تجاوز إلى المحتوى

من «الموشح» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)

٢- جرير بن الخطفى

أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا أحمد بن بشر المرثدى، عن أبى سهيل عبد الله بن ياسين، عن أبى عبيدة، قال: كان عامر بن عبد الملك بن مسمع بن مالك بن مسمع وأخوه مسمع- ويلقب كردين- يقدّم الفرزدق ويفضّله، وكان عامر يقدم جريرا ويحتجّ على الفرزدق بما عقّد فيه من شعره، نحو قوله:

فلولا أنّ أمّك كان عمّىأباها كنت أخرس بالنشيد

ومثل قوله:

وما مثله فى الناس إلّا مملّكاأبو أمه حىّ أبوه يقاربه

وأشباه ذلك. فقال كردين: أنت يا أخى لا تعقل، سقط الفرزدق شىء يمتحن الرجال فيه عقولها حتى يستخرجوه، وسقط جرير عىّ، نحو قوله:

والتغلبى جنازة الشيطان

وقوله:

فى كل قائمة له ظلفان

وقوله:

ومن المشاقة عندها أكرار

كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى العلاء بن الفضل بن أبى سويّة، قال: قال لى أبو الوليد الرّياحى: يا أبا الهذيل، أيّما أشعر أجرير أم الفرزدق؟ قلت: ذاك إليك. قال: يقول الفرزدق:

ما حملت ناقة من معشر رجلامثلى إذا الريح لفتنى على الكور
إلّا قريشا فإنّ الله فضّلهامع النبوة بالإسلام والخير
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فأنت إذ لم تكن إياه صاحبه»

ويقول جرير:

لا تحسبنّ مراس الحرب إذ لقحتشرب الكشيش وأكل الخبز بالصّير

سلح والله أبو حزرة، سلح والله أبو حزرة. وكان أبو البيداء عالما.

حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أحمد بن خلّاد، قال: حدثنى أبى، قال: قلت لعمارة بن عقيل: ما تقول فى شعر أبيك جرير؟ قال: والله إنى لأربأ عن بعضه، ولكن فيه الكثير الذى لا يلحقه فيه أحد.

أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، قال: سمعت سلم بن خالد بن معاوية بن أبى عمرو بن العلاء يقول:

عمارة بن عقيل أحسن استواء شعر من جدّه جرير؛ ولجرير فضله، إلا أن جريرا أعتدّ عليه بسقط فى شعره وضعف، وما أصابوا لعمارة سقطة واحدة فى شعره.

حدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريان؛ قالا: حدثنا العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل اليزيدى، قال: أخبرنى الأثرم، قال أخبرنى أبو عبيدة، قال: مما يعدّ على جرير من أفن شعره قوله لبشر بن مروان:

قد كان حقّك أن تقول لبارقيا آل بارق فيم سبّ جرير
للشاعر جرير، من قصيدة «يا صاحبي هل الصباح منير»

فجعل بشر بن مروان رسولا. فقال بشر: أما وجد ابن المراغة- وقال بعضهم ابن اللّخناء- رسولا غيرى؟

قال: وقوم يعيبون عليه أيضا قوله فى محمد بن عمير بن عطارد:

ألقوا السلاح إلىّ آل عطاردوتعاظموا ضرطا على الدّكان
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار ببرقة الروحان»

ويقولون: يأمرهم أن يضرطوا ثم يعيبهم، وإنما نعى عليهم ضرطة كان ضرطها فى الملإ.

قال أبو عبيدة: قال رؤبة: وأنشده يونس بيت جرير:

إنى إذا الشاعر المغرور حرّبنىجار لقبر على مرّان مرموس
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الهدملة من ذات المواعيس»

فقال رؤبة: كذب والله، ما تميم بمرّان؛ إنما هو بذات عرق، وقبر معدّ بمران.

وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: مما يعدّ على جرير أفنا قوله لبشر:

قد كان حقك أن تقول لبارق ...

البيت.

وليس كذا يخاطب الأمراء.

فلما سمع هذا بشر قال: قبح الله ابن المراغة! أما وجد رسولا غيرى؛ وأىّ شىء يستحقّ منى أن أقول هذا لبارق؟

قال: ولجرير شبيه بهذا إلا أنه لا عيب عليه فيه؛ حيث قال:

هذا ابن عمى فى دمشق خليفةلو شئت ساقكم إلىّ قطينا

فقال يزيد بن عبد الملك أو بعض إخوته: أما ترون جهل جرير؛ يقول لى: ابن

عمى، ثم يقول: لو شئت ساقكم، أما لو قال: لو شاء ساقكم لأصاب، ولعلّى كنت أفعل.

قال: وقال أبو عبيدة: ومما يعدّ على جرير قوله:

أتوعدنى وراء بنى رياحكذبت لتقصرنّ يداك دونى
للشاعر جرير، من قصيدة «عرين من عرينة ليس منا»

فقال له بنو كليب: ما هجانا أحد قط أشدّ مما هجوتنا به حين استوى لك أن تقول وراء بنى كليب، فرغبت عن آبائك إلى أعمامك.

أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنى عمارة بن عقيل، قال: لما بلغ الوليد قول جرير:

هذا ابن عمى فى دمشق خليفةلو شئت ساقكم إلىّ قطينا

قال الوليد: أما والله لو قال: لو شاء ساقكم لفعلت ذلك؛ ولكنه قال: لو شئت؛ فجعلنى شرطيّا له.

أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، قال: حدثنا محمد سلام، قال: قال سلم بن قتيبة: يا بنىّ ارووا ما هجانا به الفرزدق، ولا ترووا ما مدحنا به جرير. يريد قول الفرزدق:

أتاك ورحلى بالمدينة وقعةلآل تميم أقعدت كلّ قائم

وقول جرير:

أباهل ما أحببت قتل ابن مسلمولا أن تروعوا قومكم بالمظالم
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»
أباهل قد أوفيتم من دمائكمغداة قتلتم رهط قيس بن عاصم

أخبرنى محمد بن يحيى، قال: كان بعض المجانين يتعصّب للفرزدق، فقال له إنسان مرة: أتعيب جريرا؟ ما أحسن ما قال صاحبك فى المدح:

وما مثله فى الناس إلا مملّكاأبو أمه حىّ أبوه يقاربه

فقال: هذا أحسن من قول صاحبك- يعنى جريرا فى الغزل:

لو أن عصم عمايتين ويذبلسمعا حديثك نزّلا الأوعالا
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

قال إسماعيل بن محمد الصفّار: كان أبو العباس المبرد يفضّل الفرزدق على جرير ويقول: الفرزدق يجىء بالبيت وأخيه، وجرير يأتى بالبيت وابن عمه.

حدثنى عبد الله بن هارون الشّيرازى، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: قال لى مروان بن أبى حفصة: كان جرير إذا أخذ الناس غلبهم، وإذا أخذ الفرزدق جريرا غلبه الفرزدق؛ ومن نظر فى النقائض تبيّن له ذلك، وعلم أن جريرا لم يقم فيها للفرزدق.

وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: روى عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى أنّ مروان بن أبى حفصة قال: من نظر فى نقائض جرير والفرزدق علم أنّ جريرا لم يقم للفرزدق.

قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وصدق مروان فى هذا القول؛ والأمر فيه ظاهر غير مستتر.

أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أحمد بن بشر المرثدى، وأخبرنى الصّولى؛ قالا: قال أبو سهيل عبد الله بن ياسين: سألت أبا عبيدة عن جرير والفرزدق: أيهما أشعر؟ فقال: ويحك، هل قال جرير للفرزدق إلا فى ثلاثة أنواع: الزّبير، وجعثن والقين؛ وللفرزدق فيه مائة نوع.

أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى، عن إبراهيم بن عمر؛ ودماذ، عن أبى عبيدة، قال: سمعت أبا الخطاب الأخفش يقول- وكان أعلم الناس بالشعر، وأنقدهم له، وأحسن الرواة دينا وثقة: لم يهج جرير الفرزدق إلا بثلاثة أشياء يكرّرها فى شعره، كلها كذب، منها جعثن، والزّبير، والقين.

فأما جعثن فكانت من خير نساء زمانها؛ احتال بنو منقر فأقعدوا إنسانا فى طريقها، وقد خرجت لبعض أمرها- فرمى بها فوقعت ومضى يعدو- ليزيلوا عن أنفسهم شيئا زعموا أنّ الفرزدق فعله بهم.

وأما الزّبير فإنه وقف على مسجد بنى مجاشع، فسأل عن عياض بن حمار بن أبى حمار، فقال النّعر بن زمّام المجاشعى: هو بوادى السباع، فمضى الزبير يريده، وخرج النّعر بن زمّام مع الزبير رحمه الله تعالى حتى بلغ النحيت ثم رجع.

وخبر القين أنّ رجلا استعان بالفرزدق، فسأله أن يمشى معه إلى موالى بنى سعد فى حاجة، فقال الفرزدق للمستعين به: إن عمتى كان لها قين، فلما هجانى جرير جعلنى قينا بذلك السبب، وإنّ الرجل الذى تستعين بى عليه صاحب سماد، ولئن بلغ جريرا أنى مشيت معك ليجعلنى فى شعره كسّاحا. فلم يمش معه. فهذه قصة القين.

قال أبو الخطاب: فلم يهجه إلا من ثلاث جهات كاذبات، فردد ذلك وكرره فى شعره، فمن ذلك قوله.

تحضّض يا بن القين قيسا ليجعلوالقومك يوما مثل يوم الأراقم

وكقوله:

أمنتظر منى القريد هديّةفسوف ترى منى القيون الذى أهدى

وأشباه هذا من قوله كثير، كلّه من هذا النحو، لا يخرج عنه ولا يحسن فيه، ثم كرّر ذكر الزبير فقال:

وقيس يا فرزدق لو أجاروابنى العوّام ما افتضح الجوار
للشاعر جرير، من قصيدة «أتذكرهم وحاجتك ادكار»
إذا لحمى فوارس غير ميلإذا ما امتدّ فى الرّهج الغبار
للشاعر جرير، من قصيدة «أتذكرهم وحاجتك ادكار»
غدرتم بالزبير وما وفيتمفدادن فى الحروب لها خوار

وكرر أمر الزبير والقين، فقال:

لو كنت حرّا يابن قين مجاشعشيّعت ضيفك فرسخين وميلا
قتل الزبير وأنتم جيرانهتبّا لمن قتل الزّبير طويلا
قالت قريش ما أذلّ مجاشعاجارا وأكرم ذا القتيل قتيلا
للشاعر جرير، من قصيدة «لم أر مثلك يا أمام خليلا»

وكرر أيضا ذكر جعثن، كما كرر ذكر الزّبير والقين؛ فقال:

على غير السّواء مدحت سعدافزدهم ما استطعت من الثّواب
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي المنازل بالجناب»
هم قتلوا الزّبير فلم تنكّروعزّوا رهط جعثن فى الخطاب
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي المنازل بالجناب»

فقد جعل جرير قتلة الزبير هاهنا فى هذا البيت بنى منقر بن عبيد؛ لأنهم من بنى سعد، وليس لبنى منقر فى قتل الزّبير سبب.

وقال جرير فى جعثن أيضا:

سأذكر من هنيدة ما علمتموأرفع شأن جعثن والربّاب
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي المنازل بالجناب»

وقال أيضا- فنسب قتل الزبير إلى بنى سعد، وأكذب نفسه فى مجاشع، وذكرهم بذلك؛ فقال:

أتنسون الزّبير قتيل سعدوجعثن إذ تصرّف كلّ حال
للشاعر جرير، من قصيدة «لقد نادى أميرك باحتمال»
مدحت بنى الأشدّ وغادروهاهريت الشدق واسعة المبال
وقد أضحت مساحج ركبتيهاتشبّه مبرك الجمل الثّفال

قال أبو الخطاب: فلم يجاوز جرير هذا، ولم يحسن فيه؛ ولا نجد للفرزدق قصيدة إلا وفيها هجاء بديع ليس فى الأخرى مثله؛ كقوله:

إنّ الذى سمك السماء بنى لنابيتا دعائمه أعزّ وأطول
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»
بيتا زرارة محتب بفنائهومجاشع وأبو الفوارس نهشل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»
لا يحتبى بفناء بيتك مثلهمأبدا إذا عدّ الفعال الأفضل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»
ليس الكرام بناحليك أباهمحتى تردّ إلى عطية تعتل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن استراقك يا جرير قصائدي»
ضربت عليك العنكبوت بنسجهاوقضى عليك به الكتاب المنزل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»

وكقوله:

يابن المراغة إنما راهنتنىبمسبّقين لدى الفعال قصار
والخابسين إلى العشىّ ليشربوانزح الرّكىّ ودمنة الأسآر

الأسآر: البقايا، واحدها سؤر- مهموز.

لن تدركوا كرمى بلؤم أبيكموأوابدى بتنحّل الأشعار
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «كم من أب لي يا جرير كأنه»
قبح الإله بنى كليب إنهملا يغدرون ولا يفون لجار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فاسأل هوازن إن عند سراتهم»

وكقوله:

لك الويل لا تقتل عطية إنهأبوك ولكن غيره فتبدّل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولا اتبعتكم يوم ظعن فلائها»
أرى الليل يجلوه النهار ولا أرىعظام المخازى عن عطية تنجلى
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولا اتبعتكم يوم ظعن فلائها»

وكقوله:

فإنك إذ تهجو تميما وترتشىتبابين قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّهسراب أجالته رياح السمائم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

حدثنى أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنى أبو الغوث يحيى بن البحترى، قال: كان أبى يقول: لا أرى أن أكلم من يفضّل جريرا على الفرزدق، ولا أعدّه من العلماء بالشعر.

فقيل له: وكيف وكلامك أشدّ انتسابا إلى كلام جرير منه إلى كلام الفرزدق؟ فقال:

كذا يقول من لا يعرف الشعر، لعمرى إن طبعى بطبع جرير أشبه، ولكن من أين لجرير معانى الفرزدق، وحسن اختراعه؟ جرير يجيد النسيب، ولا يتجاوز هجاء الفرزدق بأربعة أشياء: بالقين، وقتل الزّبير، وبأخته جعثن، وامرأته النوار؛ والفرزدق يهجوه فى كل قصيدة بأنواع هجاء يخترعها ويبدع فيها.

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن محمد التّوزى، قال: قيل لكردين المسمعى- وكان يقدّم الفرزدق والأخطل على جرير- لم لم يهاج هذان الشعراء كما هاجاهم جرير؟ قال: بلى والله، ولكنهم كانوا لا يطمعون فى بيت الفرزدق فيجلّونه ويطمعون فى كليب. ثم عدّ جماعة هاجاهم الفرزدق أولهم الأشهب بن رميلة، وآخرهم أصمّ باهلة؛ وذكر جماعة هاجاهم الأخطل.

أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الحسن الغياثى، قال: حدثنى عيسى بن إسماعيل، قال: سمعت الأصمعىّ يقول: قرأت على خلف شعر جرير، فلما بلغت قوله:

ويوم كإبهام القطاة محبّبإلىّ هواه غالب لى باطله
رزقنا به الصّيد الغرير ولم نكنكمن نبله محرومة وحبائله
فيالك يوما خيره قبل شرّهتغيّب واشيه وأقصر عاذله

فقال: ويله! وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ قلت له: هكذا قرأته على أبى عمرو.

فقال لى: صدقت، وكذا قاله جرير؛ وكان قليل التنقيح مشرّد الألفاظ؛ وما كان أبو عمرو ليقرثك إلا كما سمع. فقلت: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له لو قال:

فيا لك يوما خيره دون شرّه

فاروه هكذا؛ فقد كانت الرواة قديما تصلح من أشعار القدماء. فقلت: والله لا أرويه بعد هذا إلا هكذا.

حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا أبو الخطاب الزّرارى، قال: حدثنى أبى، قال: كان جرير ينشد أبياته:

فما شهدت يوم النّقا خيل هاجرولا السّيد إذ يبطحن بالأسل السمر
ولا شهدت يوم الغبيط مجاشعولا نقلان الحىّ من قنّتى نسر

قال: وشيخ من بنى ثعلبة يقال له النحّار بن العقار كبير قد شدّ حاجباه وقد سقطا على عينيه، فقال: ولا كليب والأجلّ ما شهدت، ولا كنّا إلّا سبعة فوارس من بنى ثعلبة.

ومما يعاب على جرير قوله:

صارت حنيفة أثلاثا فثلثهممن العبيد وثلث من مواليها
للشاعر جرير، من قصيدة «قد غلبتني رواة الناس كلهم»

ويروى:

كانوا ثلاثة أثلاث فثلثهم

فحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على يحيى المنجّم، عن أبيه أنّ جريرا لما قال هذا البيت قيل لرجل من بنى حنيفة: من أيهم أنت؟ قال: أنا من الثلث الملغى.

أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا على بن الصباح. قال: قرأت على أبى محلّم لجرير:

بنفسى من تجنّبه عزيزعلىّ ومن زيارته لمام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»
ومن أمسى وأصبح لا أراهويطرقنى إذا هجع النّيام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»

فقال لى: هذه أحسن من ميميته الأخرى التى يقول فيها.

طرقتك صائدة القلوب وليس ذاحين الزّيارة فارجعى بسلام
للشاعر جرير، من قصيدة «سرت الهموم فبتن غير نيام»
تجرى السواك على أغرّ كأنهبرد تحدّر من متون غمام
للشاعر جرير، من قصيدة «سرت الهموم فبتن غير نيام»

فليته إذ كان طردها ما كان وصفها.

قال محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى: من الأبيات التى زادت قريحة قائليها على عقولهم قول جرير:

هذا ابن عمى فى دمشق خليفةلو شئت ساقكم إلىّ قطينا

فقيل له: يا أبا حزرة، لم تصنع شيئا! عجزت أن تفخر بقومك حتى تعدّيت إلى ذكر الخلفاء! فقال له عبد الملك: جعلتنى شرطيّا لك، أما لو قلت: لو شاء ساقكم إلىّ قطينا لسقتهم إليك عن آخرهم. وكقوله:

يا بشر حقّ لوجهك التبشيرهلّا غضبت لنا وأنت أمير
للشاعر سُراقة البارقي، اقرأ القصيدة
قد كان نولك أن تقول لبارقيا آل بارق فيم سبّ جرير

فقال بشر: أما وجد ابن المراغة رسولا غيرى؟

حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال:

حدثنى مسعود بن عمرو، قال حدثنا محمد بن سلّام، قال: حدثنى أبو يحيى الضبى؛ وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: حدثنى أبو يحيى الضبى، قال: الذى هاج الهجاء بين جرير وعمر بن لجأ التيمى أنّ عمر بن لجأ التيمى كان ينشد أرجوزة له يصف فيها إبله- وجرير حاضر بالماء- فقال التيمى:

قد وردت قبل إنى ضحائهاتقرّش الحيّات فى غشائها
للشاعر عمر بن لجأ التيمي، اقرأ القصيدة

جرّ العجوز الثّنى من كسائها

ويروى: فى خرشائها، يكون من الاجتماع ويكون من الاكتساب؛ فقال جرير: أخفيت مرّها. قال: فكيف أقول؟ قال: قل: جرّ العروس الثّنى من ردائها. فقال التيمى- وحمى: ما قلت أنت أسوأ مما قلت. قال وما هو؟ قال قولك:

وأوثق عند المردفات عشيةلحافا إذا ما جرّد السيف لامع
للشاعر جرير، من قصيدة «ذكرت وصال البيض والشيب شائع»

فجعلتهن مردفات غدوة ثم تداركتهنّ عشية.

قال: فكيف أقول؟ قال: تقول:

وأوثق عند المرهفات عشية

فقال جرير: والله لهذا البيت أحبّ إلىّ من بكرى حزرة، ولكنك محلب للفرزدق. فتهاجيا.

وحدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريان، قالا: حدثنا العنزى، قال: حدثنى على بن إسماعيل اليزيدى، قال: أخبرنى الأثرم، قال: أخبرنى أبو عبيدة، قال: حدثنى منتجع بن نبهان التّيمى- ويقال من عدى- قال: دخل عمر بن لجأ على [ابن] لقمان الخزاعى- وكان على صدقات بنى تميم- فأنشده بيتا وهو قوله:

تريدين أن أرضى وأنت بخيلةومن ذا الذى يرضى الأخلّاء بالبخل
للشاعر عمر بن لجأ التيمي، اقرأ القصيدة

فقال: لقد أنشدنى هذا البيت جرير. فقال عمر: سرقه والله منى جرير. فقال:

فبينا هو عنده إذ دخل عليه جرير، فقال له ابن لقمان: من يقول هذا؟ فقد زعم عمر بن لجأ أنك سرقته منه. قال: فتنازعا. فقال جرير: أنا أسرقه منك وأنت وصفت إبلك حتى إذا جعلتها مثل الهضاب وصفت فحلها كالظّرب الأسود من ورائها.

قال الأثرم: وذكر الأصمعى أن جريرا ذكر قول عمر:

جرّ العجوز الثّنى من خفائها

الخفاء: طرف الكساء، ألا قلت:

جرّ الفتاة طرفى ردائها

فأبلغ عمر؛ فقال: إنما أردت ضعف العجوز.

قال: ثم رجع الحديث إلى أبى عبيدة: فقال عمر بن لجأ: أتعيب علىّ هذا وأنت القائل:

وأكرم عند المردفات عشيةلحافا إذا ما جرّد السيف لامع

تركتهن حتى إذا لقحن- أى نكحن- لحقتهنّ عشية. قال: فقال:

يا تيم تيم عدى لا أبالكملا يقذفنكم فى سوأة عمر
للشاعر جرير، من قصيدة «هاج الهوى وضمير الحاجة الذكر»
أحين صرت سماما يا بنى لجأوخاطرت بى عن أحسابها مضر
خلّ الطريق لمن يبنى المنار بهوابرز ببرزة حيث اضطرّك القدر
للشاعر جرير، من قصيدة «هاج الهوى وضمير الحاجة الذكر»

وبرزة أم عمر بن لجأ.

فقال عمر بن لجأ:

لقد كذبت وشرّ القول أكذبهما خاطرت بك عن أحسابها مضر
للشاعر عمر بن لجأ التيمي، اقرأ القصيدة

فهذا بدء ما كان بينهما.

قال الأثرم: وأما عبيدة فزعم أنّ جريرا- وفى نسخة أخرى: وأما أبو اليقظان سحيم فزعم أنّ جريرا- قال: إن هذا ليس بعيب. قال: فبينى وبينك رجل؛ فجعلا بينهما عبيد بن غاضرة العنبرى، وكان حاضرا، فسألاه، فتابع ابن لجأ وعاب على جرير. فقال جرير قصيدته التى أولها:

أيشهد مثغور علينا وقد رأىنميلة منا فى ثناياه مشهدا
للشاعر جرير، من قصيدة «غدا باجتماع الحي نقضي لبانة»

قال: مثغور: كسر الرياحىّ- وهو من بنى تميم ثغره، وبقيت منه بقية.

حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: قيل لجرير: ما صنعت فى التّيم شيئا! قال: إنهم شعراء لئام.

حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، قال: حدثنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام، وحدثنى عبد الله بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن بشر، عن إسماعيل بن يعقوب الأعلم، قال: حدثنى محمد بن سلّام، قال: أخبرنى أبو الخطاب الزّرارى، عن حجناء بن جرير، قال: قلت لأبى: يا أبت، ما هجوت قوما قطّ إلا فضحتهم- أو قال أفسدتهم- إلا التّيم! قال: يا بنى، إنى لم أجد بناء أهدمه، ولا حسبا أضعه- أو قال: أصمه.

وكانت تيم رعاء غنم فيغدون فى غنمهم ثم يروحون، وقد جاء كلّ رجل منهم بأبيات فيرفدون بها عمر بن لجأ وكان أشعرهم السّرندى.

أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل، قال: أخبرنا المدائنى، عن شهاب بن عبيد الله، قال: قيل لجرير: من هاجيت فكان أشدّ عليك؟ قال: التّيم، كنت أقول القصيدة أحبّ إلى من بكرى فيجتمعون فينقضونها حرفا حرفا.

وقيل له: يا أبا حزرة، صالحت كلّ من هاجاك أو أكثرهم غير التيم. قال: إنهم شعراء لئام.

أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنى أحمد بن محمد الأسدى، قال: أخبرنا محمد بن صالح بن النّطاح، عن أبى عبيدة، قال: لما قال جرير لابن لجأ:

يا تيم هل لك مثل أسرة حاجبأو مثل آل عتيبة بن شهاب

فقال له قائل: أنت بالأمس تهجوهم والآن تفخر بهم. قال: إن الشعراء لئام.

حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: حدثنى أبو الغرّاف، قال: دخل جرير على الوليد بن عبد الملك وهو خليفة وعنده ابن الرّقاع العاملى، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين. قال: هذا رجل من عاملة. قال: الذين يقول الله ﷿: «عاملة ناصبة، تصلى نارا حامية». ثم قال:

يقصّر باع العاملىّ عن العلاولكنّ أبر العاملىّ طويل
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

فقال العاملىّ:

أأمّك كانت أخبرتك بطولهأم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «أأمك كانت أخبرتك بطوله»

فقال: لا، بل لم أدر كيف أقول.

أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، وأخبرنى محمد بن العبّاس، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، قال: حدثنى

العمانى الراجز، قال: حدثنى نوح بن جرير، قال: قلت لأبى: يا أبت من أشعر الناس؟ قال: قاتل الله قرد بنى مجاشع- يعنى الفرزدق- فعلمت أن قد فضّله. قلت:

ثم من؟ قال: قاتل الله نصرانىّ بنى تغلب، فما أنقى شعره، وأبين فضله! قال:

قلت: فما لك لا تذكر نفسك؟ قال: أنا مدينة الشعر.

حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى وعبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا الرياشى، قال: أخبرنا أبو الخطاب البهدلى عن نوح بن جرير، قال: قلت لأبى: أيما أشعر أنت أم الأخطل؟ قال: فقال: إنى أعنت عليه بتولية من سنّه وكفر من دينه، وما رأيته فى موضع قطّ إلّا خشيت أن يبتلعنى.

أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: أخبرنى سعدان بن المبارك، عن أبى عبيدة، قال: حدثنى أدهم العنبرى- وهو ختن لابن الكلبى- وكان عالما بأيام الناس ذاسنّ وتجرية- عن رجل أراه من بنى سعد.

وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أحمد بن معاوية، قال: حدثنى بعض أصحابنا عن رجل من بنى سعد، وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، أن أبيه، قال:

حدثنى إسحاق الموصلى، عن رجل من بنى سعد: كنت مع نوح بن جرير فى أصل شجرة- أو قال سدرة- فقلت له: قّبحك الله وقّبح أباك، أما أبوك أفنى عمره فى مدح عبد ثقيف- يعنى الحجاج- وأما أنت فإنك مدحت قثم بن العباس، فلم تهتد لمناقبه ومناقب آبائه حتى مدحته بقصر بناه.

فقال: أما والله لئن كنت سؤتنى فى هذا الموضع لقد سؤت فيه أبى: بينا أنا آكل معه يوما- وفى يده لقمة وفى فيه أخرى- فقلت: يا أبت؛ أأنت أشعر أم الأخطل؟

فجرض بالتى فى فيه- أى غصّ بها- وهو يجرض بريقه- أى يغصّ به- ورمى بالتى فى

يده؛ ثم قال: يا بنى، لقد سررتنى وسؤتنى؛ فأمّا ما سررتنى به فتعاهدك مثل هذا وشبهه وسؤالك عنه، وأما ما سؤتنى به فذكرك رجلا قد مات. يا بنى، لو أدركنى الأخطل وله ناب آخر لأكلنى، ولكنى أعنت عليه بخصلتين- وقال ابن شبّة: ولكن أعاننى عليه خصلتان- كبر سنّ، وخبث دين.

حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن ابن الأعرابى، قال: قال جرير- وسئل عن الأخطل، فقال: ما غلبنى إلا فى هذه القصيدة:

كذبتك عينك أم رأيت بواسطغلس الظلام من الرّباب خيالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»

فيها يقول:

أبنى كليب إنّ عمّى الّلذاقتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»

وحدثنى عبد الله بن أحمد، عن ثعلب، عن ابن الأعرابى، قال: قيل لجرير: أيما أشعر أنت فى قولك:

حىّ الغداة برامة الأطلالارسما تحمّل أهله فأحالا
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

أم الأخطل فى جوابها: «كذبتك عينك» ؟ قال: هو أشعر منى، إلا أنى قد قلت فى قصيدتى بيتا لو أنّ الأفاعى نهشت أستاههم ما حكّوها حيث أقول:

والتغلبىّ إذا تنحنح للقرىحكّ استه وتمثّل الأمثالا
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

قال قدامة بن جعفر الكاتب: الإقواء فى شعر الأعراب كثير، وفيمن دون الفحول من الشعراء؛ وهو أن يختلف إعراب القوافى، فتكون قافية مرفوعة وأخرى مخفوضة.

قال إسحاق: قلت ليونس: عبيد الله بن الحرّ يقوى؟ فقال: الإقواء خير منه.

وقد ركب بعض الفحول الإقواء فى مواضع؛ مثل ما قال سحيم بن وثيل الرياحى:

عذرت البزل إن هى خاطرتنىفما بالى وبال ابن الّلبون
وماذا يدّرى الشعراء منّىوقد جاوزت رأس الأربعين
للشاعر سُحَيم الرياحي، اقرأ القصيدة

فنون الأربعين مفتوحة، ونون اللبون مكسورة، ولكن كأنه وقف القوافى فلم يحركها.

وقد قال جرير:

عرين من عرينة ليس منّابرئت إلى عرينة من عرين
للشاعر جرير، من قصيدة «عرين من عرينة ليس منا»
عرفنا جعفرا وبنى عبيدوأنكرنا زعانف آخرين
للشاعر جرير، من قصيدة «عرين من عرينة ليس منا»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من [ثانيا] : الشعراء الإسلاميون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.