تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الديارات والحانات

الصفحة ٢ من ٢

دير مديان: وهو على نهر كرخايا ببغداد. وكرخايا نهر يشقّ من المحوّل الكبير ويمر على العبّاسية، ويشقّ الكرخ، ويصبّ في دجلة.

وكان قديما عامرا يصبّ الماء فيه، ثم نضب بالبثوق.

قال الشابشتي: وهذا الدير حسن عامر حوله البساتين، ويقصده للتنزه.

ولابن الضحاك فيه شعر منه:

يا دير مديان لا عريت من سكنما هجت من سقم يا دير مديانا!
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
هل عند قسّك من علم فيخبرني؟أم كيف يسعد وجه الصبر من بانا؟
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
سقيا ورعيا لكرخايا وساكنهابين الجينة والروحاء من كانا!

دير أشمونى: وأشمونى امرأة بني الدير باسمها ودفنت فيه. وهو بقطربل.

قال جحظة: خرجت في عيد أشمونى فلما وصلت الشط، مددت عيني لأنظر موضعا خاليا أصعد إليه، أو رجلا أنزل عليه. فرأيت قينتين من أحسن من رأيت. فقدمت سميرّيتي نحوهما، وقلت: تأذنون لي في الصعود إليكما؟ فقالتا: بالرّحب والسعة! فصعدت، وقلت: يا غلام! طنبوري ونبيذي.

فقالتا: أما الطّنبور فنعم، وأما النبيذ فلا. فجلست مع أحسن الناس خلقا وأخلاقا وعشرة. فأخذت الطنبور وغنّيت بشعر لي:

سقيا لأشمّونى ولذّاتهاوالعيش فيها بين جناتها!
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
إذ اصطباحي في بساتينهاوإذ غبوقي في دياراتها!

فشربنا بالأرطال، وطاب لنا الوقت إلى آخر النهار.

قال محمد بن المؤمّل: كنت مع أبي العتاهية في سميريّته، ونحن سائرون إلى أشمونى فسمع غناء من بعض تلك النواحي، فاستحسنه وطرب له، وقال

لي: أتحسن أن ترقص؟ فقلت: نعم. فقال: فقم بنا نرقص. فقلت: في سميرية؟ أخاف أن نغرق. فقال: إن غرقنا، أليس نكون شهداء الطرب؟

دير سابر: وهو في الجانب الغربيّ من دجلة، بين المزرفة والصالحيّة، في بقعة كثيرة البساتين والكروم والثمار والحانات والخمّارين، معمورة بأهل الطرب. والدير حسن عامر. ولابن الضحاك فيه:

وعواتق باشرت بين حدائقففضضتهنّ وقد غنين صحاحا
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
أتبعت وخزة تلك وخزة هذهحتّى شربت دماءهنّ جراحا
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
أبرزتهن من الخدور حواسراوتركت صون حريمهنّ مباحا
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
في دير سابر والصباح يلوح ليفجمعت بدرا والصّباح وراحا
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
ومنعّم نازعت فضل وشاحهوكسوته من ساعديّ وشاحا
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
فاذهب بظنّك كيف شئت فإنّهمما اقترفت لذاذة وجماحا

وأورد الشابشتيّ فيه للحسين بن الضحاك أخبارا ظرافا، وأنشد له أشعارا لطافا. منها:

أمّا ناجاك بالوتر الفصيحوأنّ إليك من قلب الجريح؟
فليتك حين تهجره ضرارامننت عليه بالقتل المريح!
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
بحسنك كان أوّل حسن ظنّيأما ينهاك حسنك عن قبيح؟
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
ألا يا عمرو هل لك بنت كرمهلم إلى صفيّة كل روح!
فقام على تخاذل مقلتيهوسلسلها كأوداج الذّبيح
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
وأتبع سكرة سلفت بأخرىوخلّى الصّحو للحر الشّحيح
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة

وحكى عنه قال: كنا عند المتوكل في يوم نوروز، والهدايا تعرض عليه فيها تماثيل من عنبر. وكان شفيع الخادم واقفا، عليه قباء مورد، ورداء مورد، وهو فيهما من أحسن الناس وجها. فجعل المتوكل يدفع إلى شفيع قطعة من ذلك العنبر، ويقول: ادفعها إلى حسين، واغمز يده. فيفعل ذلك. ثم كان آخر ما دفع إلى وردة حمراء، حيّاني بها. فقلت:

وكالوردة الحمراء حبّا بأحمرمن الورد، يسعى في غلائل كالورد!
له عبثات عند كلّ تحيّةبكفّيه تستدعي الخليّ إلى الوجد!
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
تمنّيت أن أسقى بكفّيه شربةتذكّرني ما قد نسيت من العهد!
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
سقى الله دهرا لم أبت فيه ليلةمن الدّهر إلا من حبيب على وعد!

فأمره المتوكل أن يسقيه، وقال: قد أعطيناك أمنيّتك.

دير قوطا - وهو بالبردان، على شاطئ دجلة.

قال الشابشتىّ: وبينه وبين بغداد بساتين متصلة ومتنزهات منتظمة. كلّ

ذلك شجر وكروم كثيرة الطراق. قال: وهذا الدير يجمع أحوالا كثيرة منها: عمارته وكثرة فواكهه وما يطلبه أهل البطالة فيه. ولعبد الله بن العباس الربيعي فيه:

يا دير قوطا، لقد هيجت لي طرباأزاح عن قلبي الأحزان والكربا!
للشاعر عبد الله الربيعي، اقرأ القصيدة
وشادن ما رأت عيني له شبهافي الناس، لا عجما منهم ولا عربا
للشاعر عبد الله الربيعي، اقرأ القصيدة
والله، لو سامنى نفسي سمحت بهاوما بخلت عليه بالذي طلبا!
للشاعر عبد الله الربيعي، اقرأ القصيدة

وأنشد الشابشتي له فيه قوله:

يا حبّذا يومي بالداليه!نشربها قفصيّة صافيه
مع كل قرم متلف مالهلم تبق في الدّنيا له باقيه
فخذ من الدنيا ولذّاتهافإنّما نحن بها عاريه!

دير جرجس - وهو بالمزّرفة: أحد الأماكن المشهودة، والمواضع المقصودة.

ويخرج إليه من يتنزه من أهل بغداد في السّميريات، لقربه وطيبه، وهو على شاطئ دجلة، والبساتين محدقة به، والحانات مجاورة له، وبه كل ما يحتاج إليه.

وأنشد الشابشتي فيه لأبي جفنة القرشي

ترنم الطير بعد عجمتهوانصرف البرد في أزمته!
ومثل لون النّجيع صافيةتذهب بالمرء فوق همّته!
ومن وفى وعده بزورتهوبت، أوفى له بذمته
في دير مرجرجس وقد نفح الفجر علينا أرواح رهرته

وأنشد له فيه:

وقرعت صافية بماء سحابةفتحنّ حين قرعتهن سرورا!
وشربت ثم سقيته فكأنّنيسبسبت فوق لهاته كافورا!
وفتى يدير عليك في طرياتهخمرا تولّد في العظام فتورا
ما زلت أشربها وأسقي صاحبيحتّى رأيت لسانه مكسورا

قال: وكتب النميري إلى ابن المعتز في آخر شعبان:

يا أبا العباس، قد شمر شعبان إزاره!
ومضى يسعى فما يلحق إنسان غباره
فاغد نشرب صفوة الدّن ونسلبه وقاره!

فلم يردّ عليه جوابا، ولا أفهمه فيه خطابا.

دير الخوات - وهو بعكبرا. وهو دير كبير عامر. وأكثر سكانه نساء مترهبات. وعيده الأحد الأوّل من الصوم.

قال الشابشتي: وتسمّى ليلة الماشوش، وهي ليلة يختلط فيها الرجال بالنساء، فلا يردّ أحد يده عن شيء. وأنشد فيه لجحظة:

وحانة بالعلث وسط السّوقنزلتها وصارمي رفيقي
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
على غلام من بني الحليقفجاء بالجام وبالإبريق

أما رأيت قطع العقيق!

دير باشهرا - وهو على شاطئ دجلة. نزه كثير البساتين، على طريق سرّمن رأى، منزلة المصعد والمنحدر. وفيه يقول أبو العيناء:

نزلنا دير باشهراعلى قسّيسه ظهرا
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
فسقانا وروانامن الصافية العذرا
فقابلنا به الشمسوقبلنا به الدرا
وأحيت لذّة الكاسولكن قتّلت سكرا!
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة

دير مرمار - وهو بسّر من رأى، عند قنطرة وصيف. حوله كروم وشجر.

وأنشد فيه الفضل بن العبّاس بن المأمون:

أنضيت في سرّمن را خيل لذّاتيونلت فيها هوى نفسي وحاجاتي!
عمّرت فيها بقاع اللّهو منغمسافي القصف ما بين أنهار وجنّات!
بدير مرمار إذ نحيي الصّبوح بهونعمل الكاس فيه بالعشيّات
فكم به من غزال شادن لبقيصيدنا باللّحاظ البابليّات!

وحكى الشابشتي أن الفضل ذكر أنه خرج مع المعتز للصيد. قال:

فانقطعنا عن الموكب، أنا وهو ويونس بن بغا. فشكا المعتز العطش، فقلت له:

يا أمير المؤمنين، إن في هذا الدير راهبا أعرفه، وله مروءة حسنة. وفيه آلات جميلة. فهل لنا أن نعدل إليه؟ فقال: افعل! فصرنا إليه، فرحب بنا وتلقانا بأجمل ملقى. وجاءنا بماء فشربنا. وعرض علينا النزول عنده، وقال: أما تبتردون عندنا؟ فقال المعتز: انزل بنا إليه. فنزلنا عنده. فسألني الديراني عن المعتزّ ويونس. قلت: فتيان من أبناء الجند. فقال: بل مفلتان من أزواج الحور.

فقلت له: ليس هذا من دينك واعتقادك. فقال: هو الآن في ديني. فضحك المعتز. ثم جاءنا من الطعام بما يكون مثله في الديارات. وكان من أنظف طعام في أنظف آنية. فأكلنا منه وغسلنا أيدينا. فقال لي المعتزّ: قل له بينك وبينه من تحبّ أن يكون معك من هذين ولا يفارقك. فقلت له، فقال: "كلاهما [وتمرا] " فضحك المعتزّ حتّى مال من الضحك. ولحقنا الموكب، فارتاع [الديراني]، فقال له المعتز: بحياتي عليك لا تنقطع عما كنا فيه، فإنني لمن ثمّ مولى ولمن ههنا صديق! فمزحنا ساعة. ثم أمر له المعتزّ بخمسين ألف درهم.

فقال: لا والله، لا قبلتها إلا على شرط! قال: ما هو؟ قال: يكون أمير المؤمنين في دعوتي مع من أراد. قال: ذلك إليك. فاتعدنا ليوم جئناه. فلم يبق غاية، وقام بالموكب كله. وجاء بأولاد النصارى فخدمونا أحسن خدمة. وسرّ سرورا ما

رأيته سرّ مثله قط. ووصله ذلك اليوم بمال كثير.

دير سرجيس - وهو بطيزناباذ. بين الكوفة والقادسيّة، على حافة الطريق. وكانت أرضه محفوفة بالنخل والكروم والشجر والحانات والمعاصر.

وكان بهذا أحد البقاع المغمورة، ونزه الدنيا التي تبتهج بها القلوب المسرورة.

قال الشابشتي: وقد عفت الآن آثارها، وهدمت دياراتها.

قلت: وبلغني أن ديارها خربت، ولم يبق من رسومها إلا قباب خراب، وجرن على قارعة الطريق في القفر اليباب.

قال الشابشتي: ويسميه الناس معصرة أبي نواس. وله فيه:

قالوا: تنسّك بعد الحجّ! قلت لهم:أرجو الإله وأخشى طيزناباذا
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «قالوا تنسك بعد الحج قلت لهم»
أخشى قضيب كرم أن ينازعنيفضل الخطام، إذا أسرعت إغذاذا
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «قالوا تنسك بعد الحج قلت لهم»
فإن سلمت - وما قلبي على ثقةمن السّلامة - لم أسلم ببغداذا
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «قالوا تنسك بعد الحج قلت لهم»
ما أبعد الرشد من قلب تضمنهقطربل فقرى بنا فكلواذا

وفيه يقول الحسين بن الضحاك

أخويّ، هبّا للصّبوح صباحا!هبّا ولا تعدا النّديم رواحا!
هل تعذران بدير سرجس صاحبابالصّحو، أو تريان ذاك جناحا؟
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
إني أعيذكما بألفة بينناأن تشربا بقرى الفرات قراحا!
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
يا ربّ ملتبس الجفون بنومةنبّهته بالراح حين أراحا!
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
فكأن ريّا الكاس حين ندبتهللكاس أنهض في حشاه جناحا
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
فأجاب يعثر في فضول ردائهعجلان يخلط بالعثار مزاحا
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
فهتكت ستر مجونه بتهتّكيفي كل ملهية وبحت وباحا
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.