من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَحْمد بن زيدون
أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد بن غَالب بن زيدون المَخْزُومِي الأندلسي الْقُرْطُبِيّ أَبُو الْوَلِيد أثنى عَلَيْهِ بسام فِي الذَّخِيرَة وَابْن خاقَان فِي قلائد العقيان وَكَانَ من أَبنَاء وُجُوه الْفُقَهَاء بقرطبة برع أدبه وجاد شعره وَعلا شَأْنه وَانْطَلق لِسَانه ثمَّ انْتقل عَن قرطبة إِلَى المعتضد عباد صَاحب إشبيلية سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَأَرْبع مائَة فَجعله من خواصه يجالسه فِي خلوته ويركن إِلَى إشاراته وَكَانَ مَعَه فِي صُورَة وَزِير وَكَانَ أَولا قد انْقَطع إِلَى ابْن جهور أحد مُلُوك الطوائف المغلبين بالأندلس فخف عَلَيْهِ وَتمكن مِنْهُ وَاعْتمد عَلَيْهِ فِي السفارة بَينه وَبَين مُلُوك الأندلس فأعجب بِهِ الْقَوْم وتمنوا ميله إِلَيْهِم لبراعته وَحسن سيرته فاتفق أَن نقم عَلَيْهِ ابْن جهور فحسبه)
واستعطفه ابْن زيدون بفنون النّظم
والنثر من ذَلِك رسَالَته الَّتِي أَولهَا يَا مولَايَ وسيدي الَّذِي ودادي لَهُ واعتمادي عَلَيْهِ واعتدادي بِهِ وَمِنْهَا إِن سلبتني أعزّك الله لِبَاس إنعامك وعطّلتني من حلي إيناسك وأظمأتني إِلَى برد إسعافك وغضضت عني طرف حمايتك بعد أَن نظر الْأَعْمَى إِلَى تأميلي فِيك وأحسَّ الجماد باستحمادي لَك وَسمع الْأَصَم ثنائي عَلَيْك وَلَا غرو فقد يغص بِالْمَاءِ شَاربه وَيقتل الدَّوَاء المستشفي بِهِ وَيُؤْتى الحذر من مأمنه وَتَكون منية المتمني فِي أمْنِيته والحين قد يسْبق جهد الْحَرِيص
كلّ المصائب قد تمرّ على الْفَتىوتهون غير شماتة الحساد
إِنِّي لأتجلد وأري الحاسدين أَنِّي لَا أتضعضع وَأَقُول هَل أَنا إِلَّا يدٌ أدماها سوارها وجبين عض بِهِ إكليله ومشرفي ألصقه بِالْأَرْضِ صاقله وسمهريّ عرضه على النَّار مثقفه وعبدٌ ذهب فِيهِ سَيّده مَذْهَب الَّذِي تَقول
فقسا ليزجره وَمن يَك حازماًفليقس أَحْيَانًا على من يرحم
مِنْهَا حنانيك بلغ السَّيْل الزبى ونالني مَا حسبي بِهِ وَكفى وَمَا أَرَانِي إِلَّا لَو أمرت بِالسُّجُود لآدَم فأبيت واستكبرت وَقَالَ لي نوح اركب مَعنا فَقلت سآوي إِلَى جبلٍ يعصمني من المَاء وَأمرت بِبِنَاء الصرح لعَلي أطّلع إِلَى إِلَه مُوسَى وعكفت على الْعجل واعتديت فِي السبت وتعاطيت فعقرت النَّاقة وشربت من النَّهر الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ جنود طالوت وقدّمت الْفِيل لأبرهة وعاهدت قُريْشًا على مَا فِي الصَّحِيفَة وتأولت فِي بيعَة الْعقبَة ونفرت إِلَى العير ببدر واعتزلت بِثلث النَّاس يَوْم أحد وَتَخَلَّفت عَن صَلَاة الْعَصْر فِي
بني قُرَيْظَة وَجئْت بالإفك على عَائِشَة وأنفت من إِمَارَة أُسَامَة وَزَعَمت أَن إِمَارَة أبي بكر فلتة وروّيت رُمْحِي من كَتِيبَة خَالِد ومزقت الْأَدِيم الَّذِي بَارك الله فِيهِ وضحيت بالأشمط الَّذِي عنوان السُّجُود بِهِ وَبِذَلِك لقطام
ثَلَاثَة آلَاف وعبداً وقينةوَضرب عليٍّ بالحسام المسمم
وكتبت إِلَى عمر بن سعد أَن جعجع بالحسين وتمثلت عِنْدَمَا بَلغنِي من وقْعَة الْحرَّة
لَيْت أشياخي ببدرٍ شهدُواجزع الْخَزْرَج من وَقع الأسل
ورجمت الْكَعْبَة وصلبت العائذ بهَا على الثَّنية لَكَانَ فِيمَا جرى عليّ مَا يحْتَمل أَن يُسمى نكالاً ويدعى وَلَو على الْمجَاز عقَابا)
وحسبك من حادثٍ بامرئٍترى حاسديه لَهُ راحمينا
هَذَا جُزْء مِنْهَا وَكلهَا فِي غَايَة الْحسن من هَذَا النمط وختمها بقصيدة أَولهَا
الْهوى فِي طُلُوع تِلْكَ النُّجُوموالمنى فِي هبوب ذَاك النسيم
سرّنا عيشنا الرَّقِيق الْحَوَاشِيلَو يَدُوم السرُور للمستديم
وَقد أثبت هَذِه الرسَالَة بكمالها مَعَ القصيدة ابْن ظافر فِي نفائس الذَّخِيرَة وَمَا أَجدت هَذِه الرسَالَة عَلَيْهِ شَيْئا فَلَمَّا أعياه الْخطب هرب من محبسه واتصل بِابْن عباد وَكتب إِلَى بعض أصدقائه رِسَالَة يعْتَذر فِيهَا من هروبه من السجْن فِي غَايَة الْحسن وَله الرسَالَة الَّتِي كتبهَا على لِسَان ولادَة بنت المستكفي إِلَى الْوَزير أبي عَامر ابْن عَبدُوس يتهكم بِهِ فِيهَا وَوجد مَكَان القَوْل ذَا سَعَة وتلعّب فِيهَا بأطراف الْكَلَام وأجاد فِيهَا مَا شَاءَ وكل رسائله مشحونة بفنون الْأَدَب ولمع التواريخ والأمثال من كَلَام الْعَرَب نثراً ونظماً وَأَنت ترى هَذَا السحر كَيفَ يخدعك ويهز عطفك وَلَيْسَ فِيهِ سجع تروّجه القوافي على النُّفُوس وَلَكِن هَذِه الْقُدْرَة على البلاغة قَالَ بعض الوزراء بإشبيلية عهدي بِأبي الْوَلِيد ابْن زيدون قَائِما على جَنَازَة بعض حرمه وَالنَّاس يعزّونه على اخْتِلَاف طبقاتهم فَمَا سمعته يُجيب أحدا بِمَا أجَاب بِهِ غَيره لسعة ميدانه وَحُضُور جنانه وَله مَعَ ولادَة بنت المستكفي أَخْبَار نورد بَعْضهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي ترجمتها وَلم يزل عِنْد عباد وَابْنه الْمُعْتَمد قَائِم الجاه وافر الْحرم إِلَى أَن توفّي بإشبيلية سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبع مائَة وَقَالَ ابْن بشكوال توفّي سنة خمس وَأَرْبع مائَة وَكَانَت وَفَاته بالبيرة وسيق إِلَى قرطبة وَدفن بهَا ومولده سنة أَربع وَخمسين وَثَلَاث مائَة وَكَانَ يخضب بِالسَّوَادِ
وَكَانَ لَهُ ولد يُقَال لَهُ أَبُو بكر تولى وزارة الْمُعْتَمد وَقتل يَوْم أَخذ يُوسُف ابْن تاشفين قرطبة من ابْن عباد
وَمن شعره أَعنِي أَبَا الْوَلِيد النونية الْمَشْهُورَة الَّتِي أَولهَا
أضحى التنائي بديلاً عَن تدانيناوآن من طيب دُنْيَانَا تلاقينا
واشتهرت إِلَى أَن صَارَت محدودة يُقَال مَا حفظهَا أحد إِلَّا وَمَات غَرِيبا وَقَالَ بعض الأدباء من لبس الْبيَاض وتختم بالعقيق بالعقيق وَقَرَأَ لأبي عَمْرو وتفقه للشَّافِعِيّ وروى شعر ابْن زيدون فقد اسْتكْمل الظّرْف وَكَانَ يُسمى بحتري الغرب لحسن ديباجة نظمه وسهولة مَعَانِيه وَتَمام القصيدة النونية لَا بَأْس بِذكرِهِ وَهُوَ)
من مبلغ الملبسينا بانتزاحهمثوبا مَعَ الدَّهْر لَا يبْلى ويبلينا
أنّ الزَّمَان الَّذِي مَا زَالَ يضحكناأنسا بقربهم قد عَاد يُبكينا
بنتم وبنا فَمَا ابتلت جوانحناشوقاً إِلَيْكُم وَلَا جفّت مآقينا
تكَاد حِين تناجيكم ضمائرنايقْضِي علينا الأسى لَوْلَا تأسيّنا
حَالَتْ لفقدكم أيامنا فغدتسُودًا وَكَانَت بكم بيضًا ليالينا
إِذْ جَانب الْعَيْش طلقٌ من تألّفناومورد اللَّهْو صافٍ من تصافينا
وَإِذ هصرنا غصون الْأنس دانيةًقطوفها فاجتنينا مِنْهُ ماشينا
ليسق عهدكم عهد السرُور فَمَاكُنْتُم لأرواحنا إِلَّا رياحينا
لَا تحسبوا نأيكم عَنَّا يغيّرناأَن طالما غيّر النأي المحبيّنا
وَالله مَا طلبت أَرْوَاحنَا بَدَلامِنْكُم وَلَا انصرفت عنّا أمانينا
يَا ساري الْبَرْق غاد الْقصر فَاسق بِهِمن كَانَ صرف الْهوى والود يسقينا
وَيَا نسيم الصِّبَا بلّغ تحيّتنامن لَو على الْبعد حيّاً كَانَ يحيينا
ربيب ملكٍ كأنَّ الله أنشأهمسكاً وَقدر إنْشَاء الورى طينا
إِذا تأوّد آدته رفاهيةًتؤم الْعُقُود وأدمته البرى لينًا
يَا رَوْضَة طالما أجنت لواحظناوردا جناه الصِّبَا غضّاً ونسرينا
يَا جنّة الْخلد أبدلنا بسلسلهاوالكوثر العذب زقّوماً وغسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثناوالسعد قد غضّ من أجفان واشينا
سرّان فِي خاطر الظلماء يكتمناحَتَّى يكَاد لِسَان الصُّبْح يفشينا
إِنَّا قَرَأنَا الأسى يَوْم النَّوَى سوراًمَكْتُوبَة وأخذنا الصَّبْر تلقينا
أما هَوَاك فَلم نعدل بمنهلهشرباً وَإِن كَانَ يروينا فيظمينا
لم نجف أفق جمالٍ أَنْت كوكبهسالين عَنهُ وَلم نهجره قالينا
وَلَا اخْتِيَارا تجنبناك عَن كثبٍلَكِن عدتنا على كره عوادينا
نأسى عَلَيْك وَقد حثت مشعشعةًفِينَا الشُّمُول وغنّانا مغنّينا
ل أكؤس الراح تبدي من شَمَائِلنَاسِيمَا ارتياحٍ وَلَا الأوتار تلهينا
دومي على الْوَصْل مَا دمنا مُحَافظَةفالحرّ من دَان إنصافاً كَمَا دينا
)
فَمَا استعضنا خَلِيلًا عَنْك يصرفناوَلَا استفدنا حبيباً مِنْك يسلينا
وَلَو صبا نحونا من علو مطلعهبدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا
أبدي وَفَاء وَإِن لم تبذلي صلَةفالذكر يقنعنا والطيف يكفينا
قَالَ ابْن بسام وَقد عارضها جمَاعَة قصرت عَنْهَا مِنْهُم أَبُو بكر بن الْملح قَالَ من قصيدة أَولهَا
هَل يسمع الرّبع شكوانا فيشكيناأَو يرجع القَوْل مغناه فيغنينا
يَا باخلين علينا أَن نودّعهموَقد بعدتم عَن اللقيا فحيوّنا
قفوا نزركم وَإِن كَانَت فوائدكمنزراً ومنكم بالوصل ممنونا
سترتم الْوَصْل ضنّاً لَا فقدتكموَكَانَ بالوهم مَوْجُودا ومظنونا
سرى من الْمسك عَن مسراكم خبرٌيُعِيد عهد هواكم نشره فِينَا
أَيَّام بدركم يحيي لياليناقرباً وظبيكم يرْعَى بوادينا
مهلا فَلم نعتقد دين الْهوى تبعاوَلَا قَرَأنَا بصحف الْحسن تلقينا
قد نصرف العذل يغوينا ويرشدناونترك الدَّار تشجينا وتسلينا
وَنَتبع الحيَّ والأشواق محرقةٌتحوم بِالْمَاءِ والأرماح تحمينا
كواكبٌ بسماء النَّقْع قد جعلتلنا رجوماً وَمَا كُنَّا شياطينا
وَمن شعر ابْن زيدون
أما منى قلبِي فَأَنت جَمِيعهيَا لَيْتَني أَصبَحت بعض مناك
يدني مزارك حِين شطَّ بِهِ النَّوَىوهمٌ أكاد بِهِ أقبِّل فَاك
وَمِنْه قَوْله
إِن الجهاورة الْمُلُوك تبوّأواشرفاً جرى مَعَه السماك جنيبا
فَإِذا دَعَوْت وليدهم لعظيمةٍلبّاك رقراق السماح أريبا
هممٌ تعاقبها النُّجُوم وَقد تَلافِي سؤدد مِنْهَا العقيب عقيبا
ومحاسنٌ تندى دقائق ذكرهَافتكاد توهمك المديح نسيبا
وَمِنْه قَوْله من قصيدة فِي عباد يمدحه فِي الْعِيد
وَلما قضينا مَا عنانا قَضَاؤُهُوكلٌّ بِمَا أوليت داعٍ فملحف
)
رَأَيْنَاك فِي أَعلَى الْمصلى كَأَنَّمَاتطلّع من محراب دَاوُد يُوسُف
وَمِنْه قَوْله
بيني وَبَيْنك مَا لَو شِئْت لم يضعسرٌّ إِذا ذاعت الْأَسْرَار لم يذع
يَا بَائِعا حظّه مني وَلَو بذلتلي الْحَيَاة بحظّي مِنْهُ لم أبع
يَكْفِيك أَنَّك إِن حمّلت قلبِي مَالم تستطعه قُلُوب النَّاس يسْتَطع
ته أحتمل واستطل أَصْبِر وعزَّ أهنوولِّ أقبل وَقل أسمع وَمر أطع
وَمِنْه أَيْضا
ألم يَأن أَن يبكي الْغَمَام على مثليوَيطْلب ثاري الْبَرْق منصلت النصل
وهلا أَقَامَت أنجم الزهر مأتماًلتندب فِي الْآفَاق مَا ضَاعَ من نبلي
أمقتولة الأجفان مَا لَك والهاًألم ترك الْأَيَّام نجماً هوى قبلي
وَللَّه فِينَا علم غيبٍ وحسبنابِهِ عِنْد جور الدَّهْر من حكمٍ عدل
وَفِي أم مُوسَى عبرةٌ إِذْ رمت بِهِإِلَى اليمّ فِي التابوت فاعتبري واسلي
وَمِنْه
وَلَقَد شكوتك بالضمير إِلَى الْهوىودعوت من حنقٍ عَلَيْك فأمّنا
منيت نَفسِي من صفاتك ضلّةًوَلَقَد تغرّ الْمَرْء بارقة المنى
وَمِنْه
إِنِّي ذكرتك بالزهراء مشتاقاوالجوّ طلق وَوجه الرَّوْض قد راقا
وللنّسيم اعتلالٌ فِي أصائلهكَأَنَّهُ قّ لي فاعتلّ إشفاقا
وَالرَّوْض عَن مَائه الفضيّ مبتسمٌكَمَا شققت عَن اللبّات أطواقا
يومٌ كأيام لذاتٍ لنا انصرمتبتنا بهَا حِين نَام الدَّهْر سراقا
نَلْهُو بِمَا يستميل الْعين من زهرٍجال الندى فِيهِ حَتَّى مَال أعناقا
كأنّ أعينه إِذْ عَايَنت أرقيبَكت لما بِي فجال الدمع رقراقا
لَا سكن الله قلباً عنّ ذكركُمْوَلم يطر بجناح الشوق اخفّاقا
لَو شَاءَ حملي نسيم الرّيح نحوكموافاكم بفتىً أضناه مَا لَاقَى
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع