من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)
الباب الحادي والثلاثون الرسوم في معاشرة الناس، وملاقاتهم، ومصافحتهم، ومجالستهم، ومراسلتهم، وذكرهم، وزيارتهم، وذكر السلام والتحية، وآداب النفس، وما يتصل بذلك
جابر ﵁: عن النبي ﷺ: من أخلاق النبيّين والصديقين البشاشة إذا تراءوا، والمصافحة إذا تلاقوا، والزائر في الله حق على المزور إكرامه.
أبو هريرة: عنه ﵇: إذا زار العبد أخاه في الله نادى مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك بوّئت منزلا في الجنة.
النبي ﷺ: يقول الله ﷿: حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ.
أبو هريرة عنه ﵊: مثل الذي يجلس فيسمع الحكمة من غيره ثم لا يحدث إلا بشر ما سمع مثل رجل أتى راعيا فقال له: إعطيني شاة من غنمك، فقال: اذهب فخذ خيرها، فجاء فأخذ بأذني الكلب الذي مع الغنم.
ابن عباس ﵁: أكرم الناس علي جليسي، وإن
الذباب يقع على جليسي فيؤذيني. وإني لأستحي من الرجل يطأ بساطي ثلاثا فلا يرى عليه أثر من بري.
كان القعقاع بن شور إذا جالسه رجل جعل له نصيبا من ماله، وأعانه على حوائجه، وغدا إليه شاكرا.
ودخل على معاوية والمجلس غاص ففسح له رجل حتى جلس إلى جنب معاوية، ثم أمر له بمائة ألف، فجعلها للمفسح، وهو ابن علاثة، فقال:
وكنت جليس قعقاع بن شوروما يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السن إن نطقوا بخيروعند الشر مطراق عبوس
وجالس رجل بني مخزوم فسعوا به إلى معاوية وأنه يقع في الولاة فقال:
شقيت بكم وكنت لكم جليساولست جليس قعقاع بن شور
ومن جهل أبو جهل أبوكمغزا بدرا بمجمرة وتور
نظر إلى كثّير راكبا ومحمد بن علي الباقر يمشي، فقيل له:
أيركب وأبو جعفر يمشي؟ فقال هو أمرني بذلك، فأنا بطاعته في الركوب أفضل مني في عصياني إياه بالمشي.
وعن محمد بن عبد الله بن يحيى بن خاقان: بعثني أبي إلى المعتضد في شيء، فقال لي: اجلس، فاستعظمت ذلك، فقلت: إنه لا يجوز. فقال لي: يا محمد، إن أدبك في القبول مني خير من أدبك في قيامك.
قال رجل لأبي خليفة الجمحي: ما أحسبك تثبتني! قال:
وجهك يدلّ على علو نسبك، والإكرام يمنع من مسألتك فأوجد السبيل إلى معرفتك.
أبو تمام:
يحميه لألأؤه أو لوذعيتهمن أن يذال بمن أو ممّن الرجل
وفي معناه:
أرم بعينيك في مفارقنافمعقد التاج غير مكتتم
المعري:
واكتموا أنسابهم لعزتهموجوه وفعل شاهد كل مشهد
قيل لفيلسوف: أي الرسل أنجح؟ قال: الذي له جمال وعقل.
وعن رسول الله ﷺ: إذا أبردتم إلي بريدا فاجعلوه حسن الاسم.
مر رجل بأبي الحارث جمين فسلم عليه بسوط، فلم يرد ﵇ فقيل له، فقال: سلّم عليّ بالإيماء فرددت عليه بالضمير.
دخل على معاوية رجل مرتفع العطاء فرأى في عينيه رمصا فحط عطاءه وقال: أيعجز أحدكم إذا أصبح أن يتعهد أديم وجهه؟.
دخل ابن عباس مجلسا فيه الأنصار فقاموا له، فقال: بالايواء والنصر الا جلستم، يريد قوله تعالى: وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا
لا تجب من لا يسألك، ولا تسأل من لا يجيبك.
[شاعر]:
كأنه من سوء آدابهأسلم في كتاب سوء الأدب
قيل لصوفي: كيف أصبحت؟ قال: أسفا على أمسي، كارها ليومي مهتما لغدي.
وقيل لأعرابي فقال: كما يسوؤك طن كنت صديقا ويسرك إن كنت عدوا.
وقيل لقرّاد فقال: كيف يصبح من يرجو خير هذا، وأشار إلى قرده.
كان معاوية يقوم لشيخ من أهل الشام قد بلغ التسعين، فقيل له، فقال إن فيه لشبها من رسول الله، وإنما أقوم لرسول الله.
المودة شجرة الزيارة ثمرتها.
نهض هشام عن مجلسه، فسقط رداؤه عن منكبه، فتناوله بعض جلسائه ليرده، فجذبه هشام من يده وقال: مهلا! إنا لا نتخذ جلساءنا خولا.
ابن عباس: لجليسي عليّ ثلاث أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأوسّع له إذا جلس وأصغي إليه إذا حدّث.
كان عمر بن عبد العزيز إذا دخل عليه سالم مولى بني مخزوم يتنحّى له عن الصدر، وكان يسميه أخي في الله، فيقال له في ذلك، فيقول: إذا دخل عليك من لا ترى لنفسك عليه فضلا فلا تأخذ عليه أشرف المجلس.
قبل الأصمعي يد الرشيد بعقب كلام قرّظه به فقال: والله يا
أمير المؤمنين ما شممت طيبا قط أطيب من نسيم يدك، فطيب الله عيشك كما طيبها، وأنعم بالك كما أنعمها، وألان زمانك كما ألانها، فأنها ضدّ ما قال الأسدي لابن مطيع العدوي حين جلس ليأخذ البيعة لابن الزبير:
دعا ابن مطيع للبياع فجئتهإلى بيعة قلبي لها غير آلف
فأبرز لي خشناء لما لمستهابكفّي ليست من أكفّ الخلائف
غلب حارثة بن بدر الغداني على زياد، وكان رجل بني تميم في وقته، فأغري به زياد، فقال: وكيف باطراح رجل هو يسايرني منذ دخلت العراق فلم تصكك ركابي ركاباه، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت عنقي إليه، ولا أخذ عني الشمس في شتاء قط، ولا الروح في صيف، ولا سألته عن علم قط إلا ظننته لم يحسن غيره.
ساير شرحبيل بن السمط معاوية فراثت دابته، وكان عظيم الهامة، بسيط القامة، فقال له معاوية: يا أبا يزيد، يقال إن الهامة إذا عظمت دلت على وفور الدماغ وصحة العقل. قال: تعم يا أمير المؤمنين، إلّا هامتي فإنها عظيمة وعقلي ناقص ضعيف، فتبسم معاوية وقال: وكيف
ذاك؟ لله درك! فقال: لا قضاعي هذا النائك أمه مكوكي شعير، فضحك وحمله على دابة من مراكبه.
وعن الموبذ أنه ساير كسرى فراثت بغلته، فقال له كسرى:
ما الذي يستدل به على حمق الرجل؟ قال: أن يعلف دابته في الليلة التي يركب في صبيحتها الملك وهو يريد أن يسايره. قال: بهذه الفطنة قدمك آبائي.
زار الخليل بعض تلامذته فقال له: إن زرتنا فبفضلك، وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائرا ومزورا.
شاعر:
أيا رب حي الزائرين كلاهماوحبي دليلا بالفلاة هداهما
وليتهما ضيفان في كل ليلةمدى الدهر محتوم عليّ قراهما
وليتهما لا ينزلان ببلدةولا منزلا إلا وعيني تراهما
ثق مني بكتمان وإن أتعب القلب، ومساعدة وإن ثلمت المروءة، وطاعة وإن قدحت في الدين.
أراد رجل أن يقبل يد هشام بن عبد الملك فقال: لا تفعل، فإنما يفعله من العرب الطمع، ومن العجم الطبع.
طلحة بن عبيد الله: جلوس الرجل على باب داره مروءة.
قال رجل للمنصور: اعطني يدك أقبلها، قال: إنا نصونك عنها، ونصونها عن غيرك.
سأل بعض أصحاب أبي حنيفة الشافعي عن مسألة فأجاب عنها، فقال له: أخطأت. فقال: لو كنت مكانك ثم كلمتك بمثل ما كلمتني لاحتجت إلى أدب.
[شاعر]:
ما أحسن الصبر فأمّا علىأن لا أرى وجهك يوما فلا
لو أن يوما منك أو ساعةيباع بالدنيا إذا ما غلا
قال أنس ﵁: كنت عند الحسن بن علي فدخلت جارية بيدها طاقة ريحان فحيته بها، فقال لها: أنت حرة لوجه الله تعالى، فقلت له: حيتك جارية بطاقة ريحان لا خطر لها فاعتقتها! فقال: كذا أدبنا ربنا الله، وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها
، وكان أحسن منها إعتاقها.
علي ﵁: توقّ من إذا حدثك كذبك، وإن حدثته كذبّك، وإن ائتمنته خانك، وإن إئتمنك إتهمك.
قال رجل لخالد بن صفوان: علمني كيف أسلم على الأخوان، فقال: لا تبلغ بهم النفاق، ولا تقصر بهم عن الاستحقاق.
قال العتبي لأحمد بن أبي خالد الأحول: هل أنكرت عليّ يوم دخولي إلى المأمون شيئا؟ قال: نعم، قلت: وما هو؟ قال: ضحك من شيء فكان ضحكك أكثر من ضحكة.
قال عبيد الله بن يحيى لأبي العيناء: كيف كنت بعدي؟
قال: كنت في أحوال مختلفة، شرها غيبتك، وخيرها أو بتك.
وصف العباس بن الحسن العلوي جليسا له فقال: جليسه لطيب عشرته أطرب من الإبل على لحن الحداء، ومن الثمل على شدو الغناء.
النبي ﷺ: أنزلوا الناس على منازلهم.
مع التغالب التحاب.
عنه ﵊: فرق بين معد تجاب.
قال المأمون لثمامة: ارتفع، قال يا أمير المؤمنين، لم يف شكري بموضعي هذا، وأنا أبعد عنك إعظاما لك، وأقرب منك شحا عليك.
صافح أبو العمثل عبد الله بن طاهر عند قدومه من سفر فقبل يده، فقال عبد الله: كيف كنت بعدي؟ قال: إليك مشتاقا، وعلى الزمان عاتبا، ومن الناس مستوحشا، فأما الشوق فلفضلك وأما العتب على الزمان فلمنعه منك، وأما الاستيحاش من الناس فإن أراهم بعدك.
فاحتسبه، فلما حضر الشراب سقاه بيده فقال:
نادمت حرا كأن البدر غرّتهمعظما سيدا قد أحرز المهلا
تعلني برحيق الراح راحتهفملت سكرا وشكرا للذي فعلا
لكل شيء محك، ومحك العقل مجالسة العلماء.
بصق عبد الملك بن مروان فقصر بصاقه فوقع على البساط، فقام رجل فمسحه بثوبه، فقال عبد الملك: أربعة لا يستحيي من خدمتهم: السلطان، والوالد، والضيف، والدابة، وأمر له بصلة.
كانت تحية العرب: صبحتك الأنعمة، وطيب الأطعمة، وتقول: صبحتك الأفالح، كل طير صالح.
هاشم بن عبد مناف: أكرموا الجليس يعمر ناديكم.
قال المبرد: تأخرت عن مجلس جعفر بن القاسم، وكان يتقلد إمارة البصرة للواثق. فقال لي: ما أخرك؟ قلت: علة مرة، وغبة مرة، فقال: وتوان مرة، وتقصير مرة، فقلت: والله ما أغيب عن الأمير إلا بود حاضر، ولا أعصيه إلا بنية طائع. فضحك ثم أنشد بيت إبراهيم
ابن المهدي:
ما أن عصيتك والغواة تمدنيأسبابها إلّا بنيّة طائع
قدم أبو مسلم فتلقاه ابن أبي ليلى فقبل يده، فقيل له، فقال: قد تلقى أبو عبيدة بن الجراح عمر بن الخطاب فقبل يده. فقيل له: تشبه أبا مسلم بعمر! فقال: أتشبهوني بأبي عبيدة؟.
أعرابي: العبوس بؤس، والبشر بشرى.
مجالسة الأحمق خطر، والقيام عنه ظفر.
قال المبرد: كان في خلق الحسن بن رجاء شراسة، وفي كفه ضيق، فكتب إليه: أعز الله الأمير، الناس رجلان عبد وحر، فثمن الحر الإكرام، وثمن العبد الأنعام، فأصلحه هذا القول، ثم رجع إلى طبعه.
مر رسول الله ﷺ على صبيان في المكتب فسلم عليهم.
أخذ رجل من رأس عمر ﵁، ثم صنع ذلك يوما آخر، فأخذ بيده وقال: ما أراك أخذت شيئا! فإذا هو كذلك. ثم قال:
إذا أخذ أحدكم من رأس أخيه شيئا فلّيره.
قيل لمحمد بن واسع: ألا تتكىء، فقال: تلك جلسة الآمنين.
علي ﵁: رسولك ترجمان عقلك.
كان أحمد بن يوسف يكتب بين يدي المأمون، وطلب منه السكين، فدفعها إليه والنصاب في يده، فنظر إليه المأمون نظر منكر، فقال: على عمد فعلت ذلك ليكون الحد لأمير المؤمنين على أعدائه.
فتعجب من فطنته.
[شاعر]:
قد يمكث الناس دهرا ليس بينهمود فيزرعه التسليم واللّطف
غيره:
يا ذا الذي زار وما زاراكأنه مقتبس نارا
قام بباب الدار من تهمةماضره لو دخل الدارا
نفسي تقيه السوء من زائرما حل حتى قيل قد سارا
لو دخل الدار وكلمتهبحاجتي ما دخل النارا
وصف المأمون ثمامة بحسن المعاشرة فقال: إنه يتصرف مع القلوب تصرف السحاب مع الجنوب.
بينا أبو العباس السفاح يحدث أبا بكر الهذلي، إذ عصفت
الريح فأدرت طستا من سطح إلى المجلس، فارتاع من حضر، ولم يتحرك الهذلي، ولم تزل عينه مطابقة لعين السفاح، فقال: ما أعجب شأنك يا هذلي! فقال إن الله تعالى يقول: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
، وإنما لي قلب واحد، فلما غمره السرور بفائدة أمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث مجال، فلو انقلبت الخضراء على البيضاء ما أحسست بها ولا وجمت لها. فقال السفاح: لئن بقيت لأرفعنّ منك ضبعا لا تطيف به السباع، ولا تنحط عليه العقبان.
[شاعر]:
لا تقطعن الصديق ما طرفت عي*- ناك من قول كاشح أشر
ولا تملن من زيارتهزره وزره وزر وزر وزر
كان أسماء بن خارجة يقول: ما غلبني أحد قط غلبة رجل يصغي إلى حديثي.
معاوية: يغلب الملك حتى يركب بالحلم عند سورته، والإصغاء إلى حديثه.
في نوابغ الكلم: أكرم حديث أخيك بانصاتك، وصنه من صمة التفاتك.
كان قوم من سفهاء بني تميم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، أخرج إلينا نكلمك. فغم ذلك رسول الله ﷺ وساءه ما ظهر من سوء أدبهم، فأنزل: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
حرمة مجلس الملك إذا غاب كحرمته إذا حضر. وكان للملوك عيون على مجالسهم إذا غابوا، فمن حضر وكان في المحافظة على حسن الأدب على مثل ما كان عليه عند حضورهم أثبت وزيد في تكرمته، وسمي من كان على خلاف ذلك ذا وجهين وبقي منقوصا متضيعا.
قيل لإبراهيم بن أدهم: كيف أصبحت؟ قال: بخير ما لم يحمل مؤونتي غيري.
من حق الملك إذا تثاءب أو ألقى المروحة من يده ومد رجليه أو تمطّى أو اتكأ أو فعل ما يدل على كسله أن يقوم من بحضرته، وكان أردشير إذا تمطى قام سماره، وكان قباذ إذا رفع رأسه إلى السماء قاموا ومن حقه أن لا يعاد عليه حديث وإن طال الدهر.
قال روح بن زنباع: أقمت مع عبد الملك تسع عشرة سنة فما أعدت عليه حديثا إلا مرة، فقال لي: قد سمعته منك.
وعن الشعبي: ما حدث بحديث مرتين رجلا بعينه.
كان أردشير وأنوشروان إذا زارا وزيرا أو عظيما أرخت الفرس تلك الزيارة، وجرى بذلك تاريخ كتبهم في الأطراف. وكان سنة من زاراة
أن يعقر ضياعه، وترسم خيله، ولا يؤخذ أحد من قومه بجناية، وتقدم هداياه في النيروز والمهرجان، وكانت مرتبته في القعود عن يمين الملك، وإذا خرج لم يقعد أحد مكانه.
البسامي:
سرى إليّ وجنح الليل معتكركذلك البدر في ظلمائه ساري
يورد في الزائر في الليل، ومثله قول ابن الرومي:
لا تعجب من سرانا فالسرىعادة الأقمار والناس هجود
علي بن داود:
عودت نفسك في الزيارة عادةتدع الخفيف من الصديق ثقيلا
عودت نفسك أن تزور إذا التقتظلم المساء فلم يبنّ سبيلا
شرّ الرجال وشرّ وقت زيارةأن يطرقوا وقت العشاء خليلا
زياد الأعجم:
فقم صاغرا يا شيخ جرم فإنمايقال لشيخ الصدق قم غير صاغر
كان ابن المبارك يقول: كنت لو خيرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله بن محرّز لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلي منه.
جالسوا أهل الدين، فإن لم تقدروا عليهم فجالسوا الأشراف فإن الفحش لا يجري في مجالسهم، وروي فإن الخنا لا يجري بعقوتهم.
قيل للمأمون: أي المجالس أحسن؟ قال: ما نظر فيه إلى الناس، فلا منظر أحسن من الناس.
قعد رجل في وسط الحلقة فقال لحذيفة بن اليمان: إن فلانا أخاك مات. فقال: وأنت حقيق على الله أن يميتك. سمعت رسول الله ﷺ يقول: الجالس وسط الحلقة ملعون.
البشاشة أول قرى الأضياف.
من أحب المحمدة من الناس بغير مرزئة فليتلقهم ببشر حسن.
الأحنف: رأس المروءة طلاقة الوجه، والتودد إلى الناس.
جرير بن عبد الله: ما رآني النبي ﷺ منذ أسلمت إلا تبسّم في وجهي.
معاذ: إن المسلمين إذا التقيا فضحك كل واحد منهما في وجه صاحبه ثم أخذ بيده تحاتت ذنوبهما كتحات ورق الشجر.
البشر دال على السخاء كما يدل النوى على الثمر.
الق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره.
العتابي: من ضنّ ببشره كان بمعروفه أضنّ.
حسن البشر مخيلة النجح.
النبي ﷺ: الرجل أحق بمجلسه وبصدر دابته.
وعن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ عاده فما تحوز له عن فراشه أي ما تنحى.
عنه ﵊ أنه لم يصافحه أحد فخلى يده حتى يكون الرجل البادي، ولا جلس إليه أحد قط فقام رسول الله ﷺ حتى يقوم.
كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا أذن في بيته لم يجلس على فراشه إلا العباس وأبو سفيان بن حرب فقيل له، فقال: أما هذا فعم رسول الله ﷺ، أما هذا فشيخ قريش.
أبو بكر ﵁: كتب إلى عماله: إذا أبردتم إلي بريدا فأبردوه أشيب.
أوصى أبو الأسود ابنه فقال: يا بني، إذا جلست مع قوم فلا تتكلم بما هو فوقك فيمقتوك، ولا بما هو دونك فيزدروك.
قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت قريبا أجلي، بعيدا أملي، سيئا عملي.
ثابت البناني: بلغنا أنه ما من قوم جلسوا مجلسا فقاموا قبل أن يسألوا الله الجنة ويتعوذوا به من النار إلا قالت الملائكة: مساكين أغفلوا العظيمين.
الأحنف: ما جلست مجلسا فخفت أن أقام عنه لغيري، ولأن أدعى من بعيد أحب إليّ من أن أقصى من قريب، وإذا كان الأحنف في مجلس فدخل داخل وسّع له، فإن لم يجد متسعا تحرك له ليريه أنه يوسّع له.
منصور بن زاذان: إني لفي جهاد من جليسي حتى يفارقني مخافة أن يأثم ويؤثمني.
محمد بن عبد الوهاب: ما رأيت الأغنياء أذل منهم في مجلس.
سفيان، وما رأيت الفقراء أعز منهم في مجلسه، وكان يقال: الفقراء في مجلس سفيان أمراء.
عبد الله بن شبرمة قال لبنيه: لا تجالسوا السفلة فيجترئوا عليكم، قال هؤلاء الزط ليسوا بأشجع الناس، وإنما اجترأوا على الأسود لكثرة ما يرونها.
قيل لشريح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت ونصف الناس عليّ غضاب. أراد المقضي عليهم.
عطاء بن أبي رباح: إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأني لم أسمعه قط، وقد سمعته من قبل أن يولد.
فضيل: من أراد عز الآخره فليكن مجلسه مع المساكين.
كان يقال: حسن البشر واللقاء رق للأشراف والأكفاء.
أبو بكر الصديق عنه ﵊: لا تحقرن أحدا من المسلمين فإن صغيرهم عند الله كبير.
أنس ﵁: لم يكن أحد أكرم علينا من رسول الله ﷺ، وكنا إذا رأيناه لم نقم له لما نعلم من كراهته.
أنس ما رأيت أخرج رسول الله ركبته بين يدي جليس له قط، ولا ناول يده أحدا قط فيدعها حتى يكون هو الذي يدعها.
لقمان: يا بني لا تبعث رسولا جاهلا، فإن لم تجد حكيما فكن رسول نفسك.
إذا ذكرت كريما فحضر، فقل: أذكر الكريم وافرش له.
[شاعر]:
وزورا أتاني طارقا فحسبتهخيالا أتى من آخر الليل يطرق
أقسّم فيه الظن طورا مكذبابه أنه حق وطورا أصدق
[آخر]:
فزرنا غير محتشم تزرنابزورتك المكارم والسماح
[آخر]:
وتفضل بزورة نحو دارلك فيها بني صديق وعبد
يقال: متى أنت منا؟ أي متى تزورنا، ألقاه عدة الثريا، أي كل عام مرة، لئن الشمس تنزل الثريا في السنة مرة. ما كان إلا كنا فض
غبارا أو قابس نارا، إذا قل مكثه. ما عرج حتى خرج. ودّع قبل أن يودّع، ربما كان التقالي في كثرة التلاقي.
قيل لرجل: هل ترى فلانا؟ قال: لمعا، أي أحيانا.
الإكثار من الزيارة ممل، والإقلال منها مخل.
لا تستيقظ نفسي إلا بهاجس من ذكرك يدعوها، ولا تحلم إلا بطارق من طيفك يعروها.
ما في قلبي مكان إلا موشى بذكرك، مطرزا باسمك.
صورتك للعين حملاق.
كيف أنساك وإذا رأيت حسنا ذكرتك به مشبها، وإذا رأيت قبيحا ذكرتك به منزها ...
[شاعر]:
لو تفضلت بالرواح إلينالقررنا بقرة العين عينا
[آخر]:
إذا ما تقاطعنا ونحن ببلدةفما فضل قرب الدار منا على البعد
[آخر]:
وإن مروري بالبلاد التي بهاسليمى ولم ألمم بها لجفاء
ابن قيس الرقيات:
قد أتانا من آل سعدى رسولحبذا ما يقوله وأقول
قال لقمان لابنه: يا بني إذا مررت بقوم فارمهم بسهم الإسلام وهو السلام، فقل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكان رسول الله ﷺ يقول يوم دخل المدينة: إفشوا السلام،
وأطيبوا الكلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.
كان جذيمة الوضاح لا ينادم أحدا ذهابا بنفسه، كان يقول:
أنا أعظم من أن أنادم إلا الفرقدين، فكان يشرب كأسا ويصب لهما كأسين، فلما أتاه مالك وعقيل بابن أخته عمرو صاحب الطوق بعد ما استهوى، قال لهما: حاجتكما؟ قالا: منادمتك. فنادماه أربعين سنة وما أعادا عليه حديثا قط. فضرب بندماني جذيمة المثل. قال الشاعر:
وكنا كندماني جذيمة حقبةمن الدهر حتى قيل لن نتصدّعا
كان أبو الهذيل على مائدة المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله لا يستحي من الحق غلامي وحماري بالباب، فقال المأمون: صدقت يا أبا الهذيل، وقال للحاجب: أخرج إلى غلام أبي الهذيل وحماره ما يصلحهما. فكان محمد بن الجهم إذا تعذر عليه أمر
قال: إن الذي سخر المأمون لحمار أبي الهذيل وغلامه لقادر على أن يسهل هذا الأمر.
- وفعل مثل ذلك على مائدة المعتصم، فقال المعتصم للحاجب: مر لحمار أبي الهذيل بعلف ولغلامه بطعام. فقال أحمد بن أبي دواد:
يا أمير المؤمنين، أما ترى إلى متانة دين هذا الشيخ وتفقده لما يلزمه، ثم يمنعه جلالة مجلسه عمّا يجب لله عليه في حماره وغلامه.
فجعل أحمد ما قدره محوجا إلى الاعتذار منه شهادة له بالفضل.
رؤي عند مالك بن دينار كلب، فقيل له: ما هذا؟ قال: هو خير جليس من جليس السوء. قال:
لكلب الناس إن فكّرت فيهأضر عليك من كلب الكلاب
لأن الكلب لا يؤذي جليساوأنت الدهر من ذا في عذاب
وقال الموصلي: رأيت بين يدي الفضل بن جعفر بن يحيى كلبا، فقلت له: أتنادم كلبا؟ قال: نعم، يمنعني أذاه، ويكف عن أذى سواه، يجرس قليلي، ويحرس مبيتي ومقيلي.
جلسة العيادة خلسة، ويقال: جلسة فلان عندي أخف من جلسة الخطيب بين الخطبتين.
كتب صاحب البريد إلى حضرة السلطان أنه وقع بين القواد وأن فلانا شتم بكذا، فعاتبه الوزير وقال: هل صنت حضرة السلطان عن هذه اللفظة القذعة! قال: أمرت بإنهاء الأخبار على وجوهها، فقال: ويحك! عجزت عن أن تكنى عنها فتقول: شتمه بما يشتم به الأحداث، أو كلاما هذا معناه.
قال سيف الدولة الحمداني لابن عم له: ما عافاك اليوم عن التصبيح؟ قال: دخلت الحمام وقلّمت أظفاري. فقال: لو قلت: أخذت من أطرافي كان أوجز وأحسن.
قال عبد الله بن الزبير لامرأة عبد الله بن خازم أخرجي المال الذي وضعتيه تحت استك، فقالت: ما ظننت أحدا يلي شيئا من أمور المسلمين يتكلم بهذا. فقال بعض الحاضرين: أما ترون الخلع الخفي الذي أشارت إليه.
وعن الحجاج أنه قال لأم عبد الرحمن بن الأشعث: عمدت إلى مال الله فوضعته تحت ذيلك، فكنى لئلا يعاب بما عيب به ابن الزبير.
[شاعر]:
زورة فردة إذا ضعف المرء وطال الطريق تعدل عشرا
عمرو بن عبد العزيز السلمي:
دعوت بني عمي فكان جوابهمبلبيك فعل السادة النجب الغر
المتنبي:
خير أعضائنا الرؤوس ولكنفضّلتها بقصدك الأقدام
المعري:
أتيته وبودي أنني قلمأسعى إليه ورأسي تحتي الساعي
العباس بن الأحنف:
الله يعلم ما تركي زيارتكمإلا مخافة أعدائي وحراسي
ولو قدرت على الإتيان جئتكمسعيا على الوجه أو مشيا على الراس
أهدى أبو غسان التميمي، وكان سيء الأدب، إلى الأمير نصر بن أحمد كتابا من تصنيفه في نيروز، فقال: ما هذا يا أبا غسان؟ قال: كتاب أدب النفس. قال: فكيف لا تعمل بما فيه؟.
[شاعر]:
يا مغرقا في أدب الدرسأحسن منه أدب النفس
العتبي: لسان التقصير قصير.
من الآداب اللطيفة ما يحكى عن إبراهيم بن المهدي، قال:
كنت عند الرشيد فأتاه رسول معه أطباق عليها مناديل ورقعة، فأخذ يقرأ الرقعة ويقول: وصله الله وبره، فقلت: يا أمير المؤمنين، من هذا الذي قد أطنبت في شكره لنشركك في جميل ذكره؟ فقال: عبد الملك بن صالح. ثم كشف عن الأطباق فإذا فيها فواكه، فقلت: يا أمير المؤمنين،
ما يستحق هذا الوصف، إلا أن يكون في الرقعة في ما لا نعلمه. فرمى بها إلي، فإذا فيها: دخلت يا أمير المؤمنين إلى بستان في داري قد عمرته من نعمتك، وقد أينعت فواكهه، فحملتها في أطباق قضبان، ووجهتها إلى أمير المؤمنين ليصل إليّ من بركة دعائه مثل ما وصل إليّ من نوافل بره.
فقلت: وما في هذا الكلام ما يستحق الدعاء؟ فقال: أما ترى كيف كنىّ بالقضبان عن الخيزران وهو اسم أمنا؟.
قيل للعباس: أأنت أكبر أم رسول الله؟ فقال: رسول الله أكبر مني، وأنا ولدت قبله.
ونحوه أن معاوية قال لسعيد بن مرة الكندي: أأنت سعيد؟ قال:
أمير المؤمنين السعيد وأنا ابن مرة.
وقال المأمون للسيد بن أنس: أأنت السيد؟ فقال: أمير المؤمنين السيد وأنا ابن أنس.
وقال الحجاج للمهلب وهو يماشيه: أنا أطول أم أنت؟
قال: الأمير أطول وأنا أبسط قامة. أراد الطول وهو الفضل.
كان الجاحظ يتعجب من فطنة طويس ووضعه الكلام موضعه، من حسن الأدب في قوله لبعض القرشيين: أمك المباركة وأبوك الطيب. يعني إصابته في قسمة الصفتين وأن لم يصفها بالطيب.
سفيان بن عيينة: الوضوء والخلال يبدأ فيهما بالأكبر، والماء يبدأ في سقيه بالأيمن فالأيمن.
شعر:
إن حسن اللقاء والبشر ممايزرع الود في فؤاد الكريم
وهما يزرعان يوما فيوماأسوأ الظن في فؤاد اللئيم
جميل:
وقد طال هجري بيتها لا أزورهكفى حزنا هجران من أنت وامق
وهجرك من تهوى بلاء وشقوةعليك مع الشوق الذي لا يفارق
- وله:
أزور بيوتا لاصقات ببيتهاوقلبي في البيت الذي لا أزوره
إسحاق الموصلي: يا هذا أذقنا نفسك حتى إذا استعذ بناك تركتنا.
الشعبي في عبد الملك: ما رأيت أحسن حديثا منه إذا حدّث، ولا أحسن إنصاتا منه إذا حدث، ولا أحلم منه إذا خولف.
وأخطأت عنده في أربع: حدثني بحديث فقلت: أعده عليّ، فقال: أما علمت أنه لا يستعاد أمير المؤمنين؟ وقلت حين أذن لي: أنا الشعبي، فقال ما أدخلناك حتى عرفناك. كنّيت عنده رجلا، فقال: أما علمت أنه لا يكنى أحد عند أمير المؤمنين؟ وسألته أن يكتبني حديثا، فقال إنا نكتب ولا نكتب.
كانت العرب تقول: أعطني قبلك والقني متى شئت، تريد أن العبرة بخلوص الود لا بكثرة اللقاء.
بهرام جور: إذا لم تصد قلوب الأحرار بالبشر والبر فبأي شيء تصيدها؟.
زار المستعين يزيد بن محمد المهلبي فوهب له مائتي ألف وأقطعه فقال:
وخصصتني بزيارة أبقت لنامجدا على طول الزمان يؤثّل
وقضيت ديني وهو دين فادحلم يقضه مع جوده المتوكل
معاوية: نكحت النساء حتى ما أفرق بين امرأة وحائط، وأكلت حتى ما أجد ما استمرئه، وشربت الأشربة حتى رجعت إلى الماء، وركبت المطايا حتى اخترت نعلي، ولبست الثياب حتى اخترت البياض، فما بقي من اللذات ما تتوق إليه نفسي إلا محادثة أخ كريم، وأنشد:
وما بقيت من اللذات إلّامحادثة الرجال ذوي العقول
وقد كنّا نعدهم قليلافقد صاروا أقلّ من القليل
آخر:
غاب عن المجلس من لم يكنإلا به يستحسن المجلس
كذلك الريحان مستوحشما لم يكن في وسطه النرجس
آخر:
لا يجمعنّك والمعربد مجلسإلّا وترس في يسارك واق
وبكفك اليمنى حسام مرهفعضب يحز أعالي الأعناق
فبذاك تسلم أن سلمت ولا أرىإلا وترس في يسارك واق
أمر المأمون الحسن بن عيسى كاتب وزيره عمرو بن مسعدة أن يكتب كتابا، فالفتفت إلى الوزير يطلب الأمر منه، ففهمها عنه المأمون فقال: تعطي الحسن مائة ألف لانتظاره أمر صاحبه.
صلى هارون إلى جنب ابن أبي رواد، وهو مكفوف، فصافحه وقال: تعرفني؟ قال: لا، إلا أن قبضتك قبضة جبار.
الحسن: رحم الله أقواما كان إذا لقي أحدهم أخاه المسلم فسلم عليه علم ما وراء ذلك منه سليم.
وقيل له: كيف حالك؟ قال: ما ظنك بأناس ركبوا في سفينة حتى إذا توسطوا البحر انكسرت وتعلق كل إنسان بخشبة؟ فعلى أي حال هم؟ قيل: شديدة، قال: حالي أشد من حالهم.
النبي ﷺ: المجالس أمانة.
وعن عبد الملك أنه انقطع عن أصحابه فانتهى إلى أعرابي، فقال: أتعرف عبد الملك؟ قال: جائر بائر. قال ويحك! أنا عبد الملك بن مروان. قال: لا حياك الله ولا بياك ولا قربك، أكلت مال الله، وضعيت حرمته. قال: ويحك! أنا أضر وأنفع، قال: لا رزقني الله نفعك، ولا دفع عني ضرك، فلما وصلت خيله قال: يا أمير المؤمنين، أكتم ما جرى، فالمجالس أمانة.
عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
وإنا ليجري بيننا حين تلتقيحديث له وشي كوشي المطارف
حديث كوقع القطر بالمحل يستقيبه الوجد في داخل الوجه شاعف
لبيد:
ما عاتب المرء اللبيب كنفسهوالمرء يصلحه الجليس الصالح
كتب المهدي إلى الخيزران من بعض منتزهاته:
نحن في أفضل السرور ولكنليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل وديأنكم غيّب ونحن حضور
فأغذوا المسير بل إن قدرتمأن تطيروا مع الرياح فطيروا
علي ﵁: البشاشة حبالة المودة، والاحتمال قبر اليعوب.
المأمون: إثنتان لا تصنعان على موائد الملوك: نكت المخ، وكثرة أكل النقل.
بعض السلف: تعايش الناس ملء مكيال ثلثاه فطنة وثلثه تغافل.
جعفر بن محمد: عظموا أقداركم بالتغافل.
[شاعر]:
فلما بصرنا به طالعاحللنا الحبا وابتدرنا القياما
فلا تنكرن قيامي لهفإن الكريم يحب الكراما
وقال:
وفاجأتني والطرف نحوك شاخصوذكرك ما بين اللسان إلى القلب
خزامى جارية المعتز:
ذكرتكم ليلا فنور ذكركمدجى الليل حتى انجاب عنه دياجره
ولو أن ليل الدهر تحويه ليلةتقصرها ذكرى لمن أنا ذاكره
شعبة بن عبد الملك البستي:
فديت من زارني على وجلمن الأعادي وقلبه يجب
فلو خلعت الدنيا عليه لماقضيت من حقه الذي يجب
قال أبو الفتوح البستي: إن ما رغبني في استخراج هذا
التجنس أني سمعت من شعبة بيته، وأنا إذ ذاك في سن الحداثة فاستحسنتها، وحدثت نفسي في سلوك طريقته.
في نوابغ الكلم: رب زورة زائر أشد من زأرة زائر.
سأل يوسف جبرائيل ﵉ عن حزن يعقوب ﵇، فقال:
حزن سبعين ثكلى، قال: فماذا له من الأجر؟ قال: ما الله به عليم، قال: فهل تراني لاقيه؟ قال: نعم، قال ما أبالي ما رأيت إن لقيته.
رأى سعيد بن العاص شاب من قريش يمشي وحده. فمشى معه، فالتفت إليه فقال له ألك حاجة؟ قال: لا، ولكني رأيتك تمشي وحدك فأحببت أن أصل من جناحك. فدخل منزله وأخرج إليه بدرة وقال: خذها هنيئا لك فنعم ما أدبك أهلك.
وروي أنه لم يجد ما يكافئه به، فضرب على نفسه صكا بمال، فجاء به القرشي إلى ابنه فقال له: من أين لك هذا المال؟ فقص عليه القصة، فقال: لا جرم والله لأزننه لك بالوافية.
من أبطأ رسوله فما أخطأ سوله.
[شاعر]:
إذا أبطأ الرسول فقل نجاحولا تفرح إذا عجل الرسول
[آخر]:
أنعم الله بالرسول الذي أرسل والمرسل الرسالة عينا
هو بيت قديم للسلامي في عبد العزيز بن يوسف وقد وجه رسولا إلى الخليفة من جهة عضد الدولة فأحسن تبليغ الرسالة وفيه يقول:
فأثنت فضائلك الباهراتعلى ملك الدهر فيما اصطنع
طلعت فكنت كنجم الصباح دلّ على الشمس لما طلع
أبو مجلز: خرج معاوية إلى ابن الزبير وابن عامر فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير. فقال معاوية لابن عامر: إجلس فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحب أن يمثل الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار.
أبو أمامة: خرج إلينا رسول الله ﷺ متوكئا على عصا،
فقمنا إليه، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا.
أطفأ الله نفحة التهاجر بنفحة التزاور.
قال رجل لأبي الدرداء: فلان يقرئك السلام، فقال: هدية حسنة ومحمل خفيف.
جارية من العرب:
تحمل هداك الله عني تحيةإليه جديدا كل يوم سماعها
وخبر عن الوعاء أن قد توخمتإليه مراعيها وطال نزاعها
لقد قطع البين المشتت ألفةعزيز علينا أن يحم انقطاعها
مد يحيى بن خالد البرمكي يده لمصافحة معاذ بن مسلم حاجب المهدي فتجنب مصافحته، فقال: أواجد أنت؟ قال: لا، ولكني أكره أن أتلف مالي، وقال:
لست يحيى مصافحا حين ألقىأنني إن فعلت أتلفت مالي
لو يمس البخيل راحة يحيىلسخت نفسه ببذل النوال
أوسع رجل لرجل في مجلس سليمان بن عبد الملك، وكان الناس مزدحمين، فقال سليمان: ما أعظمها من يد! وأحسنه من معروف! وما ضاعت يد أودعها رجل رجلا.
سمع عمر بن عبد العزيز رجلا يقول لآخر: تحت إبطك فقال: ما على أحدكم أن يتكلم بأجمل ما يقدر عليه، يعني لو قال:
تحت يدك كان أجمل.
لما تزوج علي ﵁ النهشلية بالبصرة قعد على سريره، وأقعد الحسن عن يمينه، والحسين عن شماله، وأجلس محمد بن الحنفيّة بالحضيض، فخاف أن يجد من ذلك فقال: يا بني أنت ابني وهذان ابنا رسول الله.
دخل على علي ﵁ رجلان فألقى لهما وسادتين، فجلس أحدهما ولم يجلس الآخر، فقال له علي: إجلس فإنه لا يرد الكرامة إلا حمار.
عن النبي ﷺ: أيما رجل عرضت عليه كرامة فلا يدع أن يأخذ منها مما قل أو كثر.
إسماعيل بن سالم عن حبيب: بلغني قول رسول الله ﷺ أن أفضل المؤمنين أحسنهم خلقا.
قال حبيب: ومن حسن الخلق أن يحدث الرجل صاحبه وهو يبتسم.
وقال حبيب: من السنّة إذا حدثت القوم أن لا تقبل على رجل من بين جلسائك ولكن اجعل لكل منهم نصيبا.
قيل لعبد الله بن المبارك: كيف أصبحت؟ قال إنك تسأل
الهارب عن باب ربه عن عافية صباحه، إنما العافية للثوري وأصحابه.
هرثمة: لا يتقدم الأصاغر الأكابر إلا في ثلاث: إذا ساروا ليلا، أو خاضوا سيلا، أو وجهوا خيلا.
قال لقمان لابنه: يا بني، إذا أتيت نادي القوم فأمرهم بسهم الإسلام، ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن رأيتهم قد نطقوا في ذكر الله فاجر سهمك معهم، وإلا فتحول من عندهم إلى غيرهم.
كان الحسن اللؤلؤي الفقيه يختلف إلى المأمون وهو صبي يلقي عليه الفرائض، فنعس فأطبق جفنه، فقال الحسن: أنمت أيها الأمير؟ ففتح عينيه فقال عامي والله، لم يعذ بالأدب، خذوا بيده ولا تعدوه.
فبلغ ذلك الرشيد فتمثل بقول زهير: وهل ينبت الخطي.
دخل محمد بن عمران النخعي على المأمون فجعل يحدثه، فدعا له بتكأة، فقال: ما كنت لأتكىء بحضرة أمير المؤمنين، فقال: لتفعلن يا محمد، إن على قلبك من بدنك ثقلا ومؤونة فأردنا أن يستريح بدنك ليفرغ لنا قلبك.
النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع