من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو الْعَلَاء المعري
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن أبو العلاء المعري؟
)
أَحْمد بن عبد الله بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن أَحْمد بن
سُلَيْمَان بن دَاوُد بن المطهر بن زِيَاد بن ربيعَة بن الْحَارِث بن ربيعَة بن أَرقم بن أنون بن أسحم بن النُّعْمَان وَيُقَال لَهُ سَاطِع الْجمال بن عدي بن عبد غطفان بن عَمْرو بن برِيح بن جذيمة بن تيم الله بن أَسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة وتيم الله مُجْتَمع تنوخ المعرّي التنوخي من أهل معرة النُّعْمَان الْمَشْهُور صَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة كَانَ عجبا فِي الذكاء المفرط والحافظة قَالَ أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ فِي كتاب النّسَب ذكر تِلْمِيذه أَبُو زَكَرِيَّاء التبريزي أَنه كَانَ قَاعِدا فِي مَسْجده بمعرة النُّعْمَان بَين يَدي أبي الْعَلَاء يقْرَأ شَيْئا من تصانيفه قَالَ وَكنت قد أَقمت عِنْده سِنِين وَلم أر أحدا من أهل بلدي فَدخل الْمَسْجِد مغافصةً بعض جيراننا للصَّلَاة فرأيته وعرفته فتغيرت من الْفَرح فَقَالَ لي أَبُو الْعَلَاء ايش أَصَابَك فحكيت لَهُ أَنِّي رَأَيْت جاراً لي بعد أَن ألق أحدا من أهل بلدي سِنِين فَقَالَ لي قُم فكلمّه فَقلت حَتَّى أتمم السَّبق فَقَالَ لي قُم أَنا أنْتَظر لَك فَقُمْت وكلمته بِلِسَان الأذربية شَيْئا كثيرا إِلَى أَن سَأَلت عَن كل مَا أردْت فَلَمَّا رجعت وَقَعَدت بَين يَدَيْهِ قَالَ لي أَي لِسَان هَذَا قلت هَذَا لِسَان أذربيجان فَقَالَ لي مَا عرفت اللِّسَان وَلَا فهمته غير أَنِّي حفظت مَا قلتما ثمَّ أعَاد عَليّ اللَّفْظ بِعَيْنِه من غير أَن ينقص مِنْهُ أَو يزِيد عَلَيْهِ جَمِيع مَا قلت وَقَالَ جاري فتعجبت غَايَة التَّعَجُّب كَيفَ حفظ مَا لم يفهمهُ
قلت وَهَذَا معجز فَإِنَّهُ بلغنَا عَن جمَاعَة من الْحفاظ وَمَا يحْكى عَن البديع الهمذاني والأنباري وَغير هَؤُلَاءِ وَهُوَ أَمر قريب من الْإِمْكَان لِأَن حفظ مَا يفهمهُ الْإِنْسَان وَيعرف تراكيبه أَو مفرداته سهل وَأما أَنه يحفظ مَا لم يسمعهُ وَلَا يعلم لَهُ مُفردا وَلَا مركبا وَهُوَ أقل مَا يكون أَرْبَعمِائَة سطر من سُؤال غَائِب عَن أهل بَلَده سِنِين وَجَوَابه وَلِلنَّاسِ حكايات يضعونها فِي عجائب ذكائه وَهِي مَشْهُورَة أظنها مستحيلة وَكَانَ اطِّلَاعه على اللُّغَة وشواهدها أمرا باهراً
ولد يَوْم الْجُمُعَة عِنْد مغيب الشَّمْس لثلاث بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَثَلَاث مائَة بالمعرة وَتُوفِّي لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث وَقيل ثَانِي شهر ربيع الأول وَقيل ثَالِث عشرَة سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبع مائَة وجدّر من السّنة الثَّالِثَة من عمره فَعميَ مِنْهُ وَكَانَ يَقُول لَا أعرف من
الألوان إِلَّا الْأَحْمَر لِأَنِّي ألبست فِي الجدري ثوبا مصبوغاً بالعصفر لَا أَعقل غير ذَلِك
قَالَ الْحَافِظ السلَفِي أَخْبرنِي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْوَلِيد بن غَرِيب الايادي أَنه دخل مَعَ عَمه على أبي الْعَلَاء يزوره فَرَآهُ قَاعِدا على سجادة لبد وَهُوَ شيخ فانٍ فَدَعَا لي وَمسح على رَأْسِي)
قَالَ وَكَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ السَّاعَة وَإِلَى عينه إِحْدَاهمَا نادرة وَالْأُخْرَى غائرة جدا وَهُوَ مجدر الْوَجْه نحيف الْجِسْم انْتهى وَقَالَ أَبُو مَنْصُور الثعالبي وَكَانَ حَدثنِي أَبُو الْحسن الدلفي المصِّيصِي الشَّاعِر وَهُوَ مِمَّن لَقيته قَدِيما وحديثاً فِي مُدَّة ثَلَاثِينَ سنة قَالَ لقِيت بمعرة النُّعْمَان عجبا من الْعجب رَأَيْت أعمى شَاعِرًا ظريفاً يلْعَب بالشطرنج والنرد وَيدخل فِي كل فن من الْجد والهزل يكنى أَبَا الْعَلَاء وسمعته يَقُول أَنا أَحْمد الله على الْعَمى كَمَا يحمده غَيْرِي على الْبَصَر انْتهى
وَهُوَ من بَيت علم وَفضل ورياسة لَهُ جمَاعَة من أَقَاربه قُضَاة وعلماء وشعراء مثل سُلَيْمَان بن أَحْمد بن سُلَيْمَان جده قَاضِي المعرة وَولي الْقَضَاء بحمص ووالده عبد الله بن سُلَيْمَان كَانَ شَاعِرًا وأخيه مُحَمَّد بن عبد الله وَكَانَ أسنّ من أبي الْعَلَاء وَله شعر وَأبي الْهَيْثَم أخي أبي الْعَلَاء وَله شعر وَجَاء من بعده جمَاعَة من أهل بَيته وَقَالُوا الشّعْر ورأسوا ساقهم الصاحب كَمَال الدّين ابْن العديم على التَّرْتِيب وَذكر أشعارهم وأخبارهم فِي مُصَنف لَهُ سَمَّاهُ دفع التجرّي على أبي الْعَلَاء المعري وَذكرهمْ ياقوت فِي مُعْجم الأدباء عِنْد ذكر المعري أبي الْعَلَاء وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء الشّعْر وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة أَو اثْنَتَيْ عشرَة سنة ورحل إِلَى بغداذ ثمَّ رَجَعَ إِلَى المعرة وَكَانَ رحيله إِلَيْهَا سنة ثَمَان وَتِسْعين وَثَلَاث مائَة وَأقَام ببغداذ سنة وَسَبْعَة أشهر وَقصد أَبَا الْحسن عَليّ بن عِيسَى الربعِي النَّحْوِيّ ليقْرَأ عَلَيْهِ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ ليصعد الاصطبل فَخرج مغضباً وَلم يعد إِلَيْهِ والاصطبل فِي لُغَة أهل الشَّام الْأَعْمَى كَذَا قَالَ ياقوت وَقَالَ لعلّها معرّبة وَدخل على المرتضى أبي الْقَاسِم فعثر برجلٍ فَقَالَ من هَذَا الْكَلْب فَقَالَ أَبُو الْعَلَاء الْكَلْب من لَا يعرف للكلب سبعين اسْما وَسمعت المرتضى وَأَدْنَاهُ فاختبره فَوَجَدَهُ عَالما مشبعاً بالفطنة والذكاء فَأقبل عَلَيْهِ إقبالاً كثيرا وَكَانَ المعري يتعصب لأبي الطّيب ويفضله على بشار وَأبي نواس وَأبي تَمام وَكَانَ المرتضى يبغضه ويتعصب عَلَيْهِ فَجرى يَوْمًا ذكره فتنقصه المرتضى وَجعل يتبع عيوبه فَقَالَ المعري لَو لم يكن للمتنبي من الشّعْر إِلَّا قَوْله لَك يَا منَازِل الْقُلُوب منَازِل
لكفا فضلا فَغَضب المرتضى وَأمر بِهِ فسحب بِرجلِهِ وَأخرج من مَجْلِسه وَقَالَ لمن بِحَضْرَتِهِ أَتَدْرُونَ أَي شَيْء أَرَادَ الْأَعْمَى بِذكر هَذِه القصيدة فَإِن لأبي الطّيب مَا هُوَ أَجود مِنْهَا لم يذكرهَا فَقيل النَّقِيب السَّيِّد أعرف فَقَالَ أَرَادَ قَوْله فِي هَذِه القصيدة)
وَإِذا أتتك مذمتي من ناقصٍفَهِيَ الشَّهَادَة لي بِأَنِّي كَامِل
وَلما رَجَعَ المعري لزم بَيته وسمى نَفسه رهين المحبسين يَعْنِي حبس نَفسه فِي الْمنزل وَحبس بَصَره بالعمى وَكَانَ قد رَحل أَولا إِلَى طرابلس وَكَانَت بهَا خَزَائِن كتب مَوْقُوفَة فَأخذ مِنْهَا مَا أَخذ من الْعلم واجتاز باللاذقية وَنزل ديراً كَانَ بِهِ رَاهِب لَهُ علمٌ بأقاويل الفلاسفة سمع كَلَامه فَحصل لَهُ بذلك شكوك وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِي أمره وَالْأَكْثَرُونَ على إكفاره وإلحاده
أورد لَهُ الإِمَام فَخر الدّين فِي كتاب الْأَرْبَعين قَوْله
قُلْتُمْ لنا صانعٌ قديمٌقُلْنَا صَدقْتُمْ كَذَا نقُول
ثمَّ زعمتم بِلَا زمانٍوَلَا مكانٍ أَلا فَقولُوا
هَذَا كلامٌ لَهُ خبيءٌمَعْنَاهُ لَيْسَ لنا عقول
ثمَّ قَالَ الإِمَام فَخر الدّين وَقد هَذَا هَذَا فِي شعره وَأما ياقوت فَقَالَ وَكَانَ مهتماً فِي دينه يرى رَأْي البراهمة لَا يرى إِفْسَاد الصُّورَة وَلَا يَأْكُل لَحْمًا وَلَا يُؤمن بالرسل وَلَا الْبَعْث والنشور
قَالَ القَاضِي أَبُو يُوسُف عبد السَّلَام الْقزْوِينِي قَالَ لي المعري لم أهج أحد قطّ فَقلت لَهُ صدقت إِلَّا الْأَنْبِيَاء ﵈ فَتغير لَونه أَو قَالَ وَجهه وَدخل عَلَيْهِ القَاضِي المنازي فَذكر لَهُ مَا يسمعهُ عَن النَّاس من الطعْن عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ مَا لي وَلِلنَّاسِ وَقد تركت دنياهم فَقَالَ لَهُ القَاضِي وأخراهم فَقَالَ يَا قَاضِي وأخراهم وَجعل يكررها قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَحدثنَا عَن أبي زَكَرِيَّا أَنه قَالَ قَالَ لي المعري مَا الَّذِي تعتقد فَقلت فِي نَفسِي الْيَوْم يبين لي اعْتِقَاده فَقلت لَهُ مَا أَنا إِلَّا شَاك فَقَالَ وَهَكَذَا شيخك وَأما الشَّيْخ شمس الدّين فَحكم بزندقته فِي تَرْجَمته لَهُ وطوّلها وَذكر لَهُ فِيهَا قبائح وأظن الْحَافِظ السلَفِي قَالَ إِنَّه تَابَ وأناب وَأما الباخرزي فَقَالَ فِي حَقه ضَرِير مَا لَهُ فِي أَنْوَاع الْأَدَب ضريب ومكفوف فِي قَمِيص الْفضل ملفوف ومحجوب خَصمه الألد محجوج قد طَال فِي ظلال الْإِسْلَام آناؤه وَلَكِن رُبمَا رشح بالإلحاد إناؤه وعندما خبر بَصَره وَالله الْعَالم ببصيرته والمطلع على سَرِيرَته وَإِنَّمَا تحدثت الألسن بإساءته لكتابه الَّذِي زَعَمُوا أَنه عَارض بِهِ الْقُرْآن وعنونه ب الْفُصُول والغايات محاذاة للسور والآيات وَأظْهر من نَفسه تِلْكَ الْخِيَانَة وجذ تِلْكَ الهوسات كَمَا يجذّ العير الصليانة حَتَّى قَالَ فِيهِ القَاضِي أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن إِسْحَاق البحاثي الزوزني قصيدة أَولهَا
كلبٌ عوى بمعرة النُّعْمَانلما خلا عَن ربقة الْإِيمَان
)
أمعرة النُّعْمَان مَا أنجبت إِذْأخرجت مِنْك معرة العميان
وَأما ابْن العديم فَقَالَ فِي المُصَنّف الْمَذْكُور الَّذِي لَهُ فِي أَمر المعري قَرَأت بِخَط أبي الْيُسْر شَاكر بن عبد الله بن سُلَيْمَان المعري أَن الْمُسْتَنْصر صَاحب مصر بذل لأبي الْعَلَاء المعري مَا بِبَيْت المَال بالمعرة من الْحَلَال فَلم يقبل مِنْهُ شَيْئا وَقَالَ لَا أطلب الأرزاق وَالْمولى يفِيض عليّ رِزْقِي إِن أعْط بعض الْقُوت أعلم أَن ذَلِك فَوق حَقي وَقَالَ أَيْضا
كَأَنَّمَا غانة لي من غنىفعدّ عَن مَعْدن أسوان
سرت برغمي عَن زمَان الصِّبَايعجلني وقتي وأكواني
صدّ أبي الطّيب لما غَدامنصرفاً عَن شعب بوّان
قَالَ وقرأت بِخَط أبي الْيُسْر المعري فِي ذكره وَكَانَ ﵁ يرْمى من أهل الْحَسَد لَهُ بالتعطيل وَيعْمل تلامذته وَغَيرهم على لِسَانه الْأَشْعَار يضمنونها أقاويل الملحدة قصدا لهلاكه وإيثاراً لإتلاف نَفسه فَقَالَ ﵁
حاول إهواني قومٌ فَمَاواجهتهم إِلَّا بإهوان
يحرّشوني بسعاياتهمفغيّروا نِيَّة إخْوَانِي
لَو اسْتَطَاعُوا لوشوا بِي إِلَى المريخ فِي الشهب وكيوان وَقَالَ أَيْضا
غربت بذمي أمّةٌوبحمد خَالِقهَا غريت
وعبدت رَبِّي مَا اسْتَطَعْت وَمن بريّته بريت
وفرتني الْجُهَّال حاشدَّة عليّ وَمَا فريت
سعروا عَليّ فَلم أحسّوَعِنْدهم أَنِّي هويت
وَجَمِيع مَا فاهوا بِهِكذبٌ لعمرك حنبريت
انْتهى
قلت الْمَوْضُوع على لِسَانه فَلَعَلَّهُ لَا يخفى على من لَهُ لب وَأما الْأَشْيَاء الَّتِي دوّنها وَقَالَهَا فِي لُزُوم مَا لَا يلْزم وَفِي اسْتغْفر واستغفري فَمَا فِيهِ حِيلَة وَهُوَ كثير فِيهِ مَا فِيهِ من القَوْل)
بالتعطيل وَالِاسْتِخْفَاف بالنبوات وَيحْتَمل أَنه ارعوى وَتَابَ بعد ذَلِك كُله وَحكي لي عَن الشَّيْخ كَمَال الدّين ابْن الزملكاني ﵀ أَنه قَالَ فِي حَقه هُوَ جَوْهَرَة جَاءَت إِلَى الْوُجُود وَذَهَبت
وَسَأَلت الشَّيْخ فتح الدّين ابْن سيد النَّاس فَقلت لَهُ مَا كَانَ رَأْي الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد فِي أبي الْعَلَاء فَقَالَ كَانَ يَقُول هُوَ فِي حيرة قلت وَهَذَا أحسن مَا يُقَال فِي أمره لِأَنَّهُ قَالَ فِي داليّته الَّتِي فِي سقط الزند
خلق النَّاس للبقاء فصلتأمةٌ يحسبونهم للنفاد
إِنَّمَا ينقلون من دَار أَعمال إِلَى دَار شقوةٍ أَو رشاد ثمَّ قَالَ فِي لُزُوم مَا لَا يلْزم
ضحكنا وَكَانَ الضحك منا سفاهةًوحقّ لسكان البسيطة أَن يبكوا
تحطمنا الْأَيَّام حَتَّى كأننازجاجٌ وَلَكِن لَا يُعَاد لنا سبك
وَهَذِه الْأَشْيَاء كَثِيرَة فِي كَلَامه وَهُوَ تنَاقض مِنْهُ وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور وَمكث مُدَّة خمس وَأَرْبَعين سنة لَا يَأْكُل اللَّحْم تديناً وَلَا مَا تولد من الْحَيَوَان رَحْمَة للحيوان وخوفاً من إزهاق النُّفُوس قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَكَانَ يُمكنهُ أَن لَا يذبح رَحْمَة فَأَما مَا ذبحه غَيره فَأَي رَحْمَة بقيت انْتهى ولقيه رجل فَقَالَ لَهُ لم لَا تَأْكُل اللَّحْم فَقَالَ أرْحم الْحَيَوَان قَالَ لَهُ فَمَا تَقول فِي السبَاع الَّتِي لَا طَعَام لَهَا إِلَّا لُحُوم الْحَيَوَان فَإِن كَانَ لذَلِك خَالق فَمَا أَنْت بأرأف مِنْهُ وَإِن كَانَت الطباع المحدثة لذَلِك فَمَا أَنْت بأحذق مِنْهَا وَلَا أتقن فَسكت
وَلما مَاتَ رثاه عَليّ بن همام فَقَالَ من قصيدة طَوِيلَة
إِن كنت لم ترق الدِّمَاء زهادةًفَلَقَد أرقت الْيَوْم من عَيْني دَمًا
سيرت ذكرك فِي الْبِلَاد كَأَنَّهُمسكٌ فسامعةً يضمّخ أَو فَمَا
وَأرى الحجيج إِذا أَرَادوا لَيْلَةذكراك أوجب فديَة من أحرما
وَلما وقف دَاعِي الدعاة أَبُو نصر هبة الله بن مُوسَى أبي عمرَان بِمصْر على قَوْله
غَدَوْت مَرِيض الْعقل والرأي فألقنيلِتُخْبِرَ أنباء الْعُقُول الصحائح
فَلَا تأكلن مَا أخرج المَاء ظَالِماوَلَا تَبْغِ قوتاً من غريض الذَّبَائِح
وَلَا تفجعنّ الطير وَهِي غوافلٌبِمَا وضعت فالظلم شَرّ القبائح
ودع ضرب النَّحْل الَّذِي بكرت لَهُكواسب من أزهار نبتٍ فوائح
)
كتب إِلَيْهِ يَقُول أَنا ذَلِك الْمَرِيض عقلا ورأياً وَقد أَتَيْتُك مستشفياً فاشفني وَجَرت بَينهمَا مكاتبات كَثِيرَة من أسولةٍ وأجوبة انْقَطع الْخطاب بَينهمَا على المساكتة وَقد سردها مُلَخصا الْغَرَض مِنْهَا ياقوت فِي مُعْجم الأدباء وَقَالَ أَبُو غَالب ابْن مهذب المعري فِي تَارِيخه فِي سنة سبع عشرَة وَأَرْبع مائَة صاحت امْرَأَة فِي جَامع المعرة وَذكرت أَن صَاحب الماخور أَرَادَ أَن يغتصبها نَفسهَا فنفر كل من فِي الْجَامِع وهدوا الماخور وَأخذُوا خشبه ونهبوه وَكَانَ أَسد الدولة فِي نواحي صيدا فجَاء واعتقل من أعيانها سبعين رجلا وَذَلِكَ بِرَأْي وزيره بادرس بن الْحسن الْأُسْتَاذ وأوهمه أَن فِي ذَلِك إِقَامَة الهيبة قَالَ وَلَقَد بَلغنِي أَنه دعِي لهَؤُلَاء المعتقلين بآمد وميافارقين على المنابر وَقطع عَلَيْهِم بادرس ألف دِينَار وَخرج الشَّيْخ أَبُو الْعَلَاء المعري إِلَى أَسد الدولة صَالح وَهُوَ بِظَاهِر المعرة فَقَالَ لَهُ مَوْلَانَا السَّيِّد الْأَجَل أَسد الدولة مقدمها وناصحها كالنهار الماتع اشْتَدَّ هجيره وطاب أبراده وكالسيف الْقَاطِع لَان صحفه وخشن حداه خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين فَقَالَ صَالح قد وهبتهم لَك أَيهَا الشَّيْخ وَلم يعلم أَبُو الْعَلَاء أَن المَال قد قطع عَلَيْهِم وَإِلَّا كَانَ قد سَأَلَهُ فِيهِ ثمَّ قَالَ أبياتاً فِيهَا
بعثت شَفِيعًا إِلَى صالحٍوَذَاكَ من الْقَوْم رأيٌ فسد
فَيسمع مني سجع الْحماموأسمع مِنْهُ زئير الْأسد
وروى عَن أبي الْعَلَاء الْقَاسِم التنوخي وَهُوَ من أقرانه والخطيب التبريزي وَالْإِمَام أَبُو المكارم عبد الْوَارِث بن مُحَمَّد الْأَبْهَرِيّ والفقيه أَبُو تَمام غَالب بن عِيسَى الْأنْصَارِيّ والخليل بن عبد الْجَبَّار الْقزْوِينِي وَأَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي الصَّقْر الْأَنْبَارِي وَغير وَاحِد وَكَانَ أكله العدس وحلاوته التِّين ولباسه الْقطن وفراشه اللباد وحصيره بردية وشعره كثير إِلَى الْغَايَة وَأحسنه سقط الزند
فهرست كتبه الْفُصُول والغايات الشادن فِي غَرِيب هَذَا الْكتاب إقليد الغايات فِي اللُّغَة الأيك والغصون وَهُوَ ألف وَمِائَتَا كراس مُخْتَلف الْفُصُول أَرْبَعمِائَة كراس الْخطب خطب الْخَيل خطْبَة الفصيح رسيل الراموز تَاج الْحرَّة فِي وعظ النِّسَاء أَرْبَعمِائَة كراس لُزُوم مَا لَا يلْزم زجر النابح نجر الزّجر رَاحَة اللُّزُوم شرح مَا لَا يلْزم ملقى السَّبِيل حماسة الراح فِي ذمّ الْخمر مواعظ وَقْفَة الْوَاعِظ الْحلِيّ والحلي سجع الحمائم جَامع الأوزان والقوافي غَرِيب مَا فِي هَذَا الْكتاب سقط الزند اسْتغْفر)
واستغفري الصاهل والشاحج على لِسَان فرس وبغل الْقَائِف فِي معنى كليلة ودمنة منار الْقَائِف تَفْسِير مَا فِيهِ من اللغز من الْغَرِيب السجع السلطاني سجع الْفَقِيه سجع
الْمُضْطَرين رِسَالَة المعونة ذكرى حبيب شرح شعر أبي تَمام معجز أَحْمد شرح شعر أبي الطّيب عَبث الْوَلِيد شرح البحتري تَعْلِيق الخلس إسعاف الصّديق قَاضِي الْحق الحقير النافع فِي النَّحْو الْمُخْتَصر الفتحي اللامع العزيزي فِي شرح شعر المتنبي ديوَان الرسائل مائَة كراس خَادِم الرسائل مَنَاقِب عَليّ بن أبي طَالب ﵁ رِسَالَة العصفورين السجعات الْعشْر عون الْجمل شرف السَّيْف شرح بعض سِيبَوَيْهٍ خَمْسُونَ كراساً الأمالي رِسَالَة الغفران رِسَالَة الْمَلَائِكَة تضمين الْآي تَفْسِير الْهمزَة والردف نشر شَوَاهِد الجمهرة وَلم يتم ثَلَاثَة أَجزَاء مجد الْأَنْصَار فِي القوافي دُعَاء سَاعَة الرياشي إسعاف الصّديق الظل الظَّاهِرِيّ ضوء السقط دُعَاء الْأَيَّام السَّبْعَة رِسَالَة على لِسَان ملك الْمَوْت ﵇ ظهير العضدي نَحْو تظلم السُّور عظات السُّور الرسَالَة الحضية مِثْقَال النّظم عرُوض
وَمن نظم أبي الْعَلَاء المعري فِي رجل اسْمه أَبُو الْقَاسِم
هَذَا أَبُو الْقَاسِم أعجوبةٌلكلِّ من يدْرِي وَلَا يدْرِي
لَا ينظم الشّعْر وَلَا يحفظ الْقُرْآن وَهُوَ الشَّاعِر الْمقري وَمِنْه فِي الْغَزل
يَا ظَبْيَة علقتني فِي تصيدهاأشراكها وَهِي لم تعلم بأشراكي
رعيت قلبِي وَمَا راعيت حرمتهفَلم رعيت وَمَا راعيت مرعاك
أتحرقين فؤاداً قد حللت بِهِبِنَار حبك عمدا وَهُوَ مأواك
أسكنته حِين لم يسكن بِهِ سكنٌوَلَيْسَ يحسن أَن تسخي بسكناك
مَا بَال دَاعِي غرامي حِين يَأْمُرنِيبِأَن أكابد حر الوجد ينهاك
وَلم غَدا الْقلب ذَا يأسٍ وَذَا طمعٍيرجوك أَن ترحميه ثمَّ يخشاك
وَمِنْه
مِنْك الصدود ومني بالصدود رضىمن ذَا عليّ بِهَذَا فِي هَوَاك قضى
بِي مِنْك مَا لَو غَدا بالشمس مَا طلعتمن الكآبة أَو بالبرق مَا ومضا
)
جريت دهري وأهليه فَمَا تركتلي التجارب فِي ود امْرِئ غَرضا
إِذا الْفَتى ذمّ عَيْشًا فِي شبيبتهفَمَا يَقُول إِذا عصر الشَّبَاب مضى
وَقد تعوضت عَن كل بمشبههفَمَا وجدت لأيام الصِّبَا عوضا
وَمِنْه
لم يكن الدن غير نكرٍسلافة الراح عرّفته
كآدمٍ صِيغ من ترابٍونفخة الرّوح شرفته
وَمِنْه
قد أورقت عمد الْخيام وأعشبتقلل الْجبَال ولون رَأْسِي أغبر
وَلَقَد سلوت عَن الشَّبَاب كَمَا سلاغَيْرِي وَلَكِن للحزين تذكر
وَمِنْه قصيدته الَّتِي أَولهَا
أَلا فِي سَبِيل الْمجد مَا أَنا فَاعلعفافٌ وإقدامٌ وحزمٌ ونائل
مِنْهَا
تعد ذُنُوبِي عِنْد قومٍ كَثِيرَةوَلَا ذَنْب لي إِلَّا العلى والفواضل
كَأَنِّي إِذا طلت الزَّمَان وَأَهلهرجعت عِنْدِي للأنام طوائل
وَقد سَار ذكري فِي الْبِلَاد فَمن لَهُمبإخفاء شمسٍ ضوءها متكامل
يهم اللَّيَالِي بعض مَا أَنا مضمرٌويثقل رضوى بعض مَا أَنا حَامِل
وَإِنِّي وَإِن كنت الْأَخير زَمَانهلآتٍ بِمَا لم تستطعه الْأَوَائِل
وَإِن كَانَ فِي لبس الْفَتى شرفٌ لَهُفَمَا السَّيْف إِلَّا غمده والحمائل
وَلما رَأَيْت الْجَهْل فِي النَّاس فاشياًتجاهلت حَتَّى ظن أَنِّي جَاهِل
فوا عجبا م يَدعِي الْفضل نَاقصووا أسفا كم يظْهر النَّقْص فَاضل
وَكَيف تنام الطير فِي وكناتهاوتحسد أسحاري عليّ الأصائل
وَطَالَ اعترافي بِالزَّمَانِ وَأَهلهفلست أُبَالِي من تغول الغوائل
فَلَو بَان عضدي مَا تأسف مَنْكِبيوَلَو مَاتَ زندي مَا رثته الأنامل
إِذا وصف الطائيّ بالبخل ماردٌوعيّر قساً بالفكاهة بَاقِل
وَقَالَ السها للشمس أَنْت خفيةٌوَقَالَ الدجى يَا صبح لونك حَائِل
)
وطاولت الأَرْض السَّمَاء سفاهةًوفاخرت الشهب الْحَصَى والجنادل
فيا موت زر إِن الْحَيَاة ذميمةٌوَيَا نفس جدي إِن دهرك هازل
مِنْهَا
إِذا أَنْت أَعْطَيْت السَّعَادَة لم تبلوَلنْ نظرت شزراً إِلَيْك الْقَبَائِل
تقتك على أكتاف أبطالها القناوهابتك فِي أغمادهن المناصل
مِنْهَا
وَإِن كنت تهوى الْعَيْش فابغ توسطاًفَعِنْدَ التناهي يقصر المتطاول
توفى البدور النَّقْص وَهِي أهلةٌويدركها النُّقْصَان وَهِي كوامل
وَمِنْه قَوْله
لاقاك فِي الْعَام الَّذِي ولى وَلميَسْأَلك إِلَّا قبْلَة فِي الْقَابِل
إِن الْبَخِيل إِذا تمد لَهُ المدىفِي الْوَعْد هان عَلَيْهِ بذل النائل
مِنْهَا
وَسَأَلت كم بَين العقيق إِلَى الغضافَجَزِعت من أمد النَّوَى المتطاول
وعذرت طيفك فِي الْجفَاء لِأَنَّهُيسري فَيُصْبِح دُوننَا بمراحل
وَمِنْه قَوْله
فيا وطني إِن فَاتَنِي بك سابقٌمن الدَّهْر فلينعم لساكنك البال
وَإِن أستطع فِي الْحَشْر آتِك زَائِرًاوهيهات لي يَوْم الْقِيَامَة أشغال
وَمِنْه قَوْله
إِلَى الله أَشْكُو أنني كل ليلةٍإِذا نمت لم أعدم خواطر الأوهام
فَإِن كَانَ شرا فَهُوَ لَا بُد واقعٌوَإِن كَانَ خيرا فَهُوَ أضغاث أَحْلَام
وَمِنْه قَوْله
اضْرِب وليدك تأديباً على رشدٍوَلَا تقل هُوَ طفلٌ غير محتلم
فربّ شقٍ برأسٍ جرّ مَنْفَعَةوَقس على شقّ رَأس السهْم والقلم
وَمن شعره فِي الِاسْتِخْدَام وَهُوَ نوع أشرف من التورية يصف درعاً
نثرةٌ من ضَمَانهَا للقنا الخطيّعَن اللقا نثر الكعوب
)
مثل وشي الْوَلِيد وَإِن كَانَت من الصنع مثل وشي حبيب تِلْكَ ماذيةٌ وَمَا لذباب السَّيْف والصيف عِنْدهَا من نصيب
قلت استخدم لفظ الذُّبَاب فِي معنييه الأول طرف السَّيْف وَالثَّانِي الذُّبَاب الطَّائِر الْمَعْرُوف وَهُوَ الذبان وَقَوله أَيْضا وفقيها أفكاره شدن للنعمان مَا لم يشده شعر زِيَاد استخدم لفظ النُّعْمَان هُنَا فِي معنييه الأول النُّعْمَان هُوَ أَبُو حنيفَة ﵁ وَالثَّانِي النُّعْمَان بن الْمُنْذر يَعْنِي أَن النَّابِغَة كَانَ يمدحه فأورثه ذكرا حميدا وَمن شعره البديع
هزت إِلَيْك من الْقد ابْن ذِي يزنولاحظتك بهاروتٍ على عجل
أرتك عَم رَسُول الله منتقباًأَبَا حُذَيْفَة يَحْكِي أَو أَبَا حمل
قلت ابْن ذِي يزن هُوَ سيف وهاروت مَعْرُوف بِالسحرِ وَعم رَسُول الله ﷺ هُوَ الْعَبَّاس ﵁ وَأَبُو حُذَيْفَة وَحمل هُوَ بدر وَمثله أَيْضا قَوْله
نهارهم ابْن يعفر فِي ضحاهوَلَيْلَة جَاره بنت المحلق
أَرَادَ بقوله ابْن يعفر الْأسود لِأَن الْأسود اسْم يعفر وَأَرَادَ ببنت المحلق ليلى لِأَنَّهَا إِحْدَى بَنَات المحلق يعين مظْلمَة تَقول لَيْلَة ليلاء قَالَ فِي الْمرْآة سبط الْجَوْزِيّ قَالَ الْغَزالِيّ حَدثنِي يُوسُف بن عَليّ بِأَرْض الهركار قَالَ دخلت معرة النُّعْمَان وَقد وشى وَزِير مَحْمُود بن صَالح صَاحب حلب إِلَيْهِ بِأَن المعري زنديق لَا يرى إِفْسَاد الصُّور وَيَزْعُم أَن الرسَالَة تحصل بصفاء الْعقل فَأمر مَحْمُود بِحمْلِهِ إِلَيْهِ من المعرة وَبعث خمسين فَارِسًا ليحملوه فأنزلهم أَبُو الْعَلَاء دَار الضِّيَافَة فَدخل عَلَيْهِ عَمه مُسلم بن سُلَيْمَان وَقَالَ يَا ابْن أخي قد نزلت بِنَا هَذِه الْحَادِثَة الْملك مَحْمُود يطلبك فَإِن منعناك عجزنا وَإِن أسلمناك كَانَ عاراً علينا عِنْد ذَوي الذمام ويركب تنوخاً الذل والعار فَقَالَ لَهُ هون عَلَيْك يَا عَم فَلَا بَأْس علينا فلي سُلْطَان يذب عني ثمَّ قَامَ واغتسل وَصلى إِلَى نصف اللَّيْل ثمَّ قَالَ لغلامه انْظُر إِلَى المريخ أَيْن هُوَ فَقَالَ فِي منزلَة كَذَا وَكَذَا فَقَالَ زنه وَاضْرِبْ تَحْتَهُ وتداً وَشد فِي رجْلي خيطاً واربطه إِلَى الوتد فَفعل غُلَامه ذَلِك فسمعناه يَقُول يَا قديم الْأَزَل يَا عِلّة الْعِلَل يَا صانع الْمَخْلُوقَات وموجد الموجدات أَنا فِي عزك الَّذِي لَا يرام وكنفك الَّذِي لَا يضام الضيوف الضيوف الْوَزير الْوَزير ثمَّ ذكر كَلِمَات لَا تفهم وَإِذا بهدة عَظِيمَة فَسئلَ عَنْهَا فَقيل وَقعت الدَّار على الضيوف الَّذين كَانُوا بهَا فقتلت)
الْخمسين وَعند طُلُوع الشَّمْس وَقعت بطاقة من حلب على جنَاح طَائِر لَا تزعجوا الشَّيْخ فقد وَقع الْحمام على الْوَزير قَالَ يُوسُف ابْن عَليّ فَلَمَّا شاهدت ذَلِك دخلت على المعري فَقَالَ من أَيْن أَنْت فَقلت من أَرض الهركار فَقَالَ زَعَمُوا أَنِّي زنديق ثمَّ قَالَ اكْتُبْ وأملى عليّ وَذكر أبياتاً من قصيدة ذكرتها أَنا وأولها
أسْتَغْفر الله فِي أمني وأوجاليمن غفلتي وتوالي سوء أعمالي
قَالُوا هرمت وَلم تطرق تهَامَة فِيمشَاة وفدٍ وَلَا ركبان أجمال
فَقلت إِنِّي ضريرٌ وَالَّذين لَهُمرأيٌ رَأَوْا غير فرضٍ حج أمثالي
مَا حج جدي وَلم يحجج أبي وَأخيوَلَا ابْن عمي وَلم يعرف منى خَالِي
وَحج عَنْهُم قَضَاء بَعْدَمَا ارتحلواقومٌ سيقضون عني بعد ترحالي
فَإِن يفوزوا بغفرانٍ أفز مَعَهمأَو لَا فَإِنِّي بنارٍ مثلهم صال
وَلَا أروم نعيماً لَا يكون لَهُمفِيهِ نصيبٌ وهم رهطي وأشكالي
فَهَل أسر إِذا حمت محاسبتيأم يَقْتَضِي الحكم تعتابي وتسآلي
من لي برضوان أَدْعُوهُ فيرحمنيوَلَا أنادي مَعَ الْكفَّار أمثالي
باتوا وحتفي أمانيهم مصورةوَبت لم يخطروا مني على بَال
وفوقوا لي سهاماً من سِهَامهمْفَأَصْبَحت وَقعا عني بأميال
فَمَا ظنونك إِذْ جندي ملائكةٌوجندهم بَين طوافٍ وبقال
لقيتهم بعصا مُوسَى الَّتِي منعتفِرْعَوْن ملكا ونجت آل إسرال
أقيم خمسي وَصَوْم الدَّهْر آلفهوأدمن الذّكر أَبْكَارًا بآصال
عيدين أفطر فِي عَامي إِذا حضراعيد الْأَضَاحِي يقفو عيد شَوَّال
إِذا تنافست الْجُهَّال فِي حللٍرَأَيْتنِي من خسيس الْقطن سربالي
لَا آكل الْحَيَوَان الدَّهْر مأثرةًأَخَاف من سوء أعمالي وآمالي
وأعبد الله لَا أَرْجُو مثوبتهلَكِن تعبد إكرامٍ وإجلال
أصون ديني عَن جعلٍ أؤملهإِذا تعبد أقوامٌ بأجعال
وَمن شعره
رددت إِلَى مليك الْخلق أَمْرِيفَلم أسأَل مَتى يَقع الْكُسُوف
)
وَكم سلم الجهول من المناياوعوجل بالحمام الفيلسوف
أَخذه من قَول المتنبي وَهُوَ أحسن
يَمُوت راعي الضَّأْن فِي جَهلهميتَة جالينوس فِي طبه
وَرُبمَا زَاد على عمرهوَزَاد فِي الْأَمْن على سربه
وَقَالَ المعري
إِذا مَا ذكرنَا آدماً وفعالهوتزويجه لابْنَيْهِ بنتيه فِي الْخَنَا
علمنَا بِأَن الْخلق من نسل فاجرٍوَأَن جَمِيع الْخلق من عنصر الزِّنَا
فَأَجَابَهُ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن أبي عقامة من الْيمن
لعمرك أما فِيك فَالْقَوْل صادقٌوَتكذب فِي البَاقِينَ من شط أَو دنا
كَذَلِك إِقْرَار الْفَتى لازمٌ لَهُوَفِي غَيره لغوٌ كَذَا جَاءَ شرعنا
وَمن شعر المعري
صرف الزَّمَان مفرق الإلفينفاحكم إلهي بَين ذَاك وبيني
أنهيت عَن قتل النُّفُوس تعمداًوَبعثت تقبضها مَعَ الْملكَيْنِ
وَزَعَمت أَن لَهَا معاداً ثَانِيًامَا كَانَ أغناها عَن الْحَالين
وَمن شعر المعري أَيْضا
يدٌ بِخمْس مئ من عسجدٍ فديتمَا بالها قطعت فِي ربع دِينَار
تحكمٌ مَا لنا إِلَّا السُّكُوت لَهُوَأَن نَعُوذ بمولانا من النَّار
قَالَ ياقوت لِأَن المعري حمارٌ لَا يفقه شَيْئا وَإِلَّا فَالْمُرَاد بِهَذَا بَين لَو كَانَت الْيَد لَا تقطع إِلَّا فِي سَرقَة خَمْسمِائَة دِينَار لكثر سَرقَة مَا دونهَا طَمَعا فِي النجَاة وَلَو كَانَت الْيَد تفدى بِربع دِينَار لكثر من يقطعهَا وَيُؤَدِّي ربع دِينَار دِيَة عَنْهَا نَعُوذ بِاللَّه من الضلال انْتهى قلت وَقَالَ الشَّيْخ علم الدّين السخاوي يُجيب المعري ردا عَلَيْهِ
صِيَانة الْعرض أغلاها وأرخصهاصِيَانة المَال فَافْهَم حِكْمَة الْبَارِي
وَله بيتان فِي تَرْجَمَة أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن خذيو أَجَابَهُ عَنْهُمَا صَاحب التَّرْجَمَة الْمَذْكُور فَيُؤْخَذ من هُنَاكَ
وَمن شعره فِي البعوض)
إِذا هِيَ غنت لم يشقني غنَاؤُهَافبعداً لَهَا من قينةٍ لم تكرم
تجمش من لَا يَبْتَغِي اللَّهْو عِنْدهَاوتطرد نوم الناسك المتأثم
وأحلف لَا عانقتها وَلَقَد غَدالَهَا أثرٌ مَا بَين كفي ومعصمي
وَقَالَ أَبُو الرضى عبد الْوَاحِد بن نَوَت المعري يرثي أَبَا الْعَلَاء
سمر الرماح وبيض الْهِنْد تشتورفِي أَخذ ثارك والأقدار تعتذر
والدر فَاقِد أهل الْعلم قاطبةًكَأَنَّهُمْ بك فِي ذَا الْقَبْر قد قبروا
فَهَل ترى بك دَار الْعلم عالمةٌأَن قد تزعزع مِنْهَا الرُّكْن وَالْحجر
الْعلم بعْدك غمدٌ فَاتَ منصلهوالفهم بعْدك قوسٌ مَا لَهَا وتر
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع