من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ما يستملح مما قيل في حسن الحديث
قال القطامى- واسمه عمير بن شييم التغلبى، وسمى القطامى لقوله:
يحطّهنّ جانبا فجانباحطّ القطامىّ القطا القواربا
وقال أبو عبيدة: ويقال للصقر قطامى وقطامى:
وفي الخدور غمامات برقن لناحتى تصيّدننا من كلّ مصطاد
يقتلننا بحديث ليس يعلمهمن يتقين ولا مكنونه بادى
فهنّ ينبذن من قول يصبن بهمواقع الماء من ذى الغلّة الصّادى
وقال أبو حيّة النّميرى، واسمه الهيثم بن الرّبيع:
وخبّرك الواشون أن لن أحبّكمبلى وستور الله ذات المحارم
وإن دما، لو تعلمين، جنيتهعلى الحىّ جانى مثله غير سالم
أصدّ وما الصدّ الذى تعلمينهعزاء بكم إلا ابتلاع العلاقم
حياء وتقيا أن تشيع نميمةبنا وبكم، أفّ لأهل النّمائم
أما إنه لو كان غيرك أرقلتإليه القنا بالراعفات اللهاذم
ولكنه والله ما طلّ مسلماكغرّ الثنايا واضحات الملاغم
إذا هنّ ساقطن الأحاديث للفتىسقوط حصى المرجان من كفّ ناظم
رمين فأنفذن القلوب، ولا ترىدما مائرا إلا جوى في الحيازم
وقال أيضا:
حديث- إذا لم تخش عينا- كأنهإذا ساقطته الشّهد أو هو أطيب
لو انك تستشفى به بعد سكرةمن الموت كادت سكرة الموت تذهب
إلى هذا ينظر قول الآخر وإن لم يكن منه:
أقول لأصحابى وهم يعذلوننىودمع جفونى دائم العبرات
بذكر منى نفسى فبلّوا، إذا دناخروجى من الدنيا، جفوف لهاتى
وقال سديف مولى بنى هاشم يصف نساء:
وإذا نطقن تخالهنّ نواظمادرّا يفصّل لؤلؤا مكنونا
وإذا ابتسمن فإنهنّ غمامةأو أقحوان الرّمل بات معينا
وإذا طرفن طرفن عن حدق المهاوفضلنهنّ محاجرا وجفونا
وكأنّ أجياد الظباء تمدّهاوخصورهنّ لطافة ولدونا
وأصحّ ما رأت العيون محاجراولهنّ أمرض ما رأيت عيونا
وكأنهنّ إذا نهضن لحاجةينهضن بالعقدات من يبرينا
وقال الطائى:
تعطيك منطقها فتعلم أنّهلجنى عذوبته يمرّ بثغرها
وأظنّ حبل وصالها لمحبّهاأوهى وأضعف قوّة من خصرها
أخذه أبو القاسم بن هانئ، فقال يمدح جعفر بن على، إلّا أنه قلبه فقال:
قد طيّب الأفواه طيب ثنائهمن أجل ذا نجد الثغور عذابا
وكأنما ضرب السماء سرادقابالزّاب، أو رفع النجوم قبابا
أرضا وطئت الدّرّ رضراضا بهاوالمسك تربا والرياض جنابا
وقال الطائى:
بسطت إليك بنانة أسروعاتصف الفراق ومقلة ينبوعا
كادت لعرفان النّوى ألفاظهامن رقّة الشّكوى تكون دموعا
ومن جيّد هذا المعنى وقديمه قول النابغة الذبيانى:
لو أنها عرضت لأشمط راهبعبد الإله صرورة متعبّد
لرنا للهجتها وطيب حديثهاولخاله رشدا وإن لم يرشد
نظرت إليك بحاجة لم تقضهانظر السليم إلى وجوه العوّد
ومن مشهور الكلام قول الآخر:
وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضهاأرى الأرض تطوى لى ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسهاإذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
تحلّل أحقادى إذا ما لقيتهاوترمى بلا جرم علىّ حقودها
وقال بشار:
وكأنّ رجع حديثهاقطع الرّياض كسين زهرا
حوراء إن نظرت إليك سقتك بالعينين خمرا
تنسى الغوىّ معادهوتكون للحكماء ذكرا
وكأنها برد الشرابصفا ووافق منك فطرا
وكأنّ تحت لسانهاهاروت ينفث فيه سحرا
وتخال ما جمعت عليهثيابها ذهبا وعطرا
وسمع بشار قول كثيّر بن عبد الرحمن:
ألا إنما ليلى عصا خيزرانةإذا غمزوها بالأكفّ تلين
فقال: قاتل الله أبا صخر! يزعم أنها عصا ويعتذر بأنها خيزرانة، ولو قال:
عصا مخّ، أو عصا زبد؛ لكان قد هجّنها مع ذكر العصا، هلّا قال كما قلت:
ودعجاء المحاجر من معدّكأنّ حديثها ثمر الجنان
إذا قامت لحاجتها تثنّتكأنّ عظامها من خيزران
وبعد قول كثيّر: «ألا إنما ليلى عصا خيزرانة»:
تمتّع بها ما ساعفتك، ولا يكنعليك شجى في الصّدر حين تبين
وإن هي أعطتك اللّيان فإنهالآخر من خلّانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأى عهدهافليس لمخضوب البنان يمين
وقال البحترى:
ولما التقينا واللّوى موعد لناتعجّب رائى الدّرّ حسنا ولا قطه
فمن لؤلؤ تجنيه عند ابتسامهاومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
وقال المتنبى:
أمنعمة بالعودة الظبية التىبغير ولىّ كان نائلها الوسمى
ترشّفت فاها سحرة فكأننىترشّفت حرّ الوجد من بارد الظلم
فتاة تساوى عقدها وكلامهاومبسمها الدّرّىّ في النثر والنظم
عاد الحديث الأول- قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجى:
حدثنا يوسف بن يعقوب قال: أخبرنى جدّى قراءة عليه، عن أبى داود، عن محمد بن عبيد الله، عن أبى إسحاق، عن البراء يرفعه إلى رسول الله ﷺ قال: «إن من الشعر لحكما، وإن من البيان لسحرا» قال أبو القاسم:
هكذا روينا الخبر، وراجعت فيه الشيخ، فقال: نعم، هو: «إن من الشعر لحكما» بضم الحاء وتسكين الكاف، قال: ووجهه عندى إذا روى هكذا: إن من الشعر ما يلزم المقول فيه كلزوم الحكم للمحكوم عليه؛ إصابة للمعنى، وقصدا للصواب وفي هذا يقول أبو تمام:
ولولا سبيل سنّها الشعر مادرىبغاة العلى من أين تؤتى المكارم
يرى حكمة ما فيه وهو فكاهةويرضى بما يقضى به وهو ظالم
انتهى كلام أبى القاسم.
وقد وجدنا في الشعر أبياتا يجرى على رسمها، ويمضى على حكمها؛ فقد كان بنو أنف الناقة إذا ذكر أحد عند أحد منهم أنف الناقة- فضلا عن أن ينسبهم إليه- اشتدّ غضبهم عليه؛ فما هو إلا أن قال الحطيئة يمدحهم:
سيرى أمام فإن الأكثرين حصىوالأطيبين إذا ما ينسبون أبا
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهمشدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا
قوم هم الأنف والأذناب غيرهمومن يسوّى بأنف الناقة الذّنبا
فصار أحدهم إذا سئل عن انتسابه لم يبدأ إلا به وأنف الناقة: هو جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن زيد مناة بن تميم.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع