من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
نجم الدّين اليمني
عُمارة بن عَليّ بن زَيْدَانَ الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد الحَكَمي المذحِجي اليمني نجم الدّين الشَّافِعِي الفرضي الشَّاعِر الْمَشْهُور تفقَّه بزَبيد مُدَّة أَربع سِنِين فِي الْمدرسَة وحجَّ سنة تسع وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة ومولده سنة خمس عشرَة وَخمْس مائَة وصُلب سنة تسع وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة
وسيَّره صَاحب مكَّة قَاسم بن هَاشم بن فُلَيْتة رَسُولا إِلَى الفائز خَليفَة مصر فامتدحه بقصيدته الميميَّة فوصله ثمَّ ردَّه إِلَى مَكَّة وَعَاد إِلَى زَبيد ثمَّ حجَّ فَأَعَادَهُ صَاحب مكَّة فِي الرُّسلية فاستوطن مصر وَكَانَ شافعيًّا شَدِيد التعصُّب للسُنَّة أديباً ماهراً وَلم يزل ماشيَ الْحَال فِي دولة المصريِّين إِلَى أَن ملك صَلَاح الدّين فمدحه كثيرا ومدح الْفَاضِل كثيرا ثمَّ إنَّه شرع فِي أُمور وَأخذ فِي اتِّفَاق مَعَ رُؤَسَاء الْبَلَد فِي التعصُّب للعُبَيْدِيِّين وإعادة أَمرهم فنُقل أَمرهم وَكَانُوا ثَمَانِيَة من الْأَعْيَان فَأمر صَلَاح الدّين بشنقهم فِي شهر رَمَضَان ونُسب إِلَيْهِ بيتٌ أظنُّه من وضع أعاديه عَلَيْهِ فإنِّي أحاشيه من قَول مثل هَذَا وَالله أعلم وَهُوَ
وَكَانَ مبدأ هَذَا الدِّين من رجلٍسعى فَأصْبح يُدعى سيِّدَ الأُممِ
فَأفْتى الْفُقَهَاء بقتْله
وَيُقَال إنَّ السُّلْطَان صَلَاح الدّين لمَّا اسْتَشَارَ الفاضلَ فِي أَمر عُمارة قَالَ نسجنه فَقَالَ يُرجى خلاصه فَقَالَ نضربه عُقُوبَة فَقَالَ الكلبُ يُضربُ فيسكت ثمَّ ينبح فَقَالَ نشنقه فَقَالَ الْمُلُوك إِذا أَرَادوا شَيْئا فَعَلُوهُ ونهض قَائِما فَعلم السُّلْطَان أَن هَذَا هُوَ الرَّأْي
وَقيل أُحضر عُمارة فَأخذ الْفَاضِل فِي تلطيف أمره مَعَ السُّلْطَان بَينه وَبَينه فَقَالَ عُمارة بِاللَّه يَا مَوْلَانَا لَا تسمع مِنْهُ مَا يَقُوله فيَّ فَقَالَ السُّلْطَان نعم وَالله أعلمُ بِأَمْر الْفَاضِل وَأمر عُمارة رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ إِنَّه رسم فِيهِ مَا رسم فَقَالَ عُمارة للموكَّلين بِهِ بِاللَّه مُرُّوا بِي على بَاب القَاضِي الْفَاضِل لعلَّه يرقُّ لي فمرُّوا بِهِ وَكَانَ الْفَاضِل جَالِسا على بَاب دَاره فلمَّا رَآهُ مُقبلا دخل وأغلق الْبَاب فَقَالَ عمَارَة
عبدُ الرَّحِيم قد احتجبإنَّ الخلاصَ مِنَ العجبْ
وَيُقَال إنَّه مرَّ قبلَ كائنته بيومين أَو ثَلَاثَة فَرَأى بَين القصرين مصلوباً فَقَالَ
ومدَّ على صليبِ الصلبِ مِنْهُيَمِينا لَا تطول إِلَى شمالِ
)
ونكَّسَ رأسَه لعتابِ قلبٍدَعَاهُ إِلَى الغِوايةِ والضَّلالِ
وَقَالَ بَعضهم عبرتُ بَين القصرين وَأَنا عائدٌ من دَار السُّلْطَان صَلَاح الدّين عشيَّةَ النَّهَار الَّذِي شُنق فِيهِ عُمارة اليمني فشاهدته هُنَاكَ مشنوقاً فَذكرت أبياتاً لَهُ عَملهَا فِي الصَّالح وَهِي
إِذا قَدَرْتَ على العلياء بالغَلَبِفَلَا تُعرِّجْ على سعيٍ وَلَا طلبِ
وَلَا ترِقَّنَّ لي إِن كُربةً عرضتْفإنَّ قلبيَ مخلوقٌ من الكُرَبِ
واستخبِرِ الهولَ كم آنستُ وحشتَهُوَكم وهبتُ لَهُ روحي وَلم أَهَبِ
وَمن شعره القصيدة الَّتِي مدح بهَا الفائز بنصر الله خَليفَة مصر وَهِي
الحمدُ للعيسِ بعدَ العزمِ والهممِحمداً يقومُ بِمَا أولتْ من النَّعَمِ
لَا أجحد الحقَّ عِنْدِي للركاب يدٌتمنَّتِ اللجمُ فِيهَا رُتبةَ الخُطُمِ
قرَّبْنَ بُعد مزارِ العينِ من نَظَرِيحتَّى رأيتُ إمامَ العصرِ فِي أَمَمِ
ورُحنَ من كعبة الْبَطْحَاء والحرمِوَفْدًا إِلَى كعبة الْمَعْرُوف والكرمِ
فَهَل درى البيتُ أنِّي بعد فُرقتهمَا سرتُ من حرمٍ إلَاّ إِلَى حَرَمِ
حيثُ الخلافةُ مضروبٌ سُرداقهابَين النَّقيضينِ من عفوٍ وَمن نَقَمِ
وللإمامة أنوارٌ مقدّسةٌتجلو البغيضين من ظلمٍ وَمن ظُلَمِ
وللنبوَّة آياتٌ تُنصُّ لناعَن الحقيقين من علمٍ وَمن حكمِ
وللمكارم أحكامٌ تُعلِّمنامدحَ الجزيلين من بأسٍ وَمن كَرَمِ
وللعُلى ألسُنٌ تُثني محامدُهاعلى الجديدين من فضلٍ وَمن شِيَمِ
ورايةُ الشّرف البذَّاخ ترفعُهايدُ الرفيعين من مجدٍ وَمن هِمَمِ
أقسمتُ بالفائزِ الْمَعْصُوم مُعتقداًنورَ النجاةِ وأجرَ البِرِّ فِي القَسَمِ
لقد حمى الدِّين وَالدُّنْيَا وأهلَهماوزيرُكَ الصالحُ الفراج للغمم
الَّلابسُ الفخرَ لم تنسِج غلائلهإلَاّ يدُ الصنعتين السَّيْف والقلمِ
وُجوده أوجد الأَيام مَا اقترحَتْوَجُوده أعدم الشاكين للعَدَمِ
قد ملَّكتْه العوالي رِقَّ مملكةٍيُعيرُ أنف الثريَّا عزَّةَ الشَّمَمِ
أَتَى مقَاما عظيمَ الشأنِ أوهمنيفِي يقظتي أنَّه من جملَة الحُلُمِ
)
لَيْت الكواكبَ تَدْنُو لي فأنظمَهاعقودَ دُرٍّ فَمَا أرْضى لكم كَلِمي
ترى الوزارةَ فِيهِ وَهِي باذلةٌعِنْد الْخلَافَة نصحاً غيرَ مُتَّهَمِ
خلافةٌ ووزيرٌ مدَّ عدلُهماظلاًّ على مفرِقِ الْإِسْلَام والأُممِ
زيادةُ النيلِ نقصٌ عِنْد فيضهمافَمَا عَسى تتعاطى منَّة الدِّيَمِ
وَمِنْه يمدح الموفَّق بن الخلاّل
مَا هاج مُزنةَ دمعهِ المترقرقِإلَاّ تألُّقُ بارقٍ بالأَبرقِ
برقٌ يذكِّرني وميضَ مباسمٍيسري الهَوَى فِي ضوئها المتألِّقِ
من كلِّ ثغرٍ مِنْك ثغر مخافةٍعافٍ طريقُ رُضابه لم يُطرقِ
نسج العفافُ عَلَيْهِ ثوبَ صيانةٍهمُّ الخيانةِ عِنْدهَا لَا يرتقي
سقيا لأيام الشبابِ فإنَّهاروضُ الحياةِ وزهرِها المستنشَقِ
أَيام يصطحب الغواني والغنىفِي ظلِّ أغصانِ الشبابِ المورقِ
ومواطنُ اللذاتِ خَالِيَة القذىتُثني على نِعَم الشبابِ المغدِقِ
والليلُ يخلعُ فوقهنَّ ممسَّكاًوالصبحُ ينسجُ ثَوْبه بمخلَّقِ
وَيَد النَّعيم تخطُّ فَوق عراصهامن لم يُقَضِّ بك الحياةَ فقد شقي
واللومُ يفرَق أَن يُلمَّ بمسمعينَزِقٌ مَتى مَا لم يلاطَفْ ينزَقِ
تندى أسرَّةُ وَجهه فكأَنَّهريَّانُ من ماءِ النضارةِ قد سُقي
كالبدرِ إلَاّ أنَّه مستوهبٌنورَ المحيَّا من سوادِ المفرِقِ
عبثَ الفراقُ بشملهِ فتفرَّقتْأثوابُ ذَاك العيشِ كلَّ ممزَّقِ
واعتاضَ بعد نمارقٍ مصفوفةٍحرَّ الهواجرِ وافتراشَ النُّمْرُقِ
مستبدلاً بلذيذ عيشٍ مُونِقٍوصدورِ أنديةٍ ظهورَ الأينق
يَا حاديَ البُلْقِ النواجي قلْ لَهَانُصِّي إِلَى صدرِ الزمانِ وأعتقي
وتجنَّبي ثَمَدَ النِّطافِ وأورديهِيَمَ المنى بحرَ الموفَّقِ تستقي
وَمِنْه
بَات يرْعَى السُّهى مُؤرَّقْوفؤادٍ من الغرام مُحَرَّقْ
لَيْت أَيَّامه السوالفَ يرجعنَ ويجمعن طيبَ عيشٍ تفرَّقْ
)
دِمَنٌ أنبتَ الجمالُ ثراهاورعى الشوقُ غصنَها حِين أورقْ
فتح الطلُّ زهرَها وتولَّىنشرهُ راحةُ النسيمِ الَّذِي رقْ
وَمِنْه من قصيدة
إِذا كَانَ هَذَا الدُّرُّ معدِنه فميفصونوه عَن تقبيلِ راحةِ واهبِ
رأيتُ رجَالًا أصبحتْ فِي مآدبٍلديكم وحالي أصبحتْ فِي نوادبِ
تأخَّرتُ لمَّا قدَّمتهم عُلاكُمُعليَّ وتأبى الأُسْدُ سبقَ الثعالبِ
تُرى أَيْن كَانُوا فِي مواطنيَ الَّتِيغدوتُ لكم فيهنَّ أكرمَ نائبِ
لياليَ أتلو ذكركُمْ فِي مجالسٍحديثُ الوَرَى فِيهَا بغمزِ الحواجبِ
وَمِنْه قصيدة مدح بهَا صَلَاح الدّين وسمَّاها شكاية المتظلِّم ونكاية المتألِّم
أَيا أُذُنَ الأيامِ إنْ قلتُ فاسمعيلنفثةِ مصدورٍ وأنَّةِ موجَعِ
وعِي كلَّ صوتٍ تسمعين نداءهُفَلَا خيرَ فِي أُذُنٍ تُنادَى فَلَا تَعِي
تقاصر بِي خَطْوُ الزمانِ وباعُهُفقصَّر من ذَرعي وقصَّر أذرُعي
وأخرجني من موضعٍ كنتُ أهلَهُوأنزلني بالجور فِي غير موضِعِ
بسيفِ ابْن مهديٍّ وَأَبْنَاء فاتكٍأقضَّ من الأوطان جَنْبي ومضجعي
تيمَّمتُ مصرا أطلبُ الجاه والغنىفنلتهما فِي ظلِّ عيشٍ مُمَنَّعِ
وزرتُ ملوكَ النِّيل أرتادُ نَيلهمفَأَحْمَد مُرتادي وأخصب مربعي
وفزتُ بألفٍ من عطيةِ فائزٍمواهبهُ للصنع لَا للتصنُّعِ
وَكم طرقتني من يدٍ عاضِديَّةٍسَرتْ بَين يقظى من عيونٍ وهُجَّعِ
وجاد ابْن رُزِّيكٍ من الجاه والغنىبِمَا زَاد عَن عزمَيْ رجائي ومطمعي
وَأوحى إِلَى سَمْعِي ودائع شعرهفخبّرتُه مني بأكرم مودَعِ
وَلَيْسَت أيادي شاوَرٍ بذميمةٍوَلَا عهدُها عِنْدِي بعهدٍ مُضيَّعِ
ملوكٌ رعَوْا لي حُرْمةً صَار نبتُهاهشيماً رعتْه النائباتُ وَمَا رُعي
ورُدَّت بهم شمسُ العطايا لوفدهمْكَمَا قَالَ قومٌ فِي عليٍّ ويوشعِ
مذاهبهم فِي الْجُود مذهبُ سُنَّةٍوَإِن خالفوني فِي اعتقادِ التشيُّعِ
فقُلْ لصلاحِ الدّين والعدلُ شأنهُمن الحاكمُ المُصغي إليَّ فأدَّعي
)
سكتُّ فَقَالَت ناطقاتُ ضرورتيإِذا حلقاتُ البابِ عُلِّقن فاقرعِ
فأدْللتُ إدلالَ المحبِّ وقلتُ مَاأَتَانِي بعفوِ الطبعِ لَا بالتطبُّعِ
وَعِنْدِي من الْآدَاب مَا لَو شرحتُهُتيَقَّنتَ أَنِّي قدوةُ ابْن المقفَّعُ
أقمتُ لكم ضيفاً ثَلَاثَة أشهرٍأَقُول لصدري كلّما ضَاقَ وسِّعِ
أُعَلِّلُ غلماني وخيلي ونسوتيبِمَا ضقتُ من ذرعٍ ضعيفٍ مُرقَّعِ
ونُوّابكم للوفد فِي كلِّ بلدةٍتفرِّقُ شملَ السَّائِل المتورِّعِ
وَكم من ضيوف الْبَاب مِمَّن لسانُهإِذا قطعوه لَا يقوم بإصبعِ
مشارعُ من نعمائكم زرتُها وَقدتكدَّر بالإسكندرية مشرعي
فيا راعيَ الْإِسْلَام كَيفَ تركتنافريقي ضياعٍ من عرايا وجُوَّعِ
دعوناك من قربٍ وبُعدٍ فَهَب لناجوابك فالباري يجيبُ إِذا دُعي
إِلَى الله أَشْكُو من ليَالِي ضرورةٍرَجعْنَا بهَا نَحْو الجنابِ المُرجَّعِ
قنعنا وَلم نَسْأَلك صبرا وعفَّةًإِلَى أَن عَدِمنا بُلغةَ المتقنِّعِ
ولمَّا أغصَّ الريقُ مجْرى حلوقناأَتَيْنَاك نشكو غُصَّة المتجرِّعِ
ألم تَرْعَني للشافعيِّ فإنَّهأجلُّ شفيعٍ عِنْد أَعلَى مُشفِّعِ
ونصري لَهُ فِي حيثُ لَا أَنْت ناصريبضربِ صقيلاتٍ وَلَا طعن شُرَّع
لياليَ لَا وقتُ الْعرَاق بسَجْسَجٍبمصرَ وَلَا ريحُ الشآمِ بزَعزعِ
كأنّي بهَا من آل فرعونَ مؤمنٌأُصارع عَن ديني وَإِن خَابَ مصرعي
أَمن حَسَنَات الدَّهْر أم سيِّئاتهرضاك عَن الدُّنْيَا بِمَا فعلتْ معي
ملكتَ عنانَ النصرِ ثمَّ خذلتنيوحالي بمرأى من عُلاك ومسمعِ
فَمَا لَك لم توسع عليَّ وتلتفتإليَّ التفاتَ المنعِم المتبرِّع
فإمّا لِأَنِّي لستُ دون معاشرٍفتحتَ لَهُم بَاب العطايا الموسَّعِ
وإمّا لما أوضحتُهُ من زعازعٍعصفنَ على ديني وَلم أتزعزعِ
ورَدِّي ألوفَ المالِ لم ألتفت لَهَابعيني وَلم أحفل وَلم أتطلَّعِ
فَإِن سُمْتَني نظماً ظَفرت بمُفْلِقٍوَإِن سمتني نثراً ظفرتَ بمِصْقعِ
طباعٌ وَفِي المطبوع من خطراتهغنى عَن أفانين الْكَلَام المصنَّعِ
)
سألتُكَ فِي دَينٍ لياليك سُقْنَهُوألزمتَنيه كَارِهًا غيرَ طيِّعِ
وهاجرتُ أَرْجُو منكَ إطلاقَ راتبٍتقرَّرَ من أزمان كسْرَى وتُبَّعِ
وليتك مِمَّن أطلع الْبَرْق مطلعيلتعلمَ نبعي إِن عجمتَ وخِرْوعي
وَمَا أَنا إلَاّ قائمُ السَّيْف لم يُقَمبكفٍ ودُرٌّ لم يجد من مرصِّعِ
وياقوتةٌ فِي سلك عقدٍ مدارُهُعلى خرزاتٍ من عقيقٍ مجزَّعِ
وَكم مَاتَ نضناض اللِّسَان من الظماوَكم شَرقَتْ بِالْمَاءِ أشداق ألكعِ
فيا وَاصل الأرزاق كَيفَ تَرَكتنِيأمدُّ إِلَى زند العُلا كفَّ أقطع
أعندكَ أَنِّي كلّما عطس امرُؤٌبِذِي شَممٍ أقنى عطستُ بأجدَعِ
ظلامةُ مصدوع الْفُؤَاد فَهَل لَهَاسبيلٌ إِلَى جبر الْفُؤَاد المُصدَّعِ
وأقسمتُ لَو قَالَت لياليك للدجىأعِدْ غاربَ الجوزاء قَالَ لَهَا اطلُعي
غَدا الأمرُ فِي إِيصَال رِزْقِي وقطعهبحكمك فابذل كَيْفَمَا شئتَ واصنعِ
كَذَلِك أقدارُ الرِّجَال وَإِن غدتْبأمرِك فاحفظ كيفَ شئتَ وضيِّعِ
فيا زارع الْإِحْسَان فِي كلِّ تربةٍظفرتَ بأرضٍ تُنبت الشُّكْر فازرعِ
فعندي إِذا مَا العُرْفُ ضَاعَ غريبُهثناءٌ كعرفِ المسكةِ المتضوِّعِ
وَقد صدرتْ فِي طيِّ ذَا النّظم رقعةٌعدا طمعي فِيهَا إِلَى غير مطمع
أريدُ بهَا إطلاقَ دَيني وراتبيفأطلِقهما والأمرُ مِنْك فوقِّعِ
فبيني وَبَين الجاه والعزِّ والغنىوقائع أخشاها إِذا لم توقِّعِ
وَمَا هِيَ إلَاّ مدَّةٌ تستمدّهاوَقد فُجَّتِ الأرزاقُ من كلِّ منبعِ
إِلَى هَاهُنَا أُنهي حَدِيثي وأنتهيوَمَا شئتَ فِي حقِّي من الْخَيْر فاصنعِ
فَإنَّك أهلُ الجودِ والبرِّ والتُّقىووضعِ الأيادي البيضِ فِي كلِّ موضعِ
قلتُ الَّذِي أظنُّه وتقضي بِهِ ألمعيَّتي أنَّ هَذِه القصيدة كَانَت أحد أَسبَاب شنقه وَالله أعلم لأنَّ الْمُلُوك لَا يخاطبون بِمثل هَذَا الْخطاب وَلَا يواجَهون بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ وَهَذَا الإدلال الَّذِي يؤدِّي إِلَى الإذلال وأظنُّ أَن هَذِه القصيدة مَا أجْدَت شَيْئا فَمَال عمَارَة حينئذٍ وانحرف وَقصد تَغْيِير الدولة وَالله أعلم وَكَانَ من أمره مَا كَانَ وعَلى الْجُمْلَة فَقتل مثل هَذَا الْفَاضِل قَبِيح من الْفَاضِل إِن كَانَ ذَلِك عَن رَأْيه وَمن شعر عمَارَة أَيْضا)
أيُّها الناسُ والخطابُ إِلَى منهُوَ من حَيْثُ فضلُه إنسانُ
هَذِه خطْبَة إِلَى غير شخصٍنَظَمتْ نثر عقدهَا الأوزانُ
لم أخصِّص بهَا فلَانا لأنّيفِي زمانٍ مَا فِي بنيه فلانُ
من يكنْ عِنْده مَزِيَّةُ فهمٍفَلْيَكُن سَامِعًا فعندي لسانُ
لم يميِّز بَين البريَّةِ إلَاّحسناتٌ يَزينها الإحسانُ
والخطايا مستورةٌ بالعطاياكم جميلٍ بِهِ المَساوي تصانُ
لَا يَغُرَّنَّكُم زيادةُ حالٍفالزياداتُ بعْدهَا نقصانُ
وَإِذا الدوحُ لم يُظِلَّ من الشمسِ فَلَا أورقتْ لَهُ أغصانُ
وأحقُّ الْأَنَام بالذَّمِّ جيلٌبَين أبنائه كريمٌ يهانُ
طُرُق الجودِ غيرُ مَا نَحن فِيهِقد سمعنَا الدَّعْوَى فَأَيْنَ البيانُ
أصبح الجودُ قصَّة عِنْد قومٍمستحيلٌ فِي حقِّها الإمكانُ
وعَدِمْنا نشراً يدلُّ عَلَيْهِإِنَّمَا النارُ حيثُ نمَّ الدخانُ
كذَّبوني بواحدٍ يهب الألف وأنَّى من السَّماع العِيانُ
وَمِنْه
إِذا كَانَ عمري رَأس مَالِي فَمَا الَّذِيدَعَاني إِلَى تبذيره فِي التعلُّلِ
وَهل لي وَقد شارفت سِتِّينَ حِجَّةًسوى شرفٍ آتيه أَو تُربِ جَنْدَلِ
وَلَا خيرَ فِي وِردِ الزُّلالِ على الظماإِذا لم يكن نهرُ المجرَّةِ جَدْولي
وَمِنْه
مصاحبتي إيّاكما يَا ابْن لاجئٍمصاحبةُ الخُصْيَيْنِ للأير فاعْلما
هما يحْملَانِ الأيرَ حتَّى إِذا بَدَتلَهُ فرصةٌ خلاّهما وتقدَّما
وَأما قصيدته اللاميَّة الَّتِي رثى بهَا أهل الْقصر فإنَّها تقدَّمت كَامِلَة فِي تَرْجَمَة العاضد
وَكَانَ عمَارَة يَغُضُّ من المهذَّب والرشيد وَلَدي الزُّبير وَقيل إِنَّه كَانَ مِمَّن سعى فِي قَتلهمَا وَبَالغ فِيمَا أدّى إِلَى إتلافهما وتعرّض عمَارَة للمهذَّب أيّام رُزِّيك وَعَابَ شعره فَبلغ الْمُهَذّب ذَلِك فَقَالَ
قولا لذا الشَّاعِر الْفَقِيه ألنتبدي مقالَ النصيح إِن سمعا
)
وَيحك لَا تُكْثِرَنَّ من قَوْلك الشعرَ وتطويله فَمَا نفعا
أَنا بشعري على ركاكتهفِي كلِّ يَوْمَيْنِ ألبس الخِلَعا
مُذْهبَةً تُذهبُ الهموم عَن القلب إِذا برقُ طرِزها لمعا
هَذَا وغيري على تداقُنِهِلَو رام فِي النّوم خرقَة صُفِعا
وَبلغ الْمُهَذّب أَيْضا أنَّ عمَارَة عَابَ دقَّةَ جِسْمه ونحافته فَقَالَ
وَذي حُمُق عَابَ مني نُحولَ جسمي وَلم يَغدُ لي مُنصفا
وَمَا علم النَّذْلُ أنَّ الجفاءَ مَا زالَ قطُّ حليفَ الجفا
وَمَا يعدمُ المُخْطَفُ الجسمِ أَنيرقَّ طباعاً وَأَن يظرفا
وَلَو أنَّني مثله للصفاعخُلقتُ لكنتُ غليظَ الْقَفَا
وَمَا زَالَ مُذ قطُّ فضلُ البزاةِ فِي أَن تخفَّ وَأَن تلطفا
ونظم الشيخُ تاجُ الدّين اليمني فِي عمَارَة اليمني
عُمارةُ فِي الإسلامِ أبدى جِنَايَةوبايعَ فِيهَا بيعَة وصليبا
وَكَانَ خَبِيث الْمُلْتَقى إِن عجمتهتَجِد مِنْهُ عوداً فِي النفاقِ صليبا
وَأمسى شريكَ الشّرك فِي بُغْض أحمدٍفَأصْبح فِي حبّ الصَّلِيب صليبا
سيلقى غَدا مَا كَانَ يسْعَى لأَجلهويُسقى صديداً فِي لظى وصليبا
الصَّلِيب وَدَك الْعِظَام وَقيل هُوَ الصديد
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع