تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح الواحدي (٨)

وأقول: إن قوله: وكن يفتخرن بوصلي ليس بشيء! وإنما يريد: يفتتن بشعري لحسنه ويرينه فخرا لي لشرفه عندهن بسواده وطوله، وأنا أراه عابا لأنه علامة ومظنة للصبا وذلك يدعو إلى اللهو والجهل، وأنا حينئذ أريد الجد في الأمور، وحسن الذكر، وعلو القدر، وأرى الفخر في ذلك لا في سواه. فقوله: يفتخرن بوصلي لا يدل عليه اللفظ، ولا هو حسن في المعنى لأن النساء لا يفتخرن بذلك.

وقوله:

وعن ذَمَلانِ العِيسِ إنْ سَامَحَتْ بهوإلاَّ فَفِي أكوارِهِنَّ عُقَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: أنا غني عن سير الإبل، أن سامحت بالسير سرت عليها وإلا فأنا كالعقاب الذي لا حاجة به أن يُحمل.

وأقول: هذا الذي ذكره هو قول ابن جني وغيره، وليس بشيء! والمعنى ما ذكرته في شرحه.

وقوله:

وغَيْرُ فُؤَادي للغَوَاني رَمِيَّةٌوغَيْرُ بَنَاني للزُّجاجِ رِكَابُ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «وللخود مني ساعة ثم بيننا»

قال في تفسير عجز البيت: بناني لا تصير مركبا للزجاج؛ أي: لا احمل كأس الخمر بيدي.

وروى ابن جني: للرخاخ بالخاء معجمة، وقال في تفسير البيت: أي لست ممن يصبو إلى الغواني واللهو بالشطرنج.

وقال ابن فورجة: البنان ركاب للقدح، وأما الرخ فالبنان راكبة له في حال حمله. وأيضا فإنها كلمة أعجمية لم تستعملها العرب القدماء الفصحاء. وأيضا فإن التنزه عن شرب الخمر أليق بالتنزه عن الغزل من التنزه عن لعب الشطرنج.

فيقال لهما: يجوز أن يكون البنان ركابا للرخ وان كانت فوقه لأنها حاملته ويكون

مثل قول بعضهم ملغزا في نعل:

وَجْرَةٍ أشْتَكي إذا نَقِبَتْتَحْمِلُني ماشِياً وأحْمِلُهَا
فاعْجَبْ لها في المَسِيرِ يَعْمَلَةًتُعْمِلُني فَوْقَهَا وأُعْمِلُهَا

وأما قوله: لم تستعمل هذه اللفظة العرب فيقال له: لاشك أن هذه الآلة كانت

موجودة مستعملة في زمانهم، لعب بها جماعة من الصحابه، وهم عرب، وكانوا يسمونها بهذه الأسماء المعروفة في قطعها. على إنه يقال: لعل العرب إنما لم تستعمل هذه اللفظة أو الألفاظ لأنها لم تلعب بهذه الآلة وتتعاطاها فتحتاج إلى تسميتها والتعبير عنها، وذلك لا يخرجها من الوجود، ولا يمنع من تسمية هذه الآلة الكثيرة الاستعمال والمعاطاة بأسماء تحصل بها الإبانة والفائدة فتقر على ما وضعها واضعها وإن كان أعجميا، وتكون من جنس الأسماء التي أفقت موافقة الأعجمية فيها العربية نحو يعقوب وإسحاق وما أشبههما.

وأما قوله: التنزه عن شرب الخمر أولى من التنزه عن لعب الشطرنج، فيقال له: هو كما قلت إلا أن ابن جني اعتبر قافية البيت الذي يليه وهو قوله:

......وليسَ لنا إلاَّ بِهنَّ لِعَابُ

فرأى أن استعمال لفظ اللعب أكثر وأولى بالشطرنج من اللعب بالأقداح فلذلك اختار الرخاخ، بالخاء، على الزجاج، بالجيم.

وقوله:

وأوسَعُ ما تَلْقَاهُ صَدْراً وخَلْفَهُرِمَاءٌ وطَعْنٌ والأمامَ ضِرَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: قال ابن جني: يقول: أوسع ما يكون صدرا إذا تقدّم في أول الكتيبة يضرب بالسيف وأصحابه من ورائه ما بين طاعن ورام.

قال ابن فورجة: جعل ابن جني الرماء والطعن من أصحاب الممدوح، ولا يكون هناك كثير مدح؛ لأن كل أحد إذا كان خلفه من يرمي ويطعن من أصحابه؛

فصدره واسع وقلبه مطمئن. وإنما أراد: خلفه رماء وأمامه طعن من أعدائه، وإنما المعنى: فإذا كان في مضيق من الحرب قد أحاط به العدو من كل جانب، لم يضجر، ولم يعد ذلك لضيق صدره.

فيقال له: الذي قاله ابن جني صحيح، والذي اعترضه ابن فورجة ليس بشيء، وذلك أن الرماء والطعن إذا كان خلفه من أصحابه في أعدائه، فلا بد أن يكون بعض أعدائه خلفه أيضا، فهو أمامهم متقدم يضرب بالسيف من هو قدامه وهم متأخرون عنه يطاعنون ويرامون. ولم يرد أبو الطيب ولا ابن جني إنه متقدم وأصحابه يتبعونه من ورائه محامين ومدافعين عنه؛ هذا لا طائل فيه وإنما في هذا الكلام تفضيل الممدوح بإفراط تقدمه على أصحابه ضاربا بالسيف وتأخرهم عنه مطاعنين ومرامين، وإشارة إلى قول زهير، وإن انحط عنه:

يَطْعَنُهُمْ في الوَرَى إذا اطَّعَنُواضارَبَ حتى إذا ما ضَارَبُوا اعْتَنَقَا

وأما قوله: وخلفه رماء وأماه طعن فليس ذلك في الكلام، ولا يكون هذا مثل قوله:

يا ليتَ زَوْجَكِ قد غَدَامتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة

لأن الكلام تام على ما ذكر فلا حاجة به إلى التقدير كحاجة ذلك، ولا يجوز ذلك مع الإلباس.

وقوله:

أرَى لي بِقُرْبي منكَ عَيْناً قَرِيرَةًوإنْ كانَ قُرْباً بالبِعَادِ يُشَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: عيني قريرة بالقرب منك لحصول مرادي، وإن كان هذا القرب مستويا بالبعاد عن الوطن والأحبة.

وأقول: لم يرد ما فسره، من إنه مشوب بالبعاد عن الوطن والأحبة، ولكنه مشوب بالبعاد عما وعده إياه وأطمعه به من الإقطاع والولاية، وهو قوله:

إذا لم تُنِطْ بي ضَيْعَةً أو ولايةًفجودُكَ يَكْسُوني وشُغْلُكَ يَسْلُبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

والبيت الذي بعده يدل على ما قلته وهو قوله:

وهَلْ نَافِعِي أنْ تُرْفَعَ الحُجْبُ بَيْنَنَاودونَ الذي أمَّلْتُ منكَ حِجَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي: لا ينفعني قربي منك أن ترفع الحجب بيني وبينك ودون أملى منك حجاب. وأمله منه هي الولاية المشئومة عليه التي لو قدرت له لما قنع فيها بالمتنبي دون التأله!!

وقوله:

جَازَ الأُلَى مَلَكَتْ كفَّاك قَدْرَهُمُفَعُرِّفُوا بك أن الكَلْبَ فَوْقَهُمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

قال: يقول: هؤلاء الذين تملكهم تجاوزوا قدرهم بالبطر والطغيان فملكت عليهم تحقيرا لهم، ووضعا من قدرهم حين ملكهم كلب.

وأقول: يحتمل ان يقال: هؤلاء الذين ملكتهم جازوا قدرهم في الفخر والعلو على الناس، فعُرفوا، أي: بُين لهم بانتمائهم اليك، وبملكك لهم، أن الكلب فوقهم، أي: يعلوهم ويفضلهم، وأن يقال: فبُين لهم إن الذي يملكهم كلب في الخسة والدناءة واللُّؤم، فهذا معنى قوله: الكلب فوقهم.

وقوله: فملكت عليهم تحقيرا لهم ووضعا من قدرهم - وهو تفسير: فعُرفوا بك - ليس بشيء! لأنه يدل على أن بطرهم وفخرهم كان قبل تمليكه لهم، وليس كذلك، بل إنما كان منهم بتمليكه لهم فأرادوا به الارتفاع، فحصل لهم الاتضاع فالوجه الصحيح ما فسرته.

وقوله:

ما أقْدَرَ اللهَ أنْ يُخْزي خَلِيقَتَهُولا يُصَدِّقَ قَوْماً في الذي زَعَمُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

قال: يقول: الله تعالى قادر على إخزاء الخليقة؛ بأن يملك عليهم اسما ساقطا من غير أن يصدق المُلحدة الذين يقولون بقدم الدهر؛ يشير إلى أن تأمير مثله إخزاء

الزمان، والله تعالى فعل ذلك؛ عقوبة لهم، وليس كما تقول الملحدة.

وأقول: يحتمل أن يكون أراد بالخليقة اختراع الكذب، ويخزي: يبعد، من قولهم: أخزاه الله؛ يقول: الله - سبحانه - قادر على أن يبعد ولايته المكذوبة، ولا يصدق قوما في قولهم: إنما ثم صانع للعالم، ولو كان ثم صانع لما ولاَّه، أو لما أدام ولايته. وهذا كأن فيه معنى الدعاء عليه كقول الآخر:

ما أقْدَرَ الله أنْ يُدْني على شَحَطٍمن دَارُهُ الحَزْنُ مِمَّنْ دَارُهُ صُولُ
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة

وقوله:

تَشَابَهَتِ البَهَائمُ والعِبِدَّىعَلَيْنَا والمَوالي والصَّمِيمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

قال: العبدى: العبيد.

يقول: عم الجهل الناس كلهم؛ الذين هم عبيد الله حتى أشبهوا البهائم في الجهل، وملك المملوكون، فالتبس الصميم، وهو الصريح النسب الخالص، يعني: الأحرار بالموالي وهو الذين كانوا عبيدا ارقاء، وذلك أن نفاذ الأمر يترجم عن علو القدر،

والإمارة إذا صارت إلى اللئام التبسوا على هذا الأصل بالكرام؛ يعني أن التمليك إنما استحقه الكرام فإذا صار إلى اللئام ظنوا كراما.

وأقول: لم يرد بالعبدى جمع الناس الذين هم عبيد الله إنما يريد العبيد الذين هم مماليك. يقول: إن الناس قد تغيرت وفسدت؛ حتى تشابهت العبيد وهم ممن يفهم، بالبهائم التي لا يفهم؛ أي: تساووا في الجهل وعدم الفهم والتحصيل، وتشابهت الموالي وهم المعتقون بالصريحي الأنساب في اللؤم والدناءة. وما ذكره من أن نفاذ الأمر يترجم عن علو القدر...... إلى آخره غير مرضي.

وقوله:

وما أدْري إذا دَاءٌ حَدِيثٌأصَابَ النَّاسَ أمْ دَاءٌ قَدِيمُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

قال: يقول: هذا الذي أصاب الناس من تمليك العبيد واللئام عليهم حدث الآن أم هو

قديم؟

فيقال له: لم يرد تمليك العبيد واللئام، ولم يجر لذلك ذكر، ولا اشتمل عليه لفظ، وإنما يشير إلى تشابه الأجناس التي ذكرها، والتباسها عليه فقال: وما أدري، وهو يدري، وإنما تجاهل لتأكيد الندم بحصول الاشتباه بينها وهو مثل قول زهير:

وما أدْري وسوفَ إخَالُ أدْريأقومٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

وقوله:

ولمَّا أنْ هَجَوْتُ رأيتُ عِيّاًمَقَالي لابْنِ آوَى يَالَئِيمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

قال: يقول: لما هجوته، وهو ظاهر اللؤم؛ كان نسبتي إياه إلى اللؤم عيا، لأن التكلم بما لا يحتاج فيه إلى بيان عي، ومن قال لابن آوى، وهو من أخس السباع: يا لئيم كان متكلفا.

وأقول: قوله: إن التكلم بما لا يحتاج فيه إلى بيان عي حسن، وذلك كمن قال للشمس: هي مضيئة، أو للنار: هي حارة فإن وصفهما بذلك، مع بيانه، بمنزلة العي والخرس إذ لا فائدة فيه للسامع؛ لأنه يعلم ذلك ضرورة.

وقوله: ومن قال لابن آوى، وهو من أخس السباع: يا لئيم كان متكلفا ليس بشيء! لأن الأخس هو الأحقر، ولعل في السباع ما هو أحقر منه. ولو قال: وهو من ألأم السباع، للؤم اصله؛ لأنه لا يعرف له أب، وذلك إشارة إلى قول الشاعر:

وما خبرُهُ إلاَّ كآوَى يُرَى ابنُهُولم يُرَ آوَى في الحُزونِ ولا السَّهْلِ

لأصاب المعنى وأحسن العبارة.

وقوله:

لا يَقْبِضُ المَوْتُ نَفْساً من نُفُوسِهِمُإلاَّ وفي يَدِهِ من نَتْنِهَا عُودُ

قال: يقول: لا يباشر الموت بيده قبض أرواحهم؛ تقززا واستقذارا لهم.

وأقول: هذا ليس بشيء! والمعنى قد ذكرته أولا وآخرا.

وقوله:

العَبْدُ ليسَ لِحُرٍّ صَالحٍ بأخٍلَوَ إنه في ثيابِ الحُرِّ مَوْبودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

قال: يقول: العبد لا يؤاخي الحر لما بينهما من التباعد في الأخلاق، وإن ولد العبد في ملك الحر، وهذا إغراء لابن سيده به! يعني أن الأسود وإن أظهر له الود؛ فليس له بمصاف مخلص.

وأقول: يقول لا ينبغي لحر صالح، أن يتخذ عبدا صديقا وأخا ولو ولد في ثيابه؛ أي: نشأ معه وهو طفل على سنه؛ لأن العبد لا تلائم طباعه طباع الحر للؤم أصله. وليس هذا، كما قال، إغراء لابن سيده به، ولكن هذا تبيين لكل أحد، وإشارة من أبي الطيب بذلك إلى نفسه في ترك الاغترار بكافور والركون إلى قوله.

وقوله:

إنَّ امرأً أمَةٌ حُبْلَى تُدَبِّرُهُلَمُسْتَضَامٌ سَخِينُ العَيْنِ مَفْؤودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

قال: جعل الأسود أمة لعدم آلة الرجال، وجعله حبلى لعظم بطنه، وكذا خلقه الخصيان، وهذا تعريض بابن سيده؛ يقول: الذي صار تدبيره إلى من هذه صفته فهو مظلوم مصاب العقل.

وأقول: قوله:

......لَمُسْتَضَامٌ سَخِينُ العَيْنِ مَفْؤودُ

أي: مستذل، حزين، مصاب الفؤاد. وفسر ابن جني، وتبعه الواحدي، مفؤود ذاهب العقل.

قال: كأنه أصيب فؤاده بسهم أو غيره، يقال: فادت الظبي: أفاده؛ إذا أصبت فؤاده. وإصابة فؤاده لا يعبر بها عن ذهاب عقله، ولا يصح هذا إلا على أن

يجعل الفؤاد القلب العقل لقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) أي: عقل، هكذا فسر. وليس المعنى في هذا البيت تعريض بابن سيده، ولكن تعريض بنفسه، وإزراء بها في مقامه عنده، ممتثلا أمره، قابلا حكمه، متدبرا رأيه، لا يفارقه فيأبى الضيم، ويأنف من الذل، ولهذا قال فيما بعد:

وَيْلمِّهَا خُطَّةً وَيْلُمِّ قابِلِهَالِمِثْلِهَا خُلِقَ المَهْرِيَّةُ القُودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

أي: لمثل هذه الخطة والحالة الصعبة، خُلقت الإبل الكرام؛ يعني: للنجاء عليها، ومفارقة الذل بها، وهذا دليل على ما قلته، وأنه أراد بالضمير في تدبره نفسه لا ابن سيده. ولو نظر الواحدي إلى البيت الثاني وما بعده وتدبره، لم يفسر الأول على ما فسره. وما رأيته، مع حذقه، يتفقد هذه المواضع التي هي أصل التفسير، ليأمن التناقض والاختلاف، بل وقع في كثير منها.

وقوله:

لَقَدْ كنتُ الغَدْرَ عن تُوسِ طَيِّىءٍفلا تَعْذُلاني رُبَّ صِدْقٍ مُكَذَّبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لحا الله وردانا وأما أتت به»

قال: يقول: كنت أقول أن طيئا لا تغدر، ولم تكن آباؤهم غدارين فلا تعذلاني إن غدر هذا لأنه ليس من الأصل الذي يدعي من طيئ.

وقوله:

...... ......... ربَّ صِدْقٍ مُكَذَّبِ

أي: رب صدق يكذبه الناس، يعني: كنت صادقا في نفي الغدر عن طيئ، وإن كذبني الناس لأجل وردان بادعائه إنه من طيئ، ويريد إنه صادق أن وردان ليس من طيئ. ولم يعرف ابن جني هذا فقال: رجع عن نفي الغدر عنهم، وليس في البيت ما يدل على رجوعه عن نفي الغدر.

فيقال: بل الصحيح إنه ليس في البيت ما يدل على أن وردان ليس من طيئ والذي ذكرته خبط وتخليط، والذي ذكره ابن جني ظاهر، وذلك إنه اقسم لصاحبيه فقال:

والله لقد كنت أنفي الغدر عن القدماء من طيئ فلا تعذلاني على ذلك بما ظهر من غدر وردان؛ فأني فيما قلت صادق، والصدق قد يكذب في بعض الأحيان؛ يعني أن القدماء منهم أهل وفاء إلا هذا حدث فيهم؛ يعني وردان فإنه غدَّار.

وقوله:

ألاَ كُلُّ مَاشِيَةِ الخَيْزَلَىفَدا كلِّ مَاشِيَةِ الهَيْدَبى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
وكلِّ نَجَاةٍ بُجَاوِيَّةٍخَنُوفٍ ومَا بِيَ حُسْنُ المِشَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

قال في تفسير البيت الأول: يقول: فدت كل امرأة تمشي الخيزلي كل ناقة تمشي الهيدبى، وذلك وهم لأن الهيدبى من مشى الخيل، قال امرؤ القيس:

على كُلِّ مَقْصُوصِ الذُّنابَى مُعَاوِدٍبَرِيدَ السُّرَى في اللَّيلِ من خَيْلِ بَرْبَرْا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»
إذا رُعْتَهُ من جانِبَيْهِ كِلَيْهِمَامَشَى الهَيْدبَى في دَفِّهِ ثم فَرْفَرا

وقال في تفسير البيت الثاني: يقول: لا أحب مشية النساء؛ وما بي إلى ذلك ميل، وإنما أحب كل ناقة خفيفة المشي.

وأقول: لو أن المعنى على ما ذكر من إنه لا يحب مشى النساء، ويحب مشي الجمال لقال في البيت الثالث: لأنهن ولم يقل ولكنهن. والمعنى إنه لما قال:

ألا كُلُّ ماشِيَةِ الخَيْزَلَى .........

ويعني بذلك النساء:

......فِدَا كُلِّ مَاشِيَةِ الهَيْدَبَى

ويعني بذلك الخيل، وفدى كل نجاة بجاوية خنوف، وهي الناقة التي ترمي بيديها إلى وحشيها، والخناف: ضرب من مشي الإبل، قال الأعشى:

أجَدَّتْ بِرِجْلَيْها نجاءً وَراجَعَتْيَداهَا خِنَافاً لَيِّناً غيرَ أحْرَدَا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا»

وهو يرى أن مشي الخيل عنده ومشي الإبل أحسن من مشى النساء لجده في الأمور وطلبه للمعالي وتركه للهو والغزل، قال:

.... ......... ومَا بِيَ حُسْنُ المِشَى

أي: ما قصدي ومرادي حسن المشى وتفضيلي للخيل عليهن في ذلك، ولكن لما هو أحسن وأفضل من ذلك وهو ما استدركه من قوله:

ولكِنَّهُنَّ حِبَالُ الحياةوكَيْدُ العُداةِ ومَيْطُ الأذَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

وقد وهو في اعتقاده أن الهيدبى من مشي الإبل، وذلك لما رآه قد عطف قوله:

وكل نَجَاةٍ بُجَاوِيَّةٍ .........

وهي من صفات الإبل، على قوله:

...... ......... ماشِيَةِ الهَيْدَبَى

توهم إنه عطف لتأكيد الوصف للإبل وذلك خطأ لما ذكرته.

وقوله:

وشِعْرٍ مَدَحْتُ به الكَرْكدَنْنَ بين القَرِيضِ وبين الرُّقَى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: هو شعر من وجه ورقية من وجه، لأني كنت أرقبه لأخذ ماله.

وأقول: الجيد لو قال: لأسلم منه، كذات السموم التي ترقى خوفا من أذاها.

وقوله:

فما كانَ ذلك مَدْحاً لَهُولكنَّهُ كانَ هَجْوَ الوَرَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

قال: يقول: لم يكن ذلك الشعر مدحا له، ولكنه كان في الحقيقة هجوا للخلق كلهم حيث أحوجوني إلى مدحه.

وقال ابن جني: إذا كانت طباعه تنافي طباع الناس كلهم سفالا ثم مدح فذلك

هجوهم لأن فيه إرغامهم، ومدحا لما ينافي طباعهم.

فيقال له: هذا ليس بشيء!

والقول غير قولك وقول ابن جني، وهو ما ذكرته في شرح الكندي.

وقوله:

وإنْ تَكُنْ مُحْكماتُ الشُّكْلِ تَمْنَعُنيظُهورَ جَرْيٍ فلي فيهنَّ تَصْهَالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

قال: يقول: إن لم تكن عندي مكافأة بالفعل؛ فعندي مكافأة بالقول. والمعنى: إن لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور؛ فإني أمدحك إلى أوان، ذلك كما أن الجواد إذا شكل عن الحركة صهل شوقا إليها. وكان فاتك يسر خلاف الأسود، وينطوي على بغضه ومعاداته، وكان أبو الطيب يحبه ويميل إليه ولكن ليس يمكنه إظهار ذلك خوفا من الأسود.

وأقول: الجيد أن يقال: إنه يقول: إن لم أقدر على مهاداتك ومجازاتك بالبذل والعطاء، لعلو قدرك، وعظم شأنك، وضيق مالي عن ذلك، فجعل نفسه جوادا،

وجعل الإقلال له بمنزلة الشكال الذي يمنعه عن الجري وهو المجازاة بالعطاء، فإني أجازيك بالقول؛ أي: بالمدح والثناء، وجعل ذلك بمنزلة الصهيل للجواد إذا لم يقدر على الجري شوقا إليه.

وقوله:

لا وارِثٌ جَهِلَتْ يُمْنَاهُ ما وَهَبَتْولا كَسُوبٌ بغير السَّيفِ سَآَّلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: لا يدرك المجد إلا سيد لا وارث؛ أي: لم يرث أباه شيئا لأنه كان جوادا فلم يُخلف مالا، ويمناه جهلت ما وهبت لكثرته.

وأقول: لم يفهم المعنى! وتفسيره: لا وارث بقوله: لم يرث أباه شيئا...... إلى آخره، خطأ، ومعنى هذا البيت في الظهور كقول الشاعر:

حَتَّى ظَهَرْتَ فما تَخْفَى على أحَدٍإلاَّ على أحَدٍ لا يَعْرِفُ القَمرَا

والمعنى: لا يدرك المجد إلا سيد فطن المكارم، يفعل منها أفعالا تشق على السادات، ووصف ذلك السيد فقال:

لا وارثٌ جَهِلَتْ يُمْنَاهُ ما كَسَبَتْ .........

وذلك أن الوارث لم يتعب في تحصيل المال، فإذا وهبه فهو جاهل به، وإنما كسب

ذلك المال بسيفه ثم جاد به فهو ابلغ في الجود وافضل في العطاء. وقد ذكرت هذا في

شرح التبريزي، وهو من قول ابن الرومي:

وما في الأرض أكْرَمُ من جَوادٍ .........

وقوله:

القائدُ الأُسْدَ غَذَّتْها بَراثِنُهُبِمِثْلهَا من عِداهُ وَهْيَ أشْبَالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

قال: أي: الذي يقود إلى الحرب رجالا هم أسود تغذوهم براثن فالتك بأمثالهم من الأعداء، يعني إنه يغنمهم الأبطال، وجعلهم كالأشبال له حيث قام بتغذيتهم.

وأقول: إن هذه عبارة غير بينة مرضية. والمعنى إنه جعل فاتكا اسدا، يقود من غلمانه أسدا غذتها براثنه في حال صغرها بأسد مثلها من عداه. يعني إنه كان يصحبهم وهم صغار فيغنمهم ويجرئهم على القتال، ويرشحهم للقاء الأبطال، فهذا معنى قوله:

...... ......... وهي أشْبَالُ

وقوله:

ما كانَ منكَ إلى خَليلٍ قبلَهَاما يُسْتَرابُ به ولا ما يُوجِعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

قال: يقول: لم يكن منك إلى خليل قبل المنية ما يريبه منك أو يوجعه، وذلك أشد لتوجعه عليك إذ لم تربه في حياتك.

وأقول: المعنى إنه لما ساله ان يبرد حشاه بكلمة ولم تقع منه، استراب به لأنه لم يعهد ذلك منه، وتوجع له لترك جوابه فقال: ما كان منك إلى خليل قبل هذه الحالة، ما يوقع له ريبة بك وتوجعا منك بكونك لا تكلمه، ولا تقدر على نفعه لما حل بك من الموت.

وقوله:

لا أبْغِضُ العيسَ لكنِّي شَفَيْتُ بهاقَلْبي من الهَمِّ أو جِسْمي من السَّقَمِ

قال: يقول: ليست الإبل ببغيضة إلي، أي: ليس إتعابي لها في السفر بغضا لها مني، لكن أسافر عليها لأقي قلبي من الحزن، وجسمي من السقم، وذلك أن السقيم إذا غيّر الماء والهواء وسافر صح جسمه، وكذلك المحزون يتنسم بروح الهواء، ويصير إلى مكان يسر فيه بالإكرام.

وأقول: لم يرد ما ذكره من حال السقيم وحال المحزون، ولكن يشير إلى ما كان يجده ويكابده في مصر، بسبب كافور، من الحزن في قلبه، والسقم في جسمه؛ يعني

إنه بسير العيس، خلص من كافور ووقى وجسمه من ذلك، فهذا الكلام حكاية للحالة التي كان عليها، والشدة التي نجا منها.

وقوله:

في غِلْمَةٍ أخْطَروا أرْوَاحَهمْ ورَضُوابما لَقُوهُ رِضَا الأيْسَار بالزُّلَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»

قال: يقول: سريت من مصر في غلمة حملوا أرواحهم على الخطر لبعد المسافة، وصعوبة الطريق، ورضوا بما يستقبلهم من هلك أو ملك، كما يرضى المقامرون بما يخرج لهم من القداح.

وأقول: الجيد لو قال: بما يلقونه من نجاة أو هلاك، لأن أبا الطيب في خروجه من مصر على تلك الحال لم يحاول ملكا وإنما حاول نجاة من الأسود لخوفه على نفسه وماله منه بتوصيته عليه، ولكنه قصد بتلك العبارة الازدواج فوقع في الاعوجاج.

وقوله:

تُمِرُّ الأنابيبُ الخواطِرُ بينَنَاونَذْكُر إقبالَ الأميرِ فَتَحْلَوْ لي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»

قال: عند بعض الناس لا تجوز هذه الواو في هذه القافية.

وقال: خطأ أن يجمع بين تجلي وتحلو لي في قافية. وليس كذلك؛ لأن الواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح مثل القول والمين، وكذلك إذا

انفتحتا وسكن ما قبلهما مثل أسود وأبيض، وهذا مثل قول الكسعي:

يا رَبِّ وَفِّقْني لِنَحْتِ قَوْسِي

فإنَّها من أرَبِي لِنَفْسي

وانْفَعْ بِقَوْسي وَلَدِي وعِرْسِي

وأقول: ليس هذا عند بعض الناس، كما ذكر، بل عند كل الناس ممن له علم بالقوافي واستقراء لأشعار العرب. وقوله: أن الواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح؛ غير صحيح، ولو كانا كذلك لجاز أن يجتمع في قافية: الطول والصقل والقول والقتل. وهذا لا يجيزه أحد. ولجاز أن يأتي في قول رويشد:

يا أيُّها الرَّاكبُ المُزْجي مَطِيَّتَهُبَلَّغْ بني أسَدٍ ما هذه الصَّوْتُ

المرت والخبت.

وفي قول عبد الشارق:

ألا حُيِّيتِ عنا يا رُدَيْنَانُحَيِّيهَا وإنْ كَرُمَتْ عَلَيْنَا

ردعنا وغلبنا، وذلك غير جائز البتة.

قالوا: والواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما لم يصيرا كالصحاح، ولكن يقربان من الصحاح بنقص المد فيهما، فإذا جاءا في قافية مجردة كان ذلك فيهما أسهل من مجيئهما إذا كانت حركة ما قبلهما من جنسهما، فالأبيات التي انشدها ببكسعي، والتي ذكرها ابن جني في المعرب وهي:

نَدِمْتُ ندامةً لو أنَّ نَفْسيتُطَاوعُني إذا لقَتَلْتُ نَفْسي
تَبَيَّنَ لي سَفَاهُ الرَّأي منيلعَمْرُ إبِيكَ حين كَسَرْتُ قَوْسِي
للشاعر محارب بن قيس الكسعي، من قصيدة «ندمتُ نَدَامَةً لو أَنَّ نَفْسِي»

معدودة في عيوب الشعر؛ ذكر ذلك ابن جني وغيره.

وأما قوله: وكذلك إذا انفتحتا وسكن ما قبلهما فالقول: أنهما إذا تحركا أشبها

الصحاح، وسواء في ذلك انفتحتا أو انضمتا أو انكسرتا أو سكن ما قبلهما أو تحرك.

وقوله:

ظَلِلْنَا إذا أنْبَى الحديدُ نُصولَنَانُجَرِّدُ ذِكْراً منك أمْضَى من النَّصْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»

قال: يقول: إذا لم تنفذ نصولنا على أسلحة الأعداء ذكرناك فنفذت عليهم بدولتك فكان ذكرك أمضى من النصل.

وأقول: هذا ليس بشيء! وليس في الكلام ما يدل على أن نصولهم إذا لم تنفذ من ملاقاتها الأسلحة، تنفذ بذكره. ولكن المعنى أنا ظللنا إذا أنبي سيوفنا كرة الضرب بملاقاة الحديد، فلا تغني سيوفنا هنالك شيئا، ولا تؤذي الأعداء، ذكرناك لهم لما اشتهر من بأسك وهيبتك، فكان ذكرك أمضى من نصولنا فيهم؛ يشير إلى الخوف في قلوبهم، وذلك لا يرد بدرع وسلاح.

وقوله:

فَوَلَّتْ تُرِيغُ الغَيْثَ والغيْثَ خَلَّفَتْوتَطْلُبُ ما قَدْ كانَ في اليَدِ بالرِّجْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»

قال: قال ابن جني: لو ظفرت بالكوفة وما قصدت له لوصلت إلى تناول الغيث باليد عن قرب.

وقال العروضي فيما أملاه عليَّ: هذا تفسير من لم يخطر البيت بباله؛ لأنه ظاهر على المتدبر! إنما يقول: قد كانوا في أمن ونعمة، وشبّه ما كانوا فيه بالغيث فاستزادوا طلب الملك، وجاءوا محاربين فهزموا فلما تولوا هاربين قصدوا ما كان في أيديهم من

مواطنهم ونعمتهم يطلبون بأرجلهم، فذلك قوله:

......ويطلُبُ ما قد كانَ في اليَدِ بالرِّجْلِ

وقال ابن فورجة: يعني قد كانت في غيث من إقطاع السلطان وإنعامه، فلما عصوا وحاربوا، ثم انهزموا وولوا هاربين تطلب حصنا ومأمناً وقد خلّفت آمنا

كان حاصلا لها، وتطلب بأرجلها ما كان في أيديها؛ أي: تطلب بهربها وإغذاذها على أرجلها ما كان حاصلا في أيديها.

وأقول: لم يصب أحد منهم المعنى! والغيث هاهنا هو العشب والكلأ كقوله تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجِبِ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ) وقال امرؤ القيس:

وغيثٍ كألوانِ القَنَا قد هَبَطْتُهُتجاوَبَ فيه كلُّ أوْطَفَ حَنَّانِ

يقول: ولت بنو كلاب منهزمين تطلب العشب الذي كانت مقيمة فيه في راحة وطمأنينة بتعب ونصب، فكنى بالأيدي عن الراحة، وبالأرجل عن التعب متجاوزين المكان الذي كانوا فيه حين أمنهم وتركهم العيث والفساد في الكوفة، وقوله:

......وتَطْلُبُ ما قد كانَ في اليَدِ بالرِّجْلِ

تفسير لما ذكره في صدر البيت؛ أي: تطلب ما قد كان في اليد؛ أيدي الخيل في حال أمنها، بارجلها لخوفها، ولو طلبته بأيديها لوقفت عنده، ولكنها لمّا جاوزته للخوف كأنها طلبته بأرجلها؛ يقول: ما كان أمامها صار وراءها، وما كان قريبا منها صار بعيدا عنها، فكنى باليد والرجل عن القرب والبعد وعن استقبال الشيء واستدباره. وهذا

هو المعنى لم يتنبه له أحد سواي، ولا ألم به غيري! وإنما أوقعهم في التفسير الذي فسروه، ظنهم أن اليد والرجل للإنسان وليس كذلك. والذي يدل على إنه لم يكن بالغيث عن الأمن والنعمة، كما ذكر العروضي، ولا عن الإقطاع والانعام، كما ذكر ابن فورجة، ولم يرد به إلا ما ذكرته من العشب والكلأ قوله فيما بعد:

تُحاذِرُ هَزْلَ المالِ وهي ذليلةٌوأشْهَدُ أنَّ الذُّلَّ شَرٌّ من الهَزْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»

وقوله:

بَادٍ هَواكَ صَبَرْتَ أم لم تَصْبِراوبُكَاكَ إن لم يَجْرِ دمُعكَ أو جَرَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

أقول: إنه أخبر في هذا البيت أن هواه باد صبر أو لم يصبر، وإن بكاه باد جرى دمعه أو لم يجر، وأخبر في البيت التالي وهو قوله:

كم غَرَّ صَبْرُكَ وابْتِسَامُكَ صَاحِباًلمَّا رآهُ وفي الحَشَا ما لا يُرَى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أن هواه خاف، لأنه لا يغر صاحبه بابتسامه وصبره وهو باد، وهذا ظاهره التناقض كما ترى. وقد سئل أبو الطيب عن هذا فقال: ليس هذا في حال واحد إنما هو في حالين، وبيانه أن قوله:

كَمْ غَرَّ صَبْرُكَ وابتسامُكَ صَاحِباً .........

إنما كان أولا، فكان صاحبه يرى منه الصبر والابتسام، ولا يرى ما في حشاه من الهوى والغرام، ثم إنه بعد ذلك بدا وظهر. فالبيت الثالث وهو قوله:

أمَرَ الفؤادُ لسَانَهُ وجفُونَهُفكتَمْنَهُ وكَفَى بِجِسْمِكَ مُخْبِرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

ينبغي ان يكون متعلقا بالبيت الأول مؤكدا لما فيه من ظهور الهوى، ولا يكون للثاني لأنه يناقضه بما يناقضه بما في الثاني من الإخفاء بالصبر والابتسام، ولما في الثالث من الإبداء بالنحول والسقام.

وقوله:

يَتَكَسَّبُ القَصَبُ الضَّعِيفُ بخَطِّهِشَرَفاً على صُمِّ الرِّماح ومَفْخَرا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: قلمه اشرف من الرماح؛ لأن كفه تباشره عند الخط فيحصل له الشرف والفخر على الرماح التي لم يباشرها.

وأقول: أن بعض مفسري الديوان حمل هذا القول على أن ابن العميد كاتب وليس من أهل الحرب، فالأقلام التي يحملها، مع كونها ضعيفة، تشرف الرماح التي يحملها غيره، مع كونها قوية، فلذلك أطلق القول على صم الرماح، وذلك منه غير سديد، لأنه قد وصفه قبل هذا البيت بشدة الإقدام في الحرب، وكثرة الطعن للأبطال، وذلك لابد أن يكون بالرماح. فالذي ذكره الواحدي تخصيص للرماح،

وهو الصواب؛ فجعل بعض الأقلام، وهي التي مسها، تفتخر على بعض الرماح، وهي التي لم يمسها، وإنه أتى بلفظ العموم وهو يريد الخصوص. وبهذا التفسير يسلم قول أبي الطيب من التناقض.

وقوله:

ويَبِينُ فيما مَسَّ منه بنَانُهُتِيهُ المُدِلِّ مَشَى لتَبَخْتَرَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

قال: يقول: كل شيء يمسه ببنانه يظهر فيه الكبر حتى لو مشى الشيء لتبختر شرفا بمسه إياه.

وأقول: إنه جعل الضمير في منه راجعا إلى الشيء الذي قدره ووصفه بالذي وليس ذلك بحسن وإن كان فيه مبالغة، بل الضمير راجع إلى ما قبله من القصب الضعيف وصفه بتيه المدل لمسه إياه. فلو إنه بمنزلة إنسان يمشي لتبختر كبرا وعجبا.

وقوله:

قَطَفَ الرِّجالُ القولَ قبلَ نباتِهِوقَطَفْتَ أنت القَول لما نَوَّرَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: أقوال الناس كالثمر التي تقطف قبل ينعها وأدركها، وقولك كالنبات المتناهي في نبته. وقوله: قبل نباته، أي: قبل تمام نباته فحذف المضاف.

وأقول: لم يرد بالقطف هاهنا الثمر، ولكن أراد الزهر، وإنما غره ذكر القطف فظن إنه للثمر وحده، والقطف يستعمل فيهما كليهما، ولهذا قال:

......وقطَفْتَ أنت القولَ لما نَوَّرا

وتفسيره: قبل نباته بقوله: قبل ينعه، ويريد به الثمر، خطأ، بل يريد قبل تمام نباته كما ذكر، وذلك يدل على الزهر.

وقوله:

وتَرَى الفَضِيلَةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةًالشَّمْسَ تُشْرِقُ والسَحَابَ كَنَهْوَرَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

ذكر في هذا البيت قول ابن جني، وهو قول مرغوب عنه إعرابا ومعنى!

وذكر قول ابن فورجة وتخطئته لابن جني، وهو صواب، ثم قال: والمعنى أنها ترى الفضيلة لا ترد ضدها من الفضائل على ما عهده في المتضادين، وفسر ذلك فقال: يوجدك الشمس مشرقة، والسحاب كنهورا أي: في حال واحدة يُوجدك هذا الممدوح هاذين المتضادين، إذ كانت الشمس يسترها السحاب كنهورا، فوجهه كالشمس إضاءة، ونائله كالسحاب الكنهور فيضا، وهما لا يتنافيان في وقت واحد.

وأقول: لا يحتاج قوله:

الشَّمْسَ تُشْرِقُ والسَّحابَ كَنَهْوَرا

إضمار فعل كما ذكر من قوله يوجدك ولا غيره! بل ذلك نصب على البدل من الفضيلة.

وأما قوله: فوجهه كالشمس إضاءة إن أراد بذلك حسن الخلق فليس بصحيح؛ لأن ذلك ليس بفضيلة له، وإن أراد حسن الخلق من بشر وطلاقة تبدو في وجهه فتلك فضيلة فيه، وبها يصح المعنى لا بسواه.

وقوله:

ما لبِسْنَا فيه الأكاليلَ حتَّىلَبِسَتْهَا تلاعُهُ ووِهَادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: يريد بلبس التلاع ما عليها من النبات، والوهاد ضد التلاع؛ جمع وهدة، وهي المنخفض من الارض، وجعل ما على الوهاد أكاليل ولا يحسن ذلك. والبيت مأخوذ من بيت أبي تمام:

حَتَّى تعَمَّمَ صُلْعُ هَامَاتِ الرُّبَامن نَبْتِهِ وتَأزَّرَ الأهْضَامُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

وهذا البيت سليم لأنه جعل ما على الربا بمنزلة العمامة، وما على الاهضام - جمع هضم وهو المطمئن من الأرض - بمنزلة الإزار، ووجه قول أبي الطيب إنه أراد: حتى لبستها تلاعه والتحفت بها وهاده، فيكون من باب:

عَلَفْتُهَا تِبْناً وماءً بَارِدَا

وأقول: هذا التقدير لا يصح في بيت أبي الطيب، وذلك أن قوله: لبستها تلاعه راجع إلى الأكاليل فلا يجوز أن يقدر: والتحفت بها وهاده لأن الأكاليل لا يلتحف بها، وإنما الأكاليل هنا هي الأزهار المنظومة، والأكاليل استعارة فيها وكناية عنها لأنها تجعل على الرؤوس فصح أن يقال فيها:

...... حَتَّىلَبِسَتْهَ تِلاعُهُ وَوِهَادُهْ

ولا حاجة إلى إضمار فعل.

وقوله:

مَثَّلُوهُ في جَفْنِهِ خَشْيَةَ الفَقْدِ فَفِي مِثْلِ أَثْرِهِ إغمادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: يقول: مثلوا هذا في غمده؛ يعني: جعلوا على مثاله وصورته، وهو انهم غشوه فضة محرقة فأشبهت تلك الآثار هذا السيف وما عليه من آثار الفرند فهو قوله:

......فَفِي مِثْلِ أثْرِهِ إغمادُهْ

أي إنه يغمد في جفن عليه آثار كأثره. وقوله: خشية الفقد: الناس يقولون: أراد أن هذا السيف عزيز، فلعزه وخوف فقده غشوا جفنه الفضة.

وقال ابن جني: صونا للجفن من الفقد لئلا يأكل جفنه.

وقال ابن فورجة: يعني ما نسج من الفضة على جفنه تصويرا لما على متنه من

الفرند؛ فعل ذلك به إرادة أن لا تفقده العين بكونه في غمده؛ بل تكون كأنها ناظرة إليه، ولم يرد بقوله: خشية الفقد ذهابه وضياعه بل أراد أنه، لحسنه، لا يشتهي مالكه أن يفقد منظره بأغماده فقد مثله في جفنه.

وأقول: قد أطال المشائخ الكلام في شرح هذا البيت ولم يأتوا بطائل والمعنى ما ذكرته أولا وآخرا في شرح ابن جني والكندي.

وقوله:

ورَجَتْ رَاحةً بنا لا تَراهاوبلادٌ تَسِيرُ فيها بلادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: قال ابن جني: لما انتقلت خيله إلي، رجت أن تستريح من طول كده إياها وليست ترى ذلك من جهتي ما دمت أسير في بلاده والعمل الذي يتولاه لسعته وامتداد الناحية التي تحت يده. هذا كلامه! وليس لسعة البلد وامتداد الناحية هاهنا مهنى، إنما يقول: لا ترى هذه الخيل ما ترجوه، لانّا لا نزال نغزو معه بغزواته، ونطارد عليها معه إذا ركب إلى الصيد، وإنما نستريح إذا فارقنا خدمته، ونحن لا نفارق خدمته وبلاده.

وأقول: القول ما قال ابن جني لما ذكرته في شرح الكندي.

وقوله:

هَلْ لعُذْري إلى الهُمامِ أبي الفَضْلِ قبولٌ سَوادُ عَيْني مِدَادُهْ

قال: قال ابن جني: أني رضيت أن يجعل المداد، الذي يكتب به، قبول عذري، سواد عيني حبا له وتقربا منه. هذا كلامه! وليس على ما قال؛ لأن المراد قبول العذر لا أن يكتب الممدوح. والمعنى إنه يقول: هل يقبل عذري؟ أو: هل عنده قبول لعذري؟ ثم قال:

...... ......... سواد عَيْني مِدَادُهْ

على طريق الدعاء، كأنه قال: جعل الله مداده سواد عيني؛ يعني إنه إن استمد من سواد عيني لم أبخل عليه. وإنما قال هذا لأنه كاتب حاسب يحتاج إلى المداد. والكناية في مداده يعود إلى أبي الفضل، وعلى ما قال ابن جني يعود إلى العذر وليس بشيء.

وأقول: الوجه الذي ذكره ابن جني أحسن في المعنى واقرب إلى الصواب، وقد تصحف على الشيخ الواحدي يكتب؛ فعل ما لم يسم فاعله ب: يكتب فجعله

للممدوح وقال: المراد قبول العذر لا أن يكتب الممدوح، ولم يرد ابن جني ذلك وإنما قال: يقول: رضيت أن يجعل المداد الذي يكتب به قبول عذري سواد عيني؛ يعني إذا كتبت اعتذر إليه من تقصيري في مدحه، وعجزي عن إحاطة وصفه. وهذا المعنى على هذا الوجه هو الحسن، والذي ذكره من قوله:

...... ......... سواد عَيْني مِدَادُهْ

أنه دعاء، ليس بحسن؛ لأنه منفصل عن الأول غير متعلق به فلا يحسن أن يكون من تمامه.

وقوله:

ما سَمِعْنَا بمن أحبَّ العَطايَافاشْتَهَى أنْ يكونَ فيها فؤادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: يقول: لم نسمع قبله بجواد يحب الإعطاء ويتمنى أن يكون قلبه من جملة ما يعطي؛ يعني أن ما أفاده من العلم هو نتيجة عقله وقلبه وبنات فكره، فعبّر عن العلم بالفؤاد لأن محله الفؤاد كما قال تعالى ذكره: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) أي: عقل، فسمى العقل قلبا، ولم يعرف ابن جني هذا فقال: الكلام الحسن الذي عنده إذا أفاد إنسانا فقد وهب له عقلا ولبا وفؤادا وهذا إنما يحسن لو قال: فاشتهى أن يكون فيها فؤاد؛ منكر، وأما إذا أضافه إلى الممدوح فليس يجوز.

وأقول له: لم يعرف ابن جني المعنى ولا أنت!! ولا يجوز قولك ولا قوله لما ذكرته في شرح التبريزي والكندي!!

وقوله في وصف كتاب ابن العميد:

فأخْرَقَ رِائَيهُ ما رَأىوأبْرَقَ ناقِدَهُ ما انْتَقَدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكتب الأنام كتاب ورد»
إذا سَمِعَ الناسُ ألفاظهُخَلَقْنَ له في القُلوبِ الحَسَدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكتب الأنام كتاب ورد»
فقلتُ وقد فَرَسَ النَّاطِقينَكذا يَفْعَلُ الأسَدُ ابن الأسَدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكتب الأنام كتاب ورد»

قال: لو خرس المتنبي فلم يصف كتاب أبي الفتح بن العميد بما وصف لكان خيرا

له! وكأنه لم يسمع وصف كلام قط! وأي موضع للاخراق والبراق والفرس في وصف الألفاظ والكتب! وهلا احتذى على مثال البحتري في قوله يصف كلام ابن الزيات:

وكلامٌ كأنَّهُ الزَّهَرُ الضَّاحكُ في رَوْنقِ الرَّبيع الجَديدِ
ومَعَانٍ لو فَصَّلَتْهَا القَوافيهَجَّنَتْ شِعْرَ جَرْوَلٍ وَلَبيدِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعض هذا العتاب والتفنيد»
حُزْنَ مستعْمَلَ الكلامِ اختياراوتَجَنَّبْنَ ظُلْمَةَ التَّعْقيدِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعض هذا العتاب والتفنيد»

أو هلا ربع على ظلعه ولم يكن معورا تبدو مقاتله!!

فيقال له: لم يكن أبو الطيب ممن يقال له: ربع على ظلعه وهو احذق الناس بأصل الشعر وفرعه، وهو المسلم إليه قصب السبق على تأخر العصر!

وأما قوله: لو خرس فلم يصف كتاب ابن العميد...... فيقال له: لم يكن ليخرس وهو القائل:

مَا نَالَ أهلُ الجَاهِلَّيةِ كُلُّهمشِعْري ولا سمِعَتْ بِسحْرِيَ بَابلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

والبيت الذي بعده.

وإن كان وقع منه تقصير في هذه الأبيات؛ فلأنه لم يحتفل بها، ولم يتكلف لها بل قالها بديها.

وأما قوله: وأي موضع للاخراق والإبراق والفرس في صفة الألفاظ.

فيقال له: هذه استعارة لم يسبق إليها، فلا يحتاج أن يقتدي بأحد فيها.

وأما قوله: هلا احتذى على مثال البحتري في الأبيات التي ذكرها.

فيقال له: لم يكن أبو الطيب ليحتذي به فيما هو اقل منها؛ ألا ترى إلى ما يحكى عنه من انه لما نظم قوله:

إذا اعوَجَّ القَنَا في حَامِليهِوجازَ إلى ضُلوعِهِمُ الضُّلُوعَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

قال: كنت قلت:

....وأشْبَهَ في ضُلوعِهمُ الضُّلُوعَا

ثم أنشدت بيتا لبعض المولدين يشلهه فرغبت عنه؛ يعني قول البحتري:

في مَأزَقٍ ضَنْكٍ تُخَالُ به القَنَابينَ الضُّلُوع إذا انْحَنَيْنَ ضُلُوعَا

ولعمري ما أبيات البحتري بتلك الأبيات الغريبة المعاني المحكمة الألفاظ، وما المستحسن منها غير سهولتها وترك التكلف فيها. ولا أعلم لم خصها بالذكر دون غيرها مع أن لأبي تمام أشهر وأسير من أبيات البحتري وأشد أسرا وأتم معنى، وصف بها كتابا جاءه من الحسن بن وهب وهي:

فَضَضْتُ خِتَامَهُ فَتَبَلَّجَتْ ليغَرائِبُهُ عن الخَبَرِ الجَلِيِّ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيا ويل الشجي من الخلي»
وكان أغَضَّ في عَيْني وأنْدىَعلى كَبدِي من الزَّهَرِ الجَنيِّ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيا ويل الشجي من الخلي»
وأحسن مَوْقِعاً منِّي وعنديمن البُشْرَى أتَتْ بعدَ النَّعِيِّ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيا ويل الشجي من الخلي»
وضُمِّنَ صَدْرُهُ ما لم تُضَمَّنْصُدورُ الغَانياتِ من الحُلِيِّ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيا ويل الشجي من الخلي»

وكأن الواحدي استضعف هذه الأبيات التي في أبي الفتح فقال فيها ما قال فهلاَّ تعرض لقوله في أبيه يصف بلاغته:

أنت الوحيدُ إذا ارتكبْتَ طَرِيقةًفمن الرَّديفُ وقد رَكِبْتَ غَضنَفْرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»
قطَفَ الرجالُ القولَ قَبْلَ نباتِهِوقطَفْتَ أنت القولَ لمَّا نَوَّرا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
فهو المُتَبَّعُ بالمسَامعِ إن مَضَىوهو المُضَاعَفُ حُسْنُهُ إنْ كُرِّرا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

وليسَ حَيَاءُ الوَجْهِ في الذِّئبِ شيمةًولكنَّهُ من شيمةِ الأسَدِ الوَرْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال: المعنى أن حياءهم ليس بمزر بهم كما إنه لا يعيب الأسد حياؤه.

وأقول: الجيد أن لو قال: حياؤهم فضيلة فيهم وفخر لهم، كما إنه في الأسد كذلك. وذكره الورد صفة للأسد زيادة يتم الكلام من دونها، لأن جميع الأسد توصف بالحياء؛ الورد منها وغير الورد، وإنما ذكرها للقافية.

وقوله:

إذا ما اسْتَجَبْنَ الماء يَعْرِضُ نفسَهُكَرِعْنَ بِسِبْتٍ في إناءٍ من الوَرْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال: قال أبو الفضل العروضي: ما أصنع برجل ادعى إنه قرا على المتنبي ثم يروي هذه الرواية؛ يعني: استحين؛ بالحاء، ويفسر هذا التفسير! وقد صحت روايتنا عن جماعة منهم: محمد بن العباس الخوارزمي، وأبو محمد بن أبي القاسم الحرضي، وأبو الحسن الرخجي، وأبو بكر الشعراني، وعدة يطول ذكرهم رووا:

إذا ما اسْتَجَبْنَ الماَء يَعْرِضُ نَفْسَهُكَرِعْنَ بِشَيْبٍ

وأقول: أن ابن جني لم يقرأ على أبي الطيب مديح ابن العميد ومديح عضد الدولة؛ لأنه لم يكن معه في حال توجهه إليهما، ولم يجتمع به بعد رحيله عنهما، وذلك إنه رجع من شيراز يريد الكوفة فقتل في الطريق فلا يؤخذ عليه ذلك من جانب الرواية، مع أن التصحيف لا يحسن بمثله لعلو قدره واشتهار فضله، وهؤلاء الجماعة الذين روى عنهم العروضي، استجبن وبشيب ينبغي أن يكونوا بارجان أو بشيراز وقد قرؤوا وسمعوا الديوان على أبي الطيب. وقد ذكرت ما ذكره من المآخذ في هذا البيت والجواب عنها في شرح ابن جني.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.