تجاوز إلى المحتوى

من «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

أبي الهذيل العلاف

ويحكى عن أبي الهذيل العلاَّف أنّه كان يمرُّ في الأسواق على حمارٍ ويقول: يا قوم احذروا توبة غلامي.وكان له غلامٌ يعد نفسه التّوبة، فسقطت عليه آجرةٌ فقتلته، والدّنيا الغرَّارة ختلته.

وأوّل ما سمعت بأخبار الشّيخ، أدام الله تأثيل لفضل ببقائه، من رجلٍ واسطيٍّ يتعرّض لعلم العروض، ذكر أنّه شاهده بنصيبين، وفيها رجلٌ يعرف بأبي الحسين البصري، معلماً لبعض العلويّة، وكان غلامٌ يختلف إليه يعرف بابن الدن، وقد اجتاز الشّيخ ببلدنا والواسطيُّ يومئذٍ فيه. وقد شاهدت عند أبي أحمد عبد السّلام بن الحسين المعروف بالواجكا رحمه الله، فلقد كان من أحرار النّاس كتباً عليها سماعٌ لرجلٍ من أهل حلب، وما أشكُّ أنّه الشّيخ، أيّد الله شخصه بالتّوفيق، وهو أشهر من الأبلق العقوق، لا يفتقر إلى تعريف بالقريض، بل يصدح شرفه بغير التّعريض. قال البكريُّ النَّسابة لرؤبة: من أنت؟ قال: أنا ابن العجَّاج. قال: قصَّرت وعرَّفت. وإنّما هو في الاشتهار، كما سطع من ضوء نهارٍ، وكما قال الطائيُّ:

تحميه لألاؤه أو لو ذعيتَّهمن أن يذال بمن أو ممَّن الرّجل؟

وإن تناسخت الأمم في العصور، فهو عليُّ بن منصور الذي مدحه الجعفيُّ، فقال والخالق وفيّ:

في رتبةٍ حجب الورى عن نيلهاوعلا، فسمّوه عليَّ الحاجبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

حجب طلاب الأدب عن تلك الرّتبة، ونزل بالمشّامخة لا العتبة. وأمّا العلماء الذين لقيهم، فأولئك مصابيح النّاجية وكواكب الدّاجية، وإنَّ في النّظر إليهم لشرفاً، فكيف بمن اغترف من كلِّ بحرٍ وجد غرفاً؟ وإنّما أقول ذلك على الاقتصار، ولعلَّه قد نزف بحارهم بالقلم والفهم، وفتحوا له أغلاق البهم جمع بهمةٍ وهو الأمر الذي لا يهتدى له فأخذ عن الكتابيّ سور التنّزيل، وفاز بثواب جزيل، فكأنما لقنّه إيّاه الرّسول، وبدون تلك الدّرجة يبلغ السُّول. أو أخذها عن جبرئيل، فى غير ولا تبديل. وسهّلوا له ما صعب من جبال العربيّة، فصارت حزونة كتاب سيبويه عنده كالدِّمات، وغني في اللُّجج عن ركوب الأرماث.

وأمّا انحيازه إلى أبي الحسن، رحمه الله، فقد كان ذلك الرّجل سيَّداً، ولمن ضعف من أهل الأدب مؤيَّداً، ولمن قوي منهم وادّاً، ودونه لللنوب محاداً، وكان كما قال القائل:

وإذا رأيت صديقه وشقيقهلم تدر أيهما ذوو الأرحام

وكما قال الطّائيّ:

كلُّ شعبٍ كنتم به آل وهبفهو عبي وشعب كل أديب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»

والمثل السّائر: على أهلها تجني براقش. وذكر الصُّوليّ أنّه دخل على المتَّقي بعدما قتل بنو حمدان محمّد بن رائق، فسأله عن أبيات نهشل بن حرِّيّ:

ومولىّ عصاني واستبدَّ برأيهكما لم يطع بالبفتين قصير
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
فلما رأى ما غب أمري وأمرهوناءت بأعجاز الأمور صدور
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
تمنَّى نئيشاً أن يكون أطاعنيوقد حدثت بعد الأمور أمور
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

يقال: فعل كذا نئيشاً، أي بعدما فات، قال الشاعر:

إنّك يا قطين ولت منهملألأم مالك عقباً وريشاً
تناءت منكم عدس بن زيدٍفلم تعرفكم إلا نئيشاً

وما زال الشّبان المحسون من أنفسهم بالنهضة، يبغون ما شرف من المراهص، وكيف بالسّلامة من الواهص؟ والمثل السّائر: رأي الشّيخ خير من مشهد الغلام. وربمّا سار الطّالب سورّة، فواجهت من القدر زورةّ، إنّ الغفة من العيش، لتغني المجتهد عن البري والرّيش، ولكن لا موئل من القضاء المحتوم، وآهٍ من عمرٍ بالتّلف مختوم:

وسورة علمٍ لن تسَّدد، فأصبحتوما يتمارى أنّها سورة الجهل

وأمّا حججه الخمس فهو، إن شاء الله، يستغني في المحشر بالأولى منهن، وينظر في المتأخرين من أهل العلم، فلا ريب أنّه يجد فيهم من لم يحجج، فيتصدّق عليهم بالأربع.

وكأنّي به وعماعم الحجيج، يرفعون التّلبية بالعجيج، وهو يفكر في تلبيات العرب وأنّها جاءت على ثلاثة أنواع: مسجوع لا وزن له، ومنهوك، ومشطورٍ.

فالمسجوع كقولهم:

ليبك ربنّا لَّبيكوالخير كله بيديك

والمنهوك على نوعين: أحدهما من الرَّجز، والأخر من المنسرح، فالذي من الرَّجز كقولهم:

لبيك إن الحمد لكوالملك لا شريك لك
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إلهنا ما أعدلك»
إلا شريك هو لكتملكه وما ملك

أبو بناتٍ بفدك

فهذه من تلبيات الجاهليّة، وفدك يومئذ فيها أصنام، وكقولهم:

لبيك يا معطي الأمرلبيّك عن بني النّمر
جئناك في العام الزَّمرنأمل غيثاً ينهمر

يطرق بالسيّل الخمر.

والذي من المنسوج جنسان: أحدهما في آخره ساكنان، كقولهم:

لبيك ربَّ همدانمن شاحطٍ ومن دان
جئناك نبغي الإحسانبكلّ حرفٍ مذعان
نطوي إليك الغيطان:نأمل فضل الفغران

والآخر لا يجتمع فيه ساكنان كقولهم:

لبيك عن بجيلةالفخمة الرّجيلة
ونعمت القبيلةجاءتك بالوسيله

نؤّمل الفضيله

وربّما جاؤوا به على قوافٍ مختلفة، كما رورا في تلبية بكر بن وائل:

لبيك حقاً حقاًتعبّداً ورقاً
جئناك النَّصاحهلم نأت للرَّقاحه

والمشطور جنسان: أحدهما عند الخليل من الرّجز، كما روي في تلبية تميم:

لبيك لولا أنّ بكراً دونكايشكرك الناس ويكفرونكا

ما زال منّا عثج يأتونكا

والآخر من السريع وهو نوعان: أحدهما يلتقي فيه ساكنان كما يروون في تلبية همدان:

لبيك مع كل قبيلٍ لبوكهمدان أبناء الملوك تدعوك
قد تركوا أصنامهم وأنتابوكفاسمع دعاءً في جميع الأملوك

قوهم: لبَوك، أي لزموا أمرك، ومن روى: لبَّوك، فهو سناد مكروه.

والمشطور الذي لا يجتمع فيه ساكنان كقولهم:

لبيك عن سعدٍ وعن بنيهاوعن نساءٍ خلفها تعنيها

سارت إلى الرّحمة تجتنيها

والموزون من التلبية يجب أن يكون كلهّ من الرجز عند العرب، ولم تأت التلبية بالقصيد. ولعّلهم قد لبّوا به ولم تنقله الرّواة.

وكأني به لمّا اعتزم على استلام الرّكن، وقد ذكر البيتين اللذّين ذكرهما المفجع في حدَّ الإعراب:

لو كان حياّ قبلهن ظعائناًحيَّا الحطيم وجوهنَّ وزمزم
للشاعر العرجي، من قصيدة «لو كان حيا قبلهن ظعائنا»
لكنَّه عمّا يطيف بركنهمنهنَّ صمّاء الصدى مستعجم

فيعجب من خروجه من المذكَّر إلى المؤنث. وإذا حمل هذا على إقامة الصفّة مقام الموصوف لم يبعد.

وكذلك يذكر قول الآخر:

ذكرتك والحجيج له عجيجٌبمكثة والقلوب لها وجيب
فقلت ونحن في بلدٍ حرامٍبه لله أخلصت القلوب
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
أتوب إليك يا ربّاه ممّاجنيت فقد تظاهرت الذّنوب
فأمّا من هوى ليلى وحبِّيزيارتها، فإنِّي لا أتوب

فيقول: أليس قال البصريون إنَّ هاء النُّدبة لا تثبت في الوصل والهاء في قوله: يا ربَّاه، مثل تلك الهاء ليس بينهما فرقٌ؟ ولكن يجوز أن يكون مغزاهم في ذلك المنثور من الكلام، إذ كان المنظوم يحتمل أشياء لا يحتملها سواه، ولعلّه قد ذكر هذه الأبيات في الطَّواف:

أطوِّف بالبيت فيمن يطوِّفوأرفع من مئزري المسبل
وأسجد باللّيل حتى الصّباحوأتلو من المحكم المنزل
عسى فارج الكرب عن يوسفٍيسخِّر لي ربَّة المحمل

فقال: ما أيسر لفظ هذه الأبيات لولا أنّه حذف أن من خبر عسى! فسبحان الله، لا تعدم الحسناء ذاماً، وأيُّ الرّجال المهذَّب، وذكر عند النَّفر وتفرُّق الناس هذين البيتين:

ودّعي القلب يا قريب وجوديلمحبٍّ فراقه قد أحمّا
ليس بين الحياة والموت إلاَّأن يرّدوا جمالهم فتزمّا

وقول قيس بن الخطيم:

ديار التي كادت ونحن على منىتحلُّ بنا، لولا نجاء الرّكائب
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
ولم أرها إلاَّ ثلاثاً على منىوعهدي بها عذراء ذات ذوائب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «سأبكي على ما فات مني صبابة»
تبدّت لنا كالشّمس تحت غمامةٍبدا حاجب ٌ منها، وضنَّت بحاجب
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «إذا الحاجب المذموم عن حلب مضى»

وميّز بين هذين الوجهين في قوله: تحلُّ بنا، لأنََّه يحتمل أن يكون: تحلّ فينا، وقد يجوز أن يريد: تحلنا، كما يقال: انزل بنا هاهنا، أي أنزلنا، ومنه قوله:

كما زلَّت الصّفواء بالمتنزل

وإن كانت الحجج التي أتى بها مع مجاورةٍ، فقد أقام بمكّة حتى صار أعلم بها من ابن داية بوكره، والكدريِّ بأفاحيصه، والحرباء بتنضبته.

وإن كان سافر إلى اليمن أو غيره، وجعل يحجُّها في كلّ سنة، فذلك أعظم درجة في الثّواب، وأجدر بالوصول إلى محلِّ الآوَّاب. ولعلّه قد وقف بالمغمِّس وترحَّم على طفيلٍ الغنوي لقوله:

هل حبل شماء بعد الهجر موصولأم أنت عنها بعيد الدّار مشغول؟
إن هي أحوى من الرِّبعي، حاجبهوالعين بالإثمد الحاري مكحول
ترعى أسرة مولّيٍ أطاع لهابالجزع، حيث عصى أصحابه الفيل

وإنّما أطلقت التّرحُّم على طفيلٍ إذ كان بعض الرّواة يزعم أنَّه أدرك الإسلام، وروى له مدحٌ في النبي صلّى الله عليه وسلم، ولم أسمعه في ديوانه، وهو:

وأبيك خيرٍ إنَّ إبل محمّدٍعزلٌ تماوح أن تهبَّ شمال
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «وأبيك خير إن إبل محمد»
وإذا رأين لدى الفناء غريبةًفاضت لهنَّ من الدّموع سجال
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «وأبيك خير إن إبل محمد»
وترى لها حدَّ الشّتاء على الثّرىرخماً، وما تحيا لهنّ فصال
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «وأبيك خير إن إبل محمد»

وأنشد أبيات ابن أبي الصّلت الثّقفي:

إن آيات ربنا ظاهراتٌما تمارى فيهنّ إلا الكفور
حبس الفيل بالمغمَّس حتىظلَّ يحبو، كأنَّه معقور
كلُّ دين يوم القيامة عند اللهإلاَّ دين الحنفية بور
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «إن آيات ربنا باقيات»

وما عدم أن تخطر له أبيات نفيلٍ:

ألا حييت عنّا ردينانعمناكم مع الإصباح عينا
ردينة لو رأيت، فلا تريهلدى جنب المغمِّس ما رأينا
إذا لعذرتني ورضيت أمريولم تأسي على مافات بينا
حمدت الله إذ أبصرت طيراًوحصب حجارةً تلقى علينا
وكلُّ القوم يسل عن نفيلٍكأنَّ عليَّ للحبشان دينا!

وليت شعري أقارناً أهلّ أم مفرداً؟ وأرجو أن لا تكون لقيته بمكَّة شهلةٌ تعرض عليه فتيا ابن عبّاسٍ، حلف ما بها من باسٍ، فتذكَّر قول القائل:

قالت، وقد طفت سبعاً حول كعبتها:هل لك يا شيخ في فتيا ابن عبّاس؟
هل لك في رخصة الأطراف ناعمةٍتمسي ضجيعك حتى مصدر النّاس

فأمّا المنتسبون إلى جوهرٍ، فالجوهر بعد إدراك الحظِّ، يرجع إلى تغيير وتشظٍّ، كم درّةٍ في تاج ملك، لمّا رمي بالمهلك، فضتَّها من الأسف حظاياه، وهل تثني من الأجل سراياه؟ وأخرى على نحر كعاب، شطَّت عن الدَّنس والعاب، منيت بالنقابة أو النُّحاز، فجعلتها الوالدة في منحاز.

وكأنّي به وقد مرَّّ بأنطاكية فذكر قول امرىء القيس:

علون بأنطاكيَّةٍ فوق عقمةٍكجرمة نحلٍ أو كجنّة يثرب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

وخطر له أن النّطك وهو اللّفظ الذي يجب أن يشتق منه أنطاكية لو كانت عربيّةً، مهملٌ لم يحكه مشهورٌ من الثِّقات. ولمّا مرَّ بملطية أنكر وزنها وقال: فعلية، مثالٌ لم يذكر، وإذا حملناها على التّصريف وجب أن تكون ياؤها زائدةً لأن قبلها ثلاثةً من الأصول.

وأمّا صديقه الذي جدب عند السَّبر، فهو يعرف المثل: أعرض عن ذي قبر، إذا حجز دون الشّخص ترابٌ، فقد تقضَّت الآراب، من ليم في حال حياته، استحقَّ المعذرة في مماته، ولعله نطق بما نطق في معنى انبساطٍ، لا وهو بالكلم ساطٍ، ومن غفر ذنب حيٍّ وهو يلحق به الأذاة، فكيف لا يغفر له بعد الميتة وقد عدم منه الشَّذاة؟ وسلامٌ على رمسٍ من مخالسٍ، يعدل بألف تسليمةٍ في المجالس، وهو يعرف ما قالوه في معنى البيت:

وآتي صاحبي حيث ودَّعا...................

أي أزور قبره.

وأمّا الذي أنكره من البديه، فمولاي الشّيخ مكرَّرٌ في الأدب تكرير الحسن والحسين في آل هاشم، والوشم المرجَّع بكفِّ الواشم، وهل يعجب لسعجةٍ من قمريّ، أو قطرةٍ تسبق من السّحاب المريّ؟ ولو باده خزامى عالجٍ بالرائحة لجاز أن يرعف غضيضها، أو البروق الوامضة لما امتنع أن يعجل وميضها. وفي النّاس من يكون طبعه المماظَّة، فيؤذي الجليس، ويكثر التّدليس وهو يعلم أنّه فاضل، لا ينضله في الرّمي مناضل.

البديه ينقسم أفانين، ويصرّف للنّفر أظانين.فمنه القبل، ولعلّه فيه أجرى من سبل، أو هو السَّبل. والمراد بسبل الفرس الأنثى المعروفة، والسَّبل: المطر، وبديه التّمليط، ولا تجود الرّاسية بالسَّليط، وبديه الإعنات، وذلك الموقظ من السِّنات، وهو يختلف كاختلاف الأشكال، ولا ينهض به ذو الوكال، وأمّا أبو عبد الله بن خالويه وإحضاره للبحث النُّسخ، فإنّه ما عجز ولا أفسخ أي نسي ولكن الحازم يريد استظهاراً، ويزيد على الشّهادة الثانية ظهاراً:

أرى الحاجات عند أبي خبيبٍنكدن، ولا أميَّة في البلاد
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة

أين كأبي عبد الله؟ لقد عدمه الشّام! فكان كمكَّة إذ فقد هشام، عنيت هشام بن المغيرة، لأنَّ الشاعر رثاه فقال:

أصبح بطن مكَّة مقشعرّاًكأنَّ الأرض ليس بها هشام
يظلُّ كأنّه أثناء سوطٍوفوق جفانه شحمٌ ركام
فللكبراء أكلٌ كيف شاءواوللصُّغراء حملٌ واقتثام

وأبو الطيب اللّغوي اسمه عبد الواحد بن عليٍّ، له كتابٌ في الإتباع صغير على حروف المعجم في أيدي البغداديين، وله كتابٌ يعرف بكتاب الإبدال، قد نحا به نحو كتاب يعقوب في القلب، وكتابٌ يعرف بشجر الدرِّ، سلك به مسلك أبي عمر في المداخل، وكتابٌ في الفرق قد أكثر فيه وأسهب. ولا شكَّ أنَّه قد ضاع كثيرٌ من كتبه وتصنيفاته، لأنّ الرّوم قتلوه وأباه في فتح حلب. وكان ابن خلويه يلقبِّه قرموطة الكبرثل، يريد دحروجة الجمل، لأنّه كان قصيراً.

وحدّثني الثقه أنّه كان في مجلس أبي عبد الله بن خالويه وقد جاءه رسول سيف الدّولة يأمره بالحضور ويقول له: قد جاء رجلٌ لغويُّ، يعني أبا الطّيب هذا، قال المحدِّث: فقمت من عنده ومضيت إلىالمتنبي فحكيت له الحكاية، فقال: السّاعة يسلء الرّجل عن شوط براحٍ، والعلَّوض، ونحو ذلك، يعني أنّه يعنته.

وكان أبو الطيب اللّغوي بينه وبين أبي العبّاس بن كاتب البكتمريّ مودّةٌ ومؤانسةٌ، وله يقول:

يا عبد إنّك عند القلب جنتَّهحبّاً، وإّنَك عند الطَّرف ناظره
للشاعر أبو العباس ابن الكاتب الشامي البكتمري، اقرأ القصيدة
أزمعت سيراً، فقل ما أنت قائلهواذكر لراعي الهوى، ما أنت ذاكره
للشاعر أبو العباس ابن الكاتب الشامي البكتمري، اقرأ القصيدة
لا أشتكي سهراً طالت مسافتهاللّيل يعلم أنّي الدّهر ساهره
للشاعر أبو العباس ابن الكاتب الشامي البكتمري، اقرأ القصيدة

قوله: يا عبد، يريد: يا عبد الواحد، كما قال عديُّ بن زيد في الأبيات الصادية التي مضت:

غيبَّت عنّي عبد في ساعه الشَّرّوجنِّبت أوان العويص
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

يريد عبد هندٍ، وقد كان أبو الطيب يتعاطى شيئاً من النَّظم.

وقد علم الله أنّي لا في العير ولا في النّفير، ومن للجارمة بالتّكفير؟ كلَّما رغبت في الخمول، قدِّر لي غير المأمول، كان حقُّ الشّيخ إذ أقام في معرَّة النّعمان سنةً ان لا يسمع لي بذكرٍ، ولا أخطر له على فكر، والآن فقد غمر إفضاله، وأظلَّني دوح أدبه لا ضاله، وجاءتني منه فرائد لو تمثِّلت لواحدة منها تومةً، لم تكن بالصحف مكتومةً، ولاستغنى بثمنها القبيل، وعمر إليها السّبيل؛ ينظر منها النّاظر إلى جوهرةٍ، مثل الزّهرة، كما قال الرّاجز:

ذهب لمّا أن رآها تزمرهوقال: يا قوم، رأيت منكرة

شذرة واد إذ رأيت الزُّهرة

وبعضهم يروي: ترمله، مكان: تزمره، وهي أكثر الرّوايتين على ما فيها من الإكفاء.

وهو، أدام الله عزَّ الأدب بحياته، كريم الطّبع والكريم يخدع، ومن سمع جاز أن يخال، والجندل لا ينتج الرِّخال، وأمَّا ما ذكره من ميله في مصر إلى بعض اللّذات، فهو يعرف الحديث: أريحوا القلوب تع الذِّكر. وقال أحيحة بن الجلاح:

صحوت عن الصِّبا واللهو غولونفس المرء آونة ملول

وكان ينبغي أن يكون في هذا الوقت يضبط ما معه من الأدب بدرس من يدرس عليه، إذ كانت السِّنُّ لابدَّ لها من تأثير، وأن ترمي بقلَّةٍ كلَّ كثيرٍ، ولكنَّ قطرته الفاردة تغرَّق، ونفسه إذا برد يحرِّق، وقال رجلٌ من قريش:

لله درّي حين أدركني البلىعلى أيِّما تأتي الحوادث أندم؟؟!
ألم أجتل البيضاء يبرق حجلهالها بشرٌ صافٍ ووجهٌ مقسَّم؟
ولم أصطبح قبل العواذل شربةًمشعشعةً، كأنَّ عاتقها الدّم

ولعلّه قد قضى الأرب من ذلك كلَّه، والأشياء لها أواخر، وإنَّما العاجلة سرابٌ ساخر، وقد عاشر ملوكاً ووزراء، فلا منقصة ولا إزراء، وقد سمع نبأ النّعمان الأكبر، إذ فارق ملكه فراق المعبر، وتعوَّض من الحرير المسوح، ورغب في أن يسوح، وإيّاه عنى العباديُّ في قوله:

وتذكَّر ربَّ الخورنق إذ فكَّر يوماً وللهدى تفكير
سرَّه ملكه وثرة ما يملك والبحر معرضاً والسّدير
فارعوى جهله فقال: وما غبطة حيٍّ إلى الممات يصير؟

والسُّكر محرَّمٌ في كلِّ الملل، ويقال: إنّ الهند لا يملِّكون عليهم رجلاً يشرب مسكراً، لأنّهم يرونه منكراً، ويقولون: يجوز أن يحدث في المملكة نبأٌ الملك سكران، فإذا الملك المتبع هكران.

لعنت القهوة، فكم تهبط بها رهوةٌ؛ لا خيرة في الخمر، توطىء على مثل الجمر. من اصطبح فيهجاً، فقد سلك إلى الدّهية منهجاً. من اغتبق أمَّ ليلى، فقد سحب في الباطل ذيلاً. من غري بأمَّ زنبق، فقد سمح بالعقل الموبق. من حمل بالرّاحة راحاً، فقد أسرع للرّشد سراحاً. من رضي بصحبة العقار فقد خلع ثوب الوقار. من أدمن قرقفاً، فليس على الواضحة موقفاً. من سدك بالخرطوم، رجع إلى حال المفطوم. المواظبة على العانِّي، تمنع بلوغ الأماني. الخيبة لسبيئةٍ، تخرج من سرٍّ كلَّ خبيئةٍ. لا فائدة في الكميت، جعل حيَّها مثل الميت. من بلي بالصَّرخديّ، لم يكن من الفاضحة بالمفديّ. ما أخون عهود السُّلاف، تنفض مرير الأحلاف. أمّا السُّلافة، فسلٌّ وآفة. كم شابٍّ في بني كلابٍ، مات غبطةً، وما بلغ من الدّنيا غبطة؟! رماه بسحافٍ قاتلٍ، إدمان المعتقَّة ذات المخاتل. من بكر إلى الشَّمول، فرأيه ينظر بطرف مسمول. أقلُّ عنتاً من كرينة، ليثٌ زأر في العرينة. كم بربطٍ، عصف بجعد وسبط! كم مزهرٍ، أوقع هاجداً في السَّهر! وهو يعرف أبيات المتنخِّل:

ممّا أقضِّي ومحار الفتىللضبع والشيبة والمقتل
للشاعر المتنخل، من قصيدة «هل تعرف المنزل بالأهيل»
إن يمس نشوان بمصروفةٍمنها بنيءٍ، وعلى مرجل
للشاعر المتنخل، من قصيدة «هل تعرف المنزل بالأهيل»
لا تقه الموت وقيّاتهخطَّ له ذلك في المحبل
للشاعر المتنخل، من قصيدة «هل تعرف المنزل بالأهيل»

وينبغي أن يزِّهده في الصّهباء الصّافية، أن نداماه الأكرمين أصبحوا في الأجداث العافية، كم جلس مع فتيانٍ، أتى عليهم الزّمن كلَّ الإتيان، فكان كما قال الجعديُّ:

تذكّرت والذّكرى تهيج لي الهوىومن حاجة المحزون أن يتذكّرا
نداماي عند المنذر بن محرِّقٍفأصبح منهم ظاهر الأرض مقفرا

وهو يعرف الأبيات التي أوّلها:

خليليَّ هبَّا طال ما قد رقدتماأجدّكما لا تقضيان كراكما؟

وهل يعجز أن يكون كما قال الآخر:

أمّا الطّلاء فإنّى لست ذائقهاحتى ألاقي بعد الموت جبَّارا

كأنّه كان نديمه على الطِّلاء، فلمّا رماه التّلف من غير بلاء، حرَّم عليه شربها، حتى تسكنه الرّاكدة تربها.

وسرَّتني فيئة الدّنانير إليه، فتلك أعوانٌ، تشتبه منها الألوان، ولها على النّاس حقوقٌ، تبرُّ إن خيف عقوق.

قال عمرو بن العاص لمعاوية: رأيت في النّوم أن القيامة قد قامت وجيء بك وقد ألجمك العرق. فقال معاوية: هل رأيت ثمَّ من دنانير مصر شيئاً؟ وهذه لا ريب من دنانير مضر لم تجيء من عند السُّوق، ولكن من عند الملوك، ولم تكن مهر هلوك، فالحمد لله الذي سلَّمها إلى هذا الوقت ولم تكن كذهبٍ مخزونٍ، صار إلى الخمّارة مع الموزون، كما قال:

وخمَّارةٍ من بناتٍ المجوسترى الزِّقَّ في بيتها شائلا
وزنَّا لها ذهباً جامداًفكالت لنا ذهباً سائلا

ولا ألغز عنها هذا البيت:

دنانيرنا من قرن ثورٍ، ولم تكنمن الذهب المضروب بين الصّفائح

لو رآها المرقِّش لعلم أنّها أحسن من وجوه حبائبه، لمَّا غدا الظّاعن بربائبه، فقال:

النَّشر مسكٌ، والوجوه دنانيرٌ، وأطراف الأكفِّ عنم
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «شمس تجلت تحت ثوب ظلم»

وإنها لأحسن من الوجوه التي ذكرها الجعدي، وزعم أن حسنها بديّ، فقال:

في فتوٍ شمّ العرانين أمثال الدّنانير شفن بالمثقال

أخذت من جوائز كرامٍ صيدٍ، تارةً بالخدمة وتارة بالقصيد، ولم تكن في العيدية مرهناتٍ، ولا عند الغرض موهناتٍ، كما قال ردَّادٌ الكلابيُّ:

يطوي ابن سلمى بها عن راكبٍ بعراًعيديَّة، أرهنت فيها الدّنانير

وهي عند البله والكيس، أجود من الخاتم الذي ذكره ابن فيسٍ، فقال:

إن ختمت جاز طين خاتمهاكما تجوز العبديّة العتق
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

أراد بالعبدية دنانير نسبها إلى عبد الملك بن مروان، ويقال إنّه أول من ضرب الدّنانير في الإسلام، وجلتّ عن نقد الصّيرفي، وهي الرّواجح لدى الميزان الوفّي، حاش الله أن تكون كما قال الفرزدق:

تنفى يداها الحصى في كلّ هاجرةٍنفي الدّنانير تنقاد الصّياريف

وهذا البيت ينشد على وجهين: الدّنانير والدّارهيم، ولا هي من دنانير أيلة، باع بها البائع نخيله، وإنمّا ذكروا دنانير أيلة لأنهّا كانت في حيّز الرّوم فتأتيها الدَّنانر من الشام، قال:

وما هبرزي من دنانير أيلةٍبايدي الوشاة مشرقاً يتأكَّل

لوشاة: النقاشون الذين يشونه ولو رآها الضبيّ محرزٌ، لشهد أنهّا حين تبرز، أجلُّ من تلك القسمات وإن كانت في أوجه ذي سماتٍ، قال:

كأن دنانيراً عى قسماتهموإن كان قد شفّ الوجوه لقاء

ومعاذ الله أن نقرن بحوذان وادٍ، سقته روائح وغوادٍ، حتى إذا القيظ وهج، تمزّق ما لبس وانهج، قال الشاعر:

وربَّ وادٍ سقاه كوكب أمرفيه الأوابد والأدم اليعافير
هبطته غادياً والشّمس شارقةكأن حوذانه فيه الدّنانير

ولو أخذ مثلها النّادم على بيع كميته، لأسكنت البهجة في خلده وبيته، ولم يأسف أن عوض حماراً من فرس، ولوجد على الشّكوى ذا خرسٍ، ولم يقل:

ندمت على بيع الكميت، وأنمّاحياة الفتى هم له وخسار
وامّا أتاني بالدنّانير سائميأصاخت وهشت للبياع نوار
وقالت: أتم البيع واشتر غيرهفحولك في المشتى بنون صغار
فأنفقت فيهم ما أخذت، ولم يزللدي شراب راهن وقتار
إلى أن تداعى الجند بالغزو وانجلتغوم شتاء سحبهن غزا
وأعوزني مهر يكون مكانهكأن ليس ين العالمين مهار
وسار على الخل المغذَّة صحبتيوسرت وتحتي للشقاء حمار

ولله المنّة كما نجّاها بالقدر من بكورٍ، ليس من بكره بالمشكور، يحمل معه دنانير، ولا يصحب من القوم صنانير، أي بخلاء فيقيم بهم في الدَّسكرة أيامّاً، أيقاظاً في السكر أو نياماً، فتفني الذَّهب أقداح، كأنّها جزور الميسر وهي القداح قال الجعدي:

ود سكرةٍ صوت أبوابهاكصوت المواتح في الحوأب
سبقت إليها صياح الدّيوكوصوت نواقي لم تضرب

وقال آخر:

وقبضةٍ من دنانير غدوت بهاللدّسكري وحولي فتية مح
ولم يزل ثمّ يسقينا ويأخذهاحتى استقلَّ بما في الصّرَّة القدح

ولو كان الشيخ أدرك من تقدم من الملوك، لكن كلّ واخد منها كالذي قال فيه القائل:

وأصفر من ضرب دار الملوكيلوح على وجهه جعفر
يزيد على مائة واحداًإذا ناله معشرٌ أيسروا

ودنانيره، بإذن الله، مقدَّسات، ما هنَّ بالحرج ملدسات، والحزامة من سومه وشيمه، فلا يدفع إلى مقارض شيئاً من عيمه أي مختاراته وفي الكتاب العزيز: « ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدَّه إليك » وهذا قيل لرسول الله: وقد كان في زمانه من تخرج، يتضمخ بالنسك ويتأرخ، فأما اليوم فلو أمن كتابي على نميٍَّ، لأسرعت إليه الظنَّن إسراع رميّ والرَّمي ههنا سحاب سريع الإقشاع، من قول الهذلي:

أولئك و دعوت أتاك منهمرجال مثل أرمية الحميم

وما عنيت بالكتابي، من نسب إلى توارةٍ وإنجيل، دون من نسب إلى القرآن البجيل، على أنّه لا بدّ من أمانةٍ مفترقة في البلاد، تكون للخيّر من التّلاد، وإنّها في الآخرة لأشرف، وأرحض لما يقترف، فليشفق على الصّبابة، إشفاق الندَّس ذي اللَّبابة، فكل واحدٍ منها دينار أعزةٍ، يبعث الرّابي على الهزّة، كما قال سحيم:

تريك غداة البين كفاً ومعصماًووجهاّ كدينار الأعزَّة صافيا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

ولو نظر إليه قيس بن الخطيم لما شبّه به وجه كنوده، وجعله من أنصر جنوده، ولم يسمح أن يقول:

صرمت اليوم حبلك من كنودالتبدل وصلها وصلاً جديدا
عشيَّة طالعت فأرتك قصراًمحاسن فخمة منها وجيدا
ووجهاً خلته لمّا بدا ليغداة البين ديناراً نقيدا
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

ولمثله قصد ربيعة بن المكدَّم، لمّا أيقن بحتفٍ مقدَّم، فقال:

شديّ علىَّ العصب أنَّ سيّارفقد رزيت فارساً كالدّينار

أو ملكه مالك بن دينار مع زهده، وبلوغه في الورع أقصى جهده، لجاز أن يحجأ به على دينار أبيه، وقد يكذب قائل في التشبيه.

وكلّ هبرزيٍ من هذه الصُّفر المباركة، أبلغ في قضاء الحاجة من دينارٍ الذي اختاره للمأربة قائل هذا البيت:

هل أنت باعث دينارٍ لحاجتناأو عبد ربٍ أخا عون بن مخراق
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «هل أنت باعث دينار لحاجتنا»

وهذا البيت يتداوله النحويوّن، وزعم بعض المتأخرين من أهل العلم أنّه مصنوع، وما أجدره بذلك! فأمّا قول الفرزدق:

رأيت ابن دينارٍ يزيد رمى بهإلى الشام يوم العنز، والله قاتله

و كان دينار هذا المذكور كأحد هذه الدّنانير، لأرب به أن ينسب إليه يزيد، وأين هي من دنانير النّخَّة التي قال في واحدها القائل:

عميّ الذي منع الدّينار ضاحيّةّدينار نخَّة جرمٍ وهو مشهود

ودينار النَّخَّة دينار كان يأخذه المصدَّق إذا فرغ من الجباية، وكل نقيشٍ من هذه الرّاجعة بعد اليأس، أنقع لغليل الصَّديان، من دينار الذي دعاه لسقيه راكب فلاةٍ، وهو على كور علاةٍ فقال:

أقول لدينارٍ وهنَ شوائلبنا كنعامٍ طالبات رئال
لكّ الويل أدركني بشربة آجنمن الماء، ما مشروبها بزلال
فما كاد دينار يغيث بنطفةحشاشة نفسٍ آذنت بزوال

ولا هو كدينار الأخطل الذي ذكره في قوله:

كمت ثلاثة أحوال بطينتهاحتى اشتراها عبادي بدينار
لو وقع إلى عبادي لما مذلبه لخمَّار، ولو حسب في الضمَّار

ولا كالدّينار في البيت الذي أنشده أبو عمرو الزّاهد:

وفي الكتاب أسطر محكوكهلا حظَّ في الدّينار للكاروكه

زعم أن الكاروكة القوادة، والعجب لها تفر من بنان السّارق، فرار دنانير الشَّارق، وصفها أبو الطيب فقال:

وألقى الشّرق منها في ثيابيدنانيراً تفر من البنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

لو رآها كثيرَّ عزة لآلى أوكد أليةٍ، أنّها أحسن من الهرقليَّة، التي شبه بمنفردها نفسه فقال:

يروق عيون النّاظرين كأنّههرقلي وزنٍ، أحمر التبّر، راجح
وإن كانت زائدة على الثمانينفقد أوفت على عدَّة أصحاب

موسى الذين جاء فيهم: « واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا » وعلى عدّة الاستغفار المذكور في قوله: « إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم »، وعلى عدّة أذرع السّلسلة في قوله تعالى: « في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه ».

ولو كان الإنسان في قليب عمقه ثمانون قامةً، جاز أن تستنقذه هذه المصفرَّة من غير مرضٍ، والزّائلة بما يعترض من الجرض وإنّما ذكرت ذلك لقول الأعشى:

ولو كنت في جبٍ ثمانين قامةًورقيِّت أسباب السّماء بسَّلم

ولو كانت سنو زهير مثلها لما وصف نفه بالسآمة، ولكانت له أنهض قامة والقامة الأعوان، كأنّها جمع قائم. قال الرّاجز:

وقامني ربيعة بن كعبحسبك ما عندهم وحسبي

ولو أدركه عروة بن حزام وهو يقول:

يكلفّني عمّي ثمانين ناقةوما لي يا عفراء غير ثمان

لجاز أن يرقّ له فيغيثه من هذه الثّمانين ببعضها أو يسمح له بكلّها، لأنّه كريم طبع، وعوده في النُّوب عود نبعٍ؛ ولو صارت في يد عروة هذه الثمانون، لبلغ بها الأمنية لأنّ النّاقة في ذلك الزّمان كانت ربّما اشتريت بعشرةٍ دراهم.

النص من «رسالة الغفران» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.