تجاوز إلى المحتوى

من «الموشح» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)

٤- كثير بن عبد الرحمن

حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: تعلّق الناس على كثيّر بقوله:

فإنّ أمير المؤمنين هو الذىغزا كامنات الصّدر منى فنالها

وقوله:

ترى ابن أبى العاص وقد صفّ دونهثمانون ألفا قد توافت كمولها
يقلّب عينى حيّة بمحارةإذا أمكنته شدّة لا يقيلها

قال محمد: فقلت لابن أبى حفصة: من جودة مديحه هذا جعل دونه ثمانين ألفا! وجعله يقلّب عينى حيّة بمحارة، وجعل أمير المؤمنين غزا كامنات صدره؛ فقال: هذا النابغة قال لملك العرب:

احكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرتإلى حمام سراع وارد الثّمد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

فأمره أن يحكم بحكم فتاة.

قال: وقال كثيّر لعبد العزيز بن مروان:

وما زالت رقاك تسلّ ضغنىوتخرج من مكانها ضبابى
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «فَلَوْلا الله ثُمَّ نَدَى ابنِ لَيْلَى»
ويرقينى لك الراقون حتىأجابك حيّة تحت الحجاب

وحدثنى على بن هارون، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن سلام عن أبيه، قال: ذاكرت مروان بن أبى حفصة جريرا والفرزدق وكثيّرا فذهب إلى تقديم كثيّر فى المدح، وجعل يطريه، ويقول: هو أمدحهم للخلفاء؛ فقلت: أمن جودة مدحه قوله لعبد الملك:

تر ابن أبى العاص وقد صفّ دونهثمانين ألفا

وذكره والبيت الذى يليه- وهو الخليفة ودونه ثمانون ألفا، وجعله يقلب عينى حية، وقوله:

وإن أمير المؤمنين هو الذىغزا كامنات الصّدر منى فنالها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي إن أم الحكيم تحملت»

زعم أن أمير المؤمنين غزا كامنات صدره فنالها؛ وقوله لعبد العزيز بن مروان:

وما زالت رقاك تسل ضغنىوتخرج من مكامنها ضبابى
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «فَلَوْلا الله ثُمَّ نَدَى ابنِ لَيْلَى»
ويرقينى لك الراقون حتىأجابك حيّة تحت الحجاب

زعم أنّ عبد العزيز ترضّاه، واحتال له، ورقاه حتى أجابه؛ أهكذا يمدح الملوك! فقال: أنتم وأهل الكوفة تعيبونه بهذا.

حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزّبير بن بكار، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر أنّ عبد الملك بن مروان غضب من قول كثير لعبد العزيز بن مروان:

فما زالت رقاك تسلّ ضغنى

وذكر البيتين. فبلغ ذلك كثيرا، [فقال]: لله علىّ أن أقول مثلها فيه، وقال:

وإنّ أمير المؤمنين هو الذىغزا كامنات النّصح منى فنالها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي إن أم الحكيم تحملت»

فأشاح له عليها؛ أى أعرض له عن ذلك.

وحدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: قال محمد بن على لكثيّر: تزعم أنك من شيعتنا، وتمدح آل مروان؟ قال: إنما أسخر منهم، وأجعلهم حيات وعقارب، وآخذ أموالهم. وقد كان عتب على عبد العزيز بن مروان، فنفر عنه بعض النفور، فقال:

وكنت عتبت معتبة فلجّتبى الغلواء عن سنن العتاب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «فَلَوْلا الله ثُمَّ نَدَى ابنِ لَيْلَى»
فما زالت رقاك تسلّ ضغنىوذكرهما

فقال عبد الملك لعبد العزيز: ما مدحك، إنما جعلك راقيا للحيّات. فذكر ذلك عبد العزيز لكثيّر؛ فقال: قد فعلها! أما والله لأجعلنّه حيّة ثم لا ينكر ذلك. وقال لعبد الملك:

يقلّب عينى حيّة بمحارةأضاف إليها الساريات سبيلها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أهاجك ليلى إذ أجد رحيلها»

ويروى:

أضاف إليها السّيل وعرا سبيلها

يصدّ ويغضى وهو ليث خفيّةإذا أمكنته عدوة لا يقيلها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أهاجك ليلى إذ أجد رحيلها»

فأعطاه عبد الملك وأحسن إليه.

أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال إسحاق الموصلى: ذكروا أنّ محمد بن على قال: ويحك يا كثيّر، أنت من شيعتنا.. وذكر مثله إلى آخره.

حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، عن محمد بن سلام، عن أبان بن عثمان البجلى، قال: دخل كثير على عبد الملك فأنشده. وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب. قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن محمد بن سلام، قال: قال يونس: أنشد كثيّر عبد الملك مدحته التى يقول فيها:

على ابن أبى العاصى دلاص حصينةأجاد المسدّى سردها وأذالها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليليّ إنْ أمُّ الحكيم تحمَّلتْ»
يؤود القوم حمل قتيرهاويستضلع القوم الأشمّ احتمالها

فقال له عبد الملك: قول الأعشى لقيس بن معدى كرب أحبّ إلىّ من قولك إذ تقول.

وقال ابن أبى خيثمة فى حديثه: ألا قلت كما قال الأعشى:

وإذا تجىء كتيبة ملمومةخرساء يخشى الذائدون نهالها
كنت المقدّم غير لابس جنّةبالسّيف تضرب معلما أبطالها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

فقال: يا أمير المؤمنين، وصف الأعشى صاحبه بالطيش والخرق والتغرير، ووصفتك بالحزم والعزم. فأرضاه.

قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: رأيت أهل العلم بالشعر يفضّلون قول الأعشى فى هذا المعنى على قول كثير؛ لأن المبالغة أحسن عندهم من الاقتصار على الأمر الأوسط، والأعشى بالغ فى وصف الشجاعة حتى جعل الشجاع شديد الإقدام بغير

جنّة، على أنه وإن كان لبس الجنّة أولى بالحزم وأحقّ بالصواب، ففى وصف الأعشى دليل قوىّ على شدة شجاعة صاحبه؛ لأن الصواب له، ولا لغيره إلا لبس الجنّة.

وقول كثيّر يقصر عن الوصف.

حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزّبير بن بكار، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة، وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال:

حدثنا مصعب بن عبد الله، عن أبيه، قالا: دخل كثّير على عبد العزيز بن مروان فأنشده شعرا، فقال له بعض جلسائه: لحنت. قال: فى أى شىء؟ قال: فى قولك:

لا أنزر النائل الخليل إذاما اعتلّ نزر الظّؤر لم ترم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «كأن فاها لمن توسنها»

وإنما هو ترأم.

فقال له: اسكت. هكذا كلام قوى.

أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، قال: إنما كثّير صاحب كربج- يعنى الحانوت بالفارسية- يبيع الخبط والقطران.

حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزّبير بن بكار، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى عن الزّبير، قال:

حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أنّ عبد الملك بن مروان قال: لو قال كثّير بيته:

فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبةإذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»

فى حرب لكان أشعر الناس. ولو أنّ القطامى قال بيته الذى وصف فيه مشية الإبل قوله:

يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلةولا الصدور على الأعجاز تتّكل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

فى النساء لكان أشعر الناس.

وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، عن العتبى، قال:

قال عبد الملك بن مروان: ثلاثة أبيات لو قيلت فى غير ما قيلت فيه لكان أرفع لقدرها، منها قول كثّير:

فقلت لها يا عزّ كل مصيبة

البيت لو كان فى تقوى وزهد لكان أشعر الناس.

ومنها قوله فى غيره:

أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومةلدينا ولا مقليّة إن تقلّت
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «تمنيتها حتى إذا ما رإتها»

لو كان هذا فى وصف الدنيا لكان أجود.

ومنها قول القطامى يصف الإبل: يمشين رهواالبيت- لو كان فى صفة النساء كان أبلغ وأحسن

وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: سمعت الناس يستحسنون من قول كثير ويقدمونه فيه:

أريد لأنسى ذكرها فكأنماتمثّل لى ليلى بكلّ سبيل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألا حييا ليلى أجد رحيلي»

قال: وسمعت من يطعن عليه فيه، ويقول: ما له يريد أن ينسى ذكرها؟

وحدثنا أحمد بن سليمان الطّوسى، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنى خالد بن وضاح مولى ابن الأشقر، عن عبد الأعلى بن عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحى، قال: كنت فى موكب المهدى يوما وهو يسير بين أبى عبيد الله وعمر بن بزيع، وأنا وراءه. فقال لهما: ما أنسب بيت قالته العرب؟ فقال أبو عبيد الله قول امرىء القيس:

وما ذرفت عيناك إلا لتضربىبسهميك فى أعشار قلب مقتّل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فقال المهدى: ليس هذا بشىء، هذا أعرابى جلف قحّ. فقال عمر بن بزيع: قول كثير:

أريد لأنسى ذكرها فكأنماتمثّل لى ليلى بكلّ سبيل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألا حييا ليلى أجد رحيلي»

فقال: ولا هذا بشىء، ولم يريد أن ينسى ذكرها حتى تمثّل له؟ وذكر باقى الحديث.

حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن مسلم بن جندب، قال: سمعت أبى يقول: أنشدنى كثيّر قصيدته التى يقول فيها:

وهم أحلى إذا ما لم نترهمعلى الأحناك من رطب ابن طاب

قال: فقلت له: أفلا قلت من عسل اللّصاب ! قال: فعسل اللصاب والله.

حدثنا محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير، قال:

كتب إلىّ إسحاق بن إبراهيم يقول: حدّثنى سليمان بن عباية، قال: بلغنى أنّ كثّيرا قال:

والله إنى لأروى لجميل ثلاثين قصيدة لا يعرفها الناس ولا يرويها أحد غيرى.

قال الزبير: وحدثنى محمد بن حسن، قال: ذكر كثّير جميلا، فقال: أمتّ له ألف قافية- يقول: سرقتها فغلبت عليها.

حدثنى أحمد بن إبراهيم البزّاز، وأحمد بن محمد الجوهرى؛ قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل العدوى، قال: حدثنا عيينة بن المنهال المهلبى، قال:

حدثنا أبو عمرو المدينى؛ قال: أنشد كثير عزّة عبد الملك بن مروان قوله:

فما رجعوها عنوة عن مودّةولكن بحدّ المشرفىّ استقالها

فقال للأخطل: كيف تسمع! قال: هجاك يا أمير المؤمنين. قال: بل حسدته. فقال الأخطل: ما قلت لك يا أمير المؤمنين أحسن من هذا حيث أقول:

أهلوا من الشهر الحرام فأصبحواموالى ملك لا طريف ولا غصب
للشاعر الأخطل، من قصيدة «لعمري لقد أسريت لا ليل عاجز»

فجعلته لك حقّا وجعلك اغتصبته.

حدثنى أبو عبد الله الحكيمى؛ قال: حدثنى أبو يعلى عبيد الله بن عبد الله الكاتب، عن عمر بن شبّة، قال: دخلت يوما عزّة على كثّير متنكرة فقالت: أنشدنى أشدّ بيت قلته فى حب عزّة. قال: قلت لها:

وجدت بها وجد المضلّ قلوصهبمكة والرّكبان غاد ورائح

قالت: لم تصنع شيئا، قد يجد هذا ناقة يركبها. فأطرق، ثم قال:

وجدت بها ما لم يجد ذو حرارةيمارس جمّات الركىّ النوازح

فقالت له: لم تصنع شيئا، يجد هذا من يسقيه. فأطرق. ثم قال:

وجدت بها ما لم تجد أمّ واحدبواحدها تطوى عليه الصفائح
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وجدت بها وجد المضل بعيره»

فضحكت، ثم قالت: إن كان ولا بدّ فهذا.

حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات، قال:

أخبرنا الزّبير بن بكار، عن سعيد بن عمرو الزّبيرى، عن إبراهيم بن أبى عبد الله، قال:

أنشد كثّير ابن أبى عتيق:

ولست براض من خليل بنائلقليل ولا راض له بقليل

فقال ابن أبى عتيق: هذا كلام مكافئ وليس بعاشق؛ القرشيّان أصدق منك وأقنع:

ابن أبى ربيعة، وابن قيس الرّقيات، قال عمر:

فعدى نائلا وإن لم تنيلىإنما ينفع المحبّ الرجاء
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «صرمتْ حبلكَ البغومُ، وصدتْ»

وقال عمر:

ليت حظّى كطرفة العين منهاوكثير منها قليل مهنّا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «من لقلب أمسى حزينا معنى»

وقال ابن قيس:

ر قىّ بعمركم لا تهجريناومنيّنا المنى ثم امطلينا
عدينا فى غد ماشئت إنّانحبّ ولو مطلت الواعدينا
فإمّا تنجزى عدتى وإمّانعيش بما نؤمّل منك حينا
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

أخبرنى على بن يحيى، عن محمد بن زكريا الغلابى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن هشام بن سليمان، عن السائب بن ذكوان- وكان راوية كثّير- قال: قال لى كثير عزة يوما: اذهب بنا إلى ابن أبى عتيق نتحدّث عنده، فذهبنا إليه فاستنشده ابن أبى عتيق فأنشده:

أبائنة سعدى نعم ستبين

حتى بلغ قوله:

وأخلفن ميعادى وخنّ أمانتىوليس لمن خان الأمانة دين

فقال ابن أبى عتيق: يابن أبى جمعة، وعلى الديانة تبعتها؟ فأنشده:

كذبن صفاء الودّ يوم محلّهوأدركنى من عهدهنّ رهون

فقال ابن أبى عتيق: يابن أبى جمعة، فذاك والله أصلح لهنّ، وأدعى للقلوب إليهن، كان عبيد الله بن قيس الرقيات أعلم بهنّ منك، وأوضع للصواب مواضعه فيهن حيث يقول:

حبّ هذا الدّلّ والغنجوالتى فى طرفها دعج
والتى إن حدّثت كذبتوالتى فى وعدها خلج
وترى فى البيت صورتهامثل ما فى البيعة السّرج
خبرونى هل على رجلعاشق فى قبلة حرج

قال: فسكن كثير، وقال: لا، إن شاء الله تعالى. قال: فضحك ابن أبى عتيق حتى كاد يغشى عليه.

أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حكى الزبيريون أن مدينية عرضت لكثيّر فقالت: أأنت القائل. وأخبرنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: قالت امرأة لكثير: أنت القائل:

فما روضة بالحزن طيّبة الثرىيمجّ النّدى جثجاثها وعرارها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وإنّي لأَسْمُو بالوِصَالِ إلى التي»
بأطيب من أردان عزّة موهناإذا أوقدت بالمندل الرطب نارها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وإني لأسمو بالوصال إلى التي»

قال: نعم. قالت: فض الله فاك، أرأيت لو أن ميمونة الزنجية بخّرت بمندل رطب أما كانت تطيب؟ ألا قلت كما قال سيدك امرؤ القيس:

ألم تر أنى كلما جئت طارقاوجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة

قال المبرد: الجثجاث: ريحانة طيبة الريح برّية، والعرار: البهار البرىّ، وهو حسن الصّفرة طيّب الريح، والمندل: العود، وقوله: موهنا، يقول بعد هدء من الليل.

وحدثنى محمد بن قريش، قال: حدثنا الحارث بن أبى أسامة، عن المدائنى، قال: لقيت امرأة كثيرا فى بعض طرق المدينة؛ وأخبرنى عبد الله بن مالك النحوى، قال: أخبرنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن أبيه، عن أبى المقوّم الأنصارى، عن السائب راوية كثّير، قال: لقيت امرأة كثّيرا فى بعض الطريق، فقالت: أنت كثيّر؟

قال: نعم. قالت: والله لقد رأيتك فما أخذتك عينى. قال: وأنا والله لقد رأيتك فما قذيت عينى. قالت: والله لقد سفل الله بك، إذ كنت لا تعرف إلّا بامرأة. قال:

والله ما سفل الله بى، ولكن رفع بها ذكرى، واستنار بها أمرى، واستحكم بها شعرى، فهى كما قلت:

وإنى لا سمو بالوصال إلى التىيكون سناء ذكرها وازديارها
إذا خفيت كانت لعينك قّرةوإن تبد يوما لم يعمّمك عارها

قالت: مر فى قصيدتك، فقال:

وما روضة بالحزن طيّبة الثّرىيمجّ الندى جثجاثها وعرارها
لها أرج بعد الهدوء كأنماتلاقت به عطّارة وتجارها
بأطيب من أردان عزّة موهناوقد أوقدت بالمجمر الّلدن نارها

فقالت: فضّ الله فاك، والله لو فعل هذا بزنجية لطاب ريحها، ولامرؤ القيس ابن حجر كان أحسن وصفا لصاحبته منك حيث يقول:

خليلىّ مرّا بى على أم جندبلنقضى لبانات الفؤاد المعذّب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»
ألم تر أنى كلما جئت طارقاوجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة

وحدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: حدثنا عبيد الله بن إسحاق بن سلام، عن رجاله، قال: مدح كثّير بعض ملوك بنى مروان، فخرج ومعه الجائزة وعليه الخلع فتلقّته سوداء، فقالت له: أأنت كثير عزّة؟ قال: نعم. قالت: تبّا لك! أتعرّف بامرأة؟ قال: وما يضيرنى من ذاك؟ فو الله لقد رفع الله بها ذكرى، ونشر فيها شعرى، وأغزر بحرى. قالت: أفلست القائل: فما روضة بالحزن وذكرت الأبيات الثلاثة. ثم قالت: لو أوقدت بالمجمر اللدن نار زنجية لطاب ريحها؛ هلا قلت كما قال سيدك امرؤ القيس:

خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب وذكر البيتين.

فانصرف كثير، وهو يقول:

الحقّ أبلج لا يخيل سبيلهوالحقّ يعرفه ذوو الأحلام

وحدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، عن سليمان بن أبى شيخ، عن عوانة بن الحكم؛ وذكر مقتل أمير المؤمنين على بن أبى طالب صلوات الله عليه، وأمر قطام وعبد الرحمن بن ملجم، وتزويجها إياه ليقتل أمير المؤمنين عليّا ﵇، فبلغ كثّيرا ذلك، فقال: لآتينّها. فأتاها، فقالت قطام لكثير: تسمع بالمعيدى خير من أن تراه. فقال كثير:

رأت رجلا أودى السّقام بجسمهفلم يبق إلا منطق وجناجن
فإن أك معروق العظام فإننىإذا ما وزنت القوم بالقوم وازن
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أهاجك مغنى دمنة ومساكن»
وإنى لما استودعتنى من أمانةإذا ضيّع الأسرار يا عزّ دافن

قالت: الحمد لله الذى قصّر بك فصرت لا تعرف إلا بعزّة، قال: والله ما قصر الله بى، فقد سار بها شعرى، وطار بها ذكرى، وقرب بها مجلسى، وطابت نفسى، وإنها كما قلت ووصفت. قالت: فكيف قلت؟ قال: قلت:

وإنا سمونا بالوصال إلى التىوذكر البيتين

فقالت له: مرّ فى قصيدتك. فقال:

من الخفرات البيض لم تر غلظةوفى الحسب الضّخم الرّفيع نجارها

وما روضة بالحزن طيبة الثرى.. وذكره والبيت الذى بعده.

قالت: فالله ما رأيت شاعرا قطّ أقلّ عقلا ولا أضعف وصفا منك، والله لو فعل هذا بزنجية لطاب ريحها؛ لامرؤ القيس أشعر منك وأوصف حيث يقول:

ألم تر أنى كلما جئت طارقا

البيت.

فقام كثير وهو يقول:

الحقّ أبلج ما يخيل سبيلهوالحقّ يعرفه ذوو الألباب

حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنى محمد بن يحيى، عن محمد بن الربيع بن أبى جهمة الجندعى أنّ أباه مرّ على كثير بالروحاء وهو ينشد:

وكنت كذى رجلين رجل صحيحةورجل رمى فيها الزمان فشلت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»

فقال له: ويحك يابن أبى جمعة، منذ متى قيل هذا الشعر؟ قال: منذ زمان طويل.

قال: فهذا يقوله صاحبنا أميّة بن الأسكر. قال: هو ذاك يابن أبى جهمة، أنا أحظى به منه.

حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، قال: كتب إلىّ إسحاق بن إبراهيم يقول: حدثنى الأصمعى، عن عبد الرحمن بن أبى الزّناد، قال: مر أعرابى بكثير وهو ينشد:

أودّ لكم خيرا وتطّرحوننىأسعد بن ليث لاختلاف الصنائع

ويروى: وتتهموننى أكعب بن عمرو فنادى: عباد الله؛ هذا والله شعرى قلته. فقال كثير: إن يكن لك فما نفعك، وإلّا يكن لك فهو أبعد لك منه.

حدثنى محمد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن الزبير بن بكار،

قال: حدثنى من له علم وثبت من قريش، فيهم عمى مصعب بن عبد الله، عن جدى عبد الله بن مصعب أنّ قول جميل:

أفق قد أفاق العاشقون وفارقواالهوى واستمرّت بالرجال المرائر
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفا رابغ من أهله فالظواهر»
وهبها كشىء لم يكن أو كنازحبه الدار أو من غيّبته المقابر
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفا رابغ من أهله فالظواهر»

وهما فى قصيدته التى يقول فيها:

أألحقّ إن دار الرّباب تباعدتأو إن شطّ ولى أنّ قلبك طائر
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا»

قال الزبير: فأغار كثّير على البيتين، فأدخلهما فى قصيدته التى أولها:

عفا واسط من أهله والظواهر

قال الزبير: وحدثنى أبو سلمة موهوب بن رشيد الكلابى أنه سمع الضحاك بن عثمان الحزامى يقول: من أغزل أبيات قالتها العرب أبيات حسان بن يسار التغلبى حين يقول:

أجدّك إن دار الرّباب تباعدتأو انبت حبل أنّ قلبك طائر
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفا رابغ من أهله فالظواهر»
أمت ذكرها واجعل قديم وصالهاوعشرتها كبعض من لا تعاشر
وهبها كشىء قد مضى أو كنازحبه الدار أو من غيبته المقابر
فقد ضلّ إلا أن تقضّى حاجةببرق جفير دمعك المتبادر
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا»

قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: تحامل الزبير بن بكار على كثير- فيما جمعه من أخباره، وبيّن عليه من سرقاته- ظاهر، وهو خصم لا يقبل قوله على كثيّر لهجاء كثير لولد عبد الله بن الزبير وانحراف الزبير عن أهل البيت ﵈.

حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن الزبير، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة وغيره- أن سكينة بنت الحسين قالت لكثّير حين أنشدها قصيدته التى أولها:

أشاقك برق آخر الليل واصب تضمّنه فرش الجبا فالمسارب

تألّق واحمومى وخيّم بالرّبىأحمّ الذّرى ذو هيدب متراكب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أشاقك برق آخر الليل واصب»
إذا زعزعته الريح أرزم جانببلا خلف منه وأومض جانب
وهبت لسعدى ماءه ونباتهكما كلّ ذى ودّ لمن ودّ واهب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أشاقك برق آخر الليل واصب»
لتروى به سعدى ويروى صديقهاويغدق أعداد لها ومشارب

أتهب لها غيثا عاما جعلك الله والناس فيه أسوة؟ فقال: يا بنت رسول الله ﷺ، وصفت غيثا فأحسنته وأمطرته وأنبتّه وأكملته؛ ثم وهبته لها. فقالت: فهلا وهبت لها دنانير ودراهم! قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى: من الأبيات التى زادت قريحة قائليها على عقولهم قول كثّير:

فإن أمير المؤمنين برفقهغزا كامنات الودّ منى فنالها

وقوله أيضا- يخاطب عبد العزيز بن مروان:

ما برحت رقاك تسلّ ضغنىوتخرج من مكامنها ضبابى
ويرقينى لك الرّاقون حتىأجابك حية تحت الحجاب

وقوله:

ألا ليتنا يا عزّ كنّا لذى غنىبعيرين نرعى فى الخلاء ونعزب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفا السَّفحُ من أمِّ الوليدِ فكبكبُ»
نكون لذى مال كثير مغفّلفلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردنا منهلا هاج أهلهإلينا فلا ننفكّ نرمى ونضرب

فقالت عزة: أردت بى الشقاء الطويل، ومن المنية ما هو أوطأ من هذه الحال.

قال: ولجنادة بن نجبة وهو أقبح من قول كثير:

من حبّها أتمنى أن يلاقينىمن نحو بلدتها ناع فينعاها
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «من حبها أتمنى أن يلاقيني»
لكى أقول فراق لالقاء لهأو تضمر النفس يأسا ثم تسلاها

أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: أنشد بشار بيت كثّير:

ألا إنما ليلى عصا خيزرانةإذا غمزوها بالأكفّ تلين
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا يا حمامات الحمى عدن عودة»

قال: فضحك وقال: لله أبو صخر! جعلها عصا ثم يعتذر لها، والله لو جعلها عصا أو عصا مخّ أو عصا زبد لكان قد أساء. ألا قال كما قلت:

وبيضاء المدامع من معدّكأنّ حديثها قطع الجنان
إذا قامت لسبحتها تثنّتكأنّ عظامها من خيزران

قال: والخيزرانة كلّ غصن ليّن يتثنى. ويقال للمردىّ خيزرانة إذا كان يتثنى إذا اعتمد عليه.

وأخبرنا محمد بن العباس، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، قال:

أنشد رجل بشارا وأنا حاضر قول الشاعر:

وقد جعل الأعداء ينتقصونناوتطمع فينا ألسن وعيون
إلا إنما ليلى عصا خيزرانةإذا غمزوها بالأكفّ تلين
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا يا حمامات الحمى عدن عودة»

قال: فقال بشار: والله لو جعلها عصا مخّ أو عصا زبد لما كان إلا مخطئا مع ذكر العصا، ألا قال كما قلت:

وبيضاء المحاجر من معدّكأن حديثها ثمر الجنان
إذا قامت لصحبتها تثنّتكأنّ عظامها من خيزران
ينسيك المنى نظر إليهاويصرف وجهها وجه الزمان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ودعجاء المحاجر من معد»

حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، قال: أنشدت امرأة من قريش قول كثير:

أإن زمّ أجمال وفارق جيرةوصاح غراب البين أنت حزين
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أبائنة سعدى نعم ستبين»

قالت: إذا لم يكن الحزن عند فراق الجيرة وحنين الإبل فأين يكون؟

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من [ثانيا] : الشعراء الإسلاميون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.