تجاوز إلى المحتوى

من «ضرائر الشعر» لابن عصفور (ت ٦٦٩هـ)

فصل الزيادة

وهي منحصرة في: زيادة حركة، وزيادة حرف، وزيادة كلمة، وزيادة جملة. فأما زيادة الحركة فنحو قول رؤبة:

وقاتمِ الأعماقِخاوي المخترق
مشتبه الأعلامِلماع الخَفَق

يريد: الخفق، فحرك الفاء لما اضطر إلى حركتها بالفتح، اتباعاً لحركة الخاء. ومثل ذلك قوله:

صوادق العقبِمهاذيب الوَلَق

يريد: الولق، وقول زهير:

ثم استمروا وقالوا إن منزلكمماء بشرقي سلمى فيد أوركك

وإنما اسم الماء رك، وقوله أيضاً في هذه القصيدة:

كما استغاث بسيئ فز غيطلةخاف العيون فلم ينظر به الحشك

يريد: الحشك، وهو امتلاء الضرع: حشك يحشك حشكا، وقول الهذلي:

إذا تجرد نوح قامتا معهضرياً أليماً بسبت يلعج الجلدا
للشاعر عبد مناف الهذلي، اقرأ القصيدة

وقول طرفة:

أيها الفتيان في مجلسناجردوا منها وراداً وشُقُر
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أصحوت اليوم أم شاقتك هر»

يريد: شقرا، فحرك القاف بحركة الشين ووقف على المنصوب بحذف التنوين، وقول الآخر:

قضين حجا وحاجات على عجلِثم استدرن إلينا ليلة النّفرِ
للشاعر جران العود النمري، اقرأ القصيدة

يريد: النفر.

فأما قول الآخر:

تقول عِرسي إذرأتني كالنَّسِرْ

أسود كالقفة محروم الصَّدر

وقول الآخر:

أنا ابن ماويةإذ جد النَّقُر

فليس من هذا النوع، إنما هو من باب إلقاء حركة الحرف الآخر على الساكن الذي قبله في الوقف. وهو جيد في الكلام والشعر.

ومن زيادة الحركة أيضاً قول قعنب ابن أم صاحب

مهلاً أعاذلَ قد جربت من خلقيأني أجود لأقوام وإن ضننوا

يريد: ضنوا، وقول الآخر:

وإن رأيتالحِججَ الرواددا
قواصرا بالعمرأو مواددا

يريد: الرواد، والمواد.

فأما قول العجاج:

يشكو الوجامن أظللِ وأظْلَلِ

وقوله:

تعبداً لذيالجلال الأجْللِ

يريد: من أظلّ، والأجلّ، و (قول) الآخر:

قد علمت ذاكبمنات ألْببِه

يريد: ألبه، وقول الآخر:

حتى إذا الليلعليه ادلهمما

وقول الآخر:

إن بنيللئام زَهَده
ما لي منصدورهم من مَوْدده

يريد: مودة، فليس في شيء من ذلك زيادة حركة، بل (ردت) فيه الحركة التي كانت قبل الحرف المضعف إلى الأول من المثلين، رجوعاً إلى الأصل عند الاضطرار إلى ذلك.

وربما حرك الساكن بحركة غير مجانسة لحركة الحرف الذي قبله. إلا أن ذلك من الندور بحيث لا يجوز القياس عليه. أنشد أبو زيد:

علام قتلمسلم تعبدا
مذ سنةوخَمسون عددا

يريد: وخمسون.

وأما زيادة الحرف فمنها: الحاقك التنوين فيما لا ينصرف، رداً إلى أصله من الصرف، وذلك نحو قول النابغة:

فلتأتينك قصائدُ ولتدفعنجيشاً إليك قوادم الأكوار

وقوله:

إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهمعصائب طير تهتدي بعصائبِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهمٍ ، يا أميمة َ ، ناصبِ ،»

فصرف قصائد، وعصائب التي في آخر البيت. ونحو قول أبي كبير الهذلي

ممن حملن به وهنَّ عواقدحبك النطاقِ فعاش غير مُهبَّل
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «وَلَقَدْ سَرَيْتُ عَلَى الظَّلاَم بِمغْشَمٍ»

فصرف عواقد، ونحو قول أمية بن أبي الصلت:

فأتاها أُحَيمرُ كأخي السهم بِعضْبِ فقال كوني عقيرا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «كثمود التي تفتكت الدين»

فصرف أحيمر، وقول امرئ القيس:

ويوم دخلت الخدر خدر عنيزةفقالت لك الويلات إنك مُرجلي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وقوله:

رب رام من بني ثُعَلمثلجُ كفيه في قتره
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «رب رام من بني ثعل»

فصرف عنيزة، وثعل، وحكمه أن لا ينصرف، للعدل والتعريف، بدليل قول حاتم:

فليت شعري وليتُ غير مدركةبأي حال ترى أضحى بنو ثُعَلا

والبيت من قصيدته التي أولها:

مهلا نَوادر أقلي اللوم والعذلاولا تقولي لشيء فات ما فُعلا

وصرف ما لا ينصرف في الشعر أكثر من أن يحصى. وزعم الكسائي والفراء أنه جائز في كل ما لا ينصرف إلا أفعل منك، نحو أفضل من زيد. وزعما أن (من) هي التي منعته الصرف. وذلك باطل، بدليل أنهم صرفوا: خيراً من عمرو، وشرا من بكر، مع وجود (من) فيهما. فثبت بذلك أن المانع لصرفه كونه صفة على وزن (أفعل) بمنزلة (أحمر). فكما أن (أحمر) يجوز صرفه في الضرورة، فكذلك (أفعل من).

وذهب بعض البصريين إلى أن كل ما لا ينصرف يجوز صرفه، إلا أن يكون آخره ألفاً، فإن ذلك لا يجوز فيه، لأن صرفه لا يقام به قافية ولا يصحح به وزن.

والصحيح أن صرفه جائز لما بيناه، قبل، من أن الشعر قد يسوغ فيه

ما لا يسوغ في الكلام، وإن لم يضطر إلى ذلك الشاعر. وأيضاً فإن السماع قد ورد بصرف ما في آخره ألف: قال المثلم بن رياح المري:

إني مقسم ما ملكت فجاعلأجراً لآخرة ودنيا تنفع
للشاعر المثلم المري، من قصيدة «بكر العواذل بالسواد يلمنني»

رواه ابن الأعرابي بصرف دميا.

فإن قلت كيف جعلت صرف ما لا ينصرف من قبيل الضرائر، وقد زعم أبو الحسن الأخفش في الكبير له أنه سمع من العرب من يصرف في الكلام جميع ما لا ينصرف؟ وحكى الزجاجي أيضاً في نوادره مثل ذلك. فالجواب أن صرف ما

لا ينصرف في الكلام إنما هو لغة لبعض العرب. قال أبو الحسن: فكان ذلك لغة الشعراء، لأنهم قد اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك.

وأما سائر العرب فلا يجبرون صرف شيء منه في الكلام، فلذلك جعل من قبيل ما يختص به الشعر.

ومنها: تنوين الاسم المبني للنداء، إجراء له مجراه قبل النداء. وإذا نون جاز فيه وجهان: أحدهما إبقاؤه على بنائه، والآخر نصبه رداً إلى أصله

من الإعراب. وذلك محو قول الأحوص:

سلام الله يا مطر عليهاوليس عليك يا مطُر السلام
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أإن نادى هديلا ذات فلج»

وقول لبيد:

قدَّموا إذ قيل فيسُ قدمواواحفظوا المجد بأطراف الأسَلْ

يريد: يا قيس، وقول الآخر:

فطر خالدُ إن كنت تستطيع طيرةولا تقعن إلا وقلبك خافق

يريد: يا خالد، قول الآخر:

يا هرمُ وأنتأهلُ عَدْل
إن ولد الأحوصيوماً قَبلِ

وقول الآخر:

ضربت صدرها إليَّ وقالتيا عدُي لقد وقتك الأواقي
للشاعر عدي بن ربيعة التغلبي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

يا عديُ لقلبك المهتاج...

والنصب في جميع ذلك جائز.

ومنها: إثبات التنوين والنون في اسم الفاعل في حال اتصال الضمير به، إجراء للمضمر مجرى الظاهر أو لاسم الفاعل مجرى الفعل المضارع، نحو قول

الشاعر:

وليس بمُعْييني وفي الناس ممتعرفيقُ إذا أعيى على رفيق

وقوله:

وما أدري وظني كل ظنأمُسْلمُني إلى قومي شَراحي

وقوله:

هل الله من سَرْو الفَلاة مُريُحنيولمّا تَقَسّمني النهارُ الكوانسُ

كان الوجه أن يقال: بمعيي، ومريحي، ومسلمي، لولا الضرورة، ونحو قول الشاعر:

هم القائلون الخير والآمرونهإذا ما خشوا من مُحدثِ الأمر مُعظَما

وقول الآخر:

ولم يرتفق والناس مُحضرونهُجميعاً وأيدي المعتفين رواهقه

كان الوجه أن يقال: محتضروه، والآمروه، لولا الضرورة.

وزعم بعضهم أن الهاء للسكت. وذلك ضعيف، لما يلزم من إدخالها على معرب، وبابه أن لا يدخل إلا على مبني، ومن تحريكها وحكمها أن تكون ساكنة، ومن إثباتها في الوصل وبابها ألا تلحق إلا في الوقف.

ومنها: تنوين الاسم العلم الموصوف بابن المضاف إلى العلم أو ما جرى مجراه رداً إلى أصله، نحو قوله:

فإن لا يكن مال يثاب فإنهسيأتي ثنائي (زيداً) بن مهلهل

وقوله:

جارية من قيسبن ثعلبة
كأنها حِلْيَةُسيفِ مُذْهبه

فإن قال قائل: هلا جعلت ابنا وابنة بدلين مما قبلهما، لا وصفين حتى لا يكون

ثبات التنوين ضرورة. فالجواب أن ابنا وابنة إنما تأتي العرب بهما على طريق الوصف، لا على طريق البدل، بدليل أنهم لا يثبتون التنوين في قولك: قام زيد بن عمرو، وقامت هند بنت بكر، وأمثالهما، إلا في ضرورة شعر. ولو كانا بدلين لكثر تنوين مثل ذلك في الكلام.

ومنها: إلحاقهم النون الثقيلة أو الخفيفة في الفعل المضارع إذا كان منفياً، أو مقللاً، أو موجباً لم تدخل عليه لام قسم، أو جواب شرط أو فعل شرط غير مفصول بينه وبين أداة الشرط بما الزائدة، نحو قول أبي حناء الفقعسي:

يحسبه الجاهل مالم يَعْلما
شيخاً علىكرسيه معمما

يريد: يعلمن، فأبدل النون ألفاً في الوقف، وقول جذيمة الأبرش:

ربما أوفيتُ في علمتَرْفعنْ ثوبي شِمالاتُ
للشاعر جَذيمَة الأبرش، اقرأ القصيدة

وقول ابن الخَرع:

فمهما تشأ منه فزارةُ تعطكمومهما تشأ منه فزارة تَمنعا
للشاعر الكُمَيتِ بن معروف الأسدي، اقرأ القصيدة

وقول الآخر:

نبتم نبات الخيزراني في الثرىحديثاً متى ما يأتك الخير يَنْفعا
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

الأصل: يمنعن، وينفعن، فأبدلت النون ألفاً في الوقف، وقوله:

من تثْقَفَن منكم فليس بآئبأبداً وقتل بني (قتيبة) شافي

وقوله:

قليلاً به ما يحمدنك وارثُإذا نال مما كنت تجمع مغنما

وقوله:

وأبوك بشر ما يفند عمرهوإلى بلى ما يرجِعنَّ جديد

أجرى الفعل المضارع في جميع ذلك مجراه في المواضع التي تلحقه النون فيها

في فصيح الكلام.

ومنها: زيادتهم هذه النون في اسم الفاعل، أجرى في ذلك مجرى الفعل المضارع، لكونه في معناه وجارياً عليه في قوله:

أريت إن جئتبه أملودا
ملففاً ويلبسالبرودا
أقائلَنّ أحضريالشهودا

يريد: أتقولن، وقول الآخر:

أشاهرنّ بعدناالسيوفا

وأبعد من ذلك زيادتهم لها في آخر الاسم الذي ليس في المعنى الفعلي ولا جارياً عليه، تشبيهاً له بالاسم الذي هو في معناه نحو قول الراجز:

أحب منكموضع الوِشْحَني
وموضع الإزاروالقَفَنَّي

فزاد نوناً مشددة في (الوشح) و (القفا)، وفتح ما قبلها، تشبيهاً بالنون المشددة في نحو (أتفعلن).

وأما قول الآخر:

كأن مجرىدمعها المُسْنَنَّ
قطننة من جيدالقُطْنُنَّ

فأشبه ما يحمل عليه أن يكون زاد على القطن نوناً ليلحقه ببرثن، فقال: قطنن، ثم شدد النون الآخرة، على حد قول الآخر:

ببازل وجناءأو عَيْنهَلَّ

ويروي من جيد القطن، بتشديد النون، إلحاقاً لقطن بمثل عتل.

ومنها: إثبات الزيادة اللاحقة لـ (من) في الاستثبات في باب الحكاية وصلا،

إجراء له مجرى الوقف، وهو قليل لم يسمع منه إلا قول الشاعر:

أتوا ناري فقلتُ مَنُونَ أنتمفقالوا الجن قلتُ عموا ظلاما
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «ونار قد حضأت بعيد هدء»

كان الوجه أن يقول: من أنتم، إلا أن الضرورة منعته من ذلك.

ومنها: إشباع الحركة فينشأ عنها حرف من جنسها. فمن إنشاء الألف عن الفتحة قول ابن هَرمة:

فأنت من الغوائل حين ترميومن ذم الرجال بمُنْتَزاح

يريد بمنتزح، وقول الفرزدق:

فظلا يِخَيطان الوَراق عليهمابأيديهما من أكل شرَّ طعامِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولما دنا رأس التي كنت خائفا»

وقول الآخر أنشده الفارسي:

والأرض أورثتبني آداما
ما يغرُسُوهاشجراً أياما

يريد: آدم، وقوله:

أقول إذ خرتعلى الكَلْكَال
يا ناقتي ما جُلْتِمن مَجَالِ

يريد الكلكل، وقوله:

أعوذ بالله منالعَقْرابِ
الشائلاتِ عقَدَ الأذنابِ

يريد العقرب، وقول الهذلي:

بينا تَعانُقِه الكماةَ وروغِهيوماً أتيح له جريء سَلْفَعُ

يريد: بين تعانقه.

وأما قول عنترة:

يَنْباعُ من ذفري غضوبِ جَسرةزيافة مثل الفينق المُكْدمِ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

فجعله الفارسي من هذا. وقال: (أراد ينبع، فأشبع الفتحة).

وقال الأصمعي: (انباع الشجاع ينباع: إذا انخرط من بين الصفين ماضياً. وأنشد:

يطرق حلماً وأناة معاًثمت ينباع انبياع الشجاع

وقد يجيء مثل هذا في الكلام شذوذا: حكى أبو علي عن أحمد بن يحيى

أنه سمع: جيء به من حيث وليسا (و) خذه من حيث وليسا، بإشباع حركة ليس.

وحكى الفراء: أكلت لحما شاة، ويريد لحم شاة.

ومن إشباع الواو عن الضمة قوله، أنشده الفراء:

الله يعلم أنا في تلفتنايوم اللقاء إلى أحبابنا صُورُ
وأنني حيث ما يثني الهوى بصريمن حيثما سلكوا أدنو فأنظُورُ

يريد: فأنظر، وقول الآخر، أنشده الفراء أيضاً:

لو أن عَمْراًهم أن يَرْقُودا
كأن في أنيابهاالقَرَنْفُولْ

يريد: القرنفل.

ومن هذا النوع يجب أن يكون قول (الوليد):

إني سمعت بليلنحو الرصافة رنة
خرجت أسحب ذيليأنظور ما شأنهنه

وهو ينشد: أنظر، بغير واو، وهو كسر في البيت. قال أبو العلاء المعري: (أن طيئاً تقول أنظور في معنى أنظر).

ومن إنشاء الياء عن الكسرة قوله:

يحبك قلبي ما حييت فإن أمتيحبك عظم في التراب تَريبُ
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة

يريد: تربا، اسم فاعل من ترب، وقول امرئ القيس في إحدى الروايتين:

كأني بفتخاء الجناحين لقوةِدفوفِ من العُقبان طأطأت شيمالي

يريد: شمالي، وقول الفرزدق:

تنفي يداها الحصى في كل هاجرةنفي الدنانيرِ تنقادُ الصياريِف

يريد الصيارف، وقول زهير:

عليهن فرسان كرام لباسهمسوابيغُ زغفُ لا تُخَرقها النّبل

يريد: سوابغ، ولو حذف الياء لم يضر ذلك بالبيت، وقول التغلبي:

وسواعيدَ يُخْتليْن اختلاءكالمَغَالي يطرن كل مطير

يريد: سواعد - زيادة الياء في جميع ذلك ضرورة، لأنها إنما تزاد في الجمع إذا كانت الياء والواو أو الألف رابعة في المفرد، نحو: قنديل، وبهلول، ودينار، أو إذا كان الآخر مضعفاً غير مدغم، نحو قردد وقراديد، كراهية التضعيف. وما عدا ذلك لا تزاد الياء في آخره إلا في شاذ من الكلام، نحو قولهم في جمع مطفل ومشدن: مطافيل ومشادين، أو في ضرورة شعر، تشبيهاً له بما جمع على غير واحدة، نحو: لمحة وملامح.

وذهب الكوفيون إلى أن ذلك جائز في كل اسم يجمع على (مفاعل) في الكلام والشعر، إلا أن يكون ما قبل الآخر ساكناً، نحو: سبطر، فإن ذلك لا يجوز، بل تقول في جمعه سباطير لا غير، لأن الإشباع لا يتصور إذ ذاك في المفرد فيبني الجمع عليه.

واستثنى الفراء موضعين آخرين سوى ذلك. أحدهما ما كان مضاعف الآخر مدغماً، نحو مرد، لم يجز فيه مراديد، لأن الحرف المضعف بمنزلة حرف واحد، فكرهوا أن يصير في الجمع اثنين بظهور التضعيف. والآخر: ما كان على وزن فاعل: زعم أنهم لا يقولون في جمعه فواعيل، وجعل السبب

ذلك أن برقعا قد قيل فيه برقوع، ونحو مفتح قد قيل فيه مفتاح، فحمل الجمع على ما يتحمله المفرد من الزيادة. قال: ولم يأت في فاعل فاعيل، فكفوا عن الياء في جمعه لذلك. قال: قد

حكي لنا أن العرب قالت: سوابيغ. وهو شاذ.

وأجاز زيادة الياء في ما عدا ذلك. وحكي أنهم يقولون: منكر ومناكير، وموعظة ومواعيظ، ومعذرة ومعاذير، ومخمصة ومخاميص، ومطفل ومطافيل، ومدخل ومداخيل: قال: سمعت بعض العرب تقول: وسع الله مداخيلك، ومرفق ومرافيق، وأنشد:

في فتية كسيوفِ الهِند قد حسرواأيدي السرابيل عن حد المرافيقِ

ودمل ودماميل، وأنشد:

ولست بمن أدعي له أن تفتحتعليه دماميل استه وحبونها

وجميع ذلك عند البصريين شاذ أو ضرورة.

وما اعتذر به عن امتناعهم من أن يقولوا فواعيل في جمع فاعل، مناقض لما رواه من جمع مطفل ومخمصة ومدخل ومنكر، على مطافيل ومخاميص ومداخيل ومناكير، لأنه لا يقال مفعيل ولا مفعال.

ومن هذا القبيل مد المقصور. وفيه خلاف، فأجازه الكوفيون وطائفة من البصريين، فيما ذكر ابن ولاد ومنعه أكثر البصريين. واحتجوا على منعه بأن مد المقصور لا يتصور إلا بأن يزاد في الكلمة ما ليس في أصلها، وإنما يجوز في الضرورة رد الكلمة إلى أصلها، لا إخراجها عن ذلك.

واحتج الكوفيون على إجازته بالسماع والقياس. أما السماع فقوله، أنشده الفراء:

قد علمت أختبني السّعلاءِ
وعلمت ذاكمع الجراء
أن نعم مأكولاعلى الخَواءِ
يا لك من تمرومن شيشاءِ
ينشب فيالمعسل واللهاءِ

فمد السعلى والخوى واللهى، وهي مقصورة، وقول طرفة:

لها كبد ملساء ذات أسرةوكشحان لم ينقض طواءهما الحَبل
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة بالأجزاع من إضم طلل»

فمد الطوى وهو مقصور، وقول الآخر، أنشده ابن الأعرابي:

يا حُسنها فيالرّضاءِ والغَضَب

فمد الرضى وهو مقصور، وليس بمصدر راضي، نحو رامي رماء، كما ذهب إليه بعضهم، لأنه قرنه بالغضب، فدل ذاك على أنه أراد الرضى الذي هو ضد الغضب. ولو كان بمعنى المراضاة، لقرن به ضده وهو المغاضبة. وأنشد الأخفش، أيضا، في مدى الرضى، في الكبير له:

فرضيت عنها بالرضاء لما أتتمن دون غضبة صعبها ويسارِ

وقول العجاج:

والمرء يبليهبِلاَء السربالْ
تناسخ الإهلالبعد الإهلال

رواه الأخفش في الكبير له بلاء السربال، بكسر الباء والمد، وقول الآخر:

سيغنيني الذي أغناك عنيفلا فقر يدوم ولا غناء

فمد الغني، ضد الفقر: مقصور، وليس المراد به مصدر غانيته أي فاخرته بالغنى عنه. لأنه قرنه بالفقر، فدل ذلك على أنه يريد السعة في المال لا المفاخرة بالغنى عنه.

ومن هذا القبيل في أنه قد مد للضرورة، إلا أنه لم يكن أخره قبل ذلك ألفا، قول الشاعر:

فكلهمُ مستقبحٌ لصواب منيخالفه مستحسنٌ لخطائه

فمد الخطأ وهو مقصور، وقد قيل أن المد لغة.

بل ما هو أشذ من هذا، وهو مد المقصور في المال في حال السعة: فرا طلحة

بن

مصرف: (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار)، فمد السنا الذي يراد به الضوء، وهو مقصور.

وأما القياس فإنه لا فرق بين زيادة الألف قبل الآخر في الخوى، والسعلى، واللهى، والطوى، والرضى، والغنى، فيجتمع ألفان إذ ذاك، فتنقلب الثانية همزة، وبين زيادتها قبل الآخر في: منتزح، وورق، وكلكل، وعقرب. فكما زيدت الألف قبل الآخر في هذه الأسماء وأشباهها، فلذلك (لا ينكر) زيادتها قبل آخر المقصور.

وإلى جواز مد المقصور ذهب ابن ولاد وابن خروف من المتأخرين، وزعما أن س دل على جوازه في الشعر بقوله: مدوا فقالوا منابير. قال ابن ولاد: فزيادة الألف قبل آخر المقصور كزيادة هذه الياء في الشعر،

(إذا) كانا جميعاً ليسا (من أصل الكلمة).

ومنها: إثبات حرف العلة في الموضع الذي يجب حذفه فيه سعة الكلام، إجراء للمعتل مجرى الصحيح، نحو قول جرير:

فيوماً يجاذبن الهوى غير ماضيويوماً ترى منهن غولا تَغولُ

ونحو قول الفرزدق:

فلو كان عبد الله مولى هجوتهولكن عبد الله مولى مواليا

وقول الكميت:

خريع (دوادي) في ملعبتأزرُ طوراً وترخي الإزارا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «كان المحالة منها الردا»

وقول الآخر:

قد عَجبتْ منيومن يُعَيْليا
لما رأتنيخلِقاً مُقْلَوليا

كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: غير ماض، ومولى موال، وخريع (دواد)، ومن يعيل، لولا الضرورة.

ومثل ذلك:

أبيت على معاري فاخراتبهن مُلوب كدم العباط
للشاعر المتنخل، من قصيدة «عرفت بأجدث فنعاف عرق»

ولو أنشد على معار، لكان البيت مستقيماً، غير أنه يصير مزاحفاً، لأن الخبن على مفاعلتن من الوافر، فيسكن خامسه ويصير على مفاعلين. ويسمى هذا الزحاف العصب. فلما كره الزحاف أثبت الياء، إجراء للمعتل مجرى الصحيح. وذكر المازني أنه سمع أعرابياً ينشد:

أبيت على معارٍ فاخرات ...........

فاحتمل قبح الزحاف لاستواء الإعراب.

ومثل ذلك أيضاً قول الآخر:

ما أن رأيت ولا أرى في مدتيكجواري يلعبن في الصحراء

فجمع بين ضرورتين: إحداهما إثبات الياء وتحريكها، وكان حقه أن يحذفها فيقول كجوار. والثانية أنه صرف ما لا ينصرف، وكان الوجه لما أثبت الياء، إجراء لها مجرى الحرف الصحيح، أن يمنع الصرف فيقول كجواري. ومثل ذلك قول أمية ابن أبي الصلت:

له ما رأت عينُ البصيرِ وفوقهسماء الإله فوق سَبْع سمائيا

ورواه ابن السراج: فوق ست سمائيا. وفيه ثلاث ضرائر إحداهما أن سماءة قياسها أن يجمع على سمايا، كخطايا، فجمعها على سمائي كالصحيح، نحو سحابة وسحائب. والثانية أنه كان حكمه أن يقول سبع سماء كجوار. والثالثة أنه جمع سماءة على سمائي، وكان حقها أن تجمع على سماء، بحذف التاء، كشمامة وشمام، لأنها من جنس المخلوقات كتمرة

وتمر، أو بالألف والتاء، فيقال: سماوات كشمامات.

ومثل ذلك في الفعل قوله:

ألم يأتيك والأنباءُ تَنْميبما لاقت لبونُ بني زياد

وقول الآخر:

قال لها منتحتها وما استوى
هُزي إليك الجذعيَجْنيكِ الجنا

وقول الآخر:

هجوتَ زيانَ ثم جئتَ معتذراًمِنْ هَجو زِبانَ لم تَهْجو ولم تَدع

وقول الآخر، أنشده الكسائي:

أبا خالدِ فأكسوهما حلتيهمافإنكما إن تفعلا فتيان

كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: ألم يأتك، ويجنك، ولم تهج، وفاكسهما إلا أنه أجرى المعتل مجرى الصحيح لما أضطر إلى ذلك.

ولا يجوز مثل ذلك في الألف عند المحققين من النحويين: لا يقال: لم تخش، ولا لم ترض. وسبب ذلك شيئان: أحدهما أن الجازم ليس له، إذ ذاك، ما يحذفه إلا الحركة المقدرة في اللف، وإذا حذفها وجب أن يرجع حرف العلة إلى أصله، فيقال: لم تخش، ولم ترض، لأن انقلاب الياء ألفاً إنما كان لتحركها وانفتاح ما قبلها. فإذا ذهبت الحركة للجزم، وجب أن يصح لذهاب الحركة منها، فلما لم يصححوها، دل ذلك على أنهم لم يحذفوا الحركة المقدرة. والآخر أن الياء والواو، لما شاع ظهور الضمة فيهما إذا أجريا مجرى الحرف الصحيح، ومن ذلك قوله:

فعوضني منها غناي ولم تكنتُسَاوِيْ عنزي غيرَ خَمْسة (دراهم

حذف الجازم تلك الحركة الظاهرة، ولم يحذف حرف العلة، كما يفعل بالصحيح، والألف لا يمكن ظهور الحركة فيها، فلم يجر لذلك مجرى الحرف الصحيح.

فأما قول الشاعر:

إذا العجوزغضبت فطلق
ولا ترضاهاولا تملق

فينبغي أن يجعل فيه (لا) الداخلة على (ترضاها) نافية والواو واو حال، مثلها في: قمت وأصك عينه، فيكون المعنى، إذ ذاك فطلقها غير مترض

لها، ويكون قوله: (ولا تملق) جملة نهي معطوفة على جملة الأمر التي هي (طلق). ولا ينبغي أن تجعل (لا) حرف نهي، لأنها لو كانت للنهي لوجب حذف الألف من ترضاها.

وكذلك قول عبد يغوث:

وتضحكُ مني شيخةُ عبشميةُكأن لم تَري قبلي أسيراً يمانياً
للشاعر عبد يغوث الحارثي، اقرأ القصيدة

ينبغي أن يحمل على أن الألف من ترى بدل من الياء التي هي ضمير المخاطبة والأصل: كأن لم تري، على حد قولهم في ييأس: يائس. ويؤيد ذلك قول رواية من روى: كأن لم تري.

ومنها: رد حرف العلة المحذوف لالتقاء الساكنين، اعتداداً بتحريك الساكن الذي حذف من أجله، وإن كان تحريكه عارضاً، نحو قوله، أنشده الفراء:

ويها فداء لكيا فُضَاله
أجِره الرُّمُحولا تَهاله

وقول الآخر:

تسائل بابن أحمر من رآهأعارت عينُه أم لم تعارا

وقول الآخر، أنشده أبو زيد:

ما كان إلاطلق الإهماد
وكرنا بالأغْربِالجِيادِ
حتى تحاجرنعن الذُوّادِ
تحاجُرَ الريولم تكادي

وقول الآخر:

يا حب قد أمسيناولم تَنام العَيْنا

كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: ولا تهله، ولم تعر، ولم تكد، ولم تنم العينان، إلا أنه اضطر فرد حرف العلة المحذوف واعتد بتحريك الآخر في جميع ذلك وإن كان عارضاً، ألا ترى أن الميم من قوله: (ولم تنام العينا) إنما حركت لالتقائها مع لام التعريف وهي ساكنة، وأن اللام من (تهاله)، والدال من (تكادي) إنما (حركتا لالتقائهما) مع حرف الإطلاق وهو ساكن، وأن الراء من (تعارا) إنما حركت لأجل النون الخفيفة المبدل منها الألف، والأصل: لم تعرن، ولحقت النون الخفيفة الفعل المنفي بلم، كما لحقته في قول الآخر:

يَحْسِبُه الجاهلما لم يَعلما

ومن هذا القبيل جعل الكسائي قول امرئ القيس:

لها متنتان خظاتاكماأكب على ساعديه النمر

فقال: يريد خطتا، إلا أنه اعتد بحركة التاء، وإن كانت عارضة بسبب التقاء الساكنين.

وأما غيره فإنه يقول: إن أصله خظاتان، بمنزلة في قول الآخر:

ومتنانِ خَظاتانكزُحُلوفِ من الهَضْبِ
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

إلا أنه حذف النون ضرورة.

ومنها: إثبات ألف (أنا) في الوصل، إجراء له مجرى الوقف، نحو قول الأعشى:

فكيفَ أنا وانتحالي القوافي بعد المشيبِ كفى ذاك عارا

وقول الآخر:

أنا سيفُ العشيرةِ فاعرِفونيحَميداً قد تذريت السّنَاما
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

فإن قيل: كيف يكون هذا ضرورة، ومن القراء من يقرأ: (وأنا أعلم بما أخفيتم) وما كان مثله في القرآن بإثبات الألف؟ فالجواب أن الذي قرأ بذلك وصل بنية

الوقف، كما قرأ بعضهم: (فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه)، (وما أدراك ما هية نار حامية) بإثبات هاء الوقف إلا أن الفصل بين النطقين، لقصر زمانه، خفي على السامع.

ومنها: تضعيف الآخر في الوصل، إجراء له مجرى الوقف، نحو قول ربيعة بن صبح:

هبت الريحبمور هبا
تترك ما أبقىالدبا سبسبا
كأنه السيلإذا اسلحبا
أو كالحريقوافق القصبا
والتبن والحلفاءفالتهبا

فشدد آخر (سبسب)، و (القصب)، و (التهب) في الوصل ضرورة. وكأنه شدد وهو ينوي الوقف على الباء نفسها، ثم وصل القافية بالألف، فأجتمع له ساكنان، فحرك الباء وأبقى التضعيف، لأنه لم يعتد بالحركة لكونها عارضة، بل أجرى الوصل مجرى الوقف. ومثل ذلك قول رؤبة:

ضَخْمُ يُحبّالخُلقَ الأضْخَما

يريد: الأضخم، وقول الآخر:

ببازلِ وجناَءأو عَيهَلَّ
كأن مَهْواهاعلى الكَلكلَّ

يريد: أو عيهل، وعلى الكلكل، فشدد.

ومنها: إثبات هاء السكت في حال الوصل، نحو قوله:

يا مرحباهُبحمارِ ناجيه
إذا أتى قربتُهللسَّانِيه

وقوله:

يا مرحباهُبِحمارِ عفراءْ
إذا أتى قربتهلما شاءْ
من الشعيروالحشيش والماء
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «يا مرحباه بحمار عفراء»

قال أبو الفتح: (وهو شاذ ضعيف عند أصحابنا لا يثبتونه في الرواية ولا يحفظونه في القياس، من جهة أنه لا يخلو من أن تجري الكلمة على حد الوقف أو على حد الوصل. فإن أجراها على حد الوصل فسبيله أن يحذف الهاء وصلا، لاستغنائه عنها في الوصل بما يتبع الألف. وإن كان على حد الوقف، فقد خالف ذلك بإثباته إياها متحركة، بالكسر كانت أو بالضم، وهي في وقف بلا خلاف ساكنة. ولا يعلم هنا منزلة بين الوصل والوقف يرجع إليها وتجري هذه الكلمة عليها. فلهذا كان إثبات الهاء متحركة خطأ عندنا.

وهذا الذي أنكره قد جاء مثله، وهو قوله:

له زجل كأنه صَوْتُ حادٍإذا طلب الوسيقَة أو زَميرُ

وأشباهه. ألا ترى أن قوله: (كأنه صوت حاد) ليس على حد الوقف، لأن الضمير متحرك، ولا على الوصل، لأنه غير ممطول. فهو بين الوصل والوقف. وقد أثبت هو هذا وأمثاله، ولم ينكره، فكذلك ينبغي أن لا ينكر (يا مرحباه) وأمثاله من جهة القياس، لأنه لا فرق بينهما، ألا ترى أنه أثبت الهاء الساكنة في الوصل وحكمها أن لا تكون إلا في الوقف، وحرك الهاء لالتقائها وهي ساكنة مع الألف، على حد ما يفعل بالساكنين

إذا اجتمعنا في حال الوصل. كما أثبت ذلك حركة الضمير، وهي لا تثبت إلا في حال الوصل. فمن حرك بالكسر فعلى أصل التحريك لالتقاء الساكنين. ومن حرك بالضم فعلى حد ما حكاه قطرب من أن بعضهم فر فحرك بالضم. ومثل ذلك قول المجنون:

فقلت إياه رباهُ أول سؤلتيلنفسي ليلى ثم أنت حسيبها

ومنها: قطع ألف الوصل في الدرج، إجراء لها مجراها في حال الابتداء بها. وأكثر ما يكون ذلك في أول النصف الثاني من البيت، لتقدير الوقف على الأنصاف التي هي الصدور. نحو قول حسان بن ثابت:

لتَسْمعنَّ وشيكاً في دياركمالله أكبر يا ثارات عثمانا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «من سره الموت صرفا لا مزاج له»

وقول لبيد:

ولا يبادرُ في الشتاءِ وليدُناألقدرَ ينزلهاُ بِغَيْرِ جِعالِ

وقول الآخر:

أو مُذْهبُ جددُ على ألواحِهِألناطقُ المزبورُ والمختوم
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «طلل لخولة بالرسيس قديم»

ألا ترى أن همزة الوصل الداخلة لام التعريف مقطوعة في جميع ذلك، ونحو قول الآخر:

لا نسبَ اليومَ ولا خلةاتسع الخَرقُ على الراقع

ألا ترى أنه قطع ألف (اتسع) وهي ألف وصل.

وقد يقطع في حشو البيت. وذلك قليل، ومنه قول قيس بن الخطيم:

إذا جاوز الاثنين سرَّ فإنهبنثِ وتكثير الوشاةِ قمينُ

وقول جميل:

ألا لا أرى اثنين أحسنَ شيمةَعلى حَدثان الدهرِ مني ومن جُملِ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»

وأنشد قدامة:

يا نَفسُ صبراًكلُّ حيَّ لاقي
وكل اثنينإلى افتراقِ

ألا ترى أن الألف من (اثنين) مقطوعة في جميع ذلك، وهي ألف وصل.

ومنها: زيادة حرف في الكلمة على طريق التوهم، نحو قوله:

طلبُ لعُرفِك يابن يحيى بعدماتَقطعت بي دونك الأسباب

زاد تاء على التوهم، وذلك أن تقطعت كثرت في كلامه، حتى ظن أنها (فعلت)، فزاد عليها التاء التي تزاد في (تفعلت)، وقوله:

إن شَكْلي وإن شكلَك شتىفالزمي الخُصّ (واخفضي تَبْيضّي

كثر (تبيضي) عنده، حتى توهم أنها (تفعل)، فزاد فيها ضاداً.

وهذا من القلة والندور بحيث لا يقاس عليه.

فأما قول رؤبة:

أقفرت الوعساءُوالعَثاعثُ
من أهلهاوالبرقُ البَرارثُ

فإنه من قبيل ما يجمع على غير واحدة الملفوظ: في جمع لمحة ملامح. لأن الواحد، فيما زعم الأصمعي، برث، يقال: مكان برث، أي سهل التراب. والجمع براث.

وأما زيادة الكلمة، فمنها: الجمع بين العوض والمعوض منه، نحو قوله:

وما عليك أنتقولي كُلّما
سبحت أو هَللتِيا اللهمَّ ما

فأدخل حرف النداء على اللهم، ولا يجوز ذلك في الكلام، لأن الميم المشددة عوض منه، والجمع بين العوض والمعوض منه لا يجوز إلا في ضرورة. ومثله قوله الآخر، أنشده الفراء:

إني إذا ماحدثُ ألمّا
أقول يا اللهميا اللهما

ومنها: إدخال لام التأكيد في موضع لا تدخل فيه في سعة الكلام، نحو ما أنشده قطرب من قوله:

ألم تكن حلفْتَبالله العَليّ
أنّ مطاياك لَمنْخير المطيّ

فزاد اللام في خبر (أن) المفتوحة، ومثله قول الآخر، أنشده ابن دريد عن أبي عثمان المازني:

فنافسْ أبا المغْراء فيها ابن دَراعِعلى أنه فيها لَغيرُ مُنافِس

وقول الآخر، أنشده الفراء:

وأعلم أن تسليماً وتركاًللامتشابهان ولا سَواءُ

ألا ترى أن اللام قد زيدت في البيتين في خبر (أن) المفتوحة.

وقد جاء مثل ذلك في الشاذ: قرأ ابن جبير: (إلا أنهم ليأكلونَ الطعامَ)، بفتح (أن).

ونحو قول الآخر، أنشده أبو علي:

مرُّوا عِجالاّ وقالوا كيف صاحبكمقال الذي سألوا أمسى لَمجْهودا

فزاد اللام في خبر (أمسى)، وقول الآخر، أنشده ابن الأعرابي:

ثُمّتَ يَعْدُوا لَكأنلم يَشعُر
رِخْوَ الإزار رمّحالتبختُرِ

فزاد اللام في (كأن)، وقول الآخر:

وما زلت من اسما لدن أن عرفُتهالكالهائم المقصي بكل بلادِ

فزاد اللام في خبر زال، وقول الآخر:

.........ولكنني من حبها لَعميد

فزاد اللام في خبر لكن، وقول الآخر:

أم الحُليْسلَعجُوزُ شَهْربَهْ
ترضى من اللّحمْبعظم الرَقَبةْ

فزاد اللام في خبر المبتدأ.

فأما ما رواه أبو الحسن الأخفش عن العرب، من قولهم: إن زيداً وجهه لحسن، فالذي سهله كون الجملة من المبتدأ والخبر في موضع خبر (إن). وهو مع ذلك ضعيف.

ومنها: زيادة (أن) و (إن) على طريق التأكيد في موضع لا تزادان فيه في فصيح الكلام.

فمن زيادة (أن) قول ابن صريم اليشكري:

ويوماً توافينا بوجهٍ مُقَسّمكأن ظبيةٍ تعطو إلى وارقٍ السلَم

وقول الآخر:

حَمُومُ الشَد شائلةُ الذنابيوهاديها كأن جذعِ سَحُوق

ألا ترى (أن) زيدت في البيتين بين الكاف والاسم المجرور بها، وقول الآخر:

أردت لكيما أن تطيرَ بقربتيفتتركها شنا ببيداء بَلقع

(أن) فيه زائدة غير عاملة، لأن (لكيما) تنصب الفعل بنفسها، ولا يجوز إدخال ناصب على ناصب.

وأما قول حسان:

فقالت أكل الناس أصبحت مانحاًلسانَك كيما أنْ تغُرَّ وتَخْدعاَ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «عرفت مصيف الحي والمتربعا»

(فإن) فيه ناصبة لا زائدة أظهرت للضرورة. لأن (كيما) إذا لم تدخل عليها اللام، كان الفعل بعدها منتصباً بإضمار (أن)، ولا يجوز إظهارها في فصيح الكلام.

ومن ذلك، عند بعض النحويين، دخول (أن) في خبر كاد، نحو قول رؤبة:

قد كَاد مِن طَولِالبِلى أن يَمْصَحَا

وقول الآخر:

كادت النّفْسُ أن تفيظ عليهإذ ثوى حَشو ريطةٍ وبُرود

والصحيح أن دخولها في خبر كاد ضرورة، إلا أنها ليست - مع ذلك - بزائدة.

لعملها النصب زائدة لا تعمل. بل هي مع الفعل الذي نصبته بتأويل مصدر، وذلك المصدر في موضع خبر كاد، على حد قولهم: (زيد إقبال وإدبار).

ومما زيدت فيه (أن)، عند بعض النحويين، في قول أبي ذؤيب:

فأجبتُها أما لجسمي أنهأودى بَنيَّ من البلاد فودعوا

قال: يريد: أن ما، إلا أنه أدغم. و (أن) زائدة. و (ما) موصولة بمنزلة الذي. والتقدير: فأجبتها الذي لجسمي أنه أودى بني.

ومن زيادة (إن) المكسورة الهمزة قول الشاعر، أنشده س:

ورج الفتى للخير ما إن رأيتهعلى السن خيراً لا يزال يزيد

فزاد (أن) بعد (ما) وليست بنافية، تشبيهاً لها ب (ما) النافية. ألا ترى أن المعنى: ورج الفتى للخير مدة رؤيتك إياه لا يزال يزيد خيراً على السن، لكن لما كان لفظها كلفظ (ما) النافية زادها بعدها، كما تزاد بعد (ما) النافية في نحو قولك: ما أن قام زيد، وقول الآخر، أنشده أبو زيد:

يرجى المرءُ ما إن لا يلاقيوتَعْرض دون أدناه الخطوبُ

فزاد (أن) بعد (ما)، وهي اسم موصول، لشبهها باللفظ بـ (ما) النافية، وقول النابغة في إحدى الروايتين.

إلا الأواريَّ لا إنْ ما أبينهاوالنؤى كالحوض بالمظلومة الجلدِ

فزاد (إن) بعد (لا) لشبهها ب (ما) من حيث كانتا للنفي. وزعم الفراء أن (لا)، و (إن)، و (ما) حروف نفي، وأن النابغة جمع بينها على طريق التأكيد.

ومنها: زيادة حرف الجر في المواضع التي لا تزاد فيها في سعة الكلام، نحو قول قيس بن زهير:

ألم يأتيك والأنياءُ تَنْمِيبما لاقَتْ لبونُ بني زِيادِ

فزاد الباء في فاعل (يأتي). ألا ترى أن المعنى: ألم يأتيك ما لاقت لبون بني

زياد، وقول النمر بن تولب:

ظَهرتْ ندامتهُ وهان بِسخطهاشيئاً على مَربُوعها وعِذارها

التقدير: هان سخطها، وقول عمرو بن ملقط:

مهما لي الليلة مهما لِيهْأودي بِنَغليَّ وسرباليه

التقدير: أودى نعلاي وسرباليه، وقول امريء القيس:

ألا هل أتاها والحوادثُ جمّةُبأن امرأ القيس بن تملكَ بيقرا

التقدير: ألا هل أتاها أن امرأ القيس بن تملك بيقر، وقول الآخر:

نَضْربُ بالسيفِونرجو بالفرجْ

التقدير: نرجو الفرج، وقول امرئ القيس:

وكذاك لا خيرُ ولاشرُ على أحدٍ بدائمْ
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «لا يمنعنك من بغاء الخير»

التقدير: لا خير ولا شر على أحد دائماً، فزاد الباء في خبز (لا).

وبالجملة لا تنقاس زيادة الباء في سعة الكلام إلا في خبر (ما) وخبر (ليس) وفاعل عمرو بذاهب، وكفى بالله شهيداً، أي كفى الله، وكفى بنا حبك، وأحسن بزيد، ما أحسنه: ويلزم زيادتها في فاعل (أفعل) بمعنى ما أفعله. وما عدا هذه المواضع لا تزاد فيه الباء إلا في ضرورة أو شاذ من الكلام يحفظ ولا يقاس عليه.

ومنها: زيادة (من) على الاسم النكرة والمعرفة في الكلام الواجب، نحو قول الأسود بن يَعَفرُ:

هوى بهم من حبهم وسفاههممن الريح لا تمري سحاباً وقَطرا

التقدير: هوى بهم الريح، وقول الآخر:

وكأنما ينأى بجانب دفها الوحشي من هزج العشي مأوم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَرَدَّمِ(معلق»

والتقدير ينأى هزج العشي بجانب دفها الوحشي.

ويدل على أن (من) زائدة، و في موضع رفع بـ (ينأى) قوله:

هرَّ جنيبُ كلما عطفت لهغضبي اتقاها باليَدينِ وبالفمِ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

فأبدل (هر)، وهو مرفوع، من (هزح).

وقول الآخر، وهو جزء بن ضرار أخو الشماخ:

أمْهرَ منهاحيةَ ونينانْ

التقدير: أمهرها.

ومنها: زيادة الكاف، نحو قول رؤبة:

لواحق الأقرابِفيها كالمَقق

والمقق: الطول. ألا ترى أنه إنما يقال: في الشيء طول، ولا يقال فيه كالطول.

ومنها: زيادة (علي)، نحو قول حميد بن ثور:

أبى الله إلا أن سرحةَ مالكِعلى كل أفنانِ العضاةِ تَرُوقُ
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

التقدير: أفنان العضاة تروق: لا يحتاج في تعديها إلى حرف جر. وإنما يقال: راقني الشيء يروقني، أي أعجبني.

ومنها: زيادة (في)، نحو قول سويد بن أبي كاهل:

أنا أبو سعدِإذا الليلُ دجا
تَخَالُ فيسَودادهِ يَرَنْدجا

التقدير: تخال سواده يرندجا.

وزيادة هذه الأحرف الثلاثة، أعني (الكاف) و (على) و (في)، من القلة والندور بحيث لا يجوز القياس عليها عند أحد من النحويين.

ومنها: زيادة اللام على المفعول في حال تأخره عن الفعل العامل فيه تقوية للعمل، نحو قول ابن ميادة:

وملكت ما بين العراقِ ويثربٍمُلكاْ أجارَ لمُسلمِ ومعَاهدِ
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

يريد: أجار مسلماً ومعاهداً، وقول الآخر:

فلما أن (توافقنا) قليلاأنخنا للكلاكلِ فارتمينا

يريد: أنخنا الكلاكل.

وقد يجيء ذلك في سعة الكلام، نحو قوله تعالى: (قل عسى أن يكون ردف لكم)، أي ردفكم، إلا أن ذلك لا يحسن إلا في الشعر، فلذلك أورد في الضرائر.

ومنها: زيادة (ما) بعد كاف الجر، نحو قول الأعشى:

كما راشدِ تجدين امرءاًتفكر ثم ارعوي أو نَدمْ

يريد: كراشد، وقول الكميت:

يركضن في المهمة اليَبابِ كماأقربِ أرضِ لها أباعِدُها

يريد: كأقرب أرض، وقوله:

وأنجيتني من موقف ذي عداوةكما ابنةِ زبا أو أطم وأكيدا

يريد: كابنة زبا، وقول عدي بن زيد:

كما أنتم كنا وكمانحن تكونون

يريد: كأنتم كنا، وكنحن تكونون.

وبعد (كما)، نحو قوله:

كما ما امرؤُ في معشر غير قومهضعيفُ الكلام شَخْصهُ متضائل

يريد: كما امرؤ.

وبين البدل والبدل منه، نحو قوله:

وكأنه لَهقُ السراة كأنهما حاجبيه معينُ بسواد

يريد: كأنه حاجبيه.

وأقل من ذلك زيادتها أول الكلام، نحو قول عبدة بن الطيب، أنشد ذلك له أبو زيد.

ما مع أنك يوم الوِرد ذو جرزضخمُ الجُزارة بالسَّلمين وكّارُ
ما كنت أولَ ضبٍ صاب تلعَتَهُغيثُ فأمرعَ واستخلتْ له الدار
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

قال أبو زيد: (ما زائدة)، يريد: مع أنك يوم الورد ذو جرز، ما كنت أول ضب صاب تلعته غيث.

ومنها: إدخال الحرف على الحرف، على جهة التأكيد لا تفاقهما في اللفظ والمعنى، أو في المعنى لا في اللفظ، نحو قول بعض بني أسد:

فلا والله لا يُلْفي لما بيولا لِلما بهم أبداً دواء

فزاد على لام الجر لاماً أخرى للتأكيد، ونحو قول الآخر، أنشده الفراء:

فلئن قوم أصابوا غِرةُوأصبنا من زمانِ رَنَقا
لَلَقد كنا لدى أزماننالصنيعين لبأسٍ وتُقى

فزاد على لام لقد لاماً أخرى للتأكيد، ونحو قول الآخر:

فأصبحنَ لا يسألنه عن بِما بِهأصعَّد عن جَوَّ السّما أم تصوبا

فأدخل عن على (الباء) تأكيداً، لأنهم يقولون: سألت عنه، وسألت به، والمعنى واحد.

ومن هذا القبيل قول النابغة في أحد القولين:

إلا الأواري لا إن ما أبينهاوالنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد

فجمع بين (إن) و (ما) الزائدتين بعد (لا) النافية تأكيداً للنفي، وقول الآخر:

طعامُهمْ لئن أكلوا (معنوما إنْ لا (تحاك) لهم ثياب

فجمع بين (إن) و (لا) الزائدتين بعد (ما) تأكيدا للنفي.

ومنها: زيادة الواو، والفاء، وبل، وأم.

فمن زيادة الواو قول أبي خراش:

لعَمْرُ أبي الطَّيْرِ المربة غدوةعلى خالدِ لقد وَقعتِ على لَحم
ولحم امرئٍ لم تَعم الطيرُ مثلهُعشيةَ أمسى لا يُبين من البَكْم

يريد: لحم امرئ، وهو بدل من لحم المتقدم، إلا أنه اضطر فزاد الواو بين البدل والمبدل منه، وقول الآخر، أنشده الفراء:

فإن رشيداً وابن مروانَ لم يكنليفعل حتى يُصدرِ الأمر مُصْدرا

يريد: إن رشيد بن مروان، فزاد الواو بين الصفة والموصوف، وقول الآخر:

ولما رأى الرحمن أن ليس فيهمرشيد ولا ناه أخاه عن الغَدْرِ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا لقوم للتنائي وللهجر»
وَصَبَّ عليهم تغلب بنة وائلوكانوا عليهم مثل راغية البَكْرِ

يريد: صب عليهم، فزاد الواو في جواب (لما)، وقول الآخر:

حتى إذا قَمِلتْ بطونكمورأيتم أولادكُم شَبّوا
وَقَلبْتُمُ ظهر المجن لناإن اللئيم الغادر الخب

يريد: قلبتم، فزاد الواو في جواب (إذا)، وقول أبي كبير:

فإذا وذلك ليس إلا حينهوإذا مضى شيء كأن لم يُفْعلِ
للشاعر أبو كبير الهذلي، اقرأ القصيدة

وقول الآخر، أنشده الأخفش:

كنا ولا تعصى الحليلةُ بعلَهافاليوم تضربه إذا ما هو عَصَى

الواو زائدة في خبر (كان). والتقدير: (كنت قد يئست)، وكنا لا تعصى الحليلة بعلها.

ومن زيادة الفاء قوله:

يموتُ أناس أو يشيبُ فتاهمويحدث ناس والصغير فيكبر

يريد: والصغير يكبر، وقول أبي كبير:

فرأيت ما فيه فثُمَّ رزيتهفلبثت بعدك غير راض معمري
للشاعر أبو كبير الهذلي، اقرأ القصيدة

يريد: ثم رزيته، وقول الأسود بن يعفر:

فَلَنهشل قومي ولي في نهشلنسب لعمر أبيك غير غِلابِ

زاد الفاء في أول الكلام، لأن البيت أو القصيدة.

ومثل ذلك زيادة (بل) في قول العجاج:

بَلْ ما هاج أحزاناًوشجواً قد شجا

ألا ترى أنه زاد (بل) أول الكلام، لأن هذا البيت أول الرجز، وجعلها وإن لم ينتظمها الوزن كالفاء التي انتظمها الوزن في بيت الأسود. ولا يحفظ زيادة (بل) إلا في هذا البيت.

ومن زيادة (أم) قول الراجز، أنشده أبو زيد:

يا دهر أم ماكان مشيي رَقَصا
بَلْ قَدْ تَكُونُمِشْيتي تَوَقّصا

يريد: يا دهر ما كان مشيي رقصاً، وقول الشاعر:

يا ليت شعري لا منجي من الهرمأم هل على العَيشِ بعد الشّيبِ من نَدم

يريد: ياليت شعري هل على العيش بعد الشيب من ندم. واعترض، بقوله: لا منجي من الهرم، بين شعري والجملة التي في موضع معموله.

وأجاز الفارسي في قوله أبي ذؤيب:

فأجبتها أما لجسمي أنهأودى بنيَّ من البلاد فودعوا

أن يكون الأصل في (أما): أم ما، وتكون (أم) زائدة، و (ما) بمعنى الذي.

والتقدير: فأجبتها الذي لجسمي أنه أودى.

وعلى زيادة (أم) حمل أبو زيد قوله تعالى: (أفلا تبصرون أم أنا خير) التقدير، عنده: أنا خير من هذا الذي هو مهين. ووافقه على جواز ذلك أبو بكر بن طاهر، من المتأخرين.

والصحيح أنها غير زائدة، لأن زيادتها قليلة، فلا ينبغي أن تحمل الآية عليها، إذ قد يمكن حملها على ما هو أحسن من ذلك. ألا ترى أنه يمكن أن تكون منقطعة،

على ما ذهب إليه س، أو متصلة، على ما ذهب إليه الأخفش. وقد بين النحويون الوجهين، فأغنى ذلك عن ذكره هنا.

ومنها: زيادة (إلا)، نحو قول الشاعر:

أرى الدهرَ إلا منجنوناّ بأهلهوما صاحبُ الحاجات إلا مُعذبا

هكذا رواه المازني، يريد: أرى الدهر منجنوناَ بأهله. وكذلك جعلها في قول الآخر:

ما زال مذ وجفت في كل هاجرةِبالأشعث الورد إلا وهو مهموم

يريد: هو مهموم، فزاد (إلا) والواو في خبر (زال)، وفي قول الآخر:

وكلهم حاشاك إلا وجدتهكعين الكذوب جهدها واحتفالها

يريد: وكلهم حاشاك وجدته، وفي قول ذي الرمة:

حراجيج ما تنفك إلا مناخةَعلى الخَسْف أو نَرمي بها بلداً قفرا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لقد جشأت نفسي عشية مشرف»

يريد: ما تنفك مناخة.

وهذه الأبيات كلها تحتمل (إلا) فيها أن تكون غير زائدة، إلا البيت الأول فإنها لا تكون فيه إلا زائدة، وذلك بأن تجعل (زال) و (تنفك) (تامتين)، وتكون (إلا) إذ ذاك داخلة على الحال.

ويقال إن ذا الرمة لما عيب عليه قوله: (ما تنفك إلا مناخة) فطن له، فقال: إنما قلت: (آلا مناخة)، أي شخصاً، كما قال:

فما بلغت بنا سَفوانَ حتىطرحن سِخَالهن فصِرْن آلا

وكذلك، أيضا، تجعل (إلا) في قوله: (وكلهم حاشاك إلا وجدته) إيجابا للنفي الذي يعطيه معنى الكلام. ألا ترى أن المعنى: ما منهم أحد، حاشاك، إلا وجدته. وعلى ذلك حمله الفراء.

ومنها: زيادة (لا) لفظاً ومعنى، قول جرير:

ما بالُ جهلكَ بعد الحلمِ والدينِوقد علاك مشيبُ حين لا حينِ
للشاعر جرير، من قصيدة «ما بال جهلك بعد الحلم والدين»

يريد: حين حين، أي في وقته. وقول الآخر:

أبي جوده (لا) البخلَ واستعجلت بهنعم من فتى لا يمنع الجودَ قاتلَه

يريد: أبي جودة البخل. ولا ينبغي أن تجعل منصوبة الموضع بـ (أبي) والبخل بدل منها، لأن (لا) إذا استعملت اسماً مدت: قال الشاعر:

كأنك في الكتاب وجدت لاَءمحرمة عليك فما تَحلَ
للشاعر أحمد بن أبي سلمة، من قصيدة «أحمد أنت للإنعام أهل»

فمد (لا) لما جعلها اسماً. وقول الآخر، أنشده أبو الحسن الأخفش:

لو لم تكن غَطَفانُ لا ذنوبَ لهَاإلى لامت ذَوُو أحسابها عُمرا

قال أبو الحسن: لا زائدة. والمعنى لها ذنوب إلي.

ومنها: زيادة (كان) للدلالة على الزمان الماضي، نحو قول الفرزدق:

في لجةٍ غمرت أباك بُحُورهافي الجاهلية - كان - والإسلام

وقول الآخر، أنشده الفارسي:

في غرف الجنة العليا التي وجبتلهم هناك بسعي - كان - مشكورِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فأنت إذ لم تكن إياه صاحبه»

يريد: بسعي مشكور، وقول الآخر، أنشده الفراء:

سراة بني أبي بكر تسامواعلى - كان - المسومةِ العرابِ

وقول غيلان بن حريث:

إلى كناس - كان- مُستعيدهِ

يريد: إلى كناس مستعيده، وقول امرئ القيس، في الصحيح من القولين:

أرى أم عمرو دمعها قد تحدرابكاء على عمرو وما كان أصبرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»

يريد: وما أصبر، أي: وما أصبرها.

وقد تزاد في سعة الكلام، ومنه قول قيس بن غالب البدري: (ولدت فاطمة بنت الخرشب الكملة من عبس، لم يوجد - كان - مثلهم يريد: لم يوجد مثلهم، إلا أن

ذلك لا يحسن إلا في الشعر.

وإنما أوردت زيادتها في (فعل)، دون زيادة الجملة، لأنها في حال زيادتها غير مسندة إلى شئ. وسبب ذلك أنها لما زيدت للدلالة على الزمان الماضي، فقيل: زيد - كان - قائم، أشبهت (أمس) من قولك: زيد

- أمس - قائم، فحكم لها بحكم (أمس)، فلم تسند إلى شئ، كما أن (أمس) كذلك. ونظير ذلك استعمالهم (قلما)، وهي في الأصل غير مسندة إلى فاعل، لما كانت في معنى ما لا يسند إليه، وهو حرف النفي، ألا ترى أنك تقول: قلما يقوم زيد، إذا أردت ذلك المعنى.

ولا يزاد شئ من أخواتها، إلا أن يسمع من ذلك شئ، فيحفظ ولا يقاس عليه لشذوذه، نحو ما حكاه أبو الحسن من قولهم: ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفاها، يعنون الدنيا، أي: ما أبردها في الصباح، وما أدفاها في المساء.

وأما زيادة الجملة فمنها: زيادة (أكاد)، و (تكاد)، نحو قول حسان:

وتكاد تكسل أن تجيء فراشَهافي جسم خرعبةٍ ولين قوامِ

يريد: وتكسل أن تجيء فراشها، لأن المرأة إنما توصف بالكسل، لا بمقاربته، كما قال امرؤ القيس:

.........يطفن بجماء المرافق مِكسال

وقول الآخر:

فإن لا ألومُ النفس فيما أصابهاوإن لا أكادُ بالذي نلت أنجح

يريد: وإن لا أنجح بالذي نلت.

فأما قول حسان:

على ما قام يشتمني لئيمُكخنزيرٍ تمرغ في رماد

وقول بعض بني نبهان:

فإن كنت سيدنَا سُدْتَنَاوإن كنت للخال فأذهب فَخَلْ

فزعم أبو الفتح أن (قام) في البيت الأول، و (فأذهب) في البيت الثاني زائدتان، لأن المعنى: وإن كنت للخال فخل، وعلام يشتمني، وإنهما زيدتا توكيداً للكلام وتمكيناً له.

والصحيح أنهما غير زائدتين، لأنه لا موجب لزيادتهما. بل (قام) في بيت حسان ليست ضد (قعد)، بل (في) معنى ثبت، من قوله تعالى (إلا ما دمت عليه قائماً). وكأنه قال: ما ثبت يشتمني لئيم. وكذلك (اذهب) في البيت الثاني له معنى لا يفهم إلا منه. ألا ترى أن المعنى: إن سرت فينا سير السادة المرضية سدتنا، وإن كنت تبغي الخال فأذهب فأطلب لذلك قابلاً وبه راضياً، فإننا لا نقبل ذلك ولا نرضاه. ولو جعلت زائدة لا معنى لها، لكان الكلام يعطي ظاهره الرضى بالخال والقرار على الإدلال، وهو خلاف مراد الشاعر.

ولم تزد العرب من الأسماء شيئاً إلا الضمير، في الفصل خاصة، في نحو قولك: ظننت زيداً هو القائم، لأنه لا موضع له من الإعراب. ألا ترى

أنه لا يمكن أن يكون تأكيداً لزيد، لأن الظاهر لا يؤكد بالمضمر، ولا بدلاً منه، لأن الضمير إذا كان بدلاً من منصوب كانت صيغته صيغة الضمير المنصوب. فلو كان بدلاً منه لوجب أن يقال: ظننت زيداً إياه القائم.

وزعم الكسائي أن العرب قد زادت من الأسماء (من) في الشعر واستدل على ذلك بقول عنترة:

يا شاة مَن قنص لمن حلت لهحرمت علي وليتها لم تحرمِ

وقول الآخر:

آلُ الزبير سنَام المجد قد علمتذاك القبائلُ والأثْرون مَنْ عَددا

والتقدير عنده في البيت الأول: يا شاة قنص، وفي البيت الثاني: والأثرون عدداً.

ولا حجة له في البيتين على زيادة (من)، لاحتمال أن تكون فيهما نكرة موصوفة،

كما هي في قوله:

إني وإياك إذ حلت بأرحلناكمن بواديه بعد المحلِ ممطورِ

ألا ترى أن ممطوراً صفة لـ (من)، وأن المعنى: كإنسان ممطور بواديه بعد المحل، وتكون في بيت عنترة موصوفة بالمصدر الذي هو (قنص)، على

حد قولهم: مررت برجل فطر، أي مفطر، وفي البيت الآخر بالاسم الموضوع موضع المصدر، وهو (عددا)، والمعنى: يا شاة إنسان قانص، والأثرون قوماً معدودين.

وزعم أبو عبيدة أن قول لبيد:

إلى الحولِ ثم اسم السلام عليكماومن يبك حولاً كاملاً فقد اعَتَذرْ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما»

إنما هو على زيادة (اسم)، وكأنه قال: ثم السلام عليكما، وكذلك قول غيلان:

لا يُنعشُ الطرف إلا ما تخونهداع يناديه باسم الماء مبغوم
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أعن ترسمت من خرقاء منزلة»

لأن المعنى: يناديه بالماء.

والمعنى كما قاله أبو عبيدة، لكنه ليس على زيادة (اسم)، كما ذهب إليه، بل ما ذكره أبو علي من حذف مضاف، أي: ثم اسم معنى السلام عليكما، وباسم معنى الماء. واسم معنى السلام هو السلام، وكذلك اسم الماء هو الماء، وإضافة المعنى الذي هو المسمى إلى اللفظ الذي هو الاسم قد جاء في كلامهم: حكى أحمد بن إبراهيم - أستاذ ثعلب: (هذا ذو

زيد، أي صاحب هذا الاسم الذي هو زيد. ومن ذلك قوله:

فكذبوها بما قالت فصبحهمذو آل حسان يزجي الموت والشرعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»

أي أصحاب هذا الاسم الذي هو آل حسان.

النص من طبعة دار الأندلس (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر أنواع الضرائر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.