من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الباب الثالث في نوابغ بلغاء الروم (٢)
ذو الهمة التي همت بالدهر إذ تصرف في الاحرار بصروفه، والعزمة التي عزمت على تسكين دور دوائر حتوفه.
الذي تصهر باستبعاده الأحرار من عزمهم غصناً وريقا، وتسنم من سبح الجلالة والجبروت مكاناً وثيقا.
متى استنجد تنمر تنمر الليث، أو استغيث تشمر تشمر البطل عند الغيث.
يكاد سنا برق سطوته يذهب بالأبصار، وتكاد صواعق دولته تخرب المدائن والأمصار.
وإن شيم برق حلمه في خلال جون معارضات عوارضه، فالمستغر بوميضه كمن اغتر في الأحقاف بعارضه.
كم أوجف أقدام قربه بالجبان، إلى مساقط الحرب العوان.
وكم روى سويد بن البنان، من دماء الغطارفة الشجعان.
يتكسَّب القصَبُ الضعيفُ بخطِّهشَرفاً على صُمِّ الرماحِ ومَفْخَرَا
لقد أطال إلى سمك السماكين باعا، ومد إلى جر مجرة الفرقدين ذراعا.
فتغنى بمديحه غير الغريد، وملأت مهابته قلب كل قريب وبعيد.
بعث الرعبَ في قلوبِ الأعادِيفكأنَّ القتالَ قبلَ التَّلاقِي
وتكاد الظُّبَا إذا جاشَ غَيْظاًتَنْتضِي نفسَها إلى الأعناقِ
كرمٌ خَشَّنَ الجوانبَ منهفهْو كالماءِ في الشِّفارِ الرِّقَاقِ
ومَعالٍ إذا ادَّعاها سِواهُلزِمتْه جِنايةُ السُّرَّاقِ
هو لعمري المقدم الذي لا يجارى في مضمار، ولا يساوى عذار جواد سؤدده بعذار.
لقد تقلد بفخره حساماً لا تنبو مضاربه، وتخوذ من عرضه بيضةً يعجز عن قرعها مضاربه.
فمن رام وطء حرمه بنقصٍ ملته البقيا، ومن اصطلى بناره أتيح له منها شوبٌ لا يموت فيها ولا يحيى.
أعزُّ مُغالبٍ كفّاً وسيْفاًومقدرةً ومَحْمِيةً وآلاَ
وأشرفُ فاخرٍ نفساً وقوماًوأكرمُ مُنْتمٍ عَمّاً وخالاَ
كلا والله، لست صادقاً في قالي، ولا مصيباً تلك الرمية بنبال مقالي.
لأني لا أرتضي له من جميل المدح مدحَا، ولا أستطيع لمتن حسن ثنائه شرحَا.
إذ المدح وسيلةٌ لأن يعتقد في الناقص الكمال، والثناء ذريعةٌ إلى تخيل الجميل في غير ذي الجمال.
فأكون كالأعشى إذا مدح محلقا فغدا بعد خموله إلى شأو العلى محلقا.
وهو فقد ملك السيادة مقاداً ذليلا، وأضح له صعب الفخار ذلولا.
وجل عن مذهب المديح فقد كاد يكون المديح فيه هجاء، فأكبر بشأنه، وأعظم بمكانه.
هو الذي بذ فلا يدرك، وشذ في عصره فلا يشرك.
وأي مقال ينبي عن مغنى فضله، وأي إرقالٍ ينتهي إلى مداه وخصله.
لو أرخى عنان جواد الثنا، في ميدان المدح والثنا، لوجب من غلو الوصف المندوح، تكفير المادح والممدوح.
لكن قد زحم جماح غلوه، واستنزه جلمود علوه.
واستقصر مدى جريته، دون التمادي في مريته.
على سرد بعض منتقى أوصافه الفاخرة، ووصف فيض ملتقى بحر علومه الزاخرة.
عَلامةُ العلماءِ والبحرُ الذيلا ينتهي ولكل لُجٍ ساحلُ
يدْرِي بما بِكَ قبلَ تُظهِرُهُ لهمن ذهنِه ويُجيب قبلَ تُسائلُ
وتراه معترضاً لنا ومُولِّياًأحْداقُنا وتحارُ حين يُقابلُ
كلماتُه قُضُب وهنَّ فواصلٌكلُّ الضَّرائبِ تحتهنَّ مَفاصلُ
مقطعاته كالسحر الحلال، والسلسبيل السلسال.
والمثل السائر، والنادر المنجد والغائر.
لا يمكن الاحتذاء على مثالها، ولا تطول أعناق الهمم إلى مثالها.
إن شبه فالمعتزيات واجمة، أو أغرب فالمغربات راغمة.
ذو الأخلاق الأريحية، والأحكام الشريحية.
والشجاعة العنترية، والنصائح البحترية.
من هو في الزهد كأويس، وفي الحلم كالأحنف بن قيس.
إياس الزكن، عريٌّ عن اللحن واللكن.
كان قدما أبوه في العلم والزهد يساوي سميه زكريا، فاقتفى أثره وأربى عليه وله صار وارثاً ووليا.
أنهي إليك أيها المولى الباذخ فخاره، الشامخ على النجم مناره.
أن هذا بعض ما أدركه أسير امتهانك، وهدف سهام امتحانك.
من بعض أوصاف حميد شيمك، التي حويتها بعلي هممك.
التي أفحمت كل معارض يجارى، وأوجمت كل معاندٍ يمارى.
ورجمت مناويك بشواظٍ من نار، وألجمت كل ذي لسنٍ يقاويك بلجام العي والبوار.
فكيف أقوى بعد جرمي بها، وتحقق وهمي فيها، على سل مرهف المقال، والتجاسر في حضرتك على إطلاق عنان المقال.
مع علمي بصلود قدحي، ومعرفتي وسم قدحي.
وإني إن جعلت نفسي لسهام سطوتك هدفا، أوردتها من وخيم مناهل بطشك تلفا.
ثم لا أجد لي من الانتساب إلى معرفة جنابك شافعا، ولا من الانتماء إلى خدمة أعتابك عن أليم عقابك دافعا.
وما عسى أن أقول، وعلى أي قرنٍ أصول.
وأنت سحبان وائل، وأنا أعيى من باقل.
ولقد عُرِفتَ وما عُرِفت حقيقةًولقد جُهِلتَ وما جُهِلت خُمولاَ
ما كلُّ من طَلب المعالي نافِذاًفيها وما كلُّ الرجال فُحولاَ
والرسالة التي تقوم بعدة رسائل، هو ما قال القائل:
تأخَّرتُ أستبقي الحياةَ فلم أجدْلنفسِي حياةً مثل أن أتقدَّمَا
فلستُ بمُبْتاعِ الحياة بذلَّةٍولا مُرْتَقٍ من خشْية الموت سُلَّمَا
وكنت برهةً طالما اقتدحت زناد فكري، في وصف معاليك فما قدح، واستصدحت عندليب شعري، في وصف مساعيك فما صدح.
فأصبحت من زخارف آمالي، وزيف نقود أعمالي، على ركية جفت مذانبها، وروضةٍ اغبرت جوانبها.
وصرت الآن كقطاةٍ لم يعلق لها جناح، علق بها من جأشك لا من الأيام جناح.
ونصبت لها في حرمك الأشراك، وأعوزها البشام والأراك.
والذي حول حمالي، وهيج بلابل بلبالي.
هو ما أنا شارحه، وبين يديك الكريمتين طارحه.
سمعتُ حديثاً ما سمعتُ بمثلِهفأكثرتُ فيه فِكرتي وتعجُّبِي
وها أنا أُلْقيه إليك مُفصَّلاًفدونك فاسْمعْ ما يسرُّك واطْرَبِ
وذلك أنا صادفنا خلسةً من خلس الاتفاق، في مجلس بعض الموالي الرفاق.
الذين حضور مجالسهم شرف دهر، واستئناف عمر، ورفعة قدر.
والذين هم عيون أعيان أصدقائك، وأجل جلة محبيك وأخلائك.
نتنافث فيه رقى الأشعار، ونتساجل من فقرها ما يفعل في العقول فعل الأسحار.
ونتفاوض منها في المحكم والمتشابه، والشرط الذي لا يحسن القريض إلا به.
مع سادةٍ هم لعمري نجوم الفضل والأدب، وبدور الحسب والنسب.
فبينما نحن نجول في تلك الحلبة، ونرتشف من مخض تلك الحلبة.
إذ سقط علينا من السما، وفاجأنا من العما، من أسكرته حميا قربك، وأقعس منكبيه كونه من حزبك.
فهو لا يرتضي غير حاله حالا، ولا يعد غير قاله قالا.
فجعل ينص لنا من مخدرات أبكار أفكاره، ويجلو علينا من قاصرات نظامه ونثاره.
ما زعم أنهن كاللؤلؤ والمرجان، لم يطمثهن إنسٌ قبله ولا جان.
ولنا القولُ وهو أدْرَى بفحْواهُ وأهدى فيه إلى الإعجازِ
ومن الناسِ من يمُرُّ عليهشعراءٌ كأنها الخَازِبَازِ
فاعتقدنا ما اعتقدنا، ونقدنا ما نقدنا.
وأقمنا لبضاعة قريضه سوقا، ونهجنا للأخذ والعطاء فيه طريقا.
فرأينا النقاوة فانتقيناها، واريناه النفاوة التي انتفيناها.
فأوتر لذلك قوس غضبه بوتر المثالب، ورمى المملوك من تعنته بكل سهم صائب.
وتكشف عن خلق ليس بينه وبين الجميل نسب، ولا له إلى التثبت طريقٌ ولا مذهب.
وهو بسيف تعسفه صائل، ولم يعلم قول القائل:
إن بِعضاً من القَرِيض هُراءٌليس شيئاً وبعضُه إحكامُ
منه ما تجلِبُ البراعةُ والفضْلُ ومنه ما يجلبُ البِرْسَامُ
فلما رأى أني لست ممن تغتاله غوائله، ويصطاد في حبائله.
وأني وإن طلبت للشعر عيباً ألفيته، وإن كافحني قرنٌ لقيته.
وأنه إنما تخضع الرقاب لمن وجدت فيه فضلا، وتنقل الأقدام إلى من كان للزيارة أهلا.
فأضرب عن المجادلة صفحا، وسحب ذيل تناسيه على رسم المساجلة مرحا.
ثم لما ودعنا، وغاب شخصه عنا.
حملناه على أحسن محمل، ونسبناه إلى ما هو من الجميل أجمل.
ولم نعلم أنه ركض علينا في ميدان حضرتك، ووضع قدم قوله حيث شاء من الملام في سدتك.
وما لكلام الناس فيما يَرِيبُنِيأصولٌ ولا للقائلين أصولُ
أُعادَى على ما يُوجِب الحبَّ للفتىوأهدأُ والأفكارُ فِيَّ تجُولُ
فلم أشعر إلا منذراً إيعاد مولاي علاه لدى الباب، يذكر ما حصل لجنابه من التحمل والاضطراب.
فيا لله العجب كيف أصغي للنميمة، وبالغ كل المبالغة في الشتيمة.
ولم يلهم أن الروايات تمر وتعذب، والحكايات قد تصدق وتكذب.
ولم أرَ في عيوبِ الناسِ عيباًكنقْصِ القادرين على التَّمامِ
وربما صدق مولانا ما نقل إليه، وما عرض من الافتراء عليه.
من أني استهجنت شعره الرائق، واستوجمت نثره الفائق.
أو من تقدمه من متقدمي هذه الصناعة، وجالبي هذه البضاعة.
من كل من إذا رام اقتناص نوادر بديعية ابتدعها، أو غاص في بحار المعاني على جواهر اختراعية اخترعها.
أو قال أبياتا أبرزها غررا، أو نظم فقراً جعلها دررا.
وأنا أعيذ سيدي أن ينظر الذنب الخفي، أو يتغافل عن العذر الجلي.
تطيعُ الحاسدينَ وأنت امرؤٌجُعِلتُ فِداؤُه وهُم فدائِي
أأنطِق فيك هُجْراً بعد عِلْميبأنك خيرُ مَن تحت السماءِ
وهَبْني قلتُ هذا الصبحُ ليلٌأيَعْمَى العالَمونُ عن الضِّياءِ
وإنما طريق العلم نهجً تستوي فيه الأقدام، ومورد الفضل مشرعٌ تتشارك فيه الأفهام.
ولكني أقول:
أرى المُتشاعِرين غَرُوا بذَمِّيومَن ذا يحمَد الداءَ العُضالاَ
ومن يكُ ذا فمٍ مُرٍ مريضٍيجدْ مُرّاً به الماءَ الزُّلالاَ
فوالذي حرم وطء حرم الأعراض، وعظم أجر غرض أسهم الأغراض.
ما يليق بشأنك، ولا يحسن بعلو مكانك.
أن تكون خفيف ركاب الغضب والرضا، أو تكون رخيص مهر الحب والقلى.
وأن تسارع إلى شنيع العتب، أو تسلف العقوبة قبل ارتكاب الذنب.
ولقد عجبت كل العجب حيث لم تدرك الصواب، في تعيين بشاعة الجزاء. وشناعة العقاب.
وأنت المشهور بالصواب في أحكامك، والمعروف بإصابة اليقين بسهام أوهامك.
وفي حل عقد المشاكل، كما قال القائل:
قاضٍ إذا الْتَبس الأمْرانِ عَنَّ لهرأيٌ يُخلِّص بين الماءِ واللبنِ
الفاصلُ الحكمَ عَيَّ الأوَّلون بهوالمُظهِر الحقَّ للسَّاهِي على الذَّهِنِ
فلو عرفت وجه سخطك، وتبينت موجب شططك.
لتحملت دونك الوزر في ظلمي، ولكنت مقدمتك إلى سبي وذمي.
ولأزمعت أن أضع نفسي في الكفة التي وضعتني فيها، وأن أنزلها في المنزلة التي أهلتني لها.
لعلمي أن حكومتك لا تنقض، وحجتك لا تدحض.
لكن يتواضع الليث لصيد الأنب، وافتراس الثعلب.
وإن كان يصطاد الفيل، ويفترس العندبيل.
حسبُك اللهُ ما تضلُّ عن الحقِّولا يَهْتدي إليك أَثامُ
لم لَمْ تحْذَرِ العواقبَ في غَيْرِ الدَّنايا وما عليك حَرامُ
والعقاب الذي حكم به مولانا على عبده مرضي، وقضاؤه على مملوك رقه مقضي.
لكن حيث كان الخوض في شعر الناقل محصورا، والنقد على زيوف محصول ديوانه مقصورا.
لو قصرتم السبب على ذلك المسبب، لكان أظهر للإعلال وأنسب.
بشأن الحب أن ذلك العنوان، ليس إلا في شأن ذلك الديوان.
وليعلم الخاص والعام، ويتحدث في المحافل عاماً بعد عام.
بأن مولانا لم يخط في حكمه ثغرة السداد، ولم يزغ برسمه عن شريعة الرشاد.
فلعمري لقد جاءني الداء، من مظنة الدواء.
وكنت أعددت مولاي لكل مطلوب جناحا، ولظلمات الخطوب مصباحا.
قد كنتَ عُدَّتِيَ التي أرْمي بهاويدي إذا اشْتَدَّ الزمانُ وساعِدِي
فرُمِيتُ منك بضدِّ ما أمَّلْتُهوالمرءُ يشْرَق بالزُّلالِ الباردِ
أقول ذلك إجلالاً واحتراما، لا اختباراً واستفهاما.
فإن الأمور بيد الله، والأرزاق في خزانة الله.
قد لَعَمْرِي أقْصرتُ عنك وللوَفْدِ ازْدِحامٌ وللْعطاءِ ازْدحامُ
ومن الرُّشدِ لم أزُرْك على القُربِ على البُعدِ يُعرَف الإلْمامُ
لي والله يا سيدي قلبٌ لا تقلبه السراء ولا الضراء، وعرضٌ غير ملوم لا يدنسه المراء.
طالما نطقت بلسانٍ تشبه خلقته خلقة إنسان، ونمقت بكلمٍ كأن لسانه لسان السنان.
لا يعثر جوادهما في مضمار الكلام، وصلت بحسام همة لا ينبو شباه عن ضرب أعناق المرام.
لم أوجد بحمد الله تعالى كاسد الشعر، رخيص السعر.
نزر الكلام، كسلان الأقلام.
غافلاً عما هو من الحقوق متعدٍ أو لازم، جاهلاً بما هو للأنفة محرك أو جازم.
وما الحداثةُ من ِحلْمٍ بمانعةٍقد يُوجَد الحلمُ في الشُّبَّانِ والشِّيبِ
فليتك يا سيدي ومولاي تقول:
إنِّي امرؤٌ لا يعْترِي خُلُقِيدَنَسٌ يُكدِّرهُ ولا أفَنُ
وكل هذا لا يساوي هذا الملق، ولا يستغرق السجع الملفق.
وإن تيقنت أبقاك الله جميع ما نقل عني، أو زعمت أنه صدر مني.
فطالما كانت الهفوة عند الكريم سبباً لجميل الرجعي، والنبوة سلماً عند الحليم إلى كريم العتبى.
والصلة بعد القطيعة أبقى، والود بعد النفرة أخلص وأصفى.
ولطالما انكسرت المودة فانجبرت، وانقلبت الأحوال بعد ما أدبرت.
فليس لما صدر تربةٌ تحتمل غراسا، ولا قرارةٌ تسع أساسا.
والكذب عائدٌ على من حكاه، والغلط مردود على من رواه.
فإنه صيرفي دراهم، لا صيرفي مكارم.
وإنما هو تاجر قيل وقال، لا تاجر مقال وأفعال.
دعونِيَ والواشِي فها أنا حاضرٌوصوتِيَ مرفوعٌ ووجهيَ بارِزُ
والمرء أقصر ما تكون بنانه، إذا طال لسانه.
وإنما يتلمظ بحلاوة العرس، من احتمل مهر العرس.
أنَفُ الكريمِ من الدَّنِيَّةِ تاركٌفي عينِه العددَ الكثيرَ قليلاَ
والعارُ مَضَّاضٌ وليس بخائفٍمن حَتْفِه مَن خاف مهما قيلاَ
ولئن عاد إلى التعريض، والادعاء في إجادة القريض.
لم أدع في لساني فضلةً إلا أحضرتها، ولا في قلبي سجعةً إلا نثرتها.
ليعلم أن الكريم من أكرم الأحرار، واللئيم من ازدرى بالأخيار.
وأن الرياسة، حيث النفاسة.
وأني ممن إذا رمى صاد، وإذا قال أجاد.
وأن الحر إذا جرح أسا، وإذا خرق رفا.
ومن بسط عذر الأيام، فقد بسط عذر الأنام.
ومن جهل المتاع، فلينظر المبتاع.
جعل الله أوقات مولانا صافيةً من الكدر، خالصةً من الغير.
ومساعيه محمودة الأثر، وعلومه زاكية الثمر.
إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
أيا عاتباً لا أحمِلُ الدهرَ عَتْبَهعليَّ ولا عندي لأنْعُمِه جَحْدُ
سأسكتُ إجلالاً لعلمِك إننيإذا لم تكن خَصْمِي لِيَ اللُّجَجُ اللُّدُّ
ومن شعره النقي، ما كتبه لبعض أحبابه في صدر رسالة:
أيها السيدُ الذي أنا عبدُهْوالذي أنطَق المدائحَ مجدُهْ
لي إلى وجهِك الجميلِ غرامٌفي يديْه عَفْوُ اشْتياقي وكَدُّهْ
أنا إن زرتَ أو تخلَّفتَ عبدٌبل ولُبِّي صفَا وحقِّك وُدُّهْ
يستوي في الوفاءِ قُربي وبعدِيوسواءٌ قُربُ الوليِّ وبُعدُهْ
سوف أُثْنِي على مودةِ مولىًضاق عنها شكرُ الكلام وحَمدُهْ
وقوله في بعض الصدور:
حدَّثتُ باليَاسِ منك النفسَ فانصرفتْواليأسُ أحْمدُ مَرجُوعاً من الطمعِ
فكُن على ثقةٍ أنِّي على ثقةٍأن لا أُعلِّل نفسِي اليومَ بالخُدَعِ
فما يَضرُّك عندي اليومَ هجرُك لِيولستُ إن سُمْتنِي وصلاً بمُنْتَفِعِ
هجرتُ ذِكْرَك عن قلبي وعن أُذُنِيوعن لسانِي فقُل ما شئتَ أو فَدَعِ
إذا تبَاعدت قلبي عنك مُنصرِفٌفليس يُدْنِيكَ منِّي أن تكون مَعِي
ومن ظرفه قوله:
أمُعِيرُ قَوْلي أنت سمعَك مَرَّةًكَرَماً فأذكرُ إن رأيتُ فُضولاَ
والنصحُ قُرْطٌ ربما يُجْدِي الفتىفي السمعِ محمولُ النَّهِيِّ ثقيلاَ
وسواك يفهم إن عنيت بمقوليفعلى اسْتماعِك أجعلُ التَّعْويلاَ
وإذا نظرتَ وأنت عارفُ عِلّةٍلم تَعْيَ عن أن تعرف المَعْلولاَ
وكتب لبعض أخلائه:
أكلِّفُ نَسْماتِ البُكورِ تكلُّفاًبحَمْل سلامي أو ببَثِّ غرامِي
فتدْنَف مما قد تضمَّن من جَوىًوتضعُف عن أعْباءِ شرح أُوامِي
وتعثُر في الأذْيال من ثِقْلِ حملِهاويُزعجِهُا فيه لهيبُ ضِرامِي
فرّقتُها من رحمةٍ لي وطِيبُهاشَذَى مِدْحتي فيكمْ ونَشْرُ سلامِي
وكتب إليه مفتي الشام عبد الرحمن العمادي، وهو قاضٍ بطرابلس:
مولايَ أُنْسِي الذي طابتْ طَرابُلُسٌبه وأصبح فيها الوحشُ في أُنسِ
ومن غَدا فضلُه في العصرِ مُشتهرَاًكالشمِس في شَفَقٍ والصبح في غَلَسِ
أنتَ الذي فَخَر العَصرُ العصورَ بهِوقصَّرتْ كلُّ مصرٍ عن طَرابُلُسِ
قد كان لي حَرُّ أشوقٍ فضاعَفَهقُربُ الديارِ كشَبِّ النارِ بالقَبَسِ
لكن رجَوْنَا لقاءً منك يُطفئِهيا رَبِّ فاجعلْ رجانا غيرَ مُنْعكِسِ
فاجابه بقوله:
هذا كتابُك أم ذِي نفْحةُ القُدُسِيا طيَّبَ اللهُ زاكِي عَرْفِ ذَا النفَسِ
فقد حَلا كُلَّما كدَّرْتُه بفَمِيكأنه أشْنَبٌ قد جادَ باللَّعَسِ
كأنَّما كلُّ سَطْرٍ مُفْعَمٍ أدَباًغُصنٌ تُوقِّره الأثمارُ لم يَمِسِ
كأنَّهنَّ المَهارِي وِقْرُها دُرَرٌوفي سوى القلبِ والأسْماعِ لم تَطُسِ
نظمٌ بديع جِناسُ الإلتفات حَلامنه فباللهِ هذا ظَبْيةُ الأنسِ
مخائلُ السحر تبدو من دقائِقهكاللَّحْظِ أجفانُه مالتْ إلى النَّعَسِ
لنا به كلَّ وقتٍ عن سواه غِنىًفي طلعةِ الشمسِ ما يُغنِي عن القَبَسِ
تكسو المَسامعَ أشْنافاً صناعتُهوتكْتسِي صُنْعَ صَنْعاءٍ وأنْدلُسِ
فبينما نحن نَجْنِي من أزاهرِهاإذ أشْرقتْ وهْي مثلُ الزُّهْرِ في الغَلَسِ
وبينما هي تُجْلَى في طَرَابُلُسٍوالشام طَلَّتْ على مصرٍ ونابُلُسِ
أذْكَرْتني منه ما لم أنْسَه أبداًولم يزَلْ مُؤنسِي في مجلسِ الأُنُسِ
يا مَن تنزَّه عن إحْصا فضائلِههل في حسابِك أُنْسِي للعهدِ نَسِي
وإنَّني لَحفِيظٌ للوِدادِ ولوأعْياك رسمُ ودادٍ غيرُ مُنْدرِسِ
لا زلتَ عُمْدةَ أهلِ الفضلِ في صَعَدٍإلى العُلَى يا عِمادِي غَيرَ مُنْتَكِسِ
ما لِي سوى نسماتِ الشِّعرِ أبْعثُهاتحيةً لدمشق من طَرابُلُسِ
شيخ الإسلام زكريا بن بيرام مفتي الديار الرومية، والممالك العثمانية، وأجل من كل من انفتحت عن مآثره الشقائق النعمانية.
هو من جوهر الفضل مكون، وكتاب الدهر بمحاسنه معنون.
ما طلعت نجوم فتاويه إلا وأشرقت آفاق الدنيا رونقاً وابتهاجا، ولا امتطى صهوات أبحاثه إلا كان له نور الفهم على دهم الإشكال سراجاً وهاجا.
دانت له الليالي فجلى بها ظلمات الحنادس، وتدانت له سماء المعالي فاستقر بها وهو للنيرات الخمس سادس.
حتى أصبح الدهر راوياً لخبر إفادته، وناطقاً بلسان إجادته.
وقد جمع الفضائل كلها، وحوى المحاسن دقها وجلها.
ومع ذلك فهو مطلق الهمة لإسداء الهبات، مفيضٌ للمكارم على الفور والثبات.
إذا هطلت سحب إحسانه سقى الجود منه رياض المنى، طلائع إحسانه بشره كما سبق النور غض الجنى.
لم يأت من المراتب شيئاً فريا، وكفل الفضائل والفواضل كفالة زكريا.
وكان مع تبحره في المنقول والمأثور، جامعاً بين حسن المنظوم ورونق المنثور.
وله فيهما ما تقف الفصاحة عنده، وتقفو البلاغة حده.
فمن ذلك ما قرظ به طبقات التقي التميمي.
هذا كتابٌ فاق في أقْرانِهيسْبِي العقولَ بكَشْفِه وبَيانِهِ
سِفْرٌ جليلٌ عَبْقَرِيُّ فاخِرٌسحرٌ حلالٌ جاءَ من سَحْبانِهِ
أوراقُه أشْجارُ روضٍ زاهرٍقد تُجْتَنى الثَّمراتُ من أفْنانِهِ
لله دَرُّ مُؤلِّفٍ فاق الورىبفرائدٍ فغدَا فريدَ زمانِهِ
فجَزاه ربُّ العالَمين بلُطْفِهطبقاتِ عِزٍ في فسيحِ جِنانِه
لما تعمقت في لجج هذا البحر الزاخر، صادفت أصداف أصناف الدرر الكامنة النوادر.
وألفيته روضةً غناء زاهرةً أزهارها، وروضةً زهراء ناضرةً أنوارها.
وجناتٍ شقائقها محمرة، وجنات حدائقها مخضرة.
تذكرةً لعارفٍ تقي، وتبصرةً لمستبصرٍ عن الرذائل نقي.
جاوز الشعرى بشعره الفائق، وفاق النثرة بنثره الرائق.
قد استضاء بجواهره المضية تاج تراجم الأعيان، فصار كأنه مرآةٌ انعكس فيها صور سير الأسلاف وأشراف أفاضل الزمان.
اللهم اجمع بيننا وبينهم في غرف عدنٍ وطبقات الجنان.
ومما يروى له من الشعر قوله:
إذا ما كنتَ مَرْضِيَّ السَّجايَاوعاش الناسُ منك على أمانِ
فعِشْ في الدهرِ ذا أمْنٍ ويُمْنِويُوصِلُك الإله إلى الأمانِ
وقوله في الغزل:
قد قتل العشاقَ من لَحْظهِدماؤُهم سالَتْ على الأوْدِيَهْ
يا عجباً من قاتلٍ إنهليس عليه قَوَدٌ أو دِيَهْ
ولده شيخ الإسلام يحيى المولى الأعظم، والملاذ الأعصم، والعروة الوثقى التي لا تفصم.
واحد الزمان، وثاني النعمان.
طلع شمساً في فلك الفتيا فلما قابل أرضه البدر انخسف، ودار كل شهر على لقاه فلما آيس انتحل بل امتحق من الأسف.
فشعشعت الآفاق منه غرةٌ في جبين المجد مشرقة، واستقر به في ذلك المركز شخصٌ لم يدخل العلوم من بابٍ واحدٍ، بل دخلها من أبوابٍ متفرقة.
فأطاعته الدولة إطاعة المملوك لمالكه، ونفذت كلمته نفاذ كلمة المليك في ممالكه.
في رياسةٍ مطارح ظلالها حرم، وكل فعالها جودٌ وكرم.
فلم يدع لفضل الفضل ذكراً، وترك معروف يحيى بن خالد نكراً.
بل لم يبق لكعبٍ، من علو كعب.
وأنسى دعوة حاتم، بأي مادحٍ وخاتم.
تتنفس الأسحار عن آثاره، وتتبسم الأماني عن جوده وإيثاره.
والدنيا مشرقةٌ بلألاء وجهه المضي، والأيام تغضب إذا غضب وترضى إذا رضي.
وقد ضمنت مساعيه أن يشكر، وأن لا تعذب الأفواه حتى يذكر.
وله القدر الذي استخدم الأنام، واستعبد الليالي واسترق الأيام.
إذا أقبل في كوكبه وجلاله، تسجد الأجفان لتعظيمه وإجلاله.
فرأيه سراج الملوك، وذلك من نظمه الذي هو نظم السلوك.
وهو في الأدب أوحد من لان له الكلام، فإذا أمسك القرطاس اختصمت أفواه الدوي في تقبيل أقدام الأقلام.
يستوقفُ العَلْيا جَلالاً كُلَّماسجَد اليَراعُ بكفِّه تبْجيلا
لا تسْتنيرُ به المعالي غُرَّةًحتى يسيل به النَّدَى تَحْجِيلاَ
وكل من كان في عصرهِ، فهو هاصر غصن الأدب من محل هصره.
وأكثرهم عليه تخرج، وفي بستانه تأرج، ومن طبعه اكتسب وإلى طريقه انتسب.
فرياض أفكاره باسمة الثغور عن شنب المعالي والألفاظ، وغياض أشعاره متفتحة عن ورد الخدود ونرجس الألحاظ.
تهز أعطافها ارتياحاً به القوافي، وتحث لها الندمان أكؤسها على الغدران الصوافي.
مستظْهِرٌ بعباراتٍ وألْسِنةٍتفَتَّتْ كالرياضِ الغُرِّ ألْوانَا
أهْدَى إلى لُغَةِ الأعْرابِ تُبَّعَهَاورقَّ بالمنطقِ التُّركِيِّ خاقَانَا
وقد أوردت له ما يحلي الأدب كما يحلي السوار الزند، ويفوح عرفه كما يفوح عرف العنبر الند.
فمنه قوله في الغزل:
ورَد النسيمُ بأطْيبِ الأخبارِطاب الوُرودُ وسائرُ الأزْهارِ
سكِروا بخمْرِ الشوقِ حتى أظهرُواما في ضمائِرهم من الأسرارِ
في جَمْعِهم لم تَلْقَ إلا ماسِكاًقدَحاً من الإبْرِيزِ والبَلاَّرِ
والحوضُ فيه مجالسٌ مَلكِيَّةٌوالوَرْد كالسُّلطانِ في الأطْوارِ
لِعب الشَّمال بهم فحرَّكهم كمالعِب الشَّمُول بزُمْرةِ الشُّطَّارِ
وقوله:
كأنْ بوَرْدِ خدَّيْه عُقارُشرِبْتُها حتى بَدا البَلاَّرُ
البلار: لغة في البلور، رأيته في استعمال المولدين، منهم المعتمد بن عباد، على ما ذكره في قلائد العقيان:
جاءتْكَ ليلاً في ثيابِ نهارِمن نُورِها وغُلالةِ البلارِ
والشرب كناية عن التقبيل، أزيلت به الحمرة وبدا البياض.
ومن لطيف تخيلاته قوله:
بِحُلَّةٍ حمراءَ جاءتْ وقدتفُوح بالعنْبَر أذْيالُهَا
حِلْيتُها لَعْلٌ وياقوتةٌصِيَغ من العَسْجدِ خَلْخالُهَا
وله تخميس على بردة الأبوصيري بقوله:
لمَّا رأيتُك تُذْرِي الدمعَ كالعَنَمِغرِقتُ في لُجَجِ الأحْزانِ والتُّهَمِ
قُلْ لي وسِرِّ الهوى لا تخْشَ من نَدَمٍأمِن تذكُّر جِيرانٍ بذِي سَلمِ
مَزجْتَ دمعاً جرَى من مُقْلةٍ بدَمِ
تُمسِي بعَيْنٍ بوَبْلِ الدمعِ ساجِمةٍونارِ وَجْدٍ بجَوْنِ القلبِ ضَارِمةٍ
فهل بَرِيدٌ أتَى من حَيِّ فاطمةٍأم هبَّتِ الرِّيحُ من تِلْقاءِ كاظِمةٍ
وأوْمَض البرقُ في الظَّلْماءِ من إضَمِ
متى السُّلُوُّ لأهلِ العشقِ عنه متىوحَبُّ حُبِّ سُلَيْمَى بالحشَا نَبَتَا
إن تُنْكرِ الوجدَ عندي بعد ما ثبتَافما لعيْنَيْك إن قلتَ اكْفُفَا هَمَتَا
وما لقلبِك إن قلتَ اسْتفِقْ يَهِمِ
تُريد تُخْفي الهوى والدمعُ مُنْسجِمٌوفي حَشاك لَظَى الأشواقِ مُضْطرِمٌ
هيْهات كاتمُ سِرِّ العشقِ مُنْعدِمٌأيحسَب الصَّبُّ أن الحبَّ مُنكتِمٌ
ما بين مُنْسجِمٍ منه ومُضْطرِمِ
ومن إنشائه، ما كتبه على كتاب في الطب، اسمه مغني الشفا: يا له من روضةٍ شحاريرها أقلام المادحين من النحارير، وألحان سواجعها ما سمع لدى التحرير من الصرير.
غصونها أورقت ولكنها بصحائف كأنها مملوءةٌ باللطائف أطباق، وأثمرت والعجب أن منابت أثمارها بطون الأوراق.
من وقف عليها وتوقف فيما قلته من الوصف العاري عن المرا، فلا شك أنه مبتلىً بداء النوك وليس له دوا.
ولما أجلت نظري في ربوة حسنها وبهجتها، ونشقت شذا رياحينها وشممت عرف نفحتها.
وعاينت مجالس أنسها وقضيت منها العجب، وحرك مني أوتار سطور طروسٍ بها ما لا يحدثه القانون من الطرب.
توجهت بمجامع قلبي إليها، وقلت مؤثراً موجز القول في الثناء عليها:
يا روضةً في رُباهَادَوْحٌ غدَا سَجْعُ طَيْرِهْ
مَغْنَى الشِّفاءِ ومُغْنٍعنِ الشِّفاءِ وغيرِهْ
ومن نوادره، أنه دخل عليه رجلٌ، فوقف وسوى قامته، ثم انحنى، ثم قبض على لحيته، وجعل كأنه ينفض عنها شيئاً من آخرها ثلاث مرات، ثم قال له يعمى: باسم الفقير؟ فقال له: اجلس يا إدريس.
ومن هذا القبيل ما يحكى عن الصاحب، أنه سأل رجلاً عن اسمه، فأنشده:
وقد تستوي الأسماءُ والناسُ والكُنَىكثيراً ولكن ما تساوَى الخلائقُ
فقال له الصاحب: اجلس يا أبا القاسم.
علي المعروف برضائي سبط المفتي زكريا عليٌّ الرضا في نباهته، وإن شئت فقل في نزاهته.
ذو البنان الرطب، والبشر الذي يفرق منه الخطب.
فسيح مدى الإغضاء وفضاه، منتقبٌ وجه غضبه برضاه.
انتسخت شمائله من الصبا في المنازه الرحاب، وارتضعت خلاله مع طفل النور أخلاف السحاب.
فيكاد من رقته يذوب ذوبان علي بن الجهم، وتتقطر مياه البراعة من أعطافه إذا أخذته حرارة الفهم.
وله قوة إلهامية، على افتراع بنات الأفكار، وسليقةٌ غريزية، في اختراع المعاني الأبكار.
ومن آثاره الفريدة، مختصر الخريدة.
سماه عود الشباب، كله لب اللباب.
وكان ممن ولي قضاء القاهرة، فافترت مباسمها عن فضائله الزاهرة.
وقد سلك في قضائه بها أجل مسلكٍ جلي، وصدق الحديث المروي: " أقضاكم عليٌّ ".
وبها عطل منه جيد القضا، على مقتضى الحكم الذي لا يقابل إلا بالرضا.
فعلى أخلاقه الرضية، رضوان الله ورحمته الراضية المرضية.
فمن توشيات قلمه، قوله في الاعتذار عن اختصار الخريدة: ولما وجدت بعض نقده أزيف من رائج زماننا، شرعت في تمييز الجياد واكتفيت باقتطاف الجياد من ثمار أغصانها، بل قنعت بالعرف الضائع من بانها.
وإني وإن فاتني بعض جواهره فالغائص يعذر بما في يديه، ويشكر الصبا مقبلاً من الحبيب بعض عرف صدغيه.
فجاء بحمد الله تعالى غادةً تسحر القلوب بألفاظها القسية، وألحاظها البابلية.
تصيد القلوب بألحاظها التي زينها الجمال بالفتور، فمن نظر فيه يشتعل قلبه بالنار وتكتحل عينه بالنور.
وإني غير آملٍ من أبناء الزمان تحسينهم، وبقلادة حسن القبول توشيحهم وتزيينهم.
فإن من جرب الناس في أمرهم، يعرف أن الناس مشتقون من دهرهم.
بل ما نؤمله من كرمهم الفسيح، أن لا يوردوا وجهه بالتصريح بأنه قبيح.
إنَّا لفي زمنٍ تَرْكُ القبيحِ بهمن أكْثرِ الناسِ إحسانٌ وإجْمالُ
ثم ختم الديباجة بذكر خاله شيخ الإسلام يحيى وجعل المختصر معنوناً باسمه، وأورد هذه الأبيات وأظنها من نظمه، وهي:
يا مُصدِرَ الآمالِ بُدْناً بعد ماسُقْنَا إليك مع الرَّجَا أنْقاضَها
عِشْ في ذَرَى كافي الكُفاةِ مُصاحباًنِعَماً بياضُ الصبح هاب بياضَها
وخُذِ الجواهرَ من قلائد مِقْوَلِيإذْ كان غيري مُهْدِياً أعْراضَها
قوله: يعرف أن الناس مشتقون من دهرهم يشير به إلى قول أبي الفرج العلاء الرئيس الواسطي:
الناسُ مُشتقُّون من دهرِهمْطَبعاً فمن مَيَّز أو قاسَا
يمتحن الدهرَ وأحْوالَهمَن شاء أن يمتحنَ الناسَا
واتفق لي أن بعض الإخوان وعدني بإرسال هذا المختصر وسوف، وشوق العين لاجتلاء روضه النضر وشوف.
فكتب إليه متمثلا:
نَوالُك دون حَجْبُ الحجابِومَن ناداك مفقودُ الجوابِ
إذا أمَّلتُ يوماً منك وَعْداًكأني أرْتجِي عَوْدَ الشَّبابِ
ومن شعر رضائي، قوله مضمناً في الدخان، وقد أبدع:
غَلْيونُنا حين همَّت كلُّ نائيةٍبه وسامَرنا هَمٌّ وأفْكارُ
قد اهتديْنا إلى شُرْب الدُّخانِ بهكأنه علَمٌ في رأسِه نارُ
الغليون: أطلق على سفينة معهودة بين العوام، وعلى هذه الآلة التي يوضع فيها ورق التبغ ويشرب، وكلاهما عير لغوي، وهو في اللغة اسم للقدر.
والمصراع للخنساء، من قصيدتها التي رثت بها أخاها صخراً.
وأول البيت الذي هو ثانيه:
وإن صَخْراً لتأْتَمُّ الهُداةُ بهِ
وقد كثر تضمين الشعراء له في مقاصد لهم وأجود ما رأيته من تضامينه قول العز الموصلي، في سامري، اسمه نجم:
وسامَرِيٍ أعارَ البدرَ فضلَ سَناًسَمَّوه نجْماً وذاك النْجمُ غَرَّارُ
تهْتزُّ قامتهُ من تحت عِمَّتِهكأنه علَمٌ في رأسهِ نارُ
ومما عربته من شعره:
جرَّد لي من ناظِريْه مُرْهفاًومثلُه من حاجبَيْهِ عاطِبي
حَيَّرني فَدَيْته أأغتدِيقُرْبانَ عَيْنيْه أم الحواجبِ
محمد بن بستان المفتي خدن الفضل وتربه، ومن أمن من المكروه سربه.
يتفتق من المعارف مكنة، لكنه يرتضخ لكنة.
فالكلام مشغوف بحلاوة لسانه، والقول وقف على حسنه وإحسانه.
وهو من حين أقمر هلاله، راقت ولا ورق البستان المزهر خلاله.
وانهل صيب جوده وقد أربى على انهلال السحاب انهلاله فشتان بينه وبين البستان، أو الصيب الهتان.
وهيهات أن يكون من فيضه خاصٌّ كمن فيضه عام، أو من يؤتي أكله كل حينٍ كمن يؤتي أكله كل عام.
وقد أطلعه الله منظوراً بعين العناية المتواصلة المدد، ومحفوفاً بنهاية الرعاية على توالي الآنات والمدد.
حتى سمت رتبة الفتيا بعالي مقامه، وطرزت حللها الباهية بوشي أرقامه.
ثم فارقته ولم تصبر على نواه، فراجعها بعد ما استحلت بسواه.
فعاد روض الفضل إلى نمائه، وكوكب السعد إلى سمائه.
ولم يزل يكحل الطروس بميل يراعته، ويشفف الآذان بلآلىء براعته.
إلى أن ذبل بسموم المرض غض نباته، وقطفت بيد الحين زهرة حياته.
فمما يعد من زهرات بستانه، ورشحات أقلام بنانه، قوله في رثاء سليمان زمانه.
ألا أيها النَّاعِي كأنَّك لا تَدْرِيبما قلتَ من سوءِ المَقالةِ والنَّشرِ
سَلَلْتَ سيوفَ الموتِ في الدهرِ بَغْتةًوقد بلغَ السيلُ الزُّبَى من جَوى الصدرِ
وشَقَّتْ قلوبَ المسلمين جراحةٌبصارمِ سيْفٍ قد مضَى ماضِيَ الأمرِ
سهامُ المَنايا من قِسيِّ صُروفِهاأصابتْ بسهمٍ في ابْتسامٍ من الفجرِ
نسيمُ الصَّبا رقَّتْ بأشْجانِ فُرقةٍحمامة ذات السِّدرِ حنَّتْ من الذُّعرِ
همامٌ على هامِ المَمالِك تاجُهأمينٌ رشيدٌ في الخلافةِ ذو قَدْرِ
أأعْنِي جواداً في جوادٍ بذكْرِهلقد سارتِ الرُّكبان في البرِّ والبحرِ
عزيمتُه في البحر كانت عظيمةًوهِمَّتُه فاقتْ على الأنْجُمِ الزُّهْرِ
وأيامُه كالشمسِ كانت مضيئةًوأعوامُه في الحسنِ أبْهَى من البدرِ
وما قيل إجْمالٌ لبعضِ صفاتهِولا يُمكِن التفصيلُ بالنظمِ والنثرِ
فهاتيك أوصافٌ لَعَمْري جليلةٌفدُونَكها أبْهَى من الزَّهْرِ والزُّهْرِ
على عكس ما طاف البلادَ بجُنْدِهكشمسٍ غَرِيباً غاب في مَغْرِب القبرِ
صحائفُ أكْوانٍ تدبَّرتُ حَلَّهافصادفْتُها شرحاً لفنٍ من الهجرِ
على صفحةِ الخدَّيْن أمليْتُ مَا جَرىبأقلامِ أهْدابٍ من البُؤْس والضُّرِّ
شيخ الإسلام أسعد بن سعد الدين مناط الملك وملاكه، وقطب السعد الذي دارت عليه أفلاكه.
الشمس والقمر السعد، والمقتنص لشوارد المعالي بلا تحمل منةٍ لوغد.
تحلى بالرياسة في ميعة شبابه، وألقت السعادة أعنتها في بابه.
مرتقياً في رتبها طوراً فطورا، ترقى النبات ورقاً ونورا.
يزيد قدره ويوفي، وقد خلص من داء الغرض وعوفي.
فما قصرت له في أمرٍ يدان، وعنده انطفا قنديل سعدان.
فبوجهه مرآة النهار تصقل، ولديه تربط الأماني وتعقل.
وله في الصدارة تثبت الجبال، والاستقلال الذي ينسي الماضي منه الاستقبال.
فلولا مهابته إذا أقبل، لانتظمت على أذياله القبل.
وكان دخل الشام حاجاً فابتهجت بأضواء سعادته، وقارنت السعد الأكبر في بدء أمره وإعادته.
وفي رجعته إليها قابله البريد بمنصب الفتيا، ودعاه الدهر إلى هذا المقام الذي وقفت عنده العليا.
فنادته المعالي لبيك وسعديك، واليمن والنجح كما تشاء في يديك.
ولم يزل في هذا المركز حائزاً رتب الكمال، وعلى مشرع مجده تحوم طيور الآمال.
إلى أن وقعت فتنةٌ بين العسكر، اغبر لها أفق الكون وتعكر.
ثم انتهت إلى قتل السلطان عثمان، فانحرف عنه وعن آل بيته الزمان.
ولم يطل به العمر حتى طلحة وأنضاه، وأعمده في قراب القبر الذي انتضاه.
فلا زالت رحمة الله وبركاته، تحييه ما دامت تقل الفلك حركاته.
وقد أوردت من شعره قطعةً خضع لها البيان وسلم، وهي قوله في التوسل بصاحب الشفاعة ﷺ:
يا رسولَ الله أنت المَقصِدُأنت للرَّاجين نعم المسنِدُ
كلُّ مَن ناداك فيما نَابَهفاز بالإسْعادِ فيما يقصدُ
قد أتى مستغفِراً مُستشْفِعاًعبدُك المسكينُ هذا أسعدُ
مستغيثاً شاكياً من نفسهِباكياً مما جَنتْ منه اليَدُ
منك فَتْحَ الباب أرجُو ضارعاًقارعاً أبوابَ فضلٍ تُرْصَدُ
منك يا غيثَ النَّدَى أرجو الهُدَىإن في الأحشاءِ ناراً تُوقَدُ
مَسَّنِي ضُرٌّ وكربٌ مُزعِجٌفي الليالِي بالتَّوالي أسهَدُ
طال أيامُ التنَائِي والأسَىيا طبيبَ القلب أنت المُنْجِدُ
يا حبيبَ القلب باللهِ الذيغيرُه سبحانَه لا يُعبَدُ
بالذي أعطاك قدراً عالياًما لمخلوقٍ إليه مَصْعَدُ
بالذي أعطاك ما لم يعطهأحداص من خلقه يا سيد
بالذي أعطاك ما لم يُعْطِهأحداً من خَلْقِه يا سيِّدُ
عِدْ بلُطْف منك كُنْ لي شافعاًإن تُلاحِظْنِي فإني أسْعَدُ
لا تُخيِّبْني فإني سائلٌسائلُ الدمعِ الذي لا يُطْرَدُ
سَلْ مِن الرحمن تَعْجِيلَ الشِّفاوانْشِراحَ الصدرِ لي يا أمْجَدُ
كلُّ مَن يرجو النَّدَى من بابِكمْفهْو من نَيْلِ الأماني يسعَدُ
صَلِّ يا ربِّ على خير الورَىبصلاةٍ سَرْمَدٍ لا تنفَدُ
وارْضَ عن آلٍ وأصحابٍ همُ الْعابدون الرَّاكعون السُّجَّدُ
ابنه أبو سعيد محمد المفتي بعد أبيه وجده، والمولى الذي خضع كل مجدٍ لمجده.
ورث المجد خلفاً عن سلف، وزها به مركز السيادة على زهوٍ وصلف.
بشيمٍ للنيرات بها تعلق، تستمد منها فضل توقدٍ وتألق.
وبلاغةٍ في مرتبة الإعجاز، كأنما استفيد منها الاختصار والإيجاز.
فهو قليل القول صادق العمل، مقصور الهمة على إنالة ما يهم من الأمل.
له صدر النادي، والصيت الذائع بشرف المنادي.
وأيدي الغبطة به عالية، وحال تلك الدولة به حالية.
حتى جربه الدهر بخطب من أخطاه سهمه، لكنه ازداد به عقلاً عقله وفهمه.
في وقعةٍ تخرب فيها قبيلٌ وعشير، وهلك فيها وزير ومشير.
فرقت بين روحٍ وجسد، وخلت بين تشفٍ وحسد.
فأصيب في ذخائر كان عبأ خباياه منها، وسلمت ولله الحمد نفسه التي لا عوض عنها.
وإذا بقيت النفس فلا التفات إلى الفان، وهي الأيام ليست إلا إغفاة أجفان.
فبقي بعدها منزويا، وفي خير الخير كما كان منطويا.
ولم يغفل لسانه عن شكر، ولا شاب فيها حالته المعروفة بنكر.
حتى طوى الحمام محاسنة الفاخرة، فالله يعوضه عن لذات الدنيا بنعيم الآخرة.
وقد ذكرت من آثار قلمه ما يروى لشرف الناظم، والمنسوب يصير عظيماً بالنسبة إلى الأعاظم.
فمن ذلك ما كتبه على طومار يشتمل على كرامات أبي الغيث القشاش التونسي:
أرى أسْطُراً في ضِمْن تلك الرسالةجداولَ من بحر الحقيقةِ سالَتِ
ومن مَنْبَعَيْ علمِ اليقينِ وعيْنِهأسالتْ مَعِينَ الحقِّ أيَّ إسالةِ
وفيها جَلتْ حالات حبٍ كأنهاطَواوِيسُ جَنَّاتٍ تجلَّتْ وجالَتِ
وفي ضِمْنها تنْشِيطُ أهلِ محبَّةٍوتنْبيهُ تعبيرٍ لأهل البِطالةِ
أبو الغيثِ نعم الغَوْثُ خيرُ وسيلةٍإلى من به قد كان خَتْمُ الرسالةِ
قلت: أبو الغيث هذا آية الله الكبرى في الفنون، والنائل من مقامات القرب والتخصيص ما لا تتخيله الأوهام والظنون.
ومن أراد استقصاء أحواله، فعليه بتاريخي فهو موشىً بذكر أفعاله وأقواله.
وكتب على فرائض العلاء الطرابلسي، الإمام بجامع دمشق:
كتابٌ نفيسٌ للفوائد جامعُمفيدٌ لطلاَّب المسائل نافعُ
على حُسْنِ ترتيبٍ تحلَّى مُجمَّلاًفقرَّتْ عيونٌ للورى ومَجامعُ
بَدا مُعْجِباً إذْ لم تَرَ العينُ مثلَهبه نورُ آثارِ الفضائل لامعُ
لجامِعهِ فخرِ الأئمَّة سُؤْدُدٌلرايات أنوارِ المكارم رافعُ
أفاض عليه الربُّ من سُحْبِ جُودِهفبحرُ عَطاهُ الجَمُّ للخَلْقِ واسعُ
فسدد من جمعه وأحسن، وأمعن فيما جمع وأتقن.
حيث أتى بمختص حسن، في تلخيص مطولات هذا الفن.
ولما أجلت نظري في ربوة حسنه وبهجته، وشممت من جانب واديه عرف شميمه ونفحته.
وجدته حديقةً أنيقة، مزينةً بأزهار المعاني الدقيقة.
وألفيته جامعاً من المسائل ما لا يوجد في المنقول، ومحتوياً من الأبحاث ما تعجز عن فهمه العقول.
أبر الله عمله، وحرسه من صوارف الدهر ويسر أمله.
محمد بن عبد العزيز بن سعد الدين المعروف ببهائي هو بين أسرة هذا النجر، ليلة القدر إلى مطلع الفجر.
شاهده تلق نجح الأمل، وانظر بناديه الشمس في الحمل.
أشرق في فلك البها، وحلي ببردة الازدها.
فبشره يعيد بشاشة النبت الجديب، ولطفه يمسح به الروض عطفي أديب.
مشمول الشمائل طيبها، منهمر المواهب صيبها.
أعْدَى الوجودَ بجُودِهفأباد سائرَ بُخْلِهِ
لا بُخْلَ فيه يُرَى سوىأن لا يجُود بمثْلِهِ
فعطاؤه يزيد الأعمار في نمائها، ويبقي وجوه الراغبين بمائها.
وإذا كانت أنعمه عند أوليائه، يغتبط بها أكثر ما تكون في أفيائه.
سرى ذكره في الآفاق، مسير الصبا جاذب ذيلها النسيم الخفاق.
فإذا تلقت الأرواح منها نفحات الثنا، تعطفت بها الأعطاف وتثنت الأثنا.
وقد جمع الله شتات الأدب باعتنائه، وأعاد فيه رونق الحياة بعد دثوره وفنائه.
في زمنٍ لم يبق فيه من إذا شدا مداحه هزته الأريحية، إلا قضب الربيع إذا شدت الأطيار تثنت من أصواتها الشجية.
فانكشفت ظلماؤه عن يقق، وازدهت رياضه من الوشي في أفخر شفق.
وانثالت إليه الوجوه من أهله، سالكين في صعب المديح وسهله.
فما خاب أحدٌ منهم في سراه، ولا صلد له زندٌ وراه.
وهو في الشعر التركي مجيد ملء فمه، وأما الشعر العربي فلا أحسبه جرى على قلمه.
وقد وقفت له على قطعةٍ بالتركية التقطت منها اللؤلؤ الفرد، ونقلته إلى العربية فها هو كماء الورد يدل على الورد:
وقد كُشِف الحجابُ فبَان عنهمُحيّاً أكْسَب الشمعَ اضْطِرابَا
وأخْجَلها بوجهٍ فاق نُوراًفصيَّرت الفِراشَ لها نِقابَا
وقد رأيت من منشآته هذه القطعة، كتبها على نسب أدهمي: حمداً لمن جعل الانتساب، إلى بعض الأنساب، من أوكد الأسباب، الناجعة في إنشاء ذخائر الحمد والثنا.
وأباح لأقدام المتشبثين بأذيالها، مواطىء العز ومدارج العلى.
ونصب لهم سلماً يعرجون فيه، إلى سماء السمو وفلك الارتقا.
مَرابِعُ قُدْسٍ نالَها كلُّ أقْدسٍسَمَا مَن سَما مِن نائليها إلى السَّمَا
وصلاةً وسلاماً على من به بدئت نسخة الوجود والعطا، كما به ختمت رسائل النبوة والاصطفا.
وعلى آله وأصحابه الكرماء النجبا.
وبعد، فهذه شجرةٌ طيبةٌ أصلها ثابت وفرعها في السما، تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع