تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

قصائد أبي العشائر الحمداني (٢)

يقول: أنا جوهرة تفرح الكرام بها. يعني: إذا مدحت شريفاً يفرح بي؛ لأني أناسبه، وكل لئيم يحسدني ويراني غصة له في صدره، لقصوره عني ولازدرائي به، فنظير الأول قول الشاعر:

وكل امرىءٍ يصبوا إلى من يجانس

ونظير المصراع الثاني قول الشاعر:

والجاهلون لأهل العلم أعداء

إن الكذاب الذي أكاد بهأهون عندي من الذي نقله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

الكذاب: مصدر كذب، أو كاذبني. وروى أكايده من الكيد.

يقول: إن الكذب الذي يكيدني به حسادي، لا أبالي به، وهذا الكذب أهون وأقل وزناً من الكاذب الذي نقل هذا الكذب، ولا قدر له.

فلا مبالٍ، ولا مداجٍ، ولاوانٍ، ولا عاجزٌ ولا تكله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

المدجي: الساتر للعداوة، أي لا أدري هذا الحاسد، ولا أساتره ولا أواني. أي لست بضعيف عاجز مقصر في أمري. وروى ولا فان من قولهم: شيخ فان: أي ضعيف، ميتاً في الضعف. والتكلة: الضعيف الذي يكل أمره إلى غيره.

يقول: لا أبالي بهم لقلتهم ولا أؤاخيهم لخستهم، ولا أعجز عن مكافأتهم، ولا أستعين بأحد على نكايتهم.

ودارعٍ سفته فخر لقىًفي الملتقى والعجاج والعجله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

العجلة: السرعة. وقيل: أراد به الطين. وفي القرآن: " خلق الإنسان من عجل ". وسفته: ضربته بسيفي.

يقول: كم دارع. أي ورب دارع ضربته بالسيف عند الملتقى في الحرب فصرعته لوجهه على الغبار في الطين بسرعة.

وسامعٍ رعته بقافيةٍيحار فيها المنقح القوله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

المنقح: المهذب. وقوله: القولة أي الكثير القول. وقيل الجيد القول.

يقول: رب سامع خوفته بقصيدة حسنةٍ يتحير فيها الشاعر الفصيح المهذب لقوله وبجيد شعره.

يصف نفسه بالفصاحة وجودة الشعر.

وربما أشهد الطعام معيمن لا يساوي الخبز الذي أكله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

أشهد: فعل ما لم يسم فاعله، والطعام: مفعوله الثاني. واسمه من. كأنه يعرض بأبي العشائر بأنه لم يميزه عمن دونه.

ومعناه: أني مع فضلي ربما أواكل من لا يساوي ما يأكله من الطعام، وروى: يشهد وهو مضارع أشهد واسمه الضمير المستكن والطعام مفعوله الثاني.

ومعناه على هذا: وربما يشهد الطعام معي من لا يساوي الخبز الذي يأكله ومثله لابن بابك:

لا غرو إن جمعتنا دار مفضيةٍفالصيد يجمع بين الكلب والبازي
ويظهر الجهل بي وأعرفهوالدر درٌّ برغم من جهله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

فيه وجوه: أحدها: أن الذي أواكله يظهر أنه جاهل بي! وأنا أعرفه على خموله ومعناه كيف يجوز ألا يعرفني وأنا في الظهور كالشمس وهو خامل مغمور؟! والثاني: أني عارف بفعله إنه يظهر الجهل بي مع أنه يعرفني.

والثالث: أنا أعرف جهله بي. ثم قال: والدر در برغم من جهله وهذا مثلٌ. أي لا يضرني جهل من لا يعرف فضلي، كما أن الدر لا يحط قيمته جهل من لا يعرف قدره وقيمته.

مستحيياً من أبي العشائر أنأسحب في غير أرضه حلله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

يقول: إني إنما أحتمل معاشرة الأردياء، وأكون مع من لا يرى فضلي مستحياً منه أن أرتحل من بابه وأسحب حلله في غير أرضه ومحله.

أسحبها عنده لدى ملكٍثيابه من جليسه وجله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

قول: لدى ملك بدل من عنده. يقول: أسحب هذه الحلل عند ملك ثيابه خائفة من جليسه؛ لأنه أبداً يخلع ثيابه على من يجالسه فهي تخاف أن ينزعها ويلبسها لجليسه، لأنها لا تتشهي مفارقته تشرفاً بكونها عليه.

وبيض غلمانه كنائلهأول محمود سيبه الحمله
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

البيض: جمع أبيض، أي غلمانه البيض من جملة نائله: أي عطائه.

يعني: أنه يهب البدور والخلع والغلمان الذين يحملونها، فالحملة لنائله أول محمول إلى المعطى له.

مالي لا أمدح الحين ولاأبذل مثل الود الذي بذله

معناه: كيف لا أمدحه ولا أوده مثل ما يودني وأحبه مثل ما يحبني!؟ وجعل الممدوح ممن يحبه تعظيماً لنفسه ورفعاً لقدره.

أأخفت العين عنده خبراً؟أم بلغ الكيذبان ما أمله!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

الكيذبان: الكثير الكذب.

يقول: مالي لا أمدحه؟! ثم يقول: هل الكذاب الساعي بالنميمة بلغه أحوالي، كأنها خافية عنه. وهو معنى قوله: أأخفت العين أي أخفت عينه عنده خبري في المحبة له، أم بلغ ما كان يتمناه من فساد الحال بيني وبينه.

وقيل معناه: أخفت عيني عن قلبي خبر هذا الرجل في الإحسان إلي. وقيل أراد بالعين: الرقيب، وأنثه تشبيهاً بالعين التي هي الجارحة. أي أخفى الرقيب عنده خبري في الموالاة، فأخبره بخلاف ما أنا عليه، حتى يفسد ما بيني وبينه من الموالاة والمحبة.

أم ليس ضراب كل جمجمةٍمنخوةٍ ساعة الوغى زعله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

المنخوة: المملوءة. من النخوة، وهي الكبر. وزعلة: أي مرحة بطرة.

يقول: لم أمدحه كأنه غير شجاع يضرب في الحرب رءوس الأبطال المتكبرين الذين في رءوسهم النخوة وفي قلوبهم المرح والبطر. وقوله: ساعة الوغى ظرف لنخوه: أي منخوة حالة الحرب، ولو جعله ظرفاً لضراب لجاز أن يضرب ساعة الوغى زعلة.

وصاحب الجود ما يفارقهلو كان للجود منطقٌ عذله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

صاحب: نصب عطفاً على قوله: ضراب كل جمجمةٍ؛ لأنه خبر ليس. يعني أنه قد بلغ في السخاء حداً لو كان له لسان لعذله.

وراكب الهول ما يفترهلو كان للهول محزمٌ هزله
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المحزم: موضع الحزام. والهاء في ما يفتره للهول الأول، وفي هزله للهول الثاني، وقيل للمحزم.

يقول: هو يركب الهول ولا يفتره أي لا ينزل عنه ساعة، فلو كان الهول مركوباً يشد عليه الحزم لهزله وأذاب لحمه، من كثرة ركوبه إياه.

وفارس الأحمر المكلل فيطيىءٍ المشرع القنا قبله
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الأحمر: فرسه الذي ركبه يوم وقعته بأنطاكية، والمكلل: بكسر اللام الأولى هو الحاد الماضي، فإن جررته فهو صفة للفرس وإن نصبته فهو صفة للممدوح وإن فتحت اللام الأولى وجررته فهو صفة للفارس. أي الملك المتوج، وإن نصبته فهو صفة للفرس وهو الذي على رأسه شبه الإكليل. والقنا، وإن كان جمعاً قد ذكر حيث قال: المشرع القنا لأنه أراد به الجنس. وروى المشرع فعلى هذا يكون صفة لطيىءٍ إنه كان فارس هذا الفرس في وقت إشراع الرماح قبله.

لما رأت وجهه خيولهمأقسم بالله لا رأت كفله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

الهاء في كفله للممدوح. وقيل: إنه راجع للأحمر المكلل وهو الفرس..

يقول: لما رأت خيول الأعداء وجهه أقسم هو بالله ألا يولي ولا ينهزم، فلا يروا له قفاً.

فأكبروا فعله وأصغرهأكبر من فعله الذي فعله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

روى: أصغر بفتح الراء على الفعل الماضي، وفاعله أبو العشائر. وأكبر على هذا خبر ابتداء محذوف. أي: هو أكبر. وقيل: إنه مبتدأ والذي خبره. والمعنى: أنهم استعظموا فعله واستصغره هو، ثم قال: هو أكبر من فعله. أي هو أعظم من فعله وإن كان عظيماً وكل فعل عظيم ففاعله أعظم منه كما قال أبو تمام:

أعاذلتي ما أحسن الليل مركباًوأحسن منه في الملمات راكبه

أي أصغره على المبالغة فيكون أصغر مبتدأ وما بعده خبر له. ومعناه أنهم استكبروا فعله، وأصغره ما يفعله هو أكبر من فعله الذي فعله عندهم فاستكبروه.

القاتل الواصل الكميل فلابعض جميلٍ عن بعضه شغله
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الكميل: المبالغة في الكامل.

يقول: هو يقتل أعداءه، ويصل أولياءه، وإنه كامل الفضل فيهما، فبعض فعله في الجميل لا يشغله عن بعض، بل يحسن في حال القتال وغيره.

فواهبٌ والرماح تشجرهوطاعنٌ والهبات متصله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

تشجره: أي تدخله. يعني أنه هو يهب أمواله، ويطاعن أعداءه في وقت واحد، فلا الحرب تشغله عن الجود ولا الجود يشغله عن الحرب.

وهذا تفسير للبيت الذي قبله.

وكلما آمن البلاد سرىوكلما خيف منزلٌ نزله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

آمن: أي وجدها آمنة. وقيل معناه: كلما وافى بلداً أمن من الحرب، وسار من هناك إلى بلد آخر يفتحه، وكلما خيف منزل: إما من الدعار، أو من الأعداء نزله فأزال الخوف عنه.

وكلما جاهر العدو ضحىًأمكن حتى كأنه ختله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

الختل: الخديعة. أي إذا قصد عدوه مجاهرة أمكن منه، حتى كأنه أتاه غفلة منه، فمجاهرته تقوم مقام ختل غيره.

يحتقر البيض واللدان إذاشن عليه الدلاص أو نثله
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اللدان: الرماح اللينة. الواحد لدن. وشن الدرع: إذا صبها على بدنه. والدلاص: الدرع الصافية البراقة. ونثل الدرع، وشنها، وأفرغها، وصبها: إذا لبسها. وذكر الضمير في قوله: نثله وإن عاد للدرع؛ لأن الذرع يذكر ويؤنث يقول: إذا لبس درعه لا يبالي السيوف والرماح وغيرها.

قد هذبت فهمه الفقاهة ليوهذبت شعري الفصاحة له
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

الفقاهة: الفطنة والعلم بغوامض الأمور.

يقول: فقاهتي في الشعر وعلمي بغوامض المعاني هذبت فهم الممدوح، وبصرته جودة الشعر من رداءته، حتى لا يستحسن شعراً هو دون شعري، وكذلك فصاحته هذبت شعري، وحملتني على التحفظ فيه، وتنقيحة حتى جاء مهذباً من كل عيب ومثله لأبي تمام:

ولذاك شعري فيك قد سمعوا بهسحرٌ وأشعاري لهم أشعار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»
فصرت كالسيف حامداً يدهما يحمد السيف كل من حمله
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لما علمت بفصاحته، تأنقت في شعري، وهذبت ألفاظه، فصارت فصاحته سبباً إلى تجويد شعري، كما كان جودة ضربه وقوة ساعده سبباً لإظهار حد سيفه، فصار سيفه حامداً له حيث أظهر جودته، ثم قال: ما يحمد السيف كل من حمله يعني: أن السيف إذا كان في يد من لا يحسن الضرب نبا إن كان ماضياً، وإنما يعمل في يد الحاذق بتصريفه فلا يحمد السيف دون من لا يحسن الضرب به.

وجلس معه ليلة على الشراب فنهض لينصرف وقت انصرافه، فسأله الجلوس فجلس، فخلع عليه ثياباً نفيسة، ثم نهض لينصرف فسأله الجلوس فجلس، فأمر له بثمن جارية فحمل إليه، ونهض لينصرف، فسأله الجلوس بقود مهرة إليه، فقال له ابن الطوسي الكاتب: لا تبرحن الليلة يا أبا الطيب فأجابه:

أعن إذني تهب الريح رهواًويسري كلما شئت الغمام؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعن إذني تهب الريح رهوا»
ولكن الغمام له طباعٌتبجسه بها وكذا الكرام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعن إذني تهب الريح رهوا»

يقول جواباً لذلك: لا أنصرف استزادةً مني لهباته، ليس عن أمري ولا كان طلبي من الرجل، إن ما ترى من جود الأمير ورجوليته، كرم طبعه يدعو إليه. كما أن الغمام ليسح ماؤه لطبعه، دون أن يبعثه عليه باعث، ولا يقدر أحد أن يحبس مطره، فكذلك هذا الرجل لا يمكنه أن يمتنع عن العطاء، لأن الله تعالى فطره على ذلك وروى: تبجسه بها ولها والهاء: للطباع وفي تبجسه للغمام.

وأراد أبو العشائر سفراً فقال أبو الطيب يودعه:

الناس ما لم يروك أشباهوالدهر لفظٌ وأنت معناه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»

المصراع الأول له معنيان أحدهما: أن الناس إذا لم تكن فيهم متساوون ليس لواحد منهم فضل على صاحبه، فإذا حضرتهم فضلتهم فتفاوتوا بك، فصاروا المفضولين وأنت الأفضل. والثاني: أن الناس ما لم يروك فهم سواء، فإذا رأوك تفاضلوا في أقدارهم، فكل من رآك أكثر فهو أشرف، وكل من قربت منزلته منك فهو أفضل.

يريد: أن الناس إذا رأوه تعلموا أسباب الرياسة منه، واهتدوا بأفعاله إلى المكارم، فمن صحبه أكثر كان إلى السيادة أقرب.

وأما المصراع الثاني فمعناه: أن الأفعال التي تنسب إلى الدهر من إعزاز وإذلال، وإحسان وإساءة، إنما هي عبارة عنه وإنها تنسب إليه بالقول، وإلا في الحقيقة فأنت فاعلها والمعني بها، لأنك تفعل ذلك دون الدهر.

والجود عينٌ وأنت ناظرهاوالبأس باعٌ وفيك يمناه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: قوام الجود بك، كما أن العين بناظرها. والبأس: وهي الشجاعة، قوامها بك، ووجودها بسببك، كما أن الباع بطشه وفضله في اليد اليمنى.

أفدي الذي كل مأزقٍ حرجٍأغبر فرسانه تحاماه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»
أعلى قناة الحسين أوسطهافيه وأعلى الكمي رجلاه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»

الحرج: الضيق. المأزق: المضيق في الحرب. والأغبر: المظلم الذي عليه غبرة. وتحاماه: تجنبه. والهاء في فيه ترجع إلى المأزق. وقيل: إلى الذي وقوله: كل مأزق مبتدأ، وأغبر في موضع جر، صفة لمأزق، وإن شئت رفعته فيكون صفة لكل، وفرسان مبتدأ آخر، وتحاماه خبره، وهذه الجملة صفة لمأزق، ولكل. والهاء في فرسانه تعود إلى المأزق وكذلك في فيه.

يقول: أفدي الفارس الذي إذا حصل في مضيقٍ أغبره. يحذر منه الفرسان ويتركونه، ويكون أعلى رمحه في ذلك المأزق أوسطه؛ لأنه يكثره بكثرة الطعن حتى يصير وسطه أعلاه، أو يثنيه إذا طعن فارساً فيصير أعلاه أسفله وكذلك ينكس الفارس الشجاع عن فرسه، فيكون رجلاه فوقه وأعلاه، أو ينتفخ بعد قتله إياه وترتفع رجلاه فوقه. وما بعد قوله: الذي إلى آخره، داخل في صفة الذي وموضعه نصب بأفدي، أي أفدي الذي هذه صفته.

تنشد أثوابنا مدائحهبألسنٍ ما لهن أفواه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»

يقول: إن أثوابنا تنشد مدائحه، من حي إن الناس إذا رأوها علينا علموا أنها من خلعه، حتى لو لم نشكر له لأعلنت هذه الثياب بمدحه.

والثاني: هو أن لأثوابنا التي خلعها علينا صوتاً لجدتها، فهذا الصوت كإنشادها مدائحه. ذكره ابن جنى.

إذا مررنا على الأصم بهاأغنته عن مسمعيه عيناه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»

هذا يؤكد المعنى الذي بدأنا بذكره. يعني أن هذه الثياب إذا مررنا بها على الأصم، فمتى رآها علم أنها من خلعه، فأغنته عيناه عن أذنيه.

سبحان من خار للكواكب بالبعد ولو نلن كن جدواه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»

نلن: أي أدركن وهو فعل ما لم يسم فاعله.

وحكى ابن جنى عن المتنبي: أنه كان يشير إلى الضمة رفعاً للالتباس بين فعلن وفعلن وقوله خار: أي جعل لها الخيرة.

يقول: لو نيلت هذه النجوم، لكانت يده تصل إليها وتجعلها من جملة عطاياه، ولكن الله تعالى بعدها منه خيرةً لها.

لو كان ضوء الشموس في يدهلضاعه جوده وأفناه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ضاعه: أي فرقه.

يقول: لو كان ضوء الشمس في يده لفرقته هباته. وروى: أضاعه جوده أي ضيعه من الضياع.

يا راحلاً كل من يودعهمودعٌ دينه ودنياه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»

يقول: إن الدين والدنيا معك، فإذا فارقناك فارقنا ديننا ودنيانا بفراقك.

إن كان فيما نراه من كرمٍفيك مزيدٌ فزادك الله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»

روى: من كرم ومن حسن.

يقول: لا مزيد على ما نلت من كرم في عقولنا، فإن كان في الكرم مزيد خفي علينا، فبلغك الله إليه، وأنا لك مرادك منه.

فقال قوم لأبي العشائر إنه ما كناك وإنما تعرف بكنيتك فقال:

قالوا ألم تكنه؟! فقلت لهمذلك عيٌّ إذا وصفناه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا ألم تكنه فقلت لهم»

أي قالوا: لم لا تذكر كنيته؟ فقلت لهم: إذا وصفته فذكر الكنية عي؛ لأن أوصافه تغني عن ذكرها، إذ لا يوجد في غيره ما فيه من الأوصاف. وهذا مثل قوله في مرثية أخت سيف الدولة:

ومن يصفك فقد سماك للعرب

لا يتوقى أبو العشائر منليس معاني الورى بمعناه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى: من لبس فيكون نكرة. يعني: لا يتوقى رجلاً لبس معناه بمعاني الخلق، فيشاركه في هذا الوصف فيحتاج إلى تكنية، ليفصل بينهما. وروى: من ليس ومعنى البيت: أن الرجل إنما يذكر باسمه وكنيته لتميزه عن غيره، ومعاني أبي العشائر مخالفة لمعاني الناس فإذا وصف تميز عن غيره ولم يخف أن يلبس به غيره، لأنه لا يشاركه أحد في أوصافه فيحتاج إلى تمييز عنه بالكنية.

أفرس من تسبح الجياد بهوليس إلا الحديد أمواه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا ألم تكنه فقلت لهم»

يجوز نصب الحديد للضرورة؛ لأنها معرفه واسمه: أمواه، وهي نكرة. ويجوز أن تجعل خبر ليس محذوفاً، فتنصب الحديد على الاستثناء. المقدم. كأنه قال: وليس في الأرض أمواه إلا الحديد، فلما قدمه نصبه.

يقول: هو أفرس رجل تسبح به الجياد، ولما جعلها تسبح، جعل الماء الذي تسبح فيه الحديد، وهو الدروع والسلاح.

وأخرج إليه جوشناً حسناً أراه إياه بميا فارقين فقال يمدحه:

به وبمثله شق الصفوفوزلت عن مباشرها الحتوف
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

زلت: أي زلقت. والهاء في مباشرها للصفوف، ويجوز أن يكون للحتوف أي زلت الحتوف عن مباشرها.

يقول: بهذا الجوشن وبأمثاله تشق الصفوف في الحرب، ويندفع الموت عنه عند مصادقة الأقران والشجعان.

فدعه لقىً فإنك من كرامٍجواشنها الأسنة والسيوف
للشاعر المتنبي، من قصيدة «به وبمثله شق الصفوف»

يقول: دع هذا الجوشن مطروحاً، فإنك من قوم كرام ليس لهم جواشن إلا السيوف والرماح.

وضرب لأبي العشائر مضرب بميافارقين على الطريق، فكثر غاشيه وسائله، فقال له إنسان: جعلت مضربك على الطريق؟ فقال أبو العشائر أحب يا أبا الطيب أن تذكر هذا، فأنشد أبو الطيب قائلاً:

لام أناسٌ أبا العشائر فيجود يديه بالعين والورق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لام أناس أبا العشائر في»

أي: قد لام بعض الناس أبا العشائر في بذله الدراهم والدنانير على الناس.

وإنما قيل: لم خلقت كذا؟!وخالق الخلق خالق الخلق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لام أناس أبا العشائر في»

يقول: من لامه على جوده بمنزلة من قال: لم خلقت كذا؟! لأنه طبع عليه ولا يمكنه الانفكاك منه، والله تعالى كما خلق الإنسان خلق له خلقاً، وما كان من فعل الله تعالى فلا سؤال فيه على العبد، ولا لوم عليه إذ لا فعل له فيه.

قالوا: ألم تكفه سماحتهحتى بنى بيته على الطرق؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لام أناس أبا العشائر في»

أي لاموه على جوده وقالوا: ألم يكفه ما فيه من الجود والسماحة حتى ضرب بيته على الطريق ليقصده كل وارد؟! فأجاب عن ذلك بقوله:

فقلت: إن الفتى شجاعتهتريه في الشح صورة الفرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لام أناس أبا العشائر في»

أي فقلت لهم: إن الفتى الشجاع يرى الشح كالفرق: وهو الجبن، فيجتنبه كما يجتنب الجبن؛ لأن البخيل إنما يبخل بماله خوف الفقر، فهو يقوم عليه كما يقوم على أمر مخوف، فكأنه يقول: إن السخي لتيقنه بالعوض، يسمح بما عنده فيرى البخل من الجبن.

بضرب هام الكماة تم لهكسب الذي يكسبون بالملق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لام أناس أبا العشائر في»

يقول: إن ما يكسبه أعداؤه بالملق والخديعة، يأخذه هو بسيفه؛ لأنه يضرب رءوسهم ويغير على أموالهم.

معناه: أن ما يأخذونه بالسؤال والملق حصل له بتقبيل الأيادي؛ لأن شجاعته معه، وفي أعدائه كثرة، فإن ذهب ما في يده رجع إلى أعدائه وغار عليهم واكتسب أموالهم.

وقيل: هو ملك يضرب هام الشجعان، وماله قليل، مثل مال من يكسب في الملق، لتسلط الجود عليه وتركه لادخار الأموال.

كن لجةً أيها السماح فقدآمنه سيفه من الغرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لام أناس أبا العشائر في»

يخاطب السماح ويقول له: كن أعظم ماشئت، فإن الممدوح لا يخشى أن يفرق ماله، لأن سيفه قد أمنه من ذلك، لأنه كلما نفذ ماله أخلف عليه سيفه مثله وأكثر منه، من مال أعدائه. والهاء في منه وسيفه للممدوح.

وانتسب له أي لأبي العشائر بعض من رماه أي المتنبي على باب سيف الدولة في الليلة التي نشرحها بعد قوله:

وأحر قلباه ممن قلبه شيم

وانتسب إلى أبي العشائر وذكر أنه هو الذي أمرهم بذلك فقال أبو الطيب:

ومنتسبٍ عندي إلى من أحبهوللنبل حولي من يديه حفيف
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنتسب عندي إلى من أحبه»

حفيف النبل: صوته.

يقول: رب رام قصدني سهامه، وانتسب إلى من أحبه وقت رميه، وأنا أسمع حولي حفيف نبله.

فهيج من شوقي وما من مذلةٍحننت ولكن الكريم ألوف
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنتسب عندي إلى من أحبه»

يقول: لما ذكر لي أبا العشائر هيج شوقي إليه، ولم يكن حنيني إليه من ذل أو حزن، ولكني ألوفٌ، والكريم يألف إلى من أحسن إليه.

وكل ودادٍ لا يدوم على الأذىدوام ودادي للحسين ضعيف
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنتسب عندي إلى من أحبه»

يقول: كل وداد لا يكون دائماً على الأذى ممن يؤذيه، كما دام ودادي لأبي العشائر، فهو ود ضعيف.

فإن يكن الفعل الذي ساء واحداًفأفعاله اللائي سررن ألوف
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنتسب عندي إلى من أحبه»

يقول: إن ساءني فعله مرة، فالذي سرني من أفعاله المواضي وأياديه السوالف، ألوف.

ونفسي له نفسي الفداء لنفسهولكن بعض المالكين عنيف
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنتسب عندي إلى من أحبه»

العنيف: ضد الرفيق. يقول: نفسي له. أي أنا عبده فليصنع بي ما أحب! ثم قال: نفسي فداء له. ثم عرض به فقال: ولكن بعض المالكين عنيف أي أنه لما ملك عنف عليها، وأراد إتلافها وكان حقه أن يرفق بها.

تمت الشاميات

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.