من «حماسة البحتري» للبحتري (ت ٢٨٤هـ)
الباب الثاني والخمسون والمائة فيما قيل فِي خذلان بني العمّ عند الشدائد وفي اختلاف أحوالهم وفي معاتبتهم واستصلاحهم
قَالَ الأَحْوَصُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ:
أَرَانِي إِذَا عَادَيْتُ قَوْماً رَكَنْتُمُإِلَيْهِمْ فَآيَسْتمْ مِنَ النَّصْرِ مَطْمَعِي
فَكَمْ نَزَلْتُ بِي مِنْ أمُورٍ مُهِمَةٍخَذَلْتُمْ عَلَيْهَا ثُمَّ لَمْ أَتَخَشَعِ
فَأَدْبَرَ عَنَّي كَرْبُهَا لَمْ أُبَالِهِوَلَمْ أَدْعُكُمْ فِي جُهْدِهَا الْمتَطَلِّعِ
وَإِنِّي لَمُشْتَاقٌ وَمُنْتَظرٌ بِكُمْوَإنْ لَمْ تَقُولُوا فِي المُلِمَّاتِ دَعْدَعِ
أُؤَمِّلُ فِيكُمْ ترَوا خَيْرَ رَأْيِكُمْوَشِيكًا وَكَيْمَا تَنْزِعُوا خَيْرَ مَنْزَعِ
وَقَدْ أَبْقَتِ الْحَرْبُ الْعَوَانُ وَعَضُّهَاعَلَى خَذْلِكُمْ مِنِّي فَتًى لَمْ يُضَعْضَعِ
فَعَاتَبْ مَالِي إِذْ رَأَيْتُ عَشِيرَتِيبَمَرْأَى مَعاً مِمَّا كَرِهْتُ وَمَسْمَعِ
فَأَدْرَكْتُ ثَأْرِي وَالَّذِي قَدْ فَعَلْتُمُقَلائِدُ فِي أعْنَاقِكُمْ تقَطَّعِ
وَقَالَ أَيْضاً:
لَقَدُ كُنْتَ أَرْجَى النَّاسَ عِنْدِي مَوَدَّةًلَيَالِيَ كَانَ الْعِلْمُ ظَنًّا مُرَجَّمَا
أعُدُّكَ حِرْزاً إِنْ جَنَيْتُ ظُلَامَةَوَمَالًا ثَرِيًّا حِينَ أَحْمِلُ مَغْرَمًا
تَدَارَكْ بِعُتْبَى عَاتِباً ذَا قَرَابَةٍطَوَى الْغَيظَ لَمْ يَفتَحْ بِسُخْطٍ لَكُمْ فَمَا
وقَالَ الزِّبْرِقَانُ بنُ بَدرٍ التَّمِيمِيُّ:
وَلِي ابْنُ عَمٍّ لا يَزَالُ يَعِيبُنِي وَيُعِينُ عَائِبْ
وَأُعِينُهُ فِي النَّائِبَاتِ وَلا يُعِينُ عَلَى النَّوَائِبْ
تَسْرِي عَقَارِبُه إِلَيَّوَلا تنَاوَلُهُ عَقَارِبْ
لاهِ ابْنَ عَمِّكَ مَا يَخَافُ الْجَازِيَاتِ مِنَ الْعَوَاقبْ
وَقَالَ عَامِرُ بنُ لَقِيطٍ الأسَدِيُّ الْفَقْعَسِيُّ:
لَعَمْركَ إنِّي لَوْ أخَاصِمُ حَيَّةًإِلَى فَقْعَسٍ مَا أنْصَفَتْنِيَ فَقْعَسُ
فَلا تَجْعَلَنَّ الأَرْضَ لَيْلاً فَإِنَّنِيأخَافُ عَلَيْكمْ حَيَّتِي حِينَ تُلْمَسُ
فَمَا لَكُمُ طُلْساً إليَّ كَأَنَّكُمْذِئَابُ الْغَضَا وَالذِّئْبُ بِاللَّيْلِ أَطْلَسُ
فَوَ اللهِ مَا أَدْرِي وَإِنَّي لَلابسٌلَكُمْ لِبْسَةً أيُّ النَّسِيجَيْنِ أَلْبِسُ
أَلِبْسَةَ بُقْيَا لا بَقَاءَ علَى الَّذِىتُرِيدُونَ بِي أَمْ أَسْتَمِرُّ فَأَعْبِسُ
لَقَدْ جَعَلَتْ بَعْدَ التَّصَرِّفِ قَامَتِيوَحُسْنِ الْقُوَى عَمَّا تُريدُونَ تَمْرِسُ
وَقَالَ المُقَنَّعُ الكِندِيُّ:
يُعَاتِبُنِي فِي الدِّيْنِ قَومِي وَإِنَّمَادُيُونِيَ فِي أَشيَاءَ تُكْسِبهُمْ حَمْدًا
وَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْن بَنِي أَبِيوَبَيْنَ بنِي عَمِّي لَمخْتَلِفٌ جِدَّا
فَإِنْ أَكَلُوا لَحْمِي وَفَرْتُ لحُومَهُموَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِى بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدَا
وَإِنْ زَجَرُوا طَيْراً بِنَحْسٍ تَمُرُّ بِيزَجَرْتُ لَهُمْ طَيْراً تَمُرُّ بِهِمْ سَعْدَا
وَإنْ هَبَطُوا غَوْراً لأَمْرٍ يَسُوءُنيطَلَعْتُ لَهمْ فِي مَا يَسُرُّهُمُ نَجْدَا
وَإِنْ قَدَحُوا لِي نَارَ زَنْدٍ تَشِينُنِيقَدَحْتُ لَهُمْ فِي نَارِ مَكْرُمةٍ زَنْدَا
وَإِنْ بَادَهُونِي بِالْعَدَاوَةِ لَمْ أَكُنُأُبَادِهُهُمْ إِلَّا بِمَا يَبْعَتُّ الرُّشْدَا
وَإنْ قَطَعُوا مِنِّي الأَوَاصِرَ ضَلَّةًوَصَلْتُ لَهُمْ مِنِّي الْمَحَبَّةَ وَالْودَّا
ولا أَحْمِلُ الحِقْدَ القَدِيمَ عَلَيهِمُوَلَيْسَ كِرِيمُ القَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الْحِقْدَا
فذلِكَ دَأْبِي فِي الْحَيَاةِ وَدَأبُهُمْسَجِيسَ اللَّيَالِي أَوْ يُزِيرونَنِي اللَّحْدَا
وَقَالَ الأَحْوَصُ بنُ مُحَمَّدٍ:
وَمَوْلىً ضَعِيفِ الرَّأْيِ رَخْوٍ تَزِيدُهُأَنَاتِي وَعَفْوِي ذَنْبَهُ عِنْدَهُ ذَمَّا
دَمَلْتُ وَلَوْلا غَيْرُهُ لأَصَبْتَهُبِشَنْعَاءَ بَاقٍ عَارُهَا تَقْرَعُ الْعَظْمَا
وَكانَتْ عَرُوق السَّوْءِ أَزْرَتْ وَقصَّرَتْبهِ أَنْ يَنَالَ الْحَمْدَ فَالْتَمَس الذَّمَّا
طَوَى حَسَداً ضِغْناً عَلَى كَأَنَّمَاأُدَاوِي بِهِ فِي كُلِّ مَجْمَعَةٍ كَلْمَا
وَيَجْهَلُ أَحْيَاناً فَلا يَستَخِفُّنِيوَلا أَجْهَلُ الْعُتْبَى إِذَا رَاجَعَ الْحِلْمَا
يَصُدُّ وَيَنْأَى فِي الرَّخَاءِ بِوَجْهِهِويَدْنُو ويَدْعُونِي إِذَا خَشِي الْهَضْمَا
فَيُفرِجُ عَنْهُ سَطْوَةَ الْخَصْم مَشْهَدِيوَأَرْقَعُ مِنْهُ عِنْدَ عَثرَتِهِ الثَّلْمَا
وَأَمنَعُهُ إِنْ جَرَّ يَوْماً جَرِيرَةَويُسْلِمُنِي إِنْ جَرَّ جَارِمِيَ الْجُرْمَا
وَقَالَ مَعْنُ بْنُ أَوسٍ المُزَنِيُّ:
وَذِي رَحِمٍ قَلَّمْتُ أَظْفَارَ ضِغْنِهِبِحِلْمِيَ عَنْهُ وَهْوَ لَيْسَ لَهُ حِلْمُ
يُحَاوِلُ رَغْمِي لا يُحَاوِلُ غَيْرَهُوَكَالْمَوْتِ عِنْدِي إِنْ يَحُلُّ بِهِ الرَّغْمُ
فَإنْ أَعْفُ عَنْهُ أُغْضِ عَيناً عَلَى قَذًىولَيسَ لَهُ بِالصَّفْحِ عَنْ ذَنْبهِ عِلْمُ
وَإِنْ أَنْتَصرْ منْهُ أَكُنْ مِثْلَ رَائِشٍسِهَامَ عَدُوٍّ يُسْتَهَاضُ بِهَا الْعَظْمُ
فَبَادَرْتُ منْهُ الثَّأْيَ وَالْمَرْءُ قَادِرٌعَلَى سَهْمِهِ مَا دَامَ فِي كَفِّهِ السَّهْمُ
حَفِظْتُ بِهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُوَمَا يسْتَوِى حَرْبُ الأَقَارِب وَالسِّلْمُ
وَيَشْتِمُ عِرْضِي فِي الْمُغَيَّبِ جَاهِدًاوَلَيْسَ لَهُ عِنْدِي هوَانٌ وَلا شَتْمُ
إِذَا سُمْتُهُ وَصْلَ الْقَرَابَةِ سَامَنِيقَطِيعَتَها تِلْكَ السَّفَاهَةُ وَالظُّلْمُ
وَإِنْ أَدْعُهُ لِلِنِّصْفِ يَأْبَ وَيَعْصِنِيوَيَدْعُ لِحُكْمٍ جَائِرٍ غَيْرُهُ الحُكْمُ
وَلَوْلا تُقَاءُ اللَّهِ وَالرِّحِمِ الَّتيرِعَايَتهَا حَقٌّ وَتَعْطِيلُهَا إِثْمُ
إِذًا لعَلاهُ بِارِقِي وَخَطَمْتُهُبِوَسْمِ شَنَارٍ لا يُشَاكِلُهُ وَسْمُ
وَيسْعَى إِذَا أَبْنِي لِهَدْمِ مَصَانِعيوَلَيسَ الَّذى يَبْنِي كَمَنْ شَأْنُهُ الْهَدْمُ
يَوَدُّ بأَنِّي مُعْدِمٌ ذُو خَصَاصةٍوَلَيسَ الَّذي يَبْني كَمَنْ شَأنُهُ الْهَدْمُ
ويَعتَدُّ غنْماً فِي الْحَوادِثُ نَكْبَتِيوَمَا إِن لَهُ فِيهَا سنَاءٌ وَلا غُنْمُ
أكُونُ لَهُ إِنْ يُنْكَبَ الدَّهْرَ مِدْرَهاًأُكَالِبُ عَنْهُ الخَصْمَ إِنْ عَضَّهُ الْخَصْمُ
وَأَدْفَع عَنْهُ كُلَّ أبْلخَ ظَالِمٍألَدَّ شَدِيدِ الغَشم عَادَتهُ الْغَشْمُ
وَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ بَعْدَ وُدِّهِعَلَى الْوَجْدِ وَالإِعْدَامِ قَسْمٌ هوَ الْقَسْمُ
فَمَا زِلْتُ فِي لِينٍ لَهُ وَتَعَطُّفٍعَلَيْهِ كَمَا تَحْنُو عَلَى الْوَلَدِ الأَمِّ
وَقَوْلِي إِذَا أَخْشَى عَلَيْهِ مُصِيبَةًأَلا اسْلَمْ فَدَاكَ الْخَالُ وَالأَبُ وَالْعَمُّ
وَصَبْرِى عَلَى أَشيَاءَ مِنْهُ تَرِيبُنِيوَكَظْمِي عَلَى غَيْظِى وَقَدْ يَنْفَعُ الْكَظْمُ
لأَسْتَلَّ مِنْهُ الضِّغْنَ حَتَّى اسْتَلَلْتُهُوَإِنْ كَانَ ذَا ضِغْنٍ يَضِيقُ بِهِ الْجُرْمُ
فَأَبْرَأْتُ غِلَّ الصَّدْرِ مِنْهُ تَوَسُّعاًبِحِلْمِي كَمَا يُشْفَى بِالأَدْوِيَةِ الْكَلْمُ
وَأَطْفَأْتُ نَارَ الْحَرْبِ بَيْني وَبَيْنَهُفَأَصْبَحَ بَعْدَ الْحَربِ وهْوَ لَنا سِلْمُ
وَقَالَ كُثَيِّرُ بْنُ عَبدِ الرَّحمنِ:
أوَدُّ لَكُمْ خَيْرًا وَتَطَّرِحُونَنِيأحَارِ بْنَ كَعْبٍ لاخْتِلافِ الصَّنَائِعِ
وَكَيفَ لَكُمْ قَلْبِي سَلِيمٌ وَأَنْتُمُعَلَى حَسَكِ الشَّحْنَاء حُنْوُ الأَضَالِعِ
أُحاذِر أن تَلْقَوا ردًى ومطيُّكُمخَواضِع تبغينِي حِمام المصارِعِ
وَإِنَّي لَمُسْتَأْنٍ وَمُنْتَظِرٌ بِكُمْعَلَى هَفَوَاتٍ فِيكُمُ وَتَتَايُعِ
وبَعْضُ الْمَوَالِي يُتَّقَى زَيْغُ رَهْطِهِكَمَا تُتَّقَى رُوْسُ الأَفَاعِى الْقَواطِعِ
وَقَالَ أَيْضاً:
مَا بَالُ مَوْلًى أَنْتَ ضَامِنُ غَيِّهفَإذَا رَأَيْتَ الرُّشْدَ لَمْ يَرَ مَا تَرَى
وَتَرَى الْمَسَاعِي عِنْدَهُ مَطْلُولَةًكَالْجُوْدِ يَمْطُرُ مَا يُحَسُّ لَهُ ثَرَى
فَاللهُ يَجْزِي بَيْنَنَا أَعْمَالَنَاوَضَمِيرَ أَنْفُسِنَا وَيُوفِي مَنْ جَزَى
وَقَالَ إِسْمَاعيلُ بْنُ يَسارٍ الْكِنَانِيُّ:
وَذِي رَحِمٍ يُطَالعُنِي أَذَاهُأَقُولُ لَهُ صُرَاحاً غَيْرَ خَتلِ
أَلا تَقْنَى الْحَيَاءَ أبَا يَسَارٍفَتُقْصِرَ عَنْ مُلاحَاتِي وَعَذْلِي
فَصَدْرِي سَالِمٌ لا غِشَّ فِيهِوَصَدْركَ وَاغِرٌ بِالغِشِّ يَغلِي
أُحَاوِلُ أَنْ تَلِينَ وَأَنْتَ فَظٌأَلَهفُ لُهوفَتِي وَلُهُوفَ عَقْلِي
بِقُرْبِي فِيكَ لَوْ يُدْنِيكَ قُرْبِيجُنُوناً قَدْ جُنِنْتَ بِقَطْعِ حَبْلِي
فَلَوْلا أَنَّ أَصْلَكَ حِينَ تَنْمَىوَفَرْعَكَ مُنْتَهَى فَرْعِي وَأَصْلِي
وَأَنِّي إِنْ رَمَيْتُكَ هِضْتُ عَظْمِيوَنَالَتْني إِذَا نَالَتْكَ نَبْلِي
لَقَدْ أَنْكَرْتَنِي إِنْكَارَ خَوْفٍيُقيمُ حَشَاكَ عَنْ شُرْبِي وَأكْلِي
تَعَلَّمْ حِينَ يُدْلِي الْقَوْمُ يَوْماًدِلاء الْمَجْدِ مَاذَا كُنْتَ تدْلِي
وَتُغْمَرُ عِنْدَ جَهْدِكَ فِي الْمَعَالِيإِذَا مَا لَمْ توَاضِحُهُمْ بِسَجْلِ
وَقَالَ أَيْضاً:
بَنِي عَمِّنَا مَا أَسْرَعَ اللَّؤْمَ مِنْكُمُإِلَيْنَا وَمَا نَبْغِى عَلَيْكُمْ وَلا نَجُرْ
بَنِي عَمِّنَا إِن الرِّكَابَ بِأَهْلِهَاإِذَا سَاءَهَا الْمَوْلَى تَرُوحُ وَتَبْتَكِرْ
بَنِي عَمِّنَا إِنَّا نَفِيءُ إِلَيْكُمُبِأَحْلامِنَا فِي الْحَادِثِ الْهَائِلِ النُّكرْ
وَنَشْرَبُ رَنْقَ الْمَاءِ مِنْ دُونِ سُخْطِكُمْوَلا يَسْتَوي الصَّافِي مِنَ المَاءِ وَالْكَدِرْ
أرَى قَوْمَنَا لا يَغْفِرونَ ذُنُوبَنَاوَنَحْنُ إذَا مَا أَذْنَبُوا لَهُمْ غُفُرْ
النص من طبعة هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (١٤٢٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع