تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الفخرية» لبهاء الدين الإربلي (ت ٦٩٢هـ)

فاتحة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد حمد الله الذي جاء بالأشياء معرفة وعلماً، وجعل الإحسان في جواب طاعته حتماً، وخلق الإنسان وعلَّمه البيان، فوفر له منه حظاً وقسماً، والصلاة والسلام على نبيه الذي هو أفصح من نطق بالضاد، وأدقُّ فهماً، القائل: إنَّ من البيان لسِحراً وإنَّ من الشعر لحُكماً ﷺ وآله وصحبه صلاة يعود لهم بها حَرب الأيام سِلماً، ويكشف عن وجه الدهر ظُلَماً وظُلْماً.

وبعد فإنَّ الأدب لم يزل على قديم الوقت محبوباً، وصاحبه على تباين الأحوال مقرَّباً مطلوباً، وكان من أعظم آداب العرب الشعرُ، الذي هو ديوان بيانهم وجامع إحسانهم ومقيِّد ذكر أيامهم وأنسابهم وحافظ أُصولهم وأحسابهم، يعطرون بأرجه مجالس أنسهم ويعرفون به مزيّة يومهم على أمسهم، ولهذا قال الطائي:

وإن العُلى ما لم يُرَ الشعر سنهالكالأرض غُفْلاً ليس فيها معالمُ
ولولا خِلالٌ سنَّها الشعْرُ ما درىبغاةُ الندى من أين تُؤتى المكارمُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألم يأن أن تروى الظماء الحوائم»

مَن رفعه الشعر ارتفع، ومن وضعه الشعر اتَّضع، يُبنى بالبيت من الشعر شرف الوضيع ويُهدم بالبيت الهجاء مجد الرفيع.

قال الزبرقان بن بدر كان سيد قومه غير مدافع هجاه الحطيئة بقوله:

دعِ المكارم لا تَرْحلْ لبُغْيتهاواقعُدْ فإنَّكَ أنتَ الطاعِمُ الكاسي
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

فهدم شرفه وضعضع مجده فاستعدى عليه عمر بن الخطاب رضوان الله عليه وأنشده الشهر، فقال: لا أرى موضع هجاءٍ، فأحضر حسان بن ثابت وسأله، فقال: يا أمير المؤمنين ما يسُرّني أن يلحقني ما لحقه ولي حُمر النّعم، فحبسَ الحطيئة فكتب إليه من محبسه:

ماذا تقول لأفراخٍ بذي مَرَخٍزُغْبِ الحواصل لا ماءٌ ولا شَجَرُ
أُلْقيتُ كالمَيْتِ في سِجنٍ لمَظْلَمةٍفاغفرْ عليكَ سلامُ اللهِ يا عُمَرُ
أنت الإمامُ الذي من بعدِ صاحبهِألقتْ إليكَ مقاليدَ النهى البَشَرُ
لم يُؤْثِروكَ بها إذْ قدَّموكَ لهالكنْ لأَنْفُسهم كانتْ بِكَ الإثَرُ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «مَاذَا تقول لأِفْراخٍ بذي مَرَخٍ»

فبكى وعفا عنه واشترى منه أعراض المسلمين بدراهم وتقلَّد الزبرقان عارَه على الأبد وأخنى على شرفه الذي أخنى على لُبَد.

وكان بنو أنف الناقة يُعيَّرون بهذا الاسم، وكان سببه أنهم نحروا ناقةً وفرَّقوا لحمها وبقي أنفها، فجاء سائلٌ فأعطوه أنفَها فسمّوا أنف الناقة على سبيل التعيير لهم فلمَّا مدحهم الحطيئة بقوله ذلك:

قومٌ هم الأنْفُ والأذنابُ غيْرهُمُومن يُسوِّي بأنفِ الناقةِ الذنبا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»

عاد ذلك الهجاء مديحاً وانقلب ذلك الذم حمداً صريحاً وصار من أحبّ الأسماء والألقاب إليهم. ولما قال النُّميري:

يا صاحِبيّ دنا الرّواح فسِيراغَلَبَ الفَرَزْدَقُ في الهجاءِ جريرا

دعا جرير بعض أصحابه، وقال: اكتب عنِّي:

أقلِّي اللومَ عاذلَ والعِتاباوقولي إنْ أصبتُ لقد أصابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

قال كاتبه: فكتبت وهو يفكر فأخذتني سِنَةٌ فصاح ووثب فكاد رأسه يُصيب السقف، وقال: اكتب، فوالله أخريتُه ولن يُفلح بعدها أبداً:

فغُضّ الطرفَ إنَّك من نُمَيْرٍفلا كعباً بلغتَ ولا كلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»
وكنتَ متى نزلتَ بدارِ قوْمٍرحلتَ بخِزْيةٍ وتركتَ عابا

فما أفلح النميري بعدها وخرج هارباً إلى البادية فما اجتاز بحيٍّ من أحياء العرب إلا وقد سبقه الهجاء إليه، ولمَّا ورد حيّ قومه قالوا: بئسما جئتنا به، ومن هذه الأبيات يهجو أُمَّ النميري:

لها وَضَحٌ بجانب اسْكتيهاكعنفقةِ الفرزْدَقِ حينَ شابا

قال ابن الفرزدق: كنت مع أبي في مربد البصرة وجرير ينشد هذه الأبيات فلما انتهى إلى قوله: لها وَضَحٌ، غطَّى أبي وجهه وولَّى، فأنشد جرير: كعنفقة الفرزدق البيت فقال أبي: قاتلك الله، والله إني عرفت أنه لا يقول غيرها ولقد غطَّيت وجهي فما أغناني.

وممن ارتفع بالشعر محلُّه، وسار به فضلُه، وعلا به قدرُه، وشاع به ذكره، وسَمَت به مكانُه، وعظُم شأنُه، عَرابة الأوسي، الذي قيل فيه:

رأيتُ عَرابةَ الأوسيَّ يسموإلى الخيراتِ مُنْقَطِعَ القَرينِ
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»
إذا بلّغتِني وحملتِ رَحْليعَرابةَ فاشْرقي بدمِ الوَتينِ
إذا ما رايةٌ رُفِعتْ لمجدٍتلقَّاها عَرابةُ باليَمينِ
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»

أبو نُواس أحسن رعايةً حيث يقول:

وإذا المطيّ بنا بلغنَ محمداًفظهورُهُنَّ على الرجالِ حرامُ
للشاعر شاعر الحمراء، من قصيدة «يا أيها المولى الذي بوجوده»

ومثل الأول قولُ ذي الرُّمَّة:

إذا ابنَ أبي موسى بلالاً بلغتهفقامَ بفأسٍ بينَ وَصْلَيْكِ جازِرُ

فإنه لولا هذا الشعر لما ذُكر اسمه، ولا عُرف رسمه، ولا فاز له قدحٌ، ولا أشرق له صبحٌ، ولكنْ سارَ بهذا الشعر صيتُه، وعلا صوتُه، وحيَّ ذكرُه وإن تقادم موته، وقد كان الأجواد يتغايرون على بناتِ الأفكار كتغايرهم على البنات الأبكار.

كما حُكي أن أبا دُلَفٍ العِجلي كان يساير أخاه فبصرت بهما امرأتان، فقالت إحداهما للأخرى: هذا أبو دلف الذي يقول فيه عليّ بن جَبَلَة الطوسيّ:

إنَّما الدنيا أبو دُلَفٍبينَ بادِيه ومحتضره
فإذا ولَّى أبو دُلَفٍولَّتِ الدنيا على أثَرِه
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

قالت: نعم فبكى أبو دلف، فقال أخوه: مم تبكي، قال: كوني لم أجازِ عليّاً على شعره، قال: أوَلَم تُعطه مائة ألف درهم، قال: بلى ولكني والله نادم إذ لم أجعلها دنانير. أخذتها أنا فقلت:

إنما الدنيا ابنُ نَصْرٍونَداه والعَطاءُ
فإذا ولَّى ابنُ نَصْرٍفعلى الدنيا العَفاءُ

وقد كرَّرهما ابنُ جَبَلَة، فقال:

إنما الدنيا حُمَيْدٌوأياديه الجِسَامُ
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فإذا ولَّى حُمَيْدٌفعلى الدنيا السَّلامُ
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

ووفد عليه أبو تمام ومدحه بقصيدته التي أولها:

على مِثْلها مِن أرْسُمٍ وملاعبِأُذيلَتْ مصوناتُ الدموع السواكبِ

وهي من جيد شعره، يقول فيها:

إذا افتخرتْ يوماً هذيلٌ بقوسِهاوزادت على ما وطّدَتْ من مَناقِبِ
فأنتمْ بذي قارٍ أمالتْ سيوفكُمعروشَ الذينَ استرهَنوا قَوْسَ حاجِبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
محاسِنُ من مَجْدٍ متى يقرنوا بهامحاسنَ أقوامٍ تَكُنْ كالمعايبِ
مناقبُ لَجّتْ في عُلُوٍّ كأنماتحاول ثأراً عندَ بعضِ الكواكبِ

فطرب لها وأحسن صلته، وقال: أنشدني قصيدتك الرائية التي ترثي بها محمد بن حميد فأنشده:

كذا فليَجِلَّ الخَطْبُ وليفدحِ الأمرُوليسَ لعينٍ لم يَفِضْ ماؤها عُذْرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»
توفيت الآمال بعدُ محمدٍوأصبحَ في شُغْلٍ عن السّفر السّفْرُ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «وفى لي فيك الدمع إذ خانني الصبر»
وما كان إلاّ مالَ مَنْ قَلَّ مالُهُوذخراً لمن أمسى وليس له ذُخْرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»
تردى ثيابَ الموتِ حُمْراً فما أتىلها الليلُ إلاّ وَهْيَ من سُنْدُسٍ خُضْرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»
كأنَّ بني نبهان يوم وفاتهنجومُ سماءٍ خَرَّ من بينها البَدْرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»

هذا البيت مأخوذ من النابغة الذبياني:

ألَم تَرَ أنَّ اللهَ أعطاك سُرةًترى كلّ مَلْك دونَها يَتَذَبْذَبُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»
لأنَّك شمسٌ والملوكُ كواكبٌإذا طَلَعَتْ لم يبقَ منهنّ كوكبُ

وأخذه النابغة من بعض شعراء كِندة يمدح عمرو بن هند:

تكادُ تميدُ الأرضُ بالناس إنْ رأوالعمرو بن هند غضبةً وهو عاتبُ
هو الشمسُ وافتْ يومَ سَعْدٍ فأفضلتعلى كلِّ شمسٍ والملوكُ كواكبُ

وقال نُصَيْبٌ:

هو البدرُ والناسُ الكواكبُ حولَهُوهل تُشبهُ البدرَ المضيءَ الكواكبُ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»

ومثله لصفية الباهلية:

أخنى على واحدي ريب الزمان ولايُبقي الزمانُ على شيءٍ ولا يَذَرُ
كنَّا كأنْجُمِ ليلٍ بيننا قمرٌهو الدّجى فَهَوَى من بيننا القمرُ
للشاعر صفية الباهلية، اقرأ القصيدة

نعود إلى خبر أبي دُلف، قال: فبكى، وقال: والله وددت أنّها فيّ، فقال أبو تمام: بل يُطيل الله عمر الأمير، فقال: فإنَّه لم يمتْ مَنْ قِيل فيه مثل هذا الشعر.

فانظر إلى هذه الأنفس الكريمة التي ترغب في الذكر الجميل فتختار الحِمامَ وتصبو إلى ابتناء المجد فتهجر في تحصيله الراحة والمنام.

ولو تصدَّى متصدٍّ لذكر هذا النمط فحسب، لملأ به بطون الدفاتر، واستنفد به أنفاس المحابر، وعطَّر الآفاق منه بما هو أضوعُ من أنفاس المجامر. وقد سمع النبيُّ، ﷺ، الشعر وأُنشد في مجلسه وأجاز عليه، وقصَّة كعب بن زهير وقصيدته:

بانتْ سُعادُ فقلبي اليومَ متبولُ

يمدح بها النبيَّ، ﷺ، قصة مشهورة وقد خلدها المصنفون كتبهم وأودعوها بطون أوراقهم. وخرج النبي، ﷺ، وجارية حسان بن ثابت تنشد:

هل عليَّ ويحكماإنْ لهوتُ من حَرَجِ
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «يا مليحة الدعج»

فقال: لا حَرَجَ إنْ شاءَ الله.

وأنشده النابغة الجعدي قوله:

بلغنا السماءَ مجدنا وجدودناوإنا لنرجو فوقَ ذلكَ مَظْهَرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»

فغضب ﷺ، وقال: أين المظهر يا أبا ليلى، فقال: الجنة يا رسول الله، فقال: إن شاء الله تعالى، وضحك، وأنشده منها:

ولا خيرَ في حلم إذا لم تكن لهبوادِرُ تحمي صفوه أن يُكَدَّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»
ولا خيرَ في جهلٍ إذا لم يكن لهحليمٌ إذا ما أوردَ الأمر أصْدَرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»

فقال: أجدتَ، لا يفضض الله فاك، فنيّف على المائة وكأنَّ فاهُ البَرَدُ المنهلُّ ما سقط له سنٌّ ولا انغلت.

وعن عكرمة قال: كان عبد الله بن رواحة مضطجعاً إلى جانب امرأته في الليل، فقام إلى جاريته فأتاها، فندرت به امرأته فأخذت شفرةً وجاءت إليه لتضربه، وقالت: لو أدركتكَ بها وجاءت بين كتفيك، قال: لِمَ، قالت: رأيتك، قال: أليس رسول الله، ﷺ، قد نهى الجُنب أن يقرأ، قالت: فاقرأ، فقال:

وفينا رسولُ الله يتلو كتابهكما لاحَ مشهورٌ من الصبح ساطعُ
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبناله موقنات إنَّما قالَ واقِعُ
يبيتُ يجافي جنبه عن فراشهإذا استثقلت بالمشركينَ المضاجعُ
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة

فقالت: آمنت بالله وكذبتُ البَصَرَ، ثم غدوت على رسول الله، ﷺ، فأخبرته، فضحك حتى بانت نواجذه.

وسمعت هذه الحكاية على ما هي عليه عدا الشعر فإني سمعته هكذا:

شهدت بأنَّ وعدَ اللهِ حقٌّوأنَّ النارَ مثوى الظالمينا
وأنَّ العرشَ فوقَ الماءِ طافٍوفوقَ العَرْشِ ربُّ العالمينا
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة

وعن الشَّعبي عن ابن عباس، قال: قدِم وفد بكر بن وائل على رسول الله، ﷺ، فلما فرغوا من شأنهم، قال لهم: هل فيكم أحدٌ من إياد، قالوا: نعم، قال: أفيكم أحدٌ يعرف قُسَّ بن ساعدة الإيادي، قالوا: نعم، كلُّنا نعرفه، قال: فما فعل، قالوا: هلك، قال: ما أنساه بسوق عكاظ في الشهر الحرام يخطب الناسَ على جمل له أحمر، وهو يقول: يا أيُّها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا، مًنْ عاش مات، ومَنْ مات فات، وكلُّ ما هو آتٍ آت.

أما بعد فإن في السماء لخبراً وإنَّ في الأرض لعبراً، سقفٌ مرفوع، ونجومٌ تمور، وبحارٌ لا تغور، وتجارة لن تبور، أقسَمَ قسّ بالله وما أثِمَ لئنْ كان بعض الأمر رِضىً لك إن في بعضه لسخطاً وما هذا لعباً، وإن من وراء هذا لعجباً، أقسَمَ قسّ بالله إن لله ديناً هو أرضى له من دينٍ نحن عليه، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون، أرَضوا فأفاقوا، أم تُركوا فناموا، قال: وقال رسول الله، ﷺ: لقد سمعته ينشد أبياتاً لا أحفظها، فقال بعضهم: أنا أحفظها يا رسول الله، قال: قُل، فقال:

في الذاهبين الأولينمن القرون لنا بصائرْ
لما رأيتُ موارداً للموتِليس لها مصادرْ
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة
ورأيت قومي نحوهايمشي الأصاغر والأكابرْ
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة
لا يرجع الماضي ولايبقى من الباقين غابرْ
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة
أيقنتُ أني لا محالةَ حيثُ صارَ القومُ صائرْ
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة

وروي عن قتادة عن أنس أنه لما بنى مسجده، ﷺ، كان ينقل اللبن مع المسلمين، ويقول:

اللهم إنَّ الخيرَ خيرُ الآخرهفارحم الأنصار والمهاجره

وقال، ﷺ، يوم حنين:

أنا النبي لا كَذِبْأنا ابنُ عبدِ المطلبْ

والرجز بحر من أبحر الشعر ونوع من أنواعه.

قال جامعه: ربما كان هذا موضوعاً عليه، ﷺ، لأن الشعر لا ينبغي له وهو ممنوع عنه، وإن كان قد روي فالعهدة على راويه وأنا أستغفر الله من نقل ما لا يجوز نقله ولا تصح الرواية فيه، وإياه أسأل أن يعصمني من موبقات الدنيا والآخرة.

ولما هجته قريش دعا حسان بن ثابت، وقال: يا حسان إنَّ قريشاً هجتني فهاجِهم وجبريل معك. وفي رواية: فهاجِهم وروح القدس ينفث على لسانك. وفي رواية عن عائشة، رضوان الله عليها، قالت: سمعتُ رسول الله، ﷺ يقول لحسان: إنَّ روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافَحْتَ عن الله ورسوله.

ويقال: نافحتَ عن فلان: خاصمتَ عنه.

وكان أبو بكر وعمر، رضوان الله عليهما، شاعرين، وكان عليٌّ، ﵇، أشعر منهما. ولما احتضر أبو بكر قالت عائشة، رضوان الله عليهما:

لعمرك ما تغني التمائم والرقىإذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

الحشرجة: الغرغرة عند الموت وتردد النفس. ففتح عينه، وقال: يا بُنَيّة قولي: وجاءت سَكْرَةُ الموتِ بالحقِّ.

وكان عمر، رضوان الله عليه، إذا خلا ترنم بالشعر وأنشده. وأما عليٌّ، ﵇، فقد ذكر الرواة أن له ديواناً، وكان يستشهد بالشعر في خطبه ورسائله، أنشد في ذكره ابن ملجم، لعنه الله تعالى:

أُريد حِباءهُ ويريدُ قتليعذيري من خليلي من مُرادِ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»

وأنشد في قصة أخرى قول دُرَيْد بن الصمة:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوىفلم يستبينوا النصحَ إلاّ ضحى الغدِ
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»

وهو من أبيات الحماسة. وأنشد في قصة أخرى:

شتَّانَ ما يومي على كورهاويومَ حيَّان أخي جابرِ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»

وكانت فاطمة، ﵍، تتمثل بعد موت النبي، ﷺ، بهذه الأبيات:

يا عينُ بكي عند كل صباحجودي بأربعة على الجراحِ
للشاعر فاطمة الزهراء، من قصيدة «قد كنت لي جبلا ألوذ بظله»

الأربعة: الشؤون، وهي مجاري الدموع.

قد كنتُ ذاتَ حميّةٍ ما عشتَ ليأمشي البراحَ وكنتَ أنتَ سلاحي

البراح، بالفتح: المتسع من الأرض، لا زرع لي ولا شجر، أي أمشي في الفضاء عزيزةً ظاهرةً لا أخاف أحداً، وما بعده يفسره.

فاليوم أخضعُ للذليلِ وأتقيمنه وأدفعُ ظالمي بالراحِ
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
وأغض من بصري وأعلم أنهقد بان حدّ صوارمي ورماحي
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
وإذا دعت قمريّة شجناً لهايوماً على شجنٍ دعوت صباحي
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة

أي قلت: وا صباحاه.

وكان علي ينشد بعد موت فاطمة متمثلاً:

لكل اجتماع من خليلين فرقةٌوكلُّ الذي بعدَ الفراقِ قليلُ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «ألا هل إلى طول الحياة سبيل»
وإن افتقادي فاطماً بعد أحمددليل على أن لا يدوم خليلُ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «ألا هل إلى طول الحياة سبيل»

ويُروى: واحداً بعد واحدٍ، وقبلهما:

ذكرت أبا أروى فبتُّ كأننيبردِّ الهمومِ الماضياتِ وكيلُ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أرى علل الدينا علي كثيرة»

وكان الحسين بن علي، ﵉، ينشد وهما من شعره:

لعمرك إنني لأحبُّ داراًتحل سكينةُ والرَّبابُ
للشاعر الحسين بن علي، من قصيدة «لعمرك إنني لأحب دارا»
أُحبهما وأنفق جلَّ ماليوليس لعاذلٍ عندي عتابُ

وكان عبد الله بن عباس جالساً يفتي فدخل عليه عمر بن أبي ربيعة المخزومي وأنشده قصيدته التي أولها:

أمن نعمٍ أنتَ غادٍ فمبكرُغداةَ غدٍ أمْ رائحٌ فمهجرُ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر»

حتى انتهى إلى قوله فيها:

رأت رجلاً أما إذا الشمسُ قابلتْفيضحى وأما بالعشيِّ فيخصرُ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر»
أخا سفرٍ جوّابَ أرضٍ تقاذفتْبهِ فلواتٌ فهو أشعثُ أغبرُ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر»

حتى انتهى إلى آخرها، فعاد إلى الحديث مع الجماعة، فقالوا: يا حبر الأمة نحن نضرب إليك أكباد الإبل لنستفتيك في الحلال والحرام فيأتيك مترف من قريش فينشدك:

رأت رجلاً أما إذا الشمس قابلتفيضحى وأما بالعشيِّ فيخسر

فتعرض عنا وتقبل عليه، فقال: ما هكذا قال، ولكنه قال:

فيضحَى وأما بالعشي فيخصرُ

ولقد حفظت القصيدة، وإن شئتم أنشدتها من آخرها إلى أولها، قالوا: نعم، ففعل.

فأما التابعون وغيرهم من الخلفاء والأمراء فلو أراد أحد أن يجمع من أشعارهم واستشهاداتهم كتاباً كبيراً لكان ذلك سهلاً عليه. فلولا كان الشعر من الشرف ومحله من الفضل لما جاز لهؤلاء سماعه فضلاً عن عمله وإنشاده والاستشهاد به في الوقائع، وعلى كتاب الله، وأخبار رسوله.

فأما الآن فهذه شريعة قد نسخت وسنّة قد مسخت وقاعدة قد درست وطريقة قد طَمست وطُمست ومذهب قد ذهب ضياعاً وتفرق شعاعاً وهجر فلا يرى عياناً ولا يسمع سماعاً، وبناءٌ دعا بالرجل مشيدوه فوهى وتداعى، فالنسيان أولى بالإنسان واطراح هذه الأمور أشبه بالحال في هذا الزمان.

وحيث وصلتُ بغداد في شهر الله الأصم رجب سنة ستين وستمائة إلى خدمة المولى الصاحب الأعظم سلطان وزراء العالم علاء الحق والدين صاحب الديوان عطا ملك بن المولى الصاحب السعيد الشهيد بهاء الدين محمد الجويني، أعز الله نصره. وأعلى على الأقدار قدره، وانتظمتُ في سلك أتباعه، وعددت من حواشيه وأشياعه، وغمرت بأياديه، وسالت عليّ شعاب واديه، وعمّتني مبرته، ووجدت اليمن حين لاحت لي غرته، وأهلّني لكتابة الإنشاء، وأسبغ علي ملابس النعم والآلاء، وجدته كريماً في نفسه، مهذباً في خلقه، تاماً في خلقه، قد جمع إلى شرف نفسه شرف نسبه، وإلى طيب أخلاقه طهارة أعراقه، وإلى كرم مولده كرم محتده، فهو وأخوه المولى الصاحب الأعظم سلطان وزراء العالم شمس الحق والدين محمد، أعز الله نصرته، وأدام قدرته، إنساناً عيني الزمان ونيراً فلك الإنعام والإحسان، قد بذلا الرغائب، وأظهرا في اصطناع المعروف العجائب، وجادا فالماء جامدٌ والتبر ذائب:

وكذا الكريم إذا أقامَ ببلدةسالَ النضارُ بها وقامَ الماءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

لا زالت دولتهما باقية على الدوام والاستمرار وإيالتهما مؤيدة بمعاونة الأقضية والأقدار فإنهما مدا بضبعي وسقيا غرسي فأينع أصلي وفرعي ونفعا جدي فأجادا نفعي فحالي بإقبالهما حالي، وقد نما بهما جاهي ومالي، وأوجداني جدة فنيت بها آمالي، فأنا أملي في مدحهما الأمالي، وأرصّع تيجان شرفهما من درر أفكاري، بالجواهر واللآلي: فابلغا أكمل السعادة في ظل العلى وابقيا أتم البقاء أنتما ذاك الذي أخبر القرآن عنه في دوحة علياء أصلها ثابتٌ كما ذكر الله تعالى وفرعها في السماء.

وكان من منتهما التي أكرر صفاتها وأرددها، ونعمهما التي أعد منها ولا أعددها، أن عرفت في خدمتهما الملك المعظم الكبير فخر الدولة والدين جمال الإسلام والمسلمين مفخر الزمان منوجهر بن أبي الكرم الهمذاني، أسبغ الله ظله وأعلى محله، فجلوت بمعرفته صدأ القلب والعين وأحللته مني في الأسودين، وعقدت في محبته خنصري وأفضيت إليه بعجري وبجري، ورأيته مهذب الأخلاق كريمها، جميل الغرة وسيمها، لو جسد العقل لكان إياه، أو مني السداد لما تعداه، حسن الصمت حلو الحديث جامعاً بين الشرف القديم والمجد الحديث، قد أضاف إلى الكرم الطريف الكرم التالد، وأشبه أباه في الفضل فقيل: هذا الولد من ذلك الوالد، جمع الله به أشتات المناقب وأحسن إليه في المبادي والعواقب.

ولما أحكمت الأيام في حكمته عهود الوداد، وحصل من طول الصحبة حسن الاتحاد، طلب أن أجمع له مجموعاً مشتملاً على معان من الأشعار ولمع من محاسن الأخبار، ليشرفه بمطالعته، وينوب عن حضوري إذا غبت عن خدمته، ويكون كالمذكر بعهدي والمنبه على حفظ ودي، وإن كانت عهوده، جمل الله ببقائه، محفوظة على الدوام، مصونة مع تصرف الأيام، لأن من حل محله من النبل كان مثله من أهل الفضل فهو إلى أعلى رتب المجد راق، وعلى عهوده في كل حال باق، فلبيت دعوته حيث ناداني، ومريت خلف القريحة فدر وأتاني.

ولولا ما افترضته من اتباع إشارته، وآثرته من النهوض بخدمته، لكان في الزمان وأكداره المتعددة وفوادحه المتكررة المتعددة ما يشغل الإنسان عن نفسه، وتذهله عن معرفة يومه فضلاً عن أمسه، وقد استخرت الله في جمع هذا المجموع وجعلته أوصافاً وسميته: التذكرة الفخرية، والتزمت بشرح ما يعرض في أثنائه من كلمة لغوية أو معنى يحتاج إلى إيضاح ولي على الناظر فيه ستر العوار والزلات والإغضاء على الخطأ والهفوات، فما رفع قلم عن كتاب والإنسان معرض للنسيان، والمختار معان، والناس مختلفون في الاستحسان، وقد أمليت جملة منه من خاطري فمن وجد فيه خطأ وأصلحه أو خللاً فهذبه قام مقام المفهم وقمت مقام المتفهم، وعرفت له فضل العالم على المتعلم، إكراماً لما رزقه الله من الأدب وقضاء لحق العلم فلولا الوئام هلك الأنام.

وقد ملت في أكثره إلى أشعار المحدثين من أهل العصر إلاّ ما قل من أشعار القدماء وما لم أر للمعاصرين فيه شيئاً، فالضرورة تدعوني إلى استعمال أشعار المتقدمين فيه ورغبني في أشعار المتأخرين قرب متناول معانيهم وسلامة ألفاظهم وتناسبها وحسن مذهبهم في تلطيف الألفاظ والمعاني ورشاقة السبك وإصابة الغرض وتجنب حواشي اللغة ووحشيها ليكون ذلك أدعى إلى الرغبة فيه وأنسب إلى ما اقتضته الحال التي جمع لها، وأليق بطباع أهل العصر ولأن الجيد من أشعار الجاهلية ومخضرمي الإسلام ومخضرمي الدولتين والمحدثين لا يخلو منها كتاب أو مجموع وأن المصنفين لم يغادروا منها صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصوها وقد كان، جمل الله ببقائه وجمع القلوب، وقد فعل، على ولائه، طلب أن أضيف إلى هذا المجموع شيئاً من الدوبيت والمواليا والموشحات فأجبته إجابة مطيع، وسارعت إلى امتثال أمره مسارعة سميع وتبعت غرضه في الاختيار وملت معه في الإيراد والإصدار، وبالله أعتمد وأعتضد، وعليه أتوكل، وهو حسبي ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الفخرية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.