تجاوز إلى المحتوى

من «الموشح» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)

١- الفرزدق

حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: أخبرنى يونس أنّ عبد الله بن أبى إسحاق قال: للفرزدق فى مدحه يزيد بن عبد الملك:

مستقبلين شمال الشام تضربهمبحاصب كنديف القطن منثور
على عمائمنا تلقى وأرحلناعلى زواحف تزجى مخّهارير

فقال له ابن أبى إسحاق: أسأت، إنما هو «رير»، وكذلك قياس النحو فى هذا الموضع.

قال يونس: والذى قال جائز حسن. فلما ألحّوا على الفرزدق قال:

على زواحف نزجيها محاسير

قال الفضل: قال التّوزى: يقال: رير ورار، وهو المخ الرقيق، وكيح الجبل وكاح الجبل: أسفله، وقيد رمح وقاد رمح. قال: ثم ترك الناس هذا ورجعوا إلى القول الأول.

وكان يكثر الرّد على الفرزدق، فقال فيه الفرزدق:

فلو كان عبد الله مولى هجوتهولكنّ عبد الله مولى مواليا

ردّ الياء إلى الأصل، وهى أبيات، ولكن هذا البيت تركه ساكنا. وهو مولى آل الحضرمىّ، وهم حلفاء بنى عبد شمس بن عبد مناف. والحليف عند العرب مولى، من ذلك قول الراعى يريد غنيّا:

جزى الله مولانا غنيّا ملامةشرار موالى عامر فى العزائم
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «فإن كنت يا ابن السمط سالمت دوننا»

وقال الأخطل:

أنشتم قوما أثّلوك بنهشلولولا هم كنتم كعكل مواليا

يعنى حلف الرّباب لسعد، وإنما قالها لجرم.

وقال الكلبى- يحضّض عذرة على فزارة:

وأشجع، إن لاقيتموهم، فإنهملذبيان مولى فى الحروب وناصر
للشاعر عَطَّافُ بن أبي شَعْفرة، اقرأ القصيدة

وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام، قال: قال الفرزدق فى سليمان بن عبد الملك:

مستقبلين شمال الشام تضربنا.....

وذكر البيتين.

فقال له عبد الله بن أبى إسحاق الحضرمىّ: أقويت. فغيّره الفرزدق، وقال:

على زواحف نزجيها محاسير

وهجا عبد الله بن أبى إسحاق، فقال:

فلو كان عبد الله مولى هجوتهولكنّ عبد الله مولى مواليا

قال الصولى: أجرى هذه الياء أعنى «مولى مواليا»؛ وليس بالوجه. وقد قال غيره مثل هذا ونحوه. وابن أبى إسحاق مولى الحضارمة.

قال: وبلغ الفرزدق أنّ الناس يقولون: قد أقوى الفرزدق، ولم يبلغه بعد أن قائله ابن أبى إسحاق، قال: فما بال هذا الذى يجرّ خصييه فى المسجد- يعنى ابن أبى إسحاق- لا يجعل له بحيلته وجها؟

وأخبرنى عبد الله بن هارون الشّيرازى، عن يحيى بن على، عن الأطروش بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن إسحاق، قال: قال الفرزدق ليزيد بن عبد الملك:

مستقبلين شمال الشام تضربنابحاصب كنديف القطن منثور
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «كيف ببيت قريب منك مطلبه»
على عمائمنا تلقى وأرحلناعلى حراجف تزجى مخّهارير

قال: فقال أبو عبيدة: فعاب هذا البيت عليه- يعنى قوله: «مخّهارير» - عنبسة بن معدان؛ وهو معدان الفيل فقيل عنبسة الفيل- فقال: ما يدريك يابن النبطية؟ ثم دخل قلبه منه شىء فغيّره؛ فقال:

على حراجف نزجيها محاسير

فلقيه عبد الله بن أبى إسحاق وقد نجم تلك الأيام، واشتغل عنبسة؛ فقال: عيب عليك بيتك؛ وقد قال الأعشى:

كلّ ملثّ صوبه ماطر

فقال: قد والله علمت ذاك، ولكن ابن النبطية شكّكنى، فعاد إلى قوله الأول؛ وكان عنبسة يعين على الفرزدق، ويروى عليه؛ فهجاه الفرزدق.

حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، عن يونس، قال: قال ابن أبى إسحاق فى بيت الفرزدق:

وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدعمن المال إلّا مسحتا أو مجلّف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لنا ما تمنينا من العيش ما دعا»

ويروى «مجرّف». وللرفع وجه.

وقال أبو عمرو بن العلاء: لا أعرف له وجها. وكان يونس لا يعرف له وجها. قلت له: لعل الفرزدق قالها على النّصب ولم يأبه. قال: لا، كان ينشدها على الرفع، وأنشدنيها رؤبة بن العجاج على الرفع. وتقول العرب، سحتّه وأسحتّه نقرؤهما جميعا فى القرآن، فمن قال: «فيسحتكم بعذاب» فهو من أسحت وهو مسحت، وهى التى قال الفرزدق. ومن قال: فيسحتكم- فهى من سحت فهو مسحوت.

قال ابن سلام: فأخبرنى الحارث البنانى أخو أبى الجحّاف أنه سمع الفرزدق ينشد:

فياعجبا حتى كليب تسبّنىكأنّ أباها نهشل أو مجاشع

كأنه جعله غاية فخفض.

وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أبو ذكوان، قال: حدثنا عبد الله بن محمد النّحوى، قال: حدثنى الفرّاء، قال: أخبرنا أبو جعفر الرّؤاسى، قال: حدثنا أبو عمرو بن العلاء، قال: أنشد الفرزدق قصيدته.

عزفت بأعشاش وما كدت تعزف

فمرّ فيها:

وعضّ زمان يا بن مروان لم يدعمن المال إلا مسحتا أو مجلّف

فقال ابن أبى سحاق: على أى شىء رفعت مجلفا؟ قال: على ما يسوءك. قال أبو عمرو: فقلت له: أصبت؛ هو جائز على المعنى على أنه لم يبق سواه.

وكان أبو عمرو ممن حسّن الله علمه وفهمه.

قال الفراء: مسحتا مستأصلا، من قول الله ﷿: فيسحتكم بعذاب؛ أى يستأصلكم، إلا أنه فى القرآن من سحت، وجاء به الفرزدق من أسحت.

أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قد يقع الإيماء إلى الشىء فيغنى عند ذوى الألباب عن كشفه، كما قيل «لمحة دالّة»، وقد يضطر الشاعر المفلق، والخطيب المصقع، والكاتب البليغ؛ فيقع فى كلام أحدهم المعنى المستغلق، واللفظ المستكره، فإذا انعطفت عليه جنبتا الكلام غطّتا على عواره، وسترنا من شينه، وإن شاء قائل أن يقول: الكلام القبيح فى الكلام الحسن أظهر، ومجاورته له أشهر- كان له ذلك، ولكن يغتفر السّيئ للحسن، والبعيد للقريب، فممّا وقع كالإيماء قول الفرزدق:

ضربت عليك العنكبوت بنسجهاوقضى عليك به الكتاب المنزل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»

فتأويل هذا أنّ بيت جرير فى العرب كالبيت الواهى الضعيف- وقوله: وقضى عليك به الكتاب المنزل: يريد قول الله ﷿: «وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت».

ومن كلامه المستحسن قوله لجرير:

فهل ضربة الرّومىّ جاعلة لكمأبا عن كليب أو أبا مثل دارم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

ومن أقبح الضرورة، وأهجن الألفاظ، وأبعد المعانى قوله:

وما مثله فى الناس إلا مملّكاأبو أمّه حىّ أبوه يقاربه

مدح بهذا الشعر إبراهيم بن إسماعيل بن هشام المخزومى، وهو خال هشام بن عبد الملك فقال: «وما مثله فى الناس إلا مملكا،- يعنى بالمملك هشاما، أبو أم ذلك المملك أبو هذا الممدوح، ولو كان الكلام على وجهه لكان قبيحا، وكان يكون إذا وضع الكلام فى موضعه:

وما مثله فى الناس حىّ يقاربه إلّا مملّك أبو أم هذا المملك أبو هذا الممدوح؛ فدلّ على أنه خاله بهذا اللفظ البعيد، وهجّنه بما أوقع من التقديم والتأخير، حتى كأنّ هذا الشّعر لم يجتمع فى صدر رجل مع قوله:

تصرّم عنى ودّ بكر بن وائلوما كاد منى ودّهم يتصرّم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تصرم عني ود بكر بن وائل»
قوارص تأتينى ويحتقرونهاوقد يملأ القطر الإناء فيفعم

وكأنه لم يقع هذا الكلام لمن يقول:

والشّيب ينهض فى الشباب كأنهليل يصيح بجانبيه نهار

فهذا أوضح معنى، وأعذب لفظ، وأقرب مأخذ.

كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: للفرزدق فى شعره افتخار بعيد المعنى لا وجه له، من ذلك قوله:

أبا ابن خندف والحامى حقيقتهاقد جعلوا فى يدىّ الشمس والقمرا

ومنها:

أخذنا بآفاق السماء عليكملنا قمراها والنجوم طوالع
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا أنت يا ابن الكلب ألقتك نهشل»

ومنها:

إنّ السماء التى من دارم خلقتوالأرض كانا لنا عزّا ومفتخرا

ومنها:

ولو أنّ أمّ الناس حواء حاربتتميم بن مرّ لم تجد من يجيرها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولم تك تخشى جعفر أن يصيبها»

فينبغى أن يكون جرير حين سئل عن شعره فقال: كذّاب، إنما عنى هذا من شعره وأشباهه.

وقد قال ما يعلم أنه كذب:

أبت عامر أن يأخذوا من أسيركممئين من الأسرى لهم عند دارم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

يعنى بالأسير حاجب بن زرارة، أسره بنو عامر يوم جبلة ولم تأسر بنو دارم يومئذ منهم أحدا، وقد زعم أنهم مئون.

قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: كان الفرزدق- وهو فحل شعراء الإسلام يأتى بالإحالة، وينظم فى شعره أهجن كلام؛ فمن ذلك قوله لإبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومى خال هشام بن عبد الملك، وقد أراد أن يذكر فى شعره خئوله الخليفة، ورحمه به الماسّة، ويمدحه بذلك، فقال:

وما مثله فى الناس إلّا مملّكاأبو أمه حىّ أبوه يقاربه

فأتعب أهل اللغة والنحو بشرحه، منهم سيبويه فمن بعده، ولم يبلغوا منه ما يقنع ويرضى.

ومن قوله المذموم المستقبح:

إنّ السماء التى من دارم خلقتوالأرض كانا لنا دون الأعزّاء

ومن ذلك قوله:

ولو أنّ أمّ الناس حوّاء حاربتتميم بن مرّ لم تجد من يجيرها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولم تك تخشى جعفر أن يصيبها»

أخبرنى محمد بن يحيى، قال: مما يعاب على الفرزدق قوله فى الغزل:

يا أخت ناجية بن سلمة إننىاخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى

فلعمرى إنه خلاف الغزل وما قال الحّذاق؛ فإنّ قتيل الهوى عندهم لا يودى ولا يطلب بدمه.

روى عبد الله بن جعفر، عن سلمان، عن الرياشى؛ عن الأصمعى، عن أبى عمرو بن العلاء، قال: كنا عند بلال بن أبى بردة، فأنشد الفرزدق:

تريك نجوم الليل والشمس حيّةزحام بنات الحارث بن عباد

فقال عنبسة بن معدان: الزحام مذكر. فقال الفرزدق: اغرب. قال عبد الله، فالزحام له وجهان أن يكون مصدرا مثل الطعان والقتال؛ من قولهم: زاحمته زحاما؛ لهذا مذكر- كما قال عنبسة، أو يكون جمعا للزحمة يراد بها الجماعة المزدحمة، فهذا مؤنث؛ لأن الزحام هو المزاحمة، كما أن الطعان هو المطاعنة، وقول عنبسة أقوى وأعرف فى الكلام.

أخبرنى الصولى، قال: حدثنا الطّيّب بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: سمعت الأصمعى يقول: لا أحبّ قول الفرزدق فى الطعن:

فيها تعلّ صدورهن وتنهل

ويقول: أحسن الطّعان الخلاس، والخلاج، والدّراك، كما قال الجعدى:

أمام لواء كظلّ العقاب من يأته يلق طعنا خلاسا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لبست أناسا فأفنيتهم»

وكما قال امرؤ القيس:

نطعنهم سلكى ومخلوجةلفتك لأمين على نابل

أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قال الفرزدق فى يزيد بن المهلّب:

وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهمخضع الرقاب نواكس الأبصار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم»

قال: وفى هذا البيت شىء يستطرفه النحويون، وهو أنهم لا يجمعون ما كان على فاعل نعتا «فواعل»؛ لئلا يلتبس بالمؤنث؛ لا يقولون ضارب وضوارب، وقاتل وقواتل؛ لأنهم يقولون فى جمع ضاربة ضوارب وقاتلة قواتل، ولم يأت ذا إلّا فى حرفين؛ أحدهما قولهم فى جمع فارس فوارس؛ لأن هذا مما لا يستعمل فى النساء، فأمنوا الالتباس. ويقول فى المثل: «هو هالك فى الهوالك»؛ فأجروه على أصله لكثرة الاستعمال، لأنه مثل؛ فلما احتاج الفرزدق لضرورة الشعر أجراه على أصله، فقال:

نواكس الأبصار، ولا يكون مثل هذا أبدا إلا فى ضرورة.

أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول: تسعة أعشار شعر الفرزدق سرقة، وكان يكابر. وأما جرير فما علمته سرق إلّا نصف بيت؛ قال: ولا أدرى؛ ولعله وافق شىء شيئا. قلت: وما هو؟ فقال: هجاء، ولم يخبرنا به.

قال أبو حاتم: وقد رأيته أنا بعد فى شعره، والبيت:

يقصّر باع العاملىّ عن العلاولكنّ أير العاملىّ طويل
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

قال ابن دريد: وهذا البيت لغيره وهو قديم.

قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى: وهذا تحامل شديد من الأصمعى وتقوّل على الفرزدق لهجائه باهلة، ولسنا نشكّ أنّ الفرزدق قد أغار على بعض الشعراء فى أبيات معروفة، فأما أن نطلق أنّ تسعة أعشار شعره سرقة فهذا محال، وعلى أنّ جريرا قد سرق كثيرا من معانى الفرزدق، وقد ذكرنا ذلك فى أخبار الفرزدق.

وقال أحمد بن أبى طاهر: كان الفرزدق يصلت على الشعراء ينتحل أشعارهم، ثم يهجو من ذكر أنّ شيئا انتحله أو ادّعاه لغيره، وكان يقول: ضوالّ الشعر أحبّ إلى من ضوالّ الإبل، وخير السرقة ما لم تقطع فيه اليد.

أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول: قال الفرزدق لامرأته النّوار: كيف شعرى من شعر جرير؟ قالت: قد شركك فى حلوه، وغلبك على مرّه.

وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: قال الفرزدق لامرأته النوار: أنا أشعر أم ابن المراغة ؟ فقالت: غلبك على حلوه، وشركك فى مره.

وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبى الذيال، عن ابن الأعرابى، قال: قالت النوار امرأة الفرزدق للفرزدق- وسمعته يعيب شعر جرير، فقالت: هو والله أشعر منك. قال: وكيف علمت ذلك؟ قالت: غلبك على حلوه وشركك فى مرّه.

قال الشيخ أبو عبيد الله رحمه الله تعالى: ولا يقبل قول النّوار على الفرزدق لمنافرتها إياه.

أخبرنا أبن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، عن الضحاك بن بهلول؛ وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبة، عن أبى عبيدة، عن الضحاك بن بهلول الفقيمى، قال: بينا أنا بكاظمة وذو الرمة ينشد قصيدته التى يقول فيها:

أحين أعاذت بى تميم نساءهاوجرّدت تجريد اليمانى من الغمد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أتوعدني قيس ودون وعيدها»

إذا راكبان قد تدلّيا من نعف كاظمة متقنّعان، فوقفا يسمعان؛ فلما فرغ ذو الرّمة حسر الفرزدق عن وجهه وقال: يا عبيد، اضممها إليك- يعنى راويته- وهو عبيد أحد بنى ربيعة بن حنظلة.

فقال ذو الرمة: نشدتك بالله يا أبا فراس، انتحل ما شئت غيرها، فانتحل أربعة أبيات:

أحين أعاذت بى تميم نساءهاوجرّدت تجريد اليمانى من الغمد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أتوعدني قيس ودون وعيدها»
ومدّت بضبعىّ الرّباب ومالكوعمرو، وشالت من ورائى بنو سعد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي أطلالا كحاشية البرد»
ومن آل يربوع زهاء كأنّهدجى الليل محمود النّكاية والورد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي أطلالا كحاشية البرد»
وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّهضربناه فوق الأنثيين على الكرد

الكرد: العنق. حدثنيه إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: أخبرنى أبو يحيى الضبى، قال: قال ذو الرمة يوما: لقد قلت أبياتا إن لها لعروضا، وإن لها لمردا، ومعنى بعيدا. فقال له الفرزدق: ما قلت؟

قال: قلت:

أحين أعاذت بى تميم نساءها

وذكره والبيتين اللذين بعده، فقال له الفرزدق: لا تعودنّ فيها، فأنا أحقّ بها منك.

قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبدا إلّا لك. فهى فى قصيدة الفرزدق التى يقول فيها:

وكنّا إذا القيسىّ نبّ عتودهضربناه فوق الأنثيين على الكرد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي أطلالا كحاشية البرد»

الأنثيين يريد الأذنين. والكرد: العنق.

وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال قال أبو عبيدة: مرّ ذو الرمة فاستوقفه أصحابه فوقف ينشدهم قصيدته التى يقول فيها:

أحين أعاذت بى تميم نساءهاوجرّدت تجريد اليمانى من الغمد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أتوعدني قيس ودون وعيدها»
ومدّت بضبعىّ الرّباب ودارموجاشت ورامت من ورائى بنو سعد

فقال له الفرزدق: إياك أن يسمعهما منك أحد؛ فأنا أحقّ بهما منك. فجعل ذو الرمة يقول: أنشدك الله فى شعرى. فقال: اغرب فأخذهما الفرزدق، فما يعرفان إلّا له، وكفّ ذو الرّمة عنهما.

أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قالا: كان الفرزدق مهيبا تخافه الشعراء؛ فمرّ يوما بالشمردل اليربوعى وهو ينشد قصيدة حتى بلغ إلى قوله:

وما بين من لم يعط سمعا وطاعةوبين تميم غير حزّ الحلاقم

فقال: والله لتتركنّ هذا البيت أو لتتركن عرضك. فقال: خذه على كره منى، لا بارك الله لك فيه؛ فجعله الفرزدق فى قصيدته التى أولها:

تحنّ بزوراء المدينة ناقتىحنين عجول تبتغى البوّ رائم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

حدثنى بعض أصحابنا، عن أحمد بن يحيى النحوى، عن محمد بن سلّام، قال:

بلغ الفرزدق قول ابن ميّادة:

لو ان جميع الناس كانوا بتلعةوجئت بجدّى ظالم وابن ظالم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
لظلّت رقاب الناس خاضعة لناسجودا على أقدامنا بالجماجم

فقال الفرزدق: وددت أنى سبقت إلى هذين البيتين قبل. قيل له: فكنت تقول ماذا؟ قال: كنت أقول:

فجئت بجدّى دارم وابن دارم

قال: ثم أدخلهما فى شعره.

قال أحمد بن أبى طاهر، قال حماد بن إسحاق بن إبراهيم: سمعت أبى يقول- عن أبى سهيل: إنّ قول الفرزدق فى رائيته التى يناقض فيها جريرا حين يقول:

كم من أب لى يا جرير كأنّهقمر المجرّة أو سراج نهار
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «كم من أب لي يا جرير كأنه»
لن تدركوا كرمى بلؤم أبيكموأوابدى بتنحّل الأشعار
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «كم من أب لي يا جرير كأنه»

إن هذين البيتين للراعى وإن الفرزدق انتحلهما؛ فصارا له.

حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزّبير بن بكار، قال: حدثنى أبو مسلمة موهوب بن رشيد الكلابى، قال: قدم الفرزدق المدينة، فمرّ بجماعة من الناس قد استكفّوا على جميل، وهو ينشد، فوقف بين الناس يستمع له حتى قال:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفناوإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ومنا الذي لا ينطق الناس عنده»

فصاح به الفرزدق: أنا أحقّ بهذا البيت منك؛ فرفع جميل رأسه فعرفه؛ فقال:

أنشدك الله يا أبا فراس. قال: نحن أولى به منك. وانصرف فانتحله.

وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: قال جميل من قصيدة:

وكنا إذا ما معشر أجحفوا بناومرّت جوارى طيرهم وتعيّفوا
وضعنا لهم صاع القصاص رهينةوسوف نوفّيها إذا الناس طفّفوا
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «ونحن منعنا يوم أول نساءنا»
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفناوإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ومنا الذي لا ينطق الناس عنده»

قال: فشدّ الفرزدق على هذا البيت، وقال: أنا أحقّ به منك. وقال: لا تعد فيه.

ولم يكثرثّ له.

روى أحمد بن أبى طاهر، عن حماد بن إسحاق، عن محمد بن سلام، عن كردين البصرى أنّ عريفهم عون بن ثعلبة علق بالفرزدق وقال: يا عدو الله، سرقتنا قول صاحبنا الأعلم العبدى:

إذا اغبرّ آفاق السماء وكشّفتستور بيوت الحىّ حمراء حرجف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لنا ما تمنينا من العيش ما دعا»
وهتّكت الأطناب كلّ ذفرّةلها تامك من عاتق النىّ أعرف
وجاء قريع الشّول قبل إفالهازفيفا وجاءت خلفه وهى زفّف
وباشر راعيها الصّلى بلبانهوكفّيه حرّ النار ما يتحرّف
وأخمدت الشّعرى مع الليل نارهاوأمست محولا جلدها يتوسّف
وأصبح موضوع الصّقيع كأنهعلى سروات النّيب قطن مندّف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وجاء قريع الشول قبل إفالها»
وقاتل كلب الحىّ عن نار أهلهليربض فيها والصّلى متكنّف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وجاء قريع الشول قبل إفالها»
وجدت الثّرى فينا إذا يبس الثّرىومن هو يرجو فضله المتضيّف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وجاء قريع الشول قبل إفالها»
ترى جارنا فينا يجير وإن جنىفلا هو ممّا ينطف الجار ينطف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وجاء قريع الشول قبل إفالها»

قال: وهذه الأبيات للأعلم كلّها، فأدخلها الفرزدق فى قصيدته:

عزفت بأعشاش [وما كدت تعزفوأنكرت من حوراء ما كنت تعرف]
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عزفت بأعشاش وما كدت تعزف»

مع ما سرق من جميل فيها. قال: فقال له الفرزدق: اذهب فخذها من الرّواة.

قال: فخلّى سبيله.

وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا أحمد بن محمد الأسدى، قال:

حدثنا ابن النطاح، قال أبو عبيدة: كان الفرزدق يجتلب القصيدة، ويجتلب المعنى؛ فجاء رجل من قيس إلى محمد بن رباط، فاستعدى على الفرزدق- وقد سلم الفرزدق ثم خرج- فقال محمد: ادعوا الفرزدق، فجاء؛ فقال الفرزدق: سل هذا فيم يستعدى علىّ. قال: غلبنى على قصيدة عمّى الأعلم. فقال: أشهدكم أنى قد رددتها. فقال محمد: نحوّهما.

حدثنى يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: إنما فعل الفرزدق بجميل وذوى الرمة وغيرهما هذا، لأنه لما مرّ به شعر جيد رأى نفسه أحقّ به من قائله؛ لفضله عليه فى الشعر، ولأنه من جنس جيّده لا ردىء قائله.

حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا أحمد بن محمد الأسدى، قال:

حدثنا محمد بن صالح بن النّطاح، قال: حدثنى أبو اليقظان، قال: مرّ رجل من بنى ربيع بن الحارث على الفرزدق وهو ينشد قصيدة له، وقد اجتمع الناس عليه، فمرّ فى أبيات كما هى للمخبّل قد سرقها، قال: فقلت: والله لئن ذهبت قبل أن أعلمه إنّ هذا لشديد، ولئن قلت له قدّام الناس ليفعلنّ بى. فقلت: أكلمه بشىء يفهمه هو، ولا يدرى الناس ما هو؛ فقلت: يا أبا فراس، قصيدتك هذه نثول. فقال: اذهب عليك لعنة الله، وفطن، ولم يفطن الناس.

ومعنى نثول: أن البئر إذا حفرت ثم كبست ثم حفرت ثانية قيل لها نثول. فيقول:

قصيدتك حييت بعد ما ماتت.

وروى هذا الحديث أحمد بن أبى طاهر، عن أبى العباس ثعلب، عن ابن الأعرابى: حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا المازنى، قال: حدثنا الأصمعى؛ وقال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول:

لقيت الفرزدق فى المربد، فقلت: يا أبا فراس، أحدثت شيئا؛ قال: فقال: خذ.

ثم أنشدنى:

كم دون ميّة من مستعمل قذفومن فلاة بها تستودع العيس

قال: فقلت: سبحان الله، هذا للمتلمّس. فقال: اكتمها فلضوالّ الشعر أحبّ إلىّ من ضوالّ الإبل.

حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال: حدثنى عبد الملك بن محمد البكرى، قال: حدثنى محمد بن عبد الله الهذلى، عن الجارود بن أبى سبرة، قال: مرّ بى الفرزدق وأنا على الباب جالس، فوقف علىّ، فقال لى: يا أبا نوفل؛ قد قلت بيتا وقد انغلق علىّ ما بعده. قال: قلت: ما هو؟ قال: قلت:

إنّ الذى سمك السماء بنى لنابيتا دعائمه أعزّ وأطول
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»

قد انغلق على ما بعده. قال: فقلت:

بيتا بناه لنا المليك وما بنىملك السماء فإنه لا ينقل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»

فقال: قد انفتح لى، وقال:

بيتا زاررة محتب بفنائهومجاشع وأبو الفوارس نهشل
لا يحتبى بفناء بيتك مثلهمأبدا إذا عدّ الفعال الأفضل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»

وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى محمد بن

النّضر، عن أبى عبيدة، عن سلمة بن عيّاش، قال: دخلت السجن فإذا الفرزدق محبوس، وإذا هو قد قال: إنّ الذى سمك السماء ... البيت، ثم أفحم. فقلت:

بيتا زرارة محتب بفنائهومجاشع وأبو الفوارس نهشل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»

فقال لى: من أنت؟ قلت: من قريش. قال: كل أير حمار من قريش.

قال أحمد بن أبى طاهر: قال النابغة الذبيانى:

وصهباء لا تخفى القذى وهى دونهتصفّق فى راووقها ثم تقطب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ومولى جفت عنه الموالي كأنما»
تمزّزتها والديك يدعو صباحهإذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا

فقال الفرزدق - وأخذه نسخا:

وإجّانة ريّا الشروب كأنّهاإذا صفّقت فيها الزجاجة كوكب
تمزّزتها والدّيك يدعو صباحهإذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا

أخبرنى محمد بن يحيى، قال: يقال إنّ جريرا ما انتصف من الفرزدق فى مجلس قطّ إلا عند الحجاج يوما: زعم ابن سلام، عن أبى الدهماء، قال: قال الحجاج للفرزدق وجرير- وبين يديه جارية: أيكما مدحنى ببيت فضل فيه فهذه الجارية له؛ فقال الفرزدق:

من يأمن الحجاج والطير تتّقىعقوبته- إلا ضعيف العزائم

وقال جرير:

من يأمن الحجاج أما عقابهفمرّ وأما عهده فوثيق

فقال الحجاج: «والطير تتّقى عقوبته» كلام لا خير فيه، لأنّ الطير تتقى كلّ شىء:

الثوب، والصبى، وغير ذلك؛ خذها يا جرير.

قال محمد: وهذا لعمرى كذا إلا أن جريرا أخذ ابتداء الفرزدق فقال فيه.

حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: كان من الشعراء من يتألّه فى جاهليته، ويتعفّف فى شعره، ولا يستبهر بالفواحش، ولا يتهكّم فى الهجاء- يقال: يتهكم ويتكهّم. قال الفضل: ويقال ليلة بهرة، إذا كان قمرها مضيئا- ومنهم من يتعهّر ولا يبقى على نفسه ولا يتستّر. منهم امرؤ القيس، قال:

ومثلك حبلى قد طرقت ومرضعفألهيتها عن ذى تمائم محول

وقال:

دخلت وقد ألقت لنوم ثيابهالدى السّتر إلا لبسة المتفضّل

وقال:

سموت إليها بعد ما نام أهلهاسموّ حباب الماء حالا على حال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

ومنهم الأعشى قال:

فظللت أرعاها وظلّ يحوطهاحتى دنوت إذا الظلام دنا لها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

وقال:

وأقررت عينى من الغانيات إما نكاحا وإما أزن

وقال:

وقد أخرج الكاعب المستراة من خدرها وأشيع القمارا

وقال

ورادعة بالطيب صفراء عندنابجسّ النّدامى فى يد الدرع مفتق

وقال:

وقد أخالس ربّ البيت غفلتهوقد يحاذر منّى ثمّ ما يئل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

وكان الفرزدق أقول أهل الإسلام فى هذا الفن، قال:

هما دلّتانى من ثمانين قامةكما انقضّ باز أقتم الريش كاسره
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فلم أر منزولا به بعد هجعة»
فلما استوت رجلاى فى الأرض نادتاأحيّا يرجّى أم قتيلا نحاذره
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فلم أر منزولا به بعد هجعة»
فقلت: ارفعو الأسباب لا يفطنوا بناوولّيت فى أعجاز ليل أبادره
وأصبحت فى القوم الجلوس وأصبحتمغلّقة دونى عليها دسا كره
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فلم أر منزولا به بعد هجعة»

قالها وهو بالمدينة، فأنكرت ذلك قريش، وأزعجه مروان بن الحكم وهو وال على المدينة فأجلّه ثلاثا ثم أخرجه عنها.

قال: وقال يونس: كان للفرزدق غلامان؛ أحدهما اسمه وقّاع والآخر زنقطة، ولوقّاع يقول الفرزدق:

تغلغل وقّاع إليها فأصبحتتخوض خداريّا من الليل أخضرا
لطيف إذا ما انغلّ أدرك ما ابتغىإذا هو للظّبى الغرير تقتّرا

وقال أيضا:

فأبلغهنّ وحى القول عنّىوأدخل رأسه تحت القرام
أسيّد ذو خريّطة نهارامن المتلقّطى قرد القمام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألستم عائجين بنا لعنا»
فقلن له: نواعدك الثّرياوذاك إليه مجتمع الزّحام
ثلاث واثنتان فهنّ خمسوسادسة تميل إلى الشّمام

الشمام: المشامّة.

فبتن بجانبىّ مصرّعاتوبتّ أفضّ أغلاق الختام

وكان جرير مع إفراطه فى الهجاء يعفّ عن ذكر النساء؛ كان لا يشبب إلا بامرأة يملكها.

أخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبّرد، قال: عيب على الفرزدق قوله:

يا أخت ناجية بن سامة إننىأخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا أخت ناجية بن سامة إنني»

وقالوا: ما للمتغزل وذكر الأولاد والاحتجاج بطلب الثارات؟ هلا قال كما قال جرير:

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

وكما روى عن ابن عباس فإنه- وإن كان فى باب الجدّ- أشكل بمذهب الغزل، وهو قوله:

هذا قتيل الحبّ لا عقل ولا قود

حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: قال العلاء بن حريز- وكان قد أدرك الناس وسمع- قال: كان يقال للأخطل: إذا لم يجئ سابقا سكيت؛ والفرزدق، لا يجىء سابقا ولا سكيتا؛ فهو بمنزلة المصلّى. وجرير يجىء سابقا وسكيتا ومصلّيا.

قال ابن سلام: وتأويل قوله أنّ للأخطل خمسا أو ستّا أو سبعا طوالا روائع غرّا جيادا، هو بهنّ سابق، وسائر شعره دون أشعارهما؛ فهو فيما بقى بمنزلة السّكيت.

والسكيت: آخر الخيل فى الرهان.

ويقال: إن الفرزدق دونه فى هذه الروائع، وفوقه فى بقية شعره؛ فهو مصلّ.

والمصلّى: الذى يجىء بعد السابق، وقبل السكيت.

وجرير له روائع هو بهنّ سابق، وأوساط هو بهن مصلّ، وسفسافات هو بهن سكيت.

قال ابن سلام: وأهل البادية والشعراء بشعر جرير أعجب.

قال: وسألت بشارا العقيلى عن الثلاثة، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصبت له، وأفرطت فيه. قلت: فجرير والفرزدق؟ قال: كان جرير يحسن ضروبا من الشعر لا يحسنها الفرزدق. وفضل جريرا عليه.

وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أبو يعلى عبيد الله بن عبد الله الكاتب، قال: سمعت محمد بن سلام يقول: قال: ابن دأب: سألت بشار بن برد الأعمى عن جرير والفرزدق والأخطل، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه. فقلت: وجرير والفرزدق؟ قال: كان لجرير ضروب من الشعر ما يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النّوار»

فناح عليها النساء بشعر جرير.

وحدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلّام، قال: سألت بشّارا العقيلى الأعمى فقلت: يا أبا معاذ، أىّ الثلاثة أشعر: جرير أو الفرزدق أو الأخطل؟ وكان عالما بصيرا، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه. قلت: فالفرزدق وجرير؟ قال: كان لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النوار امرأة الفرزدق فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير.

ووجدت بخط محمد بن القاسم بن مهرويه، حدثنى روح بن الفرج، قال حدثنا الأصمعى، قال: سألت بشار بن برد العقيلى؛ أىّ الشعراء أشعر فى الإسلام؟ قال:

جرير والفرزدق. قال: قلت: فما بالهم جعلوا الأخطل ثالثا؟ قال: تعصّبت له ربيعة، فقالت لمضر: ألحقوا لنا شاعرا، فألحقوه، وليس هناك. قال: قلت فأى الرجلين

أشعر: جرير أم الفرزدق؟ فقال: كانت لجرير ضروب من الشعر لم يكن للفرزدق فيها شىء، ولقد ماتت النوار امرأة الفرزدق فما ناحوا عليها إلا بشعر جرير حيث يقول:

تركتنى حين كفّ الدهر من بصرىوحين صرت كعظم الرّمّة البالى
إلّا تكن لك بالدّيرين نائحةفربّ باكية بالرمل معوال
قالوا نصيبك من أجر! فقلت لهمكيف العزاء وقد فارقت أشبالى

كذا وجدته.

قال ابن مهرويه: وحدثنى أحمد بن الحارث الخرّاز، عن أبى عبد الله بن الأعرابى، قال: سئل بشار المرعث: أىّ الثلاثة أشعر؛ الأخطل أم جرير أم الفرزدق؟ وذكر مثله.

حدثنى محمد بن عبد الواحد، قال: سمعت ثعلبا يقول- وسأله أبو سهل النّيبختى: ما تقول فى جرير والفرزدق؟ فقال- قال محمد بن سلام:

اجتمعنا جماعة فقوم تقلّدوا حذق الفرزدق، وقوم تقلّدوا حذق جرير. قال: فقلنا لبعضهم: اذهب فأخرج مقلّدات الفرزدق، وقلنا لآخر: اذهب فأخرج مقلّدات جرير: فجاء صاحب الفرزدق فأخرج معايب شعر الفرزدق، وجاء هذا فأخرج المقلدات، فكانت مقلّدات جرير أكثر من معايب الفرزدق.

وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: سمعت أحمد بن يحيى يقول: أنا أقول: جرير أشعر من الفرزدق. وكان محمد بن سلام يفضّل الفرزدق، قال فأخرج بيوتهما المقلدة، فلم يجد للفرزدق ما وجد لجرير، فجاء للفرزدق ببيوت النحو التى أخطأ فيها.

حدثنى على بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن إسحاق البغوى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قيل لمسلمة بن عبد الملك: أىّ الشاعرين أشعر أجرير أم الفرزدق ؟ قال: إن الفرزدق يبنى وجرير يهدم؛ وليس يقوم مع الخراب شىء.

وقد عيب على الفرزدق قوله:

وإنّ تميما كلّها غير سعدهازعانف لولا عزّ سعد لذلت

لأنه وضع من قومه وهجاهم بهذا القول.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من [ثانيا] : الشعراء الإسلاميون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.