تجاوز إلى المحتوى

من «المقتطف من أزاهر الطرف» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)

فأما الموشحات

فقد ذكر الحجارى فى كتاب المسهب فى غرائب المغرب أن المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدّم بن معافى القبرى من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المروانى، وأخذ عنه ذلك أبو عمر بن عبد ربه صاحب العقد.

ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر، وكسدت موشحاتهما، وكان أول من برع فى هذا الشأن بعدهما:

ا، ب عبادة القزّاز: شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المريّة وقد ذكر الأعلم البطليوسى أنه سمع أبا بكر بن زهر يقول: كلّ الوشاحين عيال على عبادة القزاز فيما اتفق له من قوله:

بدرتمّ شمس ضحىغصن نقا مسك شمّ
للشاعر عبادة القزاز، من قصيدة «بدرتمّ شمس ضحى»
ما أتمّ ما أوضحاما أورقا ما أنمّ
للشاعر عبادة القزاز، من قصيدة «بدرتمّ شمس ضحى»
لا جرم من لمحاقد عشقا قد حرم
للشاعر عبادة القزاز، من قصيدة «بدرتمّ شمس ضحى»

وزعموا أنه لم يشقّ غباره وشاح من معاصريه الذين كانوا فى زمن الطوائف، وجاء مصليّا خلفه منهم:

ا، ب ابن أرفع رأسه !: شاعر المأمون بن ذى النون صاحب طليطلة: قالوا وقد أحسن فى ابتدائه فى الموشحة التى طارت له حيث يقول:

العود قد ترنّمبأبدع تلحين
وشقّت المذانبرياض البساتين

وفى انتهائه حيث يقول

تخطر وليس تسلّمعساك المأمون
مروّع الكتائبيحيى بن ذى النون

ثم جاءت الحلبة التى كانت فى مدة الملثّمين، فظهرت لهم البدائع، وفرسا رهان حلبتهم الأعمى التّطيلى ويحيى بن بقىّ. سمعت غير واحد من أشياخ هذا الشأن بالأندلس يذكرون أن جماعة من الوشّاحين اجتمعوا فى مجلس بأشبيلية فكان كل واحد منهم قد وضع موشحة وتأنق فيها، فقدموا الأعمى للانشاد.

فلما افتتح موشحته المشهورة بقوله:

ضاحك عن جمانسافر عن بدر
ضاق عنه الزمانوحواه صدرى
للشاعر الأعمى التطيلي، من قصيدة «ضاحكٌ عن جُمانْ»

خرّق ابن بقىّ موشحته وتبعه الباقون ا، ب وسمعت الأعلم البطليوسى يقول أنه سمع ابن زهر يقول:

ما حسدت وشّاحا على قول إلا ابن بقىّ حين وقع له:

أما ترى أحمد فىمجده العالى لا يلحق
للشاعر الأعمى التطيلي، اقرأ القصيدة
أطلعه المغرب فأرنامثله يا مشرق

وكان فى عصره من الوشّاحين المطبوعين الأبيض. وكان فى عصرهم أبو بكر بن باجة صاحب التلاحين المشهورة. ومن الحكايات المؤرخة أنه لما ألقى على احدى قينات ابن تيفلويت موشحة فيها:

جرّر الذّيل أيّما جرّوصل السّكر منك بالسّكر
للشاعر أبو الحسن الششتري، من قصيدة «صاح لاح الصباح للحبر»

طرب الممدوح. ولما اختتمها بقوله، وطرق سمعه فى التلحين

عقد الله راية النّصرلأمير العلا أبى بكر

صاح: واطرباه! وشق ثيابه وقال: ما أحسن ما بدأت به وما ختمت. وحلف بالأيمان المغلظة أن لا يمشى فى طريق إلى داره إلا على الذهب فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهبا فى نعله ومشى عليه. وأخبرنى أبو الخصيب بن زهر أنه جرى فى مجلس أبى بكر بن زهر ذكر لأبى بكر الأبيض الوشاح المتقدم الذكر، فغض منه أحد الحاضرين، فقال: كيف تغضّ ممن يقول:

ما لذّ لى شرب راحعلى رياض الأقاح
لولا هضيم الوشاحإذا ينثنى فى الصباح
أو فى الأصيلأضحى يقول
ما للشّموللطّمت خدّى
وللشّمالهبت فمال
غصن اعتدالضمّه بردى

واشتهر بعد هؤلاء فى صدر دولة الموحدين- أعزهم الله- محمد بن أبى الفضل ابن شرف قال المسن بن دوّريده: رأيت حاتم ابن سعيد يقبل رأسه على هذه البدأة.

شمس قارنت بدراكأس ونديم

وابن هرودس الذى له

يا ليلة الوصل والسّعودبالله عودى

وابن مؤهل الذى له

ما العيد فى حلّة وطاقوشمّ طيب
للشاعر ابن زهر الحفيد، من قصيدة «ما العيد في حلة وطاق»
وإنما العيد فى التلاقى- مع الحبيب

ا، ب وأبو اسحق الزويلى. سمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول انه دخل على ابن زهر وقد أسن، وعليه زى البادية، إذ كان يسكن بحصن استبّة، فلم يعرفه، فجلس حيث وجد، وجرت المحاضرة أن أنشد لنفسه موشحة وقع فيها:

كحل الدّجى يجرى من مقلةالفجر على الصّباح
ومعصم النّهر فىحلل خضر من البطاح

فتحرك ابن زهر وقال: أنت تقول هذا؟ قال: اختبر. قال: ومن تكون؟

فعرّفه. فقال: ارتفع، فو الله ما عرفتك.

ا، ب وسابق الحلية التى أدركت هؤلاء أبو بكر بن زهر، وقد شرقت موشحاته وغربت. وسمعت أبا الحسن المذكور يقول لابن زهر: لو قيل لك: ما أبدع ما وقع لك فى التوشيح، ما كنت تقول؟

قال: كنت أقول مما استحسنه من قولى وأرتضيه من نظمى:

هل تستعاد أيامنابالخليج وليالينا
للشاعر ابن زهر الحفيد، من قصيدة «ما للموله من سكره لا يفيق»
إذ يستفاد من النسيمالأريج مسك دارينا
للشاعر ابن زهر الحفيد، من قصيدة «ما للموله من سكره لا يفيق»
وإذ يكاد حسن المكانالبهيج أن يحيّينا
للشاعر ابن زهر الحفيد، من قصيدة «ما للموله من سكره لا يفيق»
نهر أظلّه دوح عليهأنيق مورق فينان
والماء يجرى وعائموغريق من جنى الرّيحان
للشاعر ابن زهر الحفيد، من قصيدة «ما للموله من سكره لا يفيق»

واشتهر معه ابن حيون الذى له:

يفوّق سهم كلّ حينبما شئت من يد وعين

وتنشد فى القضيّتين

خلقت مليح علمت رامىفلس نخل ساع من قتال
وتعمل بذى العينين متاعىما تعمل إدى بالنّبال

واشتهر معهما فى العصر بغرناطة المهر بن الفرس. ومن المشهور أن ابن زهر لما سمع قوله:

لله ما كان من يوم بهيجبنهر حمص على تلك المروج
للشاعر المهر بن الفرس، اقرأ القصيدة
ثم انعطفنا على فم الخليجنفضّ مسك الختام
عن عسجدى المدامورداء الأصيل

تطويه كف الظلام

قال: أين كنا نحن عن هذا الرداء.

وكان معه فى بلده مطرّف. أخبرنى والدى أنه دخل على ابن الفرس المذكور فقام له وأكرمه، فأشار عليه بألايفعل. فقال: كيف لا أقوم لمن يقول:

قلوب تصابتبألحاظ تصيب
فقل كيف تبقىبلا وجد قلوب

واشتهر بعد هؤلاء ابن حزمون بمرسية. أخبرنى ابن الدارس أن يحيى الخزرج دخل عليه فى مجلس فأنشده موشحة لنفسه، فقال له

ابن حزمون، ما الموشح بموشح حتى يكون عاريا من التكلّف. قال: على مثال ماذا؟ قال: على مثال قولى:

يا هاجرى هل إلى الوصالمنك سبيل
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
أو هل يرى عن هواك سالىقلبى العليل

واشتهر فى أشبيلية أبو الحسن بن الفضل. قال والدى: سمعت أبا الحسن ابن مالك يقول: يا ابن الفضل، لك على الوشاحين بقولك الفضل:

واحسرتا لزمان مضىعشية بان الهوى وانقضى
وأفردت بالرّغم لا بالرّضىوبتّ على جمرات الغضا
أعانق بالوهم تلك الطلولوألثم بالفكر تلك الرّسوم

وسمعت أبا بكر الصابونى ينشد للأستاذ أبى الحسن الدباج موشحات له غير ما مرّة، فما سمعته قال لله درك إلا فى قوله:

قسما بالهوى لذى حجرما لليل المشوق من فجر
للشاعر السلطان أحمد المنصور، اقرأ القصيدة
خمد الصّبح ليس يطردما لليلى فيما أظن غد
صح يا ليل أنك الأبدأو تقضّت قوادم النسر

أم نجوم السماء لا تسرى

واشتهر ببر العدوة ابن خلف الجزائرى صاحب الموشحة المشهورة التى مطلعها:

يد الاصباح قد قدحت زناد الأنوارفى مجامر الزّهر

ومنهم ابن خزر البجائى صاحب الموشحة المشهورة:

ثغر الزمان الموافقحياك منه بابتسام
للشاعر ابن الصباغ الجذامي، اقرأ القصيدة

وأما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموشحات. وأحسن ما وقع لهم من ذلك موشحة ابن سناء الملك المصرى التى أولها، وقد اشتهرت فى الشرق والغرب

حبيبى ارفع حجاب النورعن العذار
يقطر بمسك على كافورفى جلّنار

وكان الملك الناصر رحمة الله تعالى مائلا إلى الموشحات والأزجال، وبما رزقه الله تعالى من الطبع الفاضل عانى الطريقتين، فوقع فى الموشحات مثل قوله:

نشوان مائسمن الصبا لم يسق راح
مرنّح القدّكالغصن هزّته الرّياح
لم يبق لى صبرمذ لاح فى المكتب
فى خدّه سطرمثل الطّراز المذهب
خيلانه النّثربها بدا كالعقرب
فى حرب داحسأمسيت والوجد السلاح
وأدمعى جندىيا حبّذاه من كفاح

النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المقتطف من أزاهر الطرف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.