تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح الواحدي (٥)

وقد علمنا أن أقصر ليل أطول من نفس العاشق، ولكن لمّا كان نفس العاشق أمدّ من نفس غيره جاز ضرب المثل به، وإن لم يبلغ النهاية في الطول. وكذلك قول الآخر:

ويومٍ كظِلِّ الرمح قَصَّر طولَهُدَمُ الزِّقِّ عَنَّ واصطفاقُ المزَاهِر
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ويوم كظل الرمح قصر طوله»

وأقول: أما اعتراض ابن جني عليه وجوابه عنه، واستشهاده له بالرجز الذي ذكره فقد حرّفه لآن الذي أنشده أبو العلاء في وصف الإبل:

إذَا قطَعْنَ عَلَماً بَدَا عَلَمْيَبْحَثْنَ بَحْثاً كمُضِلاَّتِ الخَدَمْ

حتى يوافين بنا إلى حكَمْ

وإذا كان كذلك، فلا وقوف هناك ولا حيرة، ولكنه يصف هذه الإبل إنها؛ لشدة

سيرها، ورميها بأيديها؛ كأنها تبحث الترب كما تفعل النساء اللاتي اضللن خلاخيلهن.

وأما ما ذكره العروضي من الانحناء واستشهاده عليه ببيت الخرز، وإن الخاتم يحتمل أن يكون خاتما نفيسا فوجه قريب ضعيف.

وأما ما رواه ابن فورجة فليس بسائغ لو صح! ولكن إطباق الروايات على خلافه يبطله.

وأما ما ذكره الواحدي من أن وقوف الشحيح، وإن كان لا يطول كل الطول، فقد يكون أطول من غيره، واستشهاده عليه بالبيتين فغير حسن، وذلك أن الشعراء والعرب إنما ذكرت ذلك وهي تريد به المبالغة في طول الليل وطول اليوم؛ لأن عندها أن لا شيء أمد من نفس العاشق وأطول من ظل الرمح. وكذلك وصفهم القصر بإبهام القطاة، فكان ينبغي أن يقول على هذا: فلا وقوف إذا أطول من وقوف الشحيح. ولعله هذا اراد، فقصّر في الإيراد!

وقوله:

إذا ظَفِرَتْ منكِ العُيونُ بنَظْرةٍأثَابَ بها مُعْيِي المَطِيِّ ورَازِمُهْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: المعنى إن الإبل الرازحة التي كلّت وعجزت عن المشي إذا نظرت إليك عاشت أنفسها وعادت قوتها فكيف بنا نحن؟ وهذا قول ابن جني.

قال: وقال ابن فورجة: إنما يعني بالمطي أصحابها، وأما الإبل فإنه لا فائدة لها في النظر إلى هذه المحبوبة وإن فاقت حسنا وجمالا، وإنما ركّابها يُسرون بذلك.

ثم قال: والقول ما قال ابن جني.

وأقول: إن هذين الوجهين ضعيفان، وقد ذكرت وجهين غيرهما فليُتأملا في شرح الكندي.

وقوله:

حَبِيبٌ كأنَّ الحُسْنَ كانَ يُحِبُّهُفآثَرَهُ أو جَارَ في الحُسنِ قاسِمُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

قال: يقول: هذا الحبيب منفرد بالحسن لا حظ لغيره فيه، فكأن الحسن أحبه فاستخلصه لنفسه دون غيره. أو: من قسّم الحسن من الناس جار فأعطاه جميع الحسن وحرمه من الناس.

وأقول: تفسيره صدر البيت حسن وعجزه غير حسن! لأن الذي يقسم الشيء بين اثنين ويجوز، لابد أن يُعطي أحدهما شيئا ما ويجعل قسم الآخر أوفر من قسم صاحبه. وأما أن لا يعطي شيئا البتة ويعطي الآخر الجميع فهذا لا يسمى قسما بل إيثارا، وقد ذكره في صدر البيت. على أن البيت من أصله فيه شيء؛ وذلك إنه لا يجوز مع هذا الحبيب إلا وقد أعطاه أكثر مما يستحقه من الحسن! فهل يحسن بأحد ويسوغ له أن يصف حبيبه بذلك؟!

وقوله:

مُشِبُّ الذي يَبْكِي الشبابَ مَشِيُهُفكيفَ تَوَقِّيهِ وبَانيهِ هَادِمُهْ

قال: يقول: الذي يجزع على فَقد الشباب إنما أشابه من اشبّه، والشيب حصل من عند من حصل منه الشباب فلا سبيل له إلى التوقي من الشيب لأن أموره بيد غيره.

فيقال له: هذا التفسير على ما تقول، ولكن: أي مناسبة بين هذا البيت والذي قبله؟ فقد كان يحسن ذكرها وهي: إنه لمّا ذكر في البيت الذي قبله عادته من معاناة الشدائد، وألفه للمهالك ذكر الشيب وحاله لأنه من جملة الشدائد، وعرّض بأن الإنسان لا يحسن به أن يجزع من مصيره إليه، وقدومه عليه إذ لا يمكنه أن يتوقى منه.

وأقول: إن هذا البيت، واللذين بعده، من موطئات التخلص إلى المدح، وهي من الموطئات المظلمة، والمقدمات المؤلمة تُعمي ناظر الخاطر وخاطر الناظر، ألفاظها

واقفة راكدة، ومعانيها باردة جامدة. ومثلها الأبيات الموطئة للتخلص في قصيدته التي أولها:

لياليَّ بعدَ الظَّاعنينَ شُكولُ .........

فإن الشيخ الكندي كان يقول فيها ما هو قريب من هذا.

وقوله:

قياماً لِمَنْ يَشْفي من الدَّاءِ كَيُّهُومَنْ بَيْنَ أُذْنَي كُلِّ قَرْمٍ مَواسِمُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

قال: قياما مصدر لم يُذكر فعله، كأنه قال: قاموا قياما، وكنى بالكي عن طعنه وضربه، ولذعة حربه، وبالداء عن غوائل الأعداء. ومعناه إنه يرد، بالطعن والضرب من عصاه إلى طاعته كما يُرد من به الداء إلى الصحة بالكي.

وأقول: إن قياما جمع قائم وهو نصب على الحال فلا يُجعل مصدرا فيحتاج إلى إضمار فعل.

وقوله:

...... يَشْفي من الدَّاءِ كيُّهُ .........

كناية عن علمه بالأشياء ووضعها في مواضعها؛ لأن من الناس من لا يشفي من الداء كيّه لجهله بالداء وبمواضع الكي، وهو مثل يدخل تحته علمه بالحرب وغيرها.

وإن جُعل من قولهم: آخر الطب الكي، فمعناه إنه صبور على الأعداء، حليم عنهم، غير مستعجل بهلاكهم لعلهم يرجعون عن خلافه إلى طاعته فيُسلمون، وفي ذلك بقيا عليهم، فإن أبوا إلا تماديا ولجاجاً، كان آخر أمرهم معه هلاكهم.

وقوله:

قَبَائِعُهَا تَحْتَ المَرَافِقِ هَيْبَةًوأنْفَذُ مما في الجُفُونِ عَزَائِمُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

قال: يقول: قاموا متكئين على قبائع سيوفهم هيبة له وتعظيما.

وأقول: هذا التفسير ليس بشيء! لأنهم إذا كانوا متكئين عليها لا تكون تحت مرافقهم، وإنما تكون كذلك إذا كانت مشدودة في أوساطهم أو معلقة في حمائلهم. ويحتمل أن يكون إنما يفعل بها ذلك لأنها على اسمه؛ لأنه سيف وهي سيوف فتختفي تحت مرافق حامليها هيبة له، ويُجعل الفعل لها على طريق المجاز، أو لحامليها. وهذا التفسير ما علمت أحداً سبقني إليه!

وقوله:

له عَسْكرَا خَيْلٍ وطَيْرٍ إذا رَمَىبها عَسْكراً لم تَبْقَ إلاَّ جَمَاجِمُهْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: له عسكران، خيله والطير التي تطير معها للوقوع على القتلى، فإذا رمى عسكرا بعسكره لم يبق إلا عظام الجماجم، لأن عسكر الخيل يقتلهم وعسكر الطير يأكلهم.

وأقول: لا ادري لم خص بإلقاء عظام الجماجم؟ ونحن نعلم إن عظام الناس والأضلاع والأسوق والأيدي تبقى أيضاً! وإنما يقول: إذا رمى بهذين العسكرين من الخيل والطير عسكر أعدائه قتلتهم الفرسان فسقطوا إلى الأرض فدّقت الخيل عظامهم بوطئها إلا الجماجم فإنها كُرية لا تثبت تحت حوافر الخيل فتبقى، وأكلت الطير اللحوم. وقد بالغ في موضع آخر من مدحه اكثر من هذا فجعل الجماجم تندق بالوطء في قوله:

تَرَكْتَ جَمَاجِمَهُمْ في النَّقَاوما يَتَحَصَّلْنَ للنَّاخِلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فهذا وجه لبقاء الجماجم

ويحتمل وجها آخر وهو أن تكون الرؤوس تقطع لتُحمل فتبقى، والأجسام تُدق بالخيل وأكل الطير فتفنى.

وقوله:

ليتَ أنَّا إذا ارْتَحَلْتَ لَكَ الخْيلُ وأنَّا إذا نَزَلْتَ الخِيَامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

قال: ليتنا معك نتحمل عنك المشقة في مسيرك ونزولك في سفرك. هذا معنى البيت، ولكنه أساء حيث تمنى أن يكون بهيمة أو جمادا، ولا يحسن بالشاعر أن يمدح غيره بما هو وضع منه؛ لا يحسن أن يقول: ليتني امرأتك فأخدمك!

فيقال له: هذا الذي ذكره آخرا لا يحسن، ولكن يحسن من الشاعر أن يبالغ أكثر مما بالغ أبو الطيب فيتجاوز الخيل إلى أن يقول: ليت خدي أرضا لك تطؤها، وكما قال:

وكُلُّ شَواةِ غِطْريفٍ تَمَنَّىلِسَيْرِكَ أنَّ مَفْرِقَهَا السَّبيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

ومثل هذا كثير في كلامهم.

وقد تلطف أبو الطيب غاية التلطف في المراد، لكنه أحسن غاية الإحسان، وقد بينت القول في ذلك أولا من الشروح وآخرا، فتبينه!

وقوله:

والذي تُنْبِتُ البلادُ سرورٌوالذي تُمْطِرُ السَّماءُ مُدَامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

قال: والذي ينبت ذلك المكان الذي حللت به سرور؛ أي: يقيم السرور والطرب بذلك المكان.

وأقول: يُحتمل ان تكون الواو في قوله:

......والذي تمطرُ السَّماءُ مدامُ

للعطف. والجيد أن تكون للحال من البلاد؛ أي: تنبت البلاد سرورا في حال أمطارها بالمدام؛ لأن المدام توصف بالسرور، وتُعرف بالاطراب، كما تقول: الذي سمعته منك الفصاحة، والذي نشأت به نجد؛ لان نجداً يُعرف ويوصف بالفصاحة، وهذا معنى حسن لم يتنبه له ولا غيره!

وقوله:

وكنتُ أعِيبُ عذلاً في سَماحٍفها أنا في السَّماحِ له عَذُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

قال: يقول: كنت فيما مضى أعيب الملامة في الجود، وقد صرت الآن عذولا له لإفراطه في السماح، والمعنى من قول الطائي:

عطاءٌ لو اسْطَاع الذي يَسْتَمِيحُهُلأصْبَحَ من بَينِ الوَرَى وهو عَاذِلُهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»

وأقول: إنه توهم الضمير الذي في (له) راجع إلى سيف الدولة ولي كذلك إنما هو راجع إلى السحاب وقد ذكرته قبل.

وقوله:

ومثلُ العَمْقِ مملوءٌ دماءًمَشَتْ بك في مَجَاريهِ الخُيُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

قال: يقول: رب مكان مثل المكان العميق قد امتلأ دما مشت بك الخيل في مجاريه.

وأقول: لم يفهم أن (العمق) مكان بعينه علم من أرض (حلب)؛ أي: رب مكان مثل (العمق)، هذا الذي هو في بلدك، العميق الأرض الكثير الوحل، كثر فيه القتل حتى جرت فيه الدماء، ومشت بك في مجاريه الخيول ولم يصدك عن المسير، فكيف يصدك العمق بكثرة وحوله، والسحاب بشدة هطوله.

ويحتمل أن يكون قوله:

ومثلُ العَمْق...... .........

وهو يريد (العمق) نفسه، كما يقال: مثل زيد من يقول ويفعل، وكأنه يشير إلى وقعة كانت له فيه، والوجه الأول أثبت.

وقوله:

يَحِيدُ الرُّمْحُ عنك وفيه قَصْدٌوَيَقْصُرُ أن يَنَالَ وفيه طُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

قال: يقول: بلغ من نباهتك وشرفك أن الجماد يعرفك! فالرمح يميل عنك مع أن فيه قصدا إذا طُعن به غيرك، ويقصر أن ينالك، مع طوله، هيبة لك.

وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! وقوله: مع أن فيه قصدا إلى سواك؛ أي:

اعتمادا، غير صحيح. والقصد هاهنا الاستقامة؛ يقول: يحيد الرمح عنك؛ أي: يميل وفيه استقامة، ويقصر أن يصل إليك وفيه طول، وإنما يريد بذلك لخوف حامله منك.

وقوله:

وما التأنيثُ لاسم الشَّمسِ عَيْبٌولا التَّذكيرُ فخرٌ للهِلالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

قال: يقول: لم تُزر بها الانوثة، كما لم يُزر بالشمس تأنيث اسمها. والذكورة لا تُعد فضيلة في احد، كما لم يحصل للقمر فخر بتذكير اسمه.

وأقول: العبارة فيها قصور، وكان ينبغي أن يقول: إنه ضرب لهذه المرأة في الأنوثة، ولغيرها من الرجال في الذكورة، مثلا بالشمس والقمر فقال: هذه وإن كانت مؤنثة فإنها أشرف ممن هو مذكر، كما إن الشمس، وإن كانت مؤنثة أشرف من القمر الذي هو مذكر.

وقوله:

كأنَّ خلاصَ أبي وائلٍمعاوَدَةُ القَمَرِ الآفِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

قال: كنا بعد استتاره في ظلمة فلما تخلص وعاد إلينا، كان كعودة القمر بعد الأفول.

وأقول: هذا القول مع وجود سيف الدولة لا يحسن. ولم يُرد أبو الطيب ذلك وإنما جعل أبا وائل في شرفه وأسره بمنزلة القمر إذا افل، ثم إنه عاود الطلوع باستنقاذ سيف الدولة له.

وقوله:

ولما نَشِفْنَ لَقِينَ السِّياطَبِمِثْلِ صَفَا البَلَدِ الماحِلِ

قال: يقول: لما نشفت الخيل من السوق لقيت السياط من أعجازها بمثل الصفا لا ندوة به، فإنها لم تسترح، ولم تضعف لما لحقها من التعب؛ أي: لما ضُربن

بالسياط وقعت من مفاصلها على مثل صفا البلد الماحل.

وأقول: هذا التفسير فيه تقصير، وقد ذكرته قبل.

وقوله:

ومَا بَيْنَ كاذَتِي المُسْتَغيرِكما بَيْنَ كاذَتِي البَائِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

قال: أي يشتد عدو الفرس المستغير؛ أي: الذي يطلب الغارة فينفحج للعدو كما ينفحج البائل يصيبه البول.

قال: ويجوز إنه يعرق في عدوه حتى يسيل العرق بين رجليه كالبول.

قال: وذكر في هذا البيت انه أراد أن المنهزم يبول فرقا، وهذا لا يصح لأن المستغير لا يكون منهزما.

وأقول: انظر إلى أقوال هؤلاء واتباع بعضهم بعضا تقليدا في الخطأ، وتهورا في الضلال! فهم في ذلك كقوله تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ). والذي ينبغي أن يقال فيه ما قلته قبل.

وقوله:

وأقْبَلْنَ يَنْحَزْنَ قُدَّامَهُنَوَافِرَ كالنَّحْلِ والعاسِلِ

قال: الانحياز: الانهزام؛ هو الانضمام إلى جانبه.

قال: يقول: أقبلت خيل الخارجي تنفر وتهرب من جيش سيف الدولة نفور النحل من العاسل.

وأقول: إن هؤلاء القوم إذا كان في البيت معنى مشكل، أو لفظ محتمل لم ينتبهوا

له ولم يحملوه على وجهه! وهم في ذلك كقوله تعالى: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِنَ الْعِلْم). والذي فيه من اللفظ والمعنى قد ذكرته أيضاً قبل.

وقوله:

إذا طَلَبَ التَّبْلَ لم يَشْأَهُوإنْ كان دَيْناً على مَاطِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

قال: إذا طلب وترة لم تفته، وان مطل بها من يطلب عنده تلك الترة؛ يعني: يدرك ثأره وان طال العهد.

وأقول: إن قوله: وإن طال العهد ليس بشيء! والماطل هو الغريم العسر الوفاء، وهو هاهنا كناية عن الشجاع، وذلك إنه لما جعل الترة دينا جعل الماطل بها شجاعا للمناسبة بين الاستعارة، وهما بخلاف الدَّين والغريم في الدَّين، فهذا معنى المطل لا ما ذكره وذلك كقوله:

مَحِكٌ إذا مطَلَ الغَريمُ بدينِهِجَعَلَ الحُسَامَ لما أرادَ كفِيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

وقوله:

يُشَمِّرُ للُّجِّ عن ساقِهِويَغْمرُهُ المَوْجُ في السَّاحِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ذكر في هذا البيت قول ابن فورجة، وهو الصحيح، وصوّب قول ابن جني الذي خطّأه فيه ابن فورجة. فخطّأ المصيب وصوّب المخطئ! والذي ذكر فيه ابن فورجة ذكرته في مآخذ شرح الكندي - شهد الله - إلا اختلافا قليلا في العبارة من غير وقوف عليه، لأن النهج الواضح لا يكاد يختلف فيه البصيران. وإنما ذكرته آخرا لأن هذه الشروح لم تصل إلي وتقع في يدي على الترتيب، وكل شرح منها قائم بنفسه، فإذا نصصت على موضع منها، فلا فرق بين أن يكون منها أولا أو آخرا.

وقوله:

أمَا للخلافةِ من مُشْفِقٍعلى سَيْفِ دَوْلَتِهَا الفَاصِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»
يَقُدُّ عِداها بلا ضَارِبٍويَسْري إليهم بلا حامِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

قال: يقول: هذا سيف يقطع الأعداء من غير أن يُضرب به، ويسري إليهم غير محمول.

وأقول: هكذا قال أبو الطيب إلا إنه جعل موضع: يقطع، وموضع: عداها الأعداء،

وموضع: بلا ضارب من غير أن يضرب به، وموضع: بلا حامل غير محمول!

وفي ذلك بيان للمعنى ظاهر وفضل وافر!!

وأقول: البيت يحتمل وجهين من التفسير، أحدهما:

أنه سيف لا كالسيوف، لان السيف لا يقد حتى يحمل ويضرب به وهذا يقد بلا ضارب وبلا حامل، وهذا استعار ومجاز.

والثاني: يقول: أما لخلافة الله في بلاده وعلى عباده من مشفق على هذا السيف، ويعني به سيف الدولة حقيقة لا مجازا، فيعنيه على جهاد الأعداء في قتاله إياهم، وسيره إليهم؟ وفي هذا إشارة إلى أن ما ثم من يشار إليه في أعانته.

وقوله:

ومن كانَ ذا نَفْسٍ كنَفْسِكَ حُرَّةٍفَفِيه لها مُغْنٍ وفيها له مُسْلي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

قال: يقول: من كانت نفسه حرة، كنفسك، أغنته عن تعزية غيره، واسلته عن مصيبته؛ لأنه يعرف أن الإنسان لا يخلو في دهره من الحوادث، ومن عرف هذا وطَّن نفسه على فقد الأحبة.

وأقول: إن قوله:

......ففيه لها مُغْنٍ

أي: تستغني نفسه به عن غيره كما قال:

......إذا سلمتَ فَكُلُّ الناس قد سَلِمُوا

وقوله:

...... ......... وفيَهَا لَهُ مُسْلِي

أي: يسلو بنفسه عن غيرها لفضل شرفه وشرفها؛ أي: إذا سلم لنفسه وسلمت نفسه له ففي ذينك مغن ومسل له عن كل واحد.

وقوله:

نُبَكِّي لِمَوْتانَا على غيرِ رَغْبةٍتَفُوتُ من الدُّنْيَا ولا مَوْهبٍ جَزْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»
إذا ما تأمَّلْتَ الزَّمانَ وصَرْفَهُتَيَقَّنْتَ أنَّ الموتَ ضَرْبٌ من القَتْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

أقول: لم يذكر تعلق ما بين البيتين وهو كأنه يقول: نُبكي لموتانا محبة للبقاء ورغبة في الحياة، وليس يفوتهم بذلك من الدنيا رغبة ولا عطاء كثير، وذلك غير صواب منا لأنك إذا نظرت إلى الزمان، الذي هو قوام الدنيا، وجدت صرفه يقتل الناس بالموت. فهل يسوغ لعاقل أن يحب الدنيا أو يرغب فيها وهي على هذه الصفة عدوة له، تقتله بالموت؟ ثم قال بعد ذلك:

هَلِ الوَلدُ المحبُوب إلاَّ تَعِلَّةٌوهَلْ خَلْوَةُ الحَسْنَاءِ إلاَّ أذَى البَعْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

أي: هذه من المواهب التي ليست بجزلة، وذلك أن شهوة الولد مرض وعلة، ووجوده تعلة؛ أي: تعليل لذلك المرض، فهو وان كان فيه لذة فغبه آلام. وكذلك يقال في خلوة الحسناء، وهي كناية عن جماعها، إنه أذى بما يصحبه من نهك القوة وضعف الجسم، أو بما يُعقبه من الولادة، والتعب بها، والكلفة لها!

وقوله:

اخْتَرْتُ دَهْمَاَء تَيْنِ يا مَطَرُومَنْ له في الفَضَائِلِ الخِيَرُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: أراد يا من له الاختيار في الفضائل، يعني تأخذ، مختارا، الفضائل ونخبتها فتختار منها ما تريد.

قال: ويروى الخبر؛ يعني اشتهاره في الفضائل، وخبره في الناس.

وأقول: إنه جعل الفضائل له بمنزلة الملك فهو يختار منها ما يشاء، فإذا أراد أن يفعل مكرمة أو يسدي إلى أحد صنيعة كان ذلك خيرها. يقول: اخترت إحدى هاتين الفرسين، وهي الدهماء فيهما، وينبغي أن لا أتخير عليك؛ بل لك الخير في الفضائل التي تفعلها. وهذا مثل قوله:

ما لنا في النَّدى عليكَ اختيارٌكلُّ ما يَمْنَحُ الشَّريفُ شَرِيفُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وأما روايته الخبر بالباء فضعيف لأن الصناعة تقتضي الخير بالياء..

وقوله:

أنِّي لأبْغِضُ طَيْفَ من أحْبَبْتُهُإذْ كانَ يَهْجُرنَا زَمَانَ وِصَالِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

قال: أني أبغض طيف الحبيب لأن رؤيتي الطيف عنوان الهجر إذ لا أراه إلا في حال فراق الحبيب. وكان من حقه أن يقول: إذ كان يواصلني زمان الهجران؛ لأن هجران الطيف زمان الوصال لا يوجب بغضا له، إذ حاجة به إلى الطيف زمان الوصال، ولكنه قلب الكلام على معنى أن هجراته زمان الوصال يوجب وصاله زمان الهجران.

فيقال له: لم يقلب الكلام، ولكنك أنت انقلب فهمك! إذ توهمت أن الضمير في يهجرنا راجع إلى الطيف، والضمير في وصاله راجع إلى الحبيب وهو بالعكس! والتقدير: أبغض طبع الحبيب، إذ كان يهجرنا الحبيب زمان وصال الطيف، ولو واصلنا الحبيب لهجرنا الطيف؛ لأن الطيف لا يكون إلا عند هجره وبعده.

وقوله:

مثلَ الصبَّابةِ والكآبةِ والأسَىفَارَقْتُهُ فَحَدَثْنَ من تَرْحَالِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

قال: يقول: يهجرنا الطيف زمان الوصال مثل هجر هذه الأشياء، وأبغضه مثل بغض هذه الأشياء التي حدثت من ترحال الحبيب.

وأقول: تفسيره هذا البيت مرتب على البيت الذي قبله لمّا فسره مقلوبا! وهل يسوغ لذي فهم أن يقول: ابغض الطيف والصبابة والكآبة والأسى إذ كانت هذه الأشياء تهجر المحب زمان وصال الحبيب؟! وهل شيء أحب إلى المحب من هجر هذه الأشياء له

ووصل حبيبه؟! والتقدير: أني أبغض الطيف مثل بغض الصبابة والكآبة والأسى لأن هذه الأشياء إنما حدثت بسبب ترحاله فكذلك الطيف.

ومثل ينتصب بأنه صفة مصدر محذوف والعامل فيه ما قبله، وهو الفعل في أول

البيت الذي قبله، وهو: أبغض وتقديره: أني لأبغض طيف من أحببته بغضا مثل بغض الصبابة، وحذف المضاف لدلالة الفعل عليه.

وقوله:

ولَقَدْ دَخَرْتُ لكُلِّ أرْضٍ سَاعةًتَسْتَجْفِلُ الضِّرْغَامَ عن أشْبَالِهِ

قال: لكل أرض أي: لافتتاح كل أرض فحذف المضاف. وتستجفل: يستدعي سرعته في الهرب؛ من قولهم: جفل الظليم وأجفل إذا أسرع، وكنى بالساعة عن قصر المدة التي يستولي عليها، وسرعة تمكنه منها؛ يقول: ادخرت لفتح كل ارض ساعة شديدة تحمل الأسد على الفرار عن أشباله لشدتها وهولها.

وأقول: لا معنى لذكر فتح الأرض، والجيد ما ذكره التبريزي؛ قال: يقول: ذخرت لكل أرض مخوفة، أحل فيها، ساعة أكون فيها شجاعا أُفزع من أمن بها، حتى أني لأُفزع الليث فيفر عن الأشبال.

وقوله:

وإذَا تَعَثَّرتِ الجيادُ بَسَهْلِهِبَرَّزْتُ غَيْرَ مُعَثَّرٍ بجبالِهِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: الشعراء الفصحاء إذا تعثروا بالكلام السهل، سبقتهم غير متعثر بحزنه؛ يعني: إذا لم يقدروا على السهل المستعمل، كنت قادرا على الغريب المهمل.

وأقول: الغريب المهمل من الكلام لا يفضل السهل المستعمل، فليس في ذلك فضل له عليهم. وإنما فضل عمر بن الخطاب ﵀ زُهيرا على غيره من الشعراء لقوله: كان لا يتتبع حوشي الكلام.

وقد قال البحتري:

مِيلُوا إلى سَهْلِ الكلامِ فإنهمن خَافَ مال إلى الطريق الأوْعَر

وكأن أبا الطيب يريد بذلك المنظوم، والمسارعة فيه، والمسابقة اليه؛ يقول: إذا

الجياد، وهم البلغاء الفصحاء، جاروني فيه تعثّروا بالسهل منه، أي الضعيف اللفظ والمعنى، سبقتهم لا أتوقف ولا أتعثر منه بالجزل اللفظ والمعنى. وقد كان معروفا في البداية بالسرعة والاجادة، فمن ذلك تشبيهه بطيخة الند، وقد قال له أبو العشائر: أي شيء تُشبه هذه؟ فقال مجيبا له:

وبَنِيَّةٍ من خيزُرانٍ...... .........

وقال فيها:

وسوداَء منظومٌ...... .........

فعجب أبو العشائر من سرعة خاطره فقال:

أتنكِرُ ما أتيتُ به بديهاًوليسَ بمُنْكَرٍ سَبْقُ الجَوادِ
أرَاكِضُ مُعْوِصَات الشِّعْرِ قَسْراًفأقْتُلُهَا وغيري في الطِّرادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتنكر ما نطقت به بديها»

والمعوصات: يعني المعاني الآبية الغريبة.

وقوله:

وَهَبَ الذي وَرِثَ الجُدودَ وما رأىأفْعَالَهُمْ لابْنٍ بلا أفْعَالِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

قال: يقول: وهب ما ورثّهم من المال والمآثلا كلها، فوهب المال للعفاة وترك مفاخر آبائه لقومه غير مفتخر بها؛ لأنه يرى الافتخار بفعل نفسه، ولا يرى أفعال الجدود شرفا له دون أن يبني عليها.

قال: واخذ الشريف الرضي هذا المعنى فقال:

فَخَرْتُ بِنَفْسِي لا بقومي مُوَفِّراًعَلَى نَاقِصِي قَوْمي مَآثِرَ أسْرَتي

فيقال له: الاقتصار على مآثر الجدود وأفعال الآباء من غير أن يضاف إليها من أفعال النفس نقص، وترك مآثر الآباء من غير اعتداد بها جهل، والجمع بينهما فضل. ولذلك قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ﵇:

لَسْنَا وإنْ أحْسَابُنَا كَرُمَتْيوماً على الأحْسَابِ نَتَّكِلُ
نَبْني كما كانَتْ أوائِلُنَاتَبْنِي ونَفْعَلُ مثل ما فَعَلُوا
للشاعر إسماعيل صبري، من قصيدة «إنا إذا سلبت وظائفنا»

والتفسير الذي ذكره ليس بسديد، وإنما حمله عليه بيت الرضي وهو غير مرضي! ويدل على ما قلته بعده:

حتَّى إذا فَنِيَ التُّراث سوى العُلاَ .........

لأنه تفسير لما قبله؛ يعني إنه وهب الموروث من آبائه من المال سوى العلا فإنه لا يحسن به أن يهبها وأن يتركها لغيره، كما قال الواحدي؛ لأن ذلك ذم له لا مدح.

وقوله:

الجيشُ جَيْشُكَ غير أنَّكَ جَيْشُهُفي قَلْبهِ ويميِنِهِ وشمَالِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

قال: يقول: الجيش في الحقيقة جيشك، وكل جيش سوى جيشك فليس بجيش.

وأقول: إنه ظن إن هذا مثل قولهم: الجود جود حاتم، والحلم حلم أحنف، يراد به المبالغة؛ أي: لا حلم ولا جود معروف إلا ذلك، وهذا التأويل سائغ، إلا إنه لم يرده هاهنا، وإنما الكلام باق على ظاهره؛ يقول: الجيش جيشك على الحقيقة، غير أنك أنت جيشه؛ لأنه بك يتقوى وتحتمي أقسامه؛ وهي قلبه ويمينه وشماله، وبيّن ذلك في البيت الذي بعده وهو قوله:

تَرِدُ الطِّعانَ المُرَّ عن فُرْسَانِهوتُنَازِلُ الأبطالَ عن أبْطَالِه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

وهذه الصفات لم تجتمع لأحد حقيقة إلا لعلي ﵇ لأنه كان المشهور بذلك، وما أجدر أن يكون هذان البيتان فيه، لا بغضا لعلي بن أبي الهيجاء، وهو ممن يُحَب، ولكن زيادة حب لعلي بن أبي طالب!

وقوله:

وخَضْرٌ تَثْبُتُ الأبْصَارُ فيهكأنَّ عليه من حَدَقٍ نِطَاقَا

ذكر فيه قول ابن جني أنه لنعمته وبضاضته تؤثر فيه الأبصار، وذكر عليه قول

ابن فورجة أن الخصر لا يتجرد من الثياب، ومع ذلك فالنعمة والرقة إنما توصف بها الخدود والوجنات.

قال: ولكن المتنبي أراد أن الأبصار تثبت في خصرها استحسانا له وتكثر عليه من الجوانب حتى تصير كالنطاق له، وهذا منقول من قول بشار:

ومُكَلَّلاتٍ بالعُيونِ طَرَقْنَنَا ورَجَعْنَ مُلْسَا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ومكللات بالعيوب»

وأقول: أنهم لم يذكروا معنى:

...... تَثْبُتُ الأبصَارُ فيه .........

وهو إنه بالغ في وصف هذا الموضع، فجعل الأبصار، للنهاية في حسنه، لا تنتقل عنه إلى غيره كقول أبي تمام:

لها مَنْظَرٌ قيدُ النَّواظِرِ لم يَزَلْيروحُ ويغدو في خُفَارتِهِ الحبُّ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لقد أخذت من دار ماوية الحقب»

وهو بضد قول امرئ القيس:

......مَتَى ما تَرَقَّ العَيْنُ فيه تَسَهَّلِ

أي لا تقف العين عند عضو من أعضائه لفضله على غيره، بل أعضاؤه متشابهة في الحسن، فإذا رقت العين إلى ما علا منها، استحسانا له، تسفلت إلى غيرها كذلك.

وقوله:

سَلِي عن سِيرَتي فَرَسي ورُمْحيوسَيْفي والهَملَّعَةَ الدِّفَاقَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول للمرأة: سلي عن سيرتي هذه الأشياء؛ يعني إنه كان وحده لم يصحبه غير ما ذكره فلا يستخبر عن سيره غيرها.

وأقول: إن قوله كان وحده غير صحيح، لأنه قال فيما بعد: تركنا، ونكبنا، وهذا ضمير الجمع على الحقيقة، وليس في كونه منفردا في السير قاصدا سيف الدولة بحلب تاركا وراءه نجدا كبير فائدة في فخر وحسن ذكر.

والجيد أن يكون في جماعة من اتباعه، وجملة من غلمانه، وكذلك كان ينبغي أن يكون، وإنما خص سؤالها لهذه الأشياء إعظاما لشأنه ومدحا لنفسه تفهم من أمره أكثر مما يفهمه صحبه لأنها هي المباشرة لأحواله ولما كلفها من أفعاله.

وقوله:

وما التْتَرَى والليلُ داجٍلسيَفِ الدَّولة المَلِكِ ائتلاقَا
أدَلَّتْهَا رياحُ المِسْكِ منهُإذا فتَحَتْ مَنَاخِرَهَا انتِشَاقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

أقول: إنه وصف العيس باهتدائها إلى سيف الدولة في البيت الأول بنور بشره وفي البيت الثاني بطيب نشره، ويكون المعني بذلك أصحابها وركابها.

ويحتمل أن يكون وصفها بذلك للمبالغة. وكلا الوجهين حسن بالغ، كثير سائغ.

وقوله:

أقامَ الشِّعرُ ينتظِرُ العطايافلمَّا فاقَتِ الأمطارَ فَاقَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

قال: أقام الشعر ببابه منتظرا لعطائه، فلما فاق عطاؤه الأمطار في الكثرة فاق الشعر أيضاً الأمطار؛ يعني كثرت عطاياه، وكثرت الأشعار في مدحه ليس بمراد، ولا بذي سداد!

وقوله:

ولو زَحَمَتْهَا بالمنَاكِبِ زَحْمَةًدَرَتْ أيُّ سُورَيْهَا الضَّعِيفُ المُهَدَّمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

قال: يعني أن الخيل أقوى من هذه البلدة، فهي لو قصدتها لهدمت سورها، فكانت تعلم أن سورها ضعيف لا يقوى على دفع خيل سيف الدولة.

وأقول: إن هذه البلدة - أعني ميافارقين - هي لسيف الدولة، وكذلك الخيل التي ذكرها، اجتازت بها قاصدة غزو غيرها من بلاد العدو فمالت عنها، فجعل أبو الطيب أنها مالت عنها، كما ذكر أولا، رحمة لها ورقة عليها أن لو دنت منها لزاحمتها، فكان يزدحم سوراها؛ بناؤها وخيل سيف الدولة. وجعل الخيل سورا لها

ثانيا لأنها أيضاً تحفظها وهي أقوى من سور البناء، فكان حينئذ تبين القوة في سور الخيل والضعف في سور البناء، وإنما ذكر هذا على وجه المبالغة في قوة الخيل، ولا يدل ذلك على ضعف بناء سورها كما توسمه ابن جني فروى إنه سقط في تلك الليلة!

وقوله:

أيَنْفَعُ في الخَيْمَةِ العُذَّلُوتَشْمَلُ مَنْ دَهْرَهَا يَشْمَلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال في جملة شرح هذا البيت: إن إضافة الدهر إلى الخيمة غير مستحسن ولو قال:

...... ......... مَنْ دَهْرَهُ يَشْمَلُ

لكان أحسن: ومعنى شمل الشيء: أحاط به؛ يقول: أتحيط الخيمة بمن أحاط بالدهر؛ يعني: علم كل شيء، فلا يحدث الدهر شيئا لم يعلمه، ومن كان المحل لا يعلوه شيء ولا يحيط به شيء.

فيقال له: بل إضافة الدهر إلى الخيمة، كما قال أبو الطيب، أولى من إضافته إلى سيف الدولة وأبلغ في المعنى وأصنع في اللفظ وهذا كما يقال: أتحيط هذه الدار بزيد

وهو يحيط ببلدها؟ أي: إذا كانت جزءا مما أحاط به فكيف تحيط به؟

وأما قوله: أحاط بالدهر من جانب العلم، وان الدهر لا يُحدث شيئا لا يعلمه فلذلك لم يحط به لم يُرد العلم، والمراد بذلك وصفه بالجلالة وعظم القدرة، وجعل ذلك كعظم الجسم استعارة وتوسعا، فجعل الدهر دونه في العظم، فالدهر لا يحيط به. كما وصفه بالمجد والشرف فجعل زحل في العلو دونه فزحل لا يعلوه.

وقوله:

فَلَيْتَ وقارَكَ فَرَّقْتَهُوحَمَّلْتَ أرْضَكَ ما تَحْمِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

قال: ليت ما فيك من الوقار، فرّقته على الناس، وحمّلت أرضك من باقي وقارك

ما تُطيق حمله؛ أي: لو فرّقت وقارك لكان يخص الخيمة منه ما يوقّرها ويثبتها.

فيقال له: إن الخيمة لم تقوّض لخفتها حتى إذا ثقلت بوقاره ثبتت، وإنما تقوّضت لأنها لا تحيط بسيف الدولة لأنه أعظم منها فلا وجه لذكر الخيمة في هذا البيت. وقول أبي الطيب:

فليتَ وَقارَكَ فَرَّقْتَهُ .........

أطلق بقوله: فرّقته وهو يريد: فرّقت بعضه، ولذلك قال:

......وسُدْتَهُمُ بالذي يَفْضُلُ

وقوله:

الأبيات الثلاثة:

رأت لَوْنَ نُورِكَ...... .........

والبيتان اللذان يليانه وهما:

وأنَّ لها شَرَفاً باذِخاً .........

فلا تُنْكِرَنَّ لها صَرْعَةً .........

أقول: إنه علّل أولا سقوط الخيمة بكونها لا تشمل من هو أعظم منها وأولى.

هاهنا علّل سقوطها بشيء غيره، وهو ما ذكره في هذه الأبيات من أن نوره فيها كنور الغزالة، وإنها تشرف به، فسقطت لذلك فرحا. ولا يكون النور الذي فيها، والشرف الذي حصل لها، إلا وقد دخلها، فقد علته وشملته. وقد قال أولا إنها لا تشمله لان الاستفهام هنا يراد به النفي في قوله: أينفع، وتشمل وهذا هو التناقض بعينه! إلا أن يريد إنها علته شيئا يسيرا ثم سقطت به وكذلك كانت القضية، فيكون قوله أولا:

......وتَشْمَلُ مَنْ دَهْرَهَا يَشْمَلُ

أي: كيف تشمل مدى طويلا، أو: كيف تشمل دائما من دهرها يشمل، فأطلق لفظه

ولم يُقيده للأمارة التي دلت عليه..

وقوله:

ولو بُلِّغَ الناسُ ما بُلِّغَتْلخَانَتْهُمُ حولَكَ الأرْجُلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

قال: أي لو بُلغوا مبلغها من القرب منك لخانتهم أرجلهم ولم تحملهم هيبة لك كما خانتها أطنابها وعمودها.

وأقول: لم يُرد بقوله: ما بُلغت قربها من الممدوح ولكن علوها عليه؛ يقول: إن هذه الخيمة، مع كونها جماداً، قد حل بها من هيبتك ما حل، فلو اتفق أن يُبلّغ ذلك أحد من الناس لكان أبلغ في ذلك من الخيمة، ولسقط كما سقطت، ولخانتهم أرجلهم حولك في قصدهم العلو عليك كما خان الخيمة ما هو لها بمنزلة الأرجل، وهي أطنابها وعمودها.

وقوله:

وعَرَّفَ أنَّكَ من هَمِّهِوأنَّكَ في نَصْرِهِ تُرْقِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

قال: من همه: أي: من إرادته؛ يقول: عرّف الله الناس بتقويض الخيمة إنه لم يخذلك، ولم يُسلمك، بل يُعنى بك ويريد إرشادك، وإنك تمشي في نصر دينه، فجعل قلع الخيمة سببا لمسيرك، وعلامة على إنه خار لك الارتحال.

وأقول: استعمال هم الله بمعنى إرادته لا يجوز، كما لا يجوز عشق الله بمعنى محبة الله، ولا فهم الله بمعنى علم الله، بل يراعى في ذلك استعمال ما جاء ولا يقاس عليه. ولم أسمع هم الله بمعنى إرادته ولعله قد جاء على أن له محملا غير ذلك، وهوان يكون: من همه مضافا إلى المفعول لا الفاعل؛ أي: عرف الله إنك من همه؛ أي ممن يهتم بطاعته، ويناسبه ما بعده من قوله:

......وأنَّكَ في نَصْرِهِ تُرْقِلُ

لأن ذلك أيضاً من جملة طاعة الله ومضاف إلى المفعول.

وقوله:

وَوَجْهُ البَحْرِ يُعْرَفُ من بَعيدٍإذا يَسْجُو فكيفَ إذا يَموجُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

قال: يقول: البحر يعرف وان كان ساكنا، فكيف إذا تحرك واضطرب! ضرب هذا مثلا له حيث عرفه، وهو يدير الرمح فجعله كالبحر الهائج.

وأقول: الصحيح؛ إن البحر هاهنا جيشه، ويموج: يسير، ووجه البحر: سيف الدولة، فجعل جيشه بحرا وهو وجهه؛ يقول: البحر إذا سجا عُرف وجهه من بعيد فكيف إذا تحرك! وكذلك سيف الدولة يُعرف إنه وجه عسكره وملكه، وهو واقف بما يتبين فيه من الجلالة والشهامة والصرامة. فكيف إذا سار الجيش فإنه يكون اشد تبيينا، وأوفى ظهورا، بحُكمه فيه من أمره ونهيه، وتقديمه وتأخيره، وجمعه وتفريقه وما أشبه ذلك. فالذي رُوي عن ابن جني من إدارة الرمح ليس بشيء! وكذلك روايته:

......وأنت بغير سَيْفِكَ

والصحيح:

......وأنت بغير سَيْرِكَ

لقوله بعد:

تحاول نَفْسَ مَلْكِ الروم...... .........

ولو إنه كما ذكر كان يُقلّب رمحا لقال:

وأنتَ بغَيْرِ رُمْحِكَ...... .........

ولم يقل:

...... بغير سَيْفِكَ...... .........

فلا حقيقة للرمح ولا للسيف في الرواية، وإنما جاء بهما شيئا فريّا! وإنما أوقعه في ذلك جعله البحر سيف الدولة، ولم يدر أن البحر هو جيشه، وإنه هو وجهه،

وكثيرا ما يقع في مثل هذه المواضع فيحكي عنه حكاية قد أخذها من شعره، وفسرها على غير الوجه بسوء فهمه، كما وقع له وحسن مع قبحه في رأيه! وليس لها حقيقة معلومة ولا قصة مشهورة!

وقوله:

وما نَجَا من شِفَار البِيضِ مُنْفَلِتٌنَجَا ومِنْهُنَّ في أحْشَائِهِ فَزَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قال: لم ينج من السيوف من نجا وفي قلبه منها فزع؛ لان ذلك الفزع يقتله ولو بعد حين.

وأقول: إنه توهم ما حرف نفي والحق أن تكون ما هاهنا بمعنى الذي وجعلها صفة؛ يقول: والرجل الذي نجا من شفار البيض منفلت، أي: منهزم، نجا وفي أحشائه من السيوف فزع، فما وصلتها في موضع رفع بالابتداء، ومنفلت خبره، ونجا الثانية وما بعدها، إلى آخر البيت، صفة لمنفلت، والبيت الثاني بدل من الصفة؛ أي: الذي نجا منفلت من السيوف بهذه الصفة، في قلبه منهن فزع يباشر الأمن

في أرضه وفي قومه دهراً، وهو مختبل أي: ذاهب العقل ويشرب الخمر التي من شأنها أن تُظهر دم الوجه وتحمره حولا وهو ممتقع؛ أي متغير الوجه من الفزع. فهذا التفسير اقرب إلى المعنى وأشبه باللفظ من تفسيره، وهو مع ذلك جائز مأخوذ من قوله:

صَدَدْتُ كما صَدَّ الرَّمِيُّ تطاوَلَتْبه مُدَّةُ الأيَّامِ وهو قَتِيلُ
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة

وقوله:

وَجَدْتُموهُمْ نِياماً في دِمائِكُمْكأنَّ قتلاكُمُ إياهُمُ فَجَعُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قال: أي: في دماء قتلاكم، وذلك أنهم تخللوا القتلى وتلطخوا بدمائهم وألقوا أنفسهم بينهم تشبها بهم خوفا من الروم.

يقول: كأنهم كانوا مفجوعين بقتلاكم فهم فيما بينهم يتوجعون لهم.

وأقول: هذا من جملة التفاسير التي استنبطها ابن جني، واستخرجها من شعره بسوء فهمه وضعف رأيه! وجعلها حكاية عن المتنبي، وتلقّاها من بعده بالنص والقبول، وقد ذكرتها في مواضع من الشروح، وبينت ما فيها من الغلط، واستخرجته بما قبل البيت وما بعده، ومن وقف عليه تبين منه نور الصواب، ولم يغتر بلمع السراب!

وقوله:

ضُرِبْنَ إلينا بالسِّيَاطِ جَهَالةًفلمَّا تَعَارَفْنَا ضُرِبْنَ بها عَنَّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

قال: إنما قال: جهالة لأن خيل الروم رأت عسكر سيف الدولة، فظنتهم روما، فأسرعت إليهم، فلما عرفوا الحال أسرعوا هاربين.

وأقول: إن هذه الحكاية أيضاً من خرافات ابن جني! ذلك أن قوله قبل:

وخَيْلٍ حَشَوْناها الأسِنَّةَ بعدماتكَدَّسْنَ مِنْ هَنَّا علَيْنَا ومِنْ هَنَّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

يُفسد هذه الحكاية لأنه وصف خيل الروم بالتكدس من جوانب، وذكر أنهم حشوها الأسنة؛ يعني فرسانها، وذلك كله لا يكون عن جهل بالردية لان الجهل بها إنما يكون مع البعد، فأما إذا قاربوهم عرفوهم لا محالة؛ لان زي المسلمين وشعارهم لا يكاد يُلبس بزي الروم وشعارهم، فرجعوا عنهم ولم يحشوهم الأسنة. وإنما قوله:

ضُرِبْنَ إلينا بالسِّيَاطِ جَهَالَةً .........

أي: جهالة بقتالنا وطعاننا، فلما تعارفنا بالطعان وصدق القتال ضُربن بها عنا، لأنهم إنما دعاهم إلى ذلك الطمع بنا والجهل بأمرنا.

وقوله:

ولا فَضْلَ فيها للشَّجَاعة والنَّدَىوصَبْرِ الفَتَى لولا لقاءُ شَعُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قال: يقول: لولا الموت لم يكن لهذه المعاني فضل، وذلك ان الناس لو أمنوا

الموت لما كان للشجاع فضل على الجبان؛ لأنه قد أيقن بالخلود فلا خوف عليه، ولا حمد له على شجاعته. وكذلك الصابر على المكروه والسخي لان في الخلود وتنقل الأحوال من عسر إلى يسر، ومن شدة إلى رخاء ما يُسكن النفوس ويُسهل البؤس.

وهذا قول ابن جني، نقله!

قال: ويجوز أن يكون المعنى: إنما يشجع ليدفع الموت عن نفسه، ويجود أيضاً لذلك، ويصبر في الحرب ليدفع الموت أيضاً. فلو لم يكن في الدنيا موت لم يكن لهذه الأشياء فضل.

وأقول: إن تعليل ابن جني للشجاع بما ذكره صواب، وتعليله الصبر والندى بما ذكره تزويق في اللفظ وتلفيق، ليس تحته لمعنى تحقيق! واتباع الواحدي له في نقل ألفاظه، كأنه إعجاب بكلامه، وجهل بمراد الشاعر ومرامه! وكذلك تفسيره هو أيضاً الندى بما فسره به، لم يتنبه له ولا أبان عنه! وقد ابنته في شرح ابن جني.

وقوله:

وأوْفَى حياةِ الغابرين لصَاحِبٍحياةُ امرئٍ خانَتْهُ بعد مَشِيبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قال: يقول: أوفى عمر أن يبقى المرء حتى يشيب ثم يخونه عمره بعد المشيب. يعني أن الحياة وإن طالت فهي إلى انقضاء.

وأقول: إنه توهم أن أوفى بمعنى أزيد، ففسره على ما ذكر، وليس كذلك. وإنما أوفى من الوفاء؛ ضد الخيانة والغدر. يقول: أوفى حياة؛ أي أشد وفاء لغابر حياة خانته بعد مشيبه، فجعلها كأنها إذا خانته بعد مشيبه فقد وفت له، إذ لم تعاجله قبل المشيب بالموت. فعلى هذا التفسير يكون معنى البيت غريبا؛ وهو أن جعل الخائن وافيا على الوجه الذي ذكره. وعلى التفسير الأول ليس فيه كبير فائدة؛ بل لا فائدة فيه أصلا لأن معناه أن حياة المرء التي تخونه بعد المشيب أزيد من التي تخونه

قبله، كأنه يقول: حياة الشائب أزيد من حياة الشاب، وهذا معلوم ضرورة كما يقال: الباع أطول من الذراع، والجمل أكبر من الحمل، والعشرة أكثر من الخمسة!

وقوله:

ولولا أيَادي الدَّهْرِ في الجَمْعِ بينَنَاغَفَلْنَا فلَمْ نَشْعُرْ له بذُنوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قال: يقول: لولا إن الدهر أحسن إلينا في الجمع بيننا ما كنا نعلم بذنوبه في التفريق، أي: بإحسانه عرفنا إساءته! وهذا كالاعتذار للدهر في التفريق، ثم عاد إلى ذمه.

وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! والمعنى قد بينته في شرح التبريزي.

وقوله:

وكم لكَ جَدّاً لم تَرَ العينُ وَجْهَهُفَلَمْ تَجْرِ في آثارِه بغُروبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قال: يقول: كم لك من أب وجد لم تره عينك فلم تبك عليه فهب هذا مثلهم لأنه غاب عنك، والغائب عن قرب كالغائب عن بعد.

وأقول: هذا قول ضعيف، والقول ما ذكرته قبل.

وقوله:

فَدَتْكَ نُفُوسُ الحَاسِدين فإنَّهامُعَذَّبَةٌ في حَضْرةٍ وَمَغِيبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

لم يُفسر هذا البيت!

وأقول: أن فيه دعاء لحساده بالراحة إذا فدوه، لان نفوسهم في الحياة معذبة بحالي حضوره ومغيبه وهو بضد قوله:

بَلاَ اللَّهُ حُسَّادَ الأميرِ بحِلْمَهَوأجْلَسَهُ منهم مكانَ العَمائمِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
فإنَّ لهم في سُرْعَةِ الموتِ راحةًوإنَّ لهم في العَيْشِ حَرَّ الغَلاصِمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

وقوله:

ويَخْتَلِفُ الرِّزقانِ والفِعْلُ واحِدٌإلى أنْ تَرَى إحْسَانَ هذا لِذا ذَنْبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أقول: إنه فسر هذا البيت، كما فسره غيره، ولم يصيبوا! وهذا البيت كالمفسر للبيت الذي قبله، وقد ذكرته قبل وبعد، فقف عليه تهتد الطريق، وتتبين التحقيق!

وقوله:

وأضحتْ كأنَّ السُّورَ من فَوْقِ بَدْئِهِإلى الأرض قد شَقَّ الكَواكبَ والتُّرْبا

قال: كان سورها، يعني: جدارها، من فوق بدئه، أي: من أعلى ابتدائه، قد شق الكواكب والتراب برسوخه في الأرض، وروى ابن جني:

فأضْحَتْ كأنَّ السُّورَ من فَوْقُ بَدْؤُهُ .........

بالرفع فيهما.

قال: أراد: من فوقه، فلما حذف الهاء بناه

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.