُّ
شاور النّكراء في الله منهشائك الأنياب يقظان صِلُّ
لا الرُّقَى تردَع منه ولا مَنمسَّ حدَّ النَّاب منه يُبِلُّ
موطن من عهد لقمان عادٍدونه من قُلَل الحَزن تلُّ
متحامٍ لا يؤدّى إليهنُبُسَ الإنس ولا الجنّ حلُّ
كيَبِيس الجَزْل إلاَّ فَحيحاًيصهر المرء به أو يملُّ
لو مضتْ عاليةُ الرُّمح فيهما تغشَّى اللِّيطَ منه مبلُّ
أو نمتْ أذرُعُ ألفٍ إليهرجعتْ عن نفْثهِ وهي شُلُّ
كلَّما مدَّ المطا وتمطَّىفحصَى المعزاء منه يُصِلُّ
عُدْ إلى مدح الَّذين عليهممن يمين الله ظلٌّ فظلُّ
خير مَن خبَّتْ بهم ذاتُ لَوثٍدامِياً للجهد منها الأظلُّ
في مهاري ذُبَّل كالسّعالىتحت شُعثٍ قد أكلُّوا وكلُّوا
عامدي الكعبة من كلِّ فجٍّكلَّما أعرض شخصٌ أهلُّوا
كتبنا هذه القصيدة بأسرها لأنها في سادتنا ﵈ ولأنها أيضاً غريبة لا يكاد أكثر النَّاس يعرفونها. وأمَّا قوله: " يكره الأبطال " البيت، فمأخوذ من قول الشَّنفرَى:
صلِيَتْ منِّي هذَيلٌ بخرقِلا يملُّ الحربَ حتَّى يمَلُّوا
وأمَّا قوله في صفة الحيَّة: " لو مضت عالية الرّمح فيه " البيت، فقد أخذه جماعة، فمن القديم منهم الَّذي يقول في صفة الحية أيضاً:
لو شُرِّحتْ بالمُدَى ما مشَّها بللٌولو تكنَّفها الحاوون ماقد روا
وأخذه ابن المعتزّ في صفة حيَّة أيضاً فقال:
أنمتُ رَقْشاءَ لا يحيا السَّليمُ بهالو قدَّها السَّيفُ لم يعلقْ به بللُ
وهذا كلام البيت الَّذي كتبناه قبله لم نغادر منه شيئاً. ومثله قول الآخر:
قد عاش حتَّى هو لا يمشي بدَمْ
قال ذو الرُّمَّة:
أمنزلتَيْ ميٍّ سلامٌ عليكماعلَى النَّأيِ والنَّائي يودُّ وينصحُ
على حينِ راهقتُ الثَّلاثينَ وارعوتْلِداتي وكاد الحلمُ بالجهلِ يرجحُ
إذا غيَّرَ الهجرُ المحبِّين لم أجدْرسيسَ الهوَى من حبِّ ميَّة يبرحُ
ولا القربُ يُدني من هواها ملالةًولا ذكرها إنْ تنزحِ الدَّارَ ينزحُ
تَصَرَّفُ أهواءَ القلوبِ ولا أرَىنصيبكِ من عَيني لغيركِ يُمنحُ
هيَ البرءُ والأسقامُ والهمُّ والمُنَىوموتُ الهوَى لولا التَّنائي المبرِّحُ
إذا قلتُ تدنُو ميَّةُ اغبرَّ دونهافيافٍ لطَرف العَين فيهنَّ مسرحُ
ألا ظعنتْ ميٌّ فهاتيكَ دارُهابها السُّحمُ تَرْدِي والحمامُ الموشَّحُ
ولمَّا شكوتُ الحبَّ كيْما تُثيبَنِيبوجدِي قالتْ إنَّما أنتَ تمزحُ
لئن كانتِ الدُّنيا عليَّ كما أرَىتباريحَ من ميٍّ فللموتُ أروحُ
وهاجرةٍ من دون ميَّةَ لم تقِلْقلوصِي بها والجندبُ الجَونُ يرمحُ
ونشوانَ من طولِ النُّعاس كأنَّهُبحبلَين من مشطونةٍ يتطوَّحُ
إذا ماتَ فوقَ الرَّحلِ أحييتُ روحَهبذكركِ والعِيس المراسيلُ جُنَّحُ
إذا ارفضَّ أطرافُ السِّياط وهُلِّلتْجرومُ المطايا عذّبتهنَّ صيدحُ
قال: وقف ذو الرُّمَّة بالمربد ينشد هذه القصيدة واجتاز به الفرزدق فوقف يسمعها فلمَّا أتى عليها قال: كيف ترى شعري يا عمّ؟ قال: ما نرى بأساً، قال: فلمَ لا تُلحقوني بكم؟ قال: لصفاتك المَهَاري، ونعتك الصحاري، وتشبيبك بالجواري، ثمَّ قال الفرزدق:
وهاجرةٍ لو ذو الرُّمَيمة رامَهاوصيدحُ أعيا ذو الرُّميم وصيدحُ
قطعتُ إلى مكروهها منكراتهاوقد خبَّ آلٌ دونها يتنطَّحُ
ولذي الرُّمَّة:
وقفْتُ علَى ربْعٍ لميَّةَ ناقتيفما زلتُ أبكي عندهُ وأُخاطبُهْ
وأُسقيهِ حتَّى كادَ ممَّا أبثُّهُتُكلِّمني أحجارهُ وملاعبُهْ
كأنَّ سحيقَ المسكِ ريَّا تُرابهإذا هضبتْهُ بالعشيِّ هواضبُهْ
نظرتُ إلى أظعانِ ميٍّ كأنَّهاموَلِّيةً نخلٌ تميلُ ذوائبُهْ
فأبديتُ من عينيَّ والصَّدرُ كاتمٌبمُغرورقٍ نمَّتْ عليه سواكبُهْ
ولم يستطعْ إلفٌ لإلفٍ تحيَّةًمن النَّاس إلاَّ أنْ يسلّمَ حاجبُهْ
ترَى النَّاسَ من سجفَين لمحةَ ناظرٍغزال أحم العَين بِيض ترائبُهْ
ألا لا أرى مثلَ الهوَى داءَ مسلمٍكريمٍ ولا مثلَ الهوَى ليمَ صاحبُهْ
متَى تظعَنِي يا ميُّ من دارِ جيرةٍلنا والهوَى برحٌ على مَن يغالبُهْ
أكُن مثلَ ذي الألاَّف لُزَّت كراعُهُإلى أُختها الأُخرى وولَّى صواحبُهْ
فأينَ فلا يسمعنَ إنْ حنَّ صوتَهُولا الحبلُ منحلٌّ ولا هو قاضبُهْ
وأشعثَ قد قاسيتُهُ عرضَ هَوجَلٍسواءٌ علينا صحوُهُ وغياهبُهْ
وبَيتٍ بمهواةٍ هتكتُ سماءهُإلى كوكب يَزْوي له الوجهَ شاربُهْ
وله أيضاً:
سواءٌ عليك اليومَ انْصاعتِ النَّوىبخرقاءَ أم أنحَى لك السَّيفَ ذابحُ
ألا طالَ ما سُؤتُ الغيورَ وبرَّحتْبيَ الأعينُ النُّجلُ المراضُ الصَّحائحُ
وساعفتُ حاجاتِ الغواني وراقَنيعلى النُّجلِ رقراقاتهنَّ الملائحُ
وسايرتُ رُكبان الصِّبا واستفزَّنيمُسرَّاتُ أضغان القلوب الطَّوامحُ
إذا لم نزُرها من قريبٍ تناولتْبنا دارَ خرقاءَ القِلاصُ الطَّلائحُ
وله أيضاً:
دنا البينُ من ميٍّ فرُدَّتْ جِمالهافهاج الهوَى تقويضُها واحْتمالُها
ويوم بذي الأرطَى إلى جَنب مُشرفٍبوعْسائهِ حيثُ اسْبطرَّتْ حِبالُها
عرفتُ لها داراً فأبصرَ صاحبيصحيفة وجْهي قد تغيَّرَ حالُها
يقول فيها
فؤادكَ مبثوثٌ عليك شجونهُوعَينك يَعصي عاذِليكَ انهلالُها
تداويت من ميٍّ بهجران أهلهافلم يشفِ من ذكرَى طويلٍ خبالُها
لقد علقتْ ميٌّ بنفسي علاقةًبطيئاً على مرِّ السِّنين انحلالُها
إذا قلتُ تجزي الودَّ أو قلتُ ينبريلها النُّحلُ يأتي بخلُها واغْتلالُها
ولم يُنسِني ميّاً تراخِي مزارِهاوصرفُ اللَّيالي مرُّها وانفتالُها
على أنَّ أدنَى العهد بيني وبينهاتقادمَ إلاَّ أنْ يزورَ خَيالُها
أُمَنِّي ضميرَ النَّفسِ إيَّاكِ بعدَمايُراجعني بَثِّي فينساحُ بالُها
سَلِي النَّاسَ هل أرضَى عدوَّكِ أو بغَىصديقُك عندي حاجةً لا ينالُها
وله أيضاً:
ألا طرقتْ ميٌّ هَيوماً بذكرِهاوأيدِي الثُّريَّا جُنَّحٌ في المغاربِ
أخا شقَّةٍ زَوْلاً كأنَّ قميصهُعلى نَصل هنديٍّ جُراز المضاربِ
سرَى ثمَّ أغفَى وقعةً عند ضامرٍمطيَّةِ رَحَّالٍ بعيدِ المذاهبِ
ومِن حاجَتي لولا التَّنائي وربَّمامنحتُ الهوَى مَن ليس بالمتقاربِ
عقائلُ بِيضٌ من ذُؤابة هاشمٍرقاقُ الثَّنايا مُشرفاتُ الحقائبِ
وله أيضاً من أُخرى:
نعم هاجتِ الأطلالُ شوقاً كفَى بهِمن الشَّرق إلاَّ أنَّه غيرُ ظاهرِ
فما زلتُ أطوي النَّفسَ حتَّى كأنَّهابذي الطَّلحِ لم تخطُرْ على بالِ ذاكرِ
حياءً وإشفاقاً من الرَّكب أن يرَوْادليلاً على مستودعاتِ السَّرائرِ
يقول فيها:
إذا خشيتْ منه الصَّريمةَ أبرقتْله برقةً من خلَّبٍ غيرِ ماطرِ
وتهجرُهُ إلاَّ اخْتلاساً نهارَهاوكم من محبٍّ رَهبةَ العينِ هاجرِ
وله أيضاً:
أمنزلتَيْ ميٍّ سلامٌ عليكماهلِ الأزمنُ الَّلاتي مضيْنَ رواجعُ
وهلْ يرجعُ التَّسليمَ أوْ يكشفُ العمَىثلاثُ الأثافي والدِّيارُ البلاقعُ
توهَّمْتها يوماً فقلتُ لصاحبيوليسَ بها إلاَّ الظِّباءُ الخواضعُ
قفِ العيسَ تنظرْ نظرةً في دِيارهاوهل ذاكَ من داءِ الصَّبابةِ نافعُ
فقال أما تغشى لميَّةَ منزلاًمن الأرض إلاَّ قلتَ هلْ أنتَ رابعُ
وقلَّ إلى أطلال ميِّ تحيَّةٌتُحيِّي بها أو أنْ تُرَشَّ المدامعُ
ألا أيُّها القلبُ الَّذي برَّحتْ بهمنازلُ ميٍّ والعِراصُ الشَّواسعُ
ولا بدَّ من ميٍّ وقد حِيلَ دونَهافما أنتَ فيما بين هاتَين صانعُ
أمُستوجبٌ أجرَ الصَّبورِ فكاظمٌعلَى الأجرِ أمْ مُبدِي الضَّميرِ فجازعُ
وقد كنتُ أبكي والنَّوى مُطمئنَّةٌبنا وبكمْ من علمِ ما البينُ صانعُ
وأُشفقُ من هجرانكُمْ وتشفُّنيمخافةُ وشكِ البينِ والشَّملُ جامعُ
وأهجركُمْ هجرَ البغيضِ وحبُّكمْعلَى كبدي منه شؤونٌ صوادعُ
وأعمِدُ للأرضِ الَّتي من ورائكُملترجعَني يوماً إليكِ الرَّواجعُ
قال: وخرج ذو الرُّمَّة يريد سفراً ومعه أخوه أوفَى فعرضتْ لهما ظبيةٌ فقال ذو الرُّمَّة:
أقول لأدمانيَّةٍ عوهَجٍ جرتْلنا بينَ أعلَى عرْقةٍ فالصَّرائمِ
أيا ظبيةَ الوَعْساءِ بين جُلاجُلوبين النَّقا ها أنتِ أمْ أُمُّ سالم
فقال له أخوه:
فلو تحسنُ التَّشبيهَ والنَّعتَ لم تقلْلشاةِ اللّوَى ها أنتِ أمْ أُمُّ سالمِ
جعلتَ لها قرنَيْن تحت ثيابهاوظِلْفَين مُسودَّين تحت القوادمِ
فقال ذو الرُّمَّة وعرف خطأه:
هيَ الشِّبهُ إلاَّ مِذْروَيها وأُذنَهاسواء وإلاَّ مَشْقةً في القوائمِ
أحسن ما نعرف في هذا المعنى قول المجنون:
أيا شبيهَ ليلَى لا تُراعي فإنَّنيلكِ اليومَ من وحشية لصديقُ
فعيناكِ عَيناها وجِدكِ جِيدُهاولكنَّ عظمَ السَّاقِ منكِ دقيقُ
ولذي الرُّمَّة أيضاً:
ألمَّ خيالُ ميَّةَ بعدَ وهنٍبظَمأَى الآلِ خاشعة القيامِ
رمَى الإدلاجُ أيسرَ مرفَقَيهابأشعثَ مثلِ أشلاء اللّجامِ
أناخ فما توسَّد غيرَ كفٍّثنَى ببَنانها طرَفَ الزّمامِ
رجيع تنائفٍ ورفيق صرعَىتوُفُّوا قبلَ آجالِ الحِمامِ
سرَوا حتَّى كأنَّهم تساقَواعلى أكوارهم صِرف المُدامِ
وله أيضاً:
أمَا والَّذي حجَّ الملبُّونَ بيتهُسِراعاً ومولَى كلِّ باقٍ وهالكِ
وربِّ القلاصِ الأُدمِ تدمَى أُنوفُهابنخلةَ والسَّاعينَ حولَ المناسكِ
لئنْ قطعَ اليأسُ الحنينَ فإنَّهُرقوءٌ لتذارفِ الدُّموعِ السَّوافكِ
وقد كنت أهوَى الأرضَ ما يستفزُّنيبها الشَّوقُ إلاَّ أنَّها مِنْ دياركِ
أحبُّكِ حبّاً خالطتهُ نصيحةٌوإنْ كنتِ إحدى اللاوياتِ المواعكِ
ألا من لقلبٍ لا يزالُ كأنَّهمن الوجدِ شكّتْه صدورُ النَّيازكِ
وللعَين ما تنفكُّ تذرف دمعَهاعلى إثرِ حادٍ حيثُ حاذرتُ سالكِ
البختريّ بن عَقيل:
أقولُ لنفسٍ قلَّ ما استزيدُهاعلى طبعِها عند الجليل من الخطبِ
أبعدَ يزيدَ الخيرِ أجتنبُ الوغَىوقد ماتَ في فرش اليمانيّ والعضْبِ
ولو ماتَ خلقٌ من تورُّدِ حَومةٍلكان قتيلَ الطَّعن في الحربِ والضَّربِ
ولكنَّما نفسُ الشُّجاع وغيرِهإلى أجلٍ لا يسبقُ الوقتَ في الكُتْبِ
شجاع بن مَرثد:
أقول لك القولَ الَّذي لا يَردُّهحكيمٌ ولا يلقاهُ بالحيِّ سامعُ
وجدتُ بك الوجدَ الَّذي ما وجدتُهُبنَفسي وأطرافُ الرِّماح شوارعُ
النعمان بن عُقبة العتكيّ:
هل الدَّهرُ إلاَّ ليلةٌ وصباحُهاوإلاَّ غدوّ الشَّمس ثمَّ رواحُها
وإلاَّ صروف الدَّهر بالمرءِ مرّةًذلولٌ وأُخرَى سعيها وجماحُها
وقد حنَّكتنِي السِّنُّ واشتدَّ جانبيوجانبَنِي لهوُ الغواني وراحُها
وقدْ كنتُ ذا نفسٍ تَراح إلى الصِّبافأضحَى إلى غير التَّصابي ارْتِياحُها
أوَّل هذه الأبيات مأخوذ بأسره من قول أبي ذُؤيب الهُذليّ، وأبو ذُؤيب الآخذ له، قال أبو ذُؤيب:
هل الدَّهر إلاَّ ليلةٌ ونهارُهاوإلاَّ طلوعُ الشَّمس ثمَّ غيارُها
ابن الدُّمَيْنة:
أعنِّي علَى برقٍ أُريكَ وميضَهُتضيءُ دجنَّاتِ الظَّلامِ لوامعُهْ
إذا اكتحلتْ عينا محبٍّ بضوئهِتجافتْ بهِ حتَّى الصَّباحِ مضاجعُهْ
قعدتُ له ذاتَ العشاءِ أَشِيمهوأنظُر من أين استقلَّتْ مطالعُهْ
وباتَ وِسادي ساعداً قلَّ لحمهُعلى العظمِ حتَّى كادَ تبدُو أشاجعُهْ
أول هذه الأبيات مأخوذ من قول امرئ القيس:
أعنِّي على برقٍ أُريك وميضَهكلَمْع اليدَين في حبيٍّ مكلَّلِ
وقد أخذ هذا المعنى وبعض كلامه بعض المحدثين فقال:
أعنِّي علَى بارقٍ واصِبخفيٍّ كلمعِك بالحاجبِ
كأنَّ تألُّقهُ في السَّماءِيدَا كاتبٍ أوْ يدا حاسبِ
الأعور العبديّ:
إذا ما المرءُ قصّر ثمَّ مرَّتْعليه الأربعونَ عن المعالِي
ولم يلحقْ بصالحةٍ فدعْهُفليس بلاحقٍ أُخرى اللَّيالِي
أخذ هذا المعنى الخريميّ فقال:
إذا المرءُ وفَّى الأربعينَ ولم يكنْله دون ما يهوَى حياءٌ ولا سترُ
فدعهُ ولا تنفِسْ عليهِ الَّذي أتَىوإنْ جرَّ أذيالَ الحياةِ له الدَّهرُ
ذو الإصبع العدوانيّ:
ليَ ابنُ عمٍّ على ما كانَ من خُلقٍمُختلفانِ فأقْلِيه ويَقْليني
أزْرَى بنا أنَّنا شالتْ نعامتُنافخالَني دونَه بل خِلتُهُ دونِي
يا عمرُو إنْ لا تدعْ شتمِي ومنقَصَتِيأضربْكَ حتَّى تقول الهامةُ اسقُونِي
لاهِ ابنُ عمِّكَ ما فُضِّلتَ في نسبٍعنِّي ولا أنتَ ديّاني فتخْزونِي
ولا تَقوتُ عِيالي يومَ مسغبةٍولا بنفسكَ في العزّاءِ تكفينِي
إنِّي لعمرُك ما بابي بذِي غلقٍعن الصَّديقِ ولا خَيري بمَمْنونِ
عفٌّ يَؤوسٌ إذا ما خفتُ من بلدٍهُوناً فلستُ بوقَّافٍ على الهونِ
عنِّي إليكَ فما أُمِّي براعيةٍترعَى المَخاضَ ولا رأْيِي بمغبونِ
كلُّ امرئٍ راجعٌ يوماً لشيمتِهِوإنْ تخلَّقَ أخلاقاً إلى حينِ
فإنْ عرفتُم سبيلَ الرُّشدِ فانْطلقواوإن جهلتمْ سبيل الرُّشدِ فأْتُونِي
ماذا عليكم وإنْ كنتم ذوِي رَحِمِيأنْ لا أُحبُّكمُ إذْ لمْ تحبُّونِي
اللهُ يعلمُني واللهُ يعلمكُموالله يجزيكُم عنِّي ويَجْزيني
قد كنتُ أُوتيكُم مالِي وأمنحُكُمودِّي على مُثبتٍ في الصَّدرِ مكنونِ
لا يُخرجُ الكُرهُ منِّي غيرَ مَأرَبتيولا أَلينُ لمنْ لا يبتغِي لِينِي
أمَّا قوله: " عفٌّ يؤوسٌ " البيت، فكثير متّسع للقدماء والمحدثين، فمن ذلك:
إذا دارٌ نبتْ بك فاطَّرحْهافدارُ السَّوءِ ليسَ بها ثواءُ
وما بعضُ الإقامةِ في بلادٍيُهانُ بها الفتَى إلاَّ عناءُ
مثله للوليد بن عطيَّة:
إذا خفتَ من دارٍ هواناً فلا تقِمْبها وأنتَ عمَّا فيه عنك غناءُ
فإنَّك إنْ تشطُطْ بكَ الدَّارُ يتَّسعْلذلك أرضٌ غيرُها وسماءُ
مثله آخر:
فْإنْ بنتِ عنِّي أو تُريدي إهانةًأجدْ عنكِ في الأرضِ العريضة مذهبا
فلا تحسبنَّ الأرضَ باباً سددتِهعليَّ ولا أمَّا أراها ولا أبا
مثله آخر:
إذا نَبا بي منزلٌ جُزْتُهُواعتضتُ منه منزلاً أسهلا
وإنْ سئمتُ المكثَ في بلدةٍقوَّضتُ عن ساحتها الأرْحُلا
سَبرة بن أبي عُيينة الأبجر:
ومن يبتْ والهمومُ قادحةٌفي قلبهِ بالزّنادِ لم ينمِ
ومن يرَ الّحضَ في مواطئهِينزلْ عن الدّحضِ موطئ القدمِ
وله أيضاً:
رضيتُ من القدرِ والفائداتِإذا ضمَّك المجلسُ الحافلُ
بتسليمةٍ كلَّ خمسٍ وستٍّوهل يرضينَّ بذا عاقلُ
عليك السَّلامُ فإنِّي امرؤٌإذا ضاقَ بي بلدٌ راحلُ
وقال سُويد بن الحارث:
لعمري لقد نادَى بأرفعِ صوتهِنعيّ حوى أنَّ فارسكُم هوَى
أجلْ صادقاً والقائلُ الفاعلُ الَّذيإذا رامَ أمراً أنبطَ الماءَ في الصَّفَا
فتًى قبَلٌ لم تُعنس السِّنُّ وجههُسوَى شهبٍ في الرَّأس كالفجرِ في الدُّجَى
أشارتْ له الحربُ العوانُ فجاءهَاسريعاً غداةَ الرَّوع أوَّلَ من أتَى
ولم يجنِها لكنْ جناها ابنُ عمِّهفآساهُ منقاداً فكان كمن جنَى
هذا مثل قول الآخر:
جنَى ابنُ عمّك ذنباً فابتُليتَ بهِإنَّ الفتَى بابنِ عمّ السَّوءِ مأخوذُ
جوَّاس بن القعطل:
بكِّي على قتلَى القُبور فإنَّهمطالتْ إقامتُهم ببطنِ بَرامِ
كانوا على الأعداءِ نارَ حفيظةٍولقومهم حرَماً من الأحرامِ
لا تهلكِي جزعاً فإنِّي واثقٌبسيوفنا وعواقب الأيَّامِ
عمرو بن مرَّة القَينيّ:
لقد ماتَ بالبيداءِ من جانبِ الحمَىفتًى كانَ زَيناً للمواكبِ والشّربِ
تظلُّ بنات العمّ والخال حولهُصواديَ لا يروَين بالباردِ العذبِ
يُهلنَ عليه بالأكفِّ من الثَّرىوما من قلًى يُحثى عليه من التُّربِ
مرَّة بن سويد الجرميّ:
أذهبَ الموتُ صالحَ اللاحقيِّينَ فلمْ يُبقِ منهمُ لاحقيَّا
لا هنيّا ولا مريّا ليَ العَيشُ وقد كانَ لي هنيّا مرِيّا
مسعود بن مالك الجرميّ:
نعَى النَّاعِي أبا قطن سُويداووافانا بمصرَعه البريدُ
تركتُم فارساً غادَرْتُموهُتعاورهُ الفوارسُ والحديدُ
لقد وارَى ثراكَ فتًى كريماًوأوْصالاً بهنَّ دمٌ وجُودُ
وله:
ألا لا فتًى بعد ابن ناشرَة الفتَىولا مجدَ إلاَّ قد تولَّى وأدبَرَا
فتًى حنظليٌّ ما تزال يمينهُتعرّفُ معروفاً وتُنكرُ مُنكرا
لحَى اللهُ قوماً أسلموكَ وجرّدواعناجيجَ أعطتها يمينكَ ضُمَّرا
منافع بن ميمون:
أبعدَ بني عمرٍو أُسَرُّ بمُقبلٍمن العَيش أو آسَى على إثْر مُدبرِ
وليس وراءَ الشيءِ شيءٌ يردُّهُعليكَ إذا ولَّى سوَى الصَّبر فاصْبِرِ
سلامٌ بني عمرٍو على حيثُ أنتمُوإنْ لم تكونوا غير تربٍ وأقبُرِ
ابن الدُّمَيْنة:
أمَا والَّذي حجَّت له العيسُ وارتَمَىلرضوانهِ شُعثٌ طويلٌ ذميلُها
لئن دائراتُ الدَّهر يوماً أردنَ لِيعلى أُمّ عمرٍو نوبةً لا أُقيلُها
وله أيضاً:
خليليَّ من عوفٍ عفا اللهُ عنكماألِمَّا بها إنْ كانَ يرجَى كلامُها
وإنَّ مَقيلاً عند ظمياءَ ساعةًلنا خلفٌ من لومةٍ سنُلامُها
ابن الطَّثرية:
عزَّيتُ نفساً عن هواكِ كريمةًعلى ما بها من لوعةٍ وغليلِ
بكتْ ما بكتْ من شجوِها ثمَّ راجعتْلعرفان هجرٍ من نواك طويلُ
السَّمهري بن جحدر العُكليّ وكان لصّاً فحُبس في سجن المدينة:
لقدْ جمعَ الحدَّادُ بين عصابةٍتساءلُ تحتَ اللَّيل ماذا ذنوبُها
مقرَّنة الأقدام في السّجن تشتكِيظنابيبَ قد أمستْ متيناً علوبُها
إذا حرَسيٌّ قعقعَ الباب أرعشتْفرائصُ أقوامٍ وطارتْ قلوبُها
بمنزلةٍ أمَّا اللَّئيمُ فشامتٌبها وكرامُ النَّاسِ بادٍ شحوبُها
ألا ليتَنِي من غيرِ عُكلٍ قَبيلتيولم أدرِ ما شُبَّانُ عُكلٍ وشيبُها
قُبيِّلة لا يقرع البابَ وفدُهالخيرٍ ولا يأتي السَّدادَ خطيبُها
فإنْ يكُ عكلٌ سرَّها ما أصابَنيفقد كنتُ مصبُوباً على ما يريبُها
شُتَيم بن خُويلد الفزاريّ:
سائلْ عُقَيلا عنَّا وإخوتَهمبني تميمٍ ففيهمُ الخبرُ
في أيِّ عِيصٍ وشوكةٍ وقعُواوأيّ قومٍ بعزِّه ذُعروا
ولَّوا وأرماحُنا حقائبُهمنُكرِهُها فيهمُ وتَنأَطرُ
فَروة بن مُسَيك المُراديّ:
مررنَ على لُفَاتَ وهنَّ خُوصٌيُبارين الأعنَّة ينتَحِينا
فإنْ نَهزمْ فهزَّامون قدماًوإنْ نُغلبْ فغيرُ مُغلَّبينا
وما إنْ طِبُّنا جُبنٌ ولكنْمَنايانا ودولةٌ آخَرينا
ومَن يُغررْ بريب الدَّهر يوماًيجدْ ريبَ الزَّمان له خَؤونا
فأفنَى مرَّةً ساداتِ قوميكما أفنَى القرون الأوَّلينا
فلو خَلَد الملوكُ إذاً خلَدْناولو بقيَ الكرامُ إذاً بَقينا
مُحرز بن المكعبر:
ناديتُ زيداً فلم أفزعْ إلى وكَلٍرثِّ السِّلاح ولا في الحيِّ مكثورِ
سالتْ عليهِ شعابُ الحيّ حينَ دعاأصحابَه بوجوهٍ كالدَّنانيرِ
القتَّال الكلابيّ وكان من الفتَّاك فأُخذ في جنايةٍ جناها فطال حبسه وضجر فقتل السجَّان وهرب فقال:
نظرتُ وقد جَلى الدُّجَى طامسَ الصُّوَىبسَلْعٍ وقرنُ الشَّمس لم يترجَّلِ
ألا حبَّذا تلك البلادُ وأهلُهالَوَ انَّ عذابي بالمدينةِ ينجلِي
أقولُ لأصحاب الحديدِ تقرَّبواإلى نارِ ليلَى بالحمومين نصطَلي
يُضيء سناها وجهَ ليلَى كأنَّمايُضيء سناها وجهَ أدماءَ مُغزِلِ
بدتْ بين أستارٍ عِشاءً تلفُّهامراوحُ من ريحَيْ جنوبٍ وشمألِ
يكادُ بإثقابِ اليلنجوج جمرُهايُضيء إذا ما سِترُها لم يُجلَّلِ
ومندون حيثُ استوقدتْ هَضْب شابةٍوهضبِ شَرَوْرَى كلُّ عَيطاءَ عيطلِ
تَبيض الحمام الوُرقُ في جَنَباتهاويُحرز فيها بَيضَه كلُّ أجدلِ
ولمَّا رأيتُ البابَ قد حالَ دونهوخفتُ لَحاقاً من كتابٍ مؤجَّلِ
رددتُ على المكروه نفساً شرِيسةًإذا وطِّنتْ لم تستقدْ لتذلُّلِ
إذا قلتُ رفِّهْني من السّجن ساعةًتُتِمُّ بها نُعمَى عليَّ وتُفضِلِ
يَشدُّ وثاقِي عابساً ويتُلُّنيإلى حلقاتٍ في عمودٍ مرمَّلِ
أقولُ لهُ والسَّيف يقحفُ رأسَهُأنا ابنُ أبي أسماءَ غيرَ تنحُّلِ
عرفت نداي من نداه وشيمتيوريحاً تغشَّاني إذا اشتدَّ مِسجَلِي
أما قوله: " أقول له والسَّيف " البيت، فمثل قول دريد:
أقولُ لهُ والرُّمحُ يأطِرُ متْنَهتأمَّلْ خُفافاً إنَّني أنا ذالِكا
حميد الأرقط وكان هجَّاءً للضيوف:
أواثبُ ضَيفي حين يُقبلُ طارقاًبسَيفي ولا أرضَى بما صنعَ الكلبُ
وأضربُهُ حتَّى يقولَ قتلْتَنيعلى غيرِ جرمٍ قلتُ قلَّ لك الضَّربُ
وله أيضاً:
إذا ضافَني ضيفٌ سلبتُ ثيابَهُوإنْ كانَ ذا طِرفٍ أقامَ على الخَسفِ
أحذّرُهُ أنْ لا يعودَ لمثلِهافإنْ عادَ عُدْنا في الجهالة والعنفِ
مثله لغيره:
وإنَّا لنجفو الضَّيف من غير عُسرةٍمخافة أن يضرَى بنا فيعودُ
قال: تزوج عبد الله بن إسحاق الجعفري بأُمّ الحسام المرّية فنقلها من البادية إلى المدينة، فكانت معه في أرفع عيشٍ إلاَّ أنَّها كانت كثيرة الذِّكر للبادية والشَّوق إليها. قال عبد الرحمن بن إسحاق: وكان لي موضع يقرب من المدينة قد غرستُ فيه بستاناً حسناً واخترت له أنواعاً من النَّخل وعملت فيه صهريجاً بديعاً قال: فخرجت أنا وأُمّ الحسام إلى هذا المكان وقصدنا البستان، فلمَّا نظرت إلى الصهريج جلست عليه وأرسلت رِجليها في الماء، فقلت لها: ألا تطوفين معنا على النَّخل لنجني ما طاب من ثمره، قالت: ههنا أعجل إلي، فدرنا ساعة وهي على الصهريج ثمَّ انصرفنا إليها وهي تحرك شفتيها، فقلت لها: يا أمّ الحسام لا أحسبك إلاَّ وقد قلت شيئاً، قالت: أجل! وأنشدتني:
أقول لأدنَى صاحبيَّ أُسرُّهوللدَّمعِ تحدار المكَحَّلِ ساكبُهْ
لعمري لنهيٌ باللّوى نازحُ القذَىنقيُّ النواحي غيرُ طرقٍ مُشاربُهْ
أحبُّ إليَّ من صهاريجَ مُلِّئتْللعبٍ فلم تحسنْ لديَّ ملاعبُهْ
فيا حبَّذا نجدٌ وطيب ترابِهِإذا هضبتْهُ بالعشيِّ هواضبُهْ
وريح صبا نجدٍ إذا ما تنسَّمتْضحًى أو سرتْ جنحَ الظَّلام جنائبُهْ
بأجرَعَ مِمْراعٍ كأنَّ رياحَهُسحابٌ من الكافور والمسكُ شائبُهْ
فأشهدُ لا أنساهُ ما دمتُ حيَّةًوما انحازَ ليلٌ عن نهارٍ يُعاقبُهْ
ولا زالَ هذا القلبُ حلفَ صبابةٍبذِكراه حتَّى يترك الماءَ شاربُهْ
قال: ولما زُفَّت ميسون ابنة بحدل الكلبيَّة إلى معاوية بن أبي سفيان من بادية كلْب تشوَّقت إلى البادية فقالت:
لَبَيتٌ تخفقُ الأرواحُ فيهأحبُّ إليَّ من قصرٍ منيفِ
وأصوات الرِّياح بكلِّ فجٍّأحبُّ إليَّ من نقرِ الدُّفوفِ
وبكرٌ يتبعُ الأظعانَ صعبٌأحبُّ إليَّ من هرٍّ ألوفِ
ولبسُ عباءةٍ وتقرَّ عَينيأحبُّ إليَّ من لبسِ الشُّفوفِ
وخرقٌ من بني عمِّي نحيفٌأحبُّ إليَّ من علجٍ عليفِ
فلما سمع معاوية هذه الأبيات قال: ما رضيتْ واللهِ ابنة بحدل حتَّى جعلتني عِلجاً عليفاً.
قال: وغزا بعض الأعراب البحر من ناحية صُور وكان الوالي الَّذي أغزاه الأسود بن بلال بن أبي بردة، فلما رأى أهوال البحر كاد عقله أن يزول ثمَّ تماسك وقال:
أقولُ وقد ولَّى السَّفينُ مُلجِّجاًوقد بعدتْ بعد التَّقرُّبِ صورُ
وقد عصفتْ ريحٌ وللمَوج هزَّةٌوللبحر من تحت السَّفين هديرُ
ألا ليت أجري والعطاءَ معاً لهموحظِّي قُتودٌ في الزّمام وكُورُ
فللهِ رأيٌ قادني لسفينةٍوأخضَر موَّارِ السَّراة يَمورُ
ترَى متنَه سهلاً إذا الرِّيحُ أقلعتْوإنْ عصفتْ فالسَّهلُ منه وعورُ
فيا بنَ بلالٍ للضَّلال دعوتَنيوما كانَ مثلي في الضَّلالِ يسيرُ
لئنْ وقعتْ رِجلايَ في الأرضِ مرَّةًوكانَ بأصحاب السَّفين كرورُ
ليعترضنَّ اسمي لدى العَرضِ خِلفةًوذلك إنْ كانَ الإيابُ يسيرُ
الصمَّة القُشيريّ:
خليليَّ إنِّي واقفٌ فمسلِّمٌعلى النِّير فارْتاحا قليلاً فسلِّما
فإنِّي أحبُّ النِّيرَ والبرقَ الَّتيبها النِّيرُ حبّاً خالطَ اللَّحمَ والدّما
فلو زال هضبُ النِّير عن سكَناتهِليمَّمتُ من وجدٍ به حيثُ يمَّما
ولو كلَّمتْ صُمُّ الجِبال بموطنٍصديقاً لحيَّانا إذنْ وتكلّما
معنى البيت الأخير من هذه الأبيات كثير جدّاً للمتقدمين والمحدثين فمن أحسن ذلك قول العرجيّ وقد رُوي لعمر بن أبي ربيعة:
ولهنَّ بالبيت العتيق لُبانةٌوالرُّكْن يعرفهنَّ لو يتكلَّمُ
لو كانَ حيّاً قبلهن ظعائناًحيَّا الحطيمُ وُجوههنَّ وزمزَمُ
ومثله للفرزدق وقد رُوي لغيره:
هذا الَّذي تعرف البطحاءُ وطأتَهُوالبيتُ يعرفُهُ والحِلُّ والحرَمُ
يكاد يُمسكهُ عِرقانَ راحتهِركنُ الحطيم إذا ما جاءَ يستلمُ
ومن أجود ما قيل في هذا المعنى قول البحتري:
ولوَ انَّ مشتاقاً تكلَّف فوقَ مافي وسعه لمشَى إليك المنبرُ
ولبعض إخواننا وذكر قوماً غابوا عن بلدة ثمَّ عادوا إليها وهو من نادر هذا المعنى:
غِبتُم فلو نطقتْ بكت وقدمتمُفلوِ استطاعتْ رحَّبتْ بالعِيرِ
فلاتّساع نظائر هذا المعنى وكثرتها اقتصرنا منها على القليل ولو أردنا أن نورد منها ما يكثر ويتسع لقدرنا على ذلك ولكن شرطنا أن نأتي من النظائر الَّتي تكثر وتتَّسع القليل لشهرتها ومعرفة النَّاس بها.
وللصمَّة أيضاً:
ألا مَن لنفسٍ مستخفٍّ جليدُهاوسلمَى مُبينٌ بُخلها وصدودُها
أحقّاً عبادَ الله أنْ لستُ ناظراًإلى الهضْب إلاَّ عاودَ النَّفسَ عيدُها
وإلاَّ استهلَّتْ عبرةٌ بعدَ زفرةٍيصدِّعُ قلبي أنْ يلمَّ صعودُها
وإنْ كنتُ قدْ عُلِّقتُ من ساكن الحمَىمكذِّبةً وعدي صدوقاً وعيدُها
ولو طلبتْ منِّي على ذاكَ في الهوَىزيادةَ حبٍّ لم أجدْ ما أزيدُها
ألا قاتلَ اللهُ الهوَى بعد نظرةٍأفادَكَها يومَ اللّقاء مفيدُها
فأخفيتُ من أصحابيَ الشَّوق بعد ماجرَى من جفونِ المقلَتين فريدُها
وكانَ بكاءُ العَين من قبلِ ما يُرَىعلى أُمِّ عمرٍو عادةً تستعيدُها
لياليَ يدعوني الهوَى فأُجيبُهُودُنيايَ لم يَخلقْ عليَّ جديدُها
فأصبحتُ قد حَلأتُ عن منهل الصِّباصواديَ من قلبي ظِماءً أذودُها
أمَّا قوله: " ولو طلبت مني " البيت، فمثل قول البحتري:
ذاتُ وجهٍ لوِ استزادتْ من الحُسْنِ إليه لمَا أصابتْ مَزيدَا
حاتم الطَّائيّ:
لعمرُ أبيكِ الخيرِ أحرِمُ طارقاًبليل إذا ما أرشدتْهُ النَّوابحُ
تخطَّى إليَّ اللَّيلَ إمَّا دلالةًعليَّ وإمَّا أيَّدتهُ النَّواصحُ
بشر بن أبي خازم الأسدي:
ألا بانَ الخليطُ ولم يُزارُواوقلبُك في الظَّعائن مُستطارُ
أُسائلُ صاحبي ولقدْ رآنيبصيراً بالأحبَّةِ حيثُ سارُوا
فلأياً ما قصرتُ الطَّرفَ عنهمعلى وجدٍ وقد تَلَعَ النَّهارُ
يفلِّجنَ الشِّفاهَ عنِ اقحُوانٍجَلاهُ غِبَّ ساريةٍ قطارُ
وفي الأظعانِ آنسةٌ لعوبُتيمَّمَ أهلُها بلداً فسارُوا
فبتُّ مسهَّداً أرِقاً كأنِّيتمشَّتْ في مفاصليَ العُقارُ
أُراقبُ في السَّماءِ بنات نعشٍوقد عُطفتْ كما عُطف الصُّوارُ
فإنْ تكنِ العُقيليَّاتُ شطَّتْبهنَّ عن المُصافين الدِّيارُ
فقد كانتْ لنا ولهنَّ حتَّىزَوتْنا الحربُ أيَّامٌ قصارُ
لياليَ لا أُطاوعُ من نَهانيويضْفُو فوقَ كعبيَّ الإزارُ
فأعْصي عاذلِي وأُصيبُ لهواًوأُوذِي في الزِّيارة مَن يغارُ
السفَّاح بن بُكير اليربوعيّ:
يا فارساً ما أنتَ من فارسٍموطَّأَ البيت رحيبَ الذِّراعْ
قوَّالَ معروفٍ وفعَّالِهعقَّارَ مثنَى أُمَّهاتِ الرِّباعْ
يجمعُ حِلماً وأناةً معاًوربَّما انْباعَ انْبياعَ الشُّجاعْ
يَعدو فلا تكذبُ شدَّاتُهُكما عدا اللَّيثُ غداةَ المِصاعْ
لا يخرجُ الأضيافُ من بيتِهِإلاَّ وهم منه رِواءٌ شِباعْ
وفارسٍ باغٍ على قارحٍذي مَيعةٍ بالرُّمحِ صُلبِ الوِقاعْ
نهنهتُهُ عنكَ وحوضُ الرَّدَىيُوردُهُ كلُّ كميٍّ شجاعْ
ضَمرة بن أبي ضَمرة النهشليُّ:
ومُشعَلةٍ باللَّيل نهنهتُ وردَهاإذا لم يذُدْ خوفَ المنيَّة ذائدُ
لدَيها الكُماةُ والحديدُ فمنهمُمَصيدٌ بأطرافِ الرِّماحِ وصائدُ
أُذيقُ الصَّديقَ رأفتي وتعطُّفيوقد يشتكي منِّي العداةُ الأباعدُ
وذي تِرَّةٍ ناضلتُهُ فسبقتُهُوقصَّر عنِّي سعيُهُ وهْوَ جاهدُ
وقرِنٍ تركتُ الطَّيرَ يَحجُل حولَهعليه نجيعٌ من دم الجَوف جاسِدُ
وطارقِ ليلٍ كنتُ وجهَ مَبيتِهِإذا قلَّ في الحيِّ الجميع الرَّوافدُ
وقلتُ له أهلاً وسهلاً ومرحباًوأكرمتُهُ حتَّى غدا وهْوَ حامدُ
وما أنا بالسَّاعي ليُحرزَ نفسهُولكنَّني عن عورةِ الحيّ ذائدُ
عَوف بن الخَرِع التَّيميّ:
لعمرُك إنَّني لأخو حِفاظٍوفي يومِ الكريهةِ غيرُ غُمرِ
وما بي فاعْلَميه من خُشوعٍإلى أحدٍ ولا أُزهَى بكبْرِ
سِنان بن أبي حارثة المُرِّي:
إنْ أُمسِ لا أشتكي نُصبي إلى أحدٍولستُ مهتدياً إلاَّ معِي هادِ
فقد صَبَحتُ سوامَ الحيّ مُشعلةًرَهواً تطالعُ من غورٍ وأنْجادِ
وقد يسَرْتُ إذا ما الشَّولُ روَّحهابردُ العشيِّ بشفَّانٍ وصُرَّادِ
ثُمتَ أطعمتُ زادي غيرَ مدَّخرٍأهلَ المحلَّة من جارٍ ومن جادِ
قد يعلَم القومُ إذ طالتْ غَزاتهُمُوأرْمَلوا الزَّادَ أنِّي منفذٌ زادِي
علقمة بن عَبَدة من قصيدةٍ:
وفي الحيِّ بيضاءُ العوارض ثوبُهاإذا ما اسْبكرَّتْ للشَّباب قشيبُ
إذا غابَ عنها البعلُ لم تُفشِ سرَّهُوتُرضي إيابَ البعلِ حين يؤوبُ
فلا تعدِلِي بيني وبين مُغمَّرسفَتْكِ رَوايا المُزنِ حيث تَصوبُ
سقاكِ يمانٍ ذو حَبِيٍّ وعارضٌتَروحُ به جنحَ الظَّلام جَنوبُ
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع