تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

ومن تشبيه المحدثين المستطرف قول بشار

كأن فؤاده كرة تنزىحذار البين إن نفع الحذار
[يروعه السرار بكل أمرمخافة أن يكون به السرار]
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أأحزنك الألى ظعنوا فساروا»

وفي هذه القصيدة:

جفت عيني عن التغميض حتىكأن جفونها عنها قصار
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول وليلتي تزداد طولا»
أقول وليلتي تزداد طولاً!أما لليل بعدهم نهار
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول وليلتي تزداد طولا»

وقال الحسن بن هانئ في صفة الخمر:

فإذا ما لمستها فهباءتمنع اللمس ما يبيح العيونا
درس الدهر ما تحسم منهاوتبقى لبابها المكنونا
فهي بكر كأنها كل شيءيتمنى مخير أن يكونا
في كؤوس كأنهن نجومجاريات، بروجها أيدينا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «غننا بالطلول كيف بلينا»
طالعات مع السقاة علينافإذا ما غربن يغربن فينا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «غننا بالطلول كيف بلينا»

فهذه قطعة من التشبيه غاية، على سخف كلام المحدثين.

وقال الحنفي: وهو إسحاق بن خلف في صفة السيف:

ألقى بجانب خصرهأمضى من الأجل المتاح
للشاعر إسحاق بن خلف البهراني، اقرأ القصيدة
وكأنما در الهباء عليه أنفاس الرياح

وقال مسلم بن الوليد الأنصاري في مدحه يزيد بن مزيد:

يمضى المنايا كما تمضي أسنتهكأن في سرجه بدرا وضرغاما

وقال دعبل بن علي في صفة المصلوب:

لم أر صفاً مثل صف الزطتسعين منهم صلبوا في خط
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لم أر صفا مثل صف الزط»
من كل عال جذعه بالشطكأن في جذعه المشتط
أخو نعاس جد في التمطيقد خامر النوم ولم يغط

وقال يزيد المهلبي في مثله:

قام ولما يستعن بساقهآلف مثواه على فراقه
للشاعر يزيد المهلبي، اقرأ القصيدة

كأنما يضحك في أشداقه

أراد بياض الشريط في فيه.

وقال أعرابي في صفة مصلوب، وهو الأخطل:

[قال أبو الحسن: الأخطل الذي يعني رجل محدث من أهل البصرة، ويعرف بالأخيطل، ويلقب ببرقوقا، وذكر أبو الحسن أن أبا العباس كان يدلس به].

كأنه عاشق قد مد سفحتهيوم الفراق إلى توديعه مرتحل
أو قائم من نعاس فيه لوثتهمواصل لتميه من الكسل
للشاعر الأخيطل الأحوازي، اقرأ القصيدة

[وقال مسلم بن الوليد:

وضعت حيث ترتاب الرياح بهوتحسد الطير فيه أضبع البلد]

وقال حبيب بن أوس [قال أبو الحسن: يعني به إسحاق بن إبراهيم الطاهري]:

قد قلصت شفتاه من حفيظتهفخيل من شدة التقليص مبتسما

وقال أيضاً في رجل ينسبه إلى الدعوة:

وتنقل من معشر في معشرفكأن أمك أو أباك الزئبق
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الدار ناطقة وليست تنطق»

يقال: زئبق، وزئبر، مهموزان، ودرهم مزأبق، وثوب مزأبر.

ومن إفراط التشبيه قول أبي خراش الهذالي يصف سرعة أبيه في العدو:

كأنهم يسعون في إثر طائرخفيف المشاش عظمه غير ذي نحض
يبادر جنح الليل فهو مهابديحث الجناح بالتبسط والقبض

وقال أوس بن حجر [قال أبو الحسن: أهل الكوفة يرونها لعبيد بن الأبرص]:

كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقتمن ماء أدكن في الحانوت نضاح
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «ودع لميس وداع الصارم اللاحي»
أو من معتقة ورهاء نشوتهاأو من أنابيب رمان وتفاح
للشاعر أوس بن حجر، اقرأ القصيدة

وقال ابن عبدل يهجو رجلاً بالبخر:

نكهت علي نكهة أخدريشتيم شابك الأنياب ورد

وفي هذا الشعر:

فما يدنو إلى فيه ذبابولو طليت مشافره بقند
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
يرين حلاوة ويخفن موتاًوشيكاً إن هممن له بورد

الذباب: الواحد من الذبان، وأدنى العدد فيه أذبة، والكثير الذبان؛ ولكنه ذكر واحداً ثم خبر عن سائر الجنس، والأسد أنتن السباع فماً، كما أن الصقر أنتن الطير فماً.

قال بعض المحدثين في رجل يهجوه، والمهجو داود بن بكر، وكان ولي الأهواز وفارس، والشعر لأبي الشمقمق:

وله لحية تيسوله منقار نسر
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «وله لحية تيس»
وله نكهة ليثخالطت نحهة صقر
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «وله لحية تيس»

وقال عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن بن عائشة:

من يكن إبطه كآباطذا الخلق فإبطاي في عداد الفقاح
لي إبطان يرميان جليسيبشبيه السلاح أو بالسلاح
فكأني من نتن هذا وهذاجالس بين مصعب وصباح

يعني مصعب بن عبد الله الزبيري، وصباح بن خاقان المنقري - وكانا جليسين - لا يكادان يفترقان، وصديقين متواصلين، لا يكادان يتصارمان.

فحدثت أن أحمد بن هشام لقيهما يوماً، فقال: أما سمعتما ما قال فيكما هذا? يعني إسحاق بن الموصلي، فقالا: ما قال فينا إلا خيراً، قال: قال:

لام فيها مصعب وصباحفعصينا مصعباً وصباحا
وأبينا غير سعي إليهافاسترحنا منهما واستراحا

قال: ما قال إلا خيراً، ولكن المكروة ما قال فيك، إذ يقول:

وصافية تعشي العيون رقيقةرهينة عام في الدنان وعام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وصافية تعشي العيون رقيقة»
أدرنا بها الكأس الروية موهناًمن الليل حتى انجاب كل ظلام
فما ذر قرن الشمس حتى كأننامن العي نحكي أحمد بن هشام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وصافية تعشي العيون رقيقة»

واعمل أن للتشبيه حداً؛ لأن الأشياء تشابه من وجوه، وتباين من وجوه؛ فإنما ينظر إلى التشبيه من أين وقع، فإذا شبه الوجه بالشمس والقمر فإنما يراد به الضياء والرونق، ولا يراد به العظم والإحراق. قال الله جل وعز: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾، والعرب تشبه النساء ببيض النعام، تريد نقاءه ورقة لونه، قال الراعي:

كأن بيض نعام في ملاحفهاإذا اجتلاهن قيظ ليله ومد
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «بان الأحبة بالعهد الذي عهدوا»

وقيل للأوسية - وهي امرأة حكيمة في العرب - بحضرة عمر بن الخطاب ﵀: أي منظر أحسن? فقالت: قصور بيض، في حدائق خضر، فأنشد عمر بن الخطاب لعدي بن زيد:

كدمى العاج في المحاريبأو كالبيض في الروض زهره مستنير
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

كالبيض في الأدحي يلمع بالضحىفالحسن حسن والنعيم نعيم

وقال جرير:

ما استوصف الناس من شيء يروقهمإلا رأوا أم نوح فوق ما وصفوا
كأنها مزنة غراء رائحةأو درة ما يواري ضوءها الصدف

المزنة: السحابة البيضاء خاصة، وجمعها مزن، قال الله جل وعز: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾, فالمرأة تشبه بالسحابة لتهاديها وسهولة مرها، قال الأعشى:

كأن مشيتها من بيت جارتهامر السحابة لا ريث ولا عجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

الريث: الإبطاء، فهذا ما تلحقه العين منها، فأما الخفة فهي كأسرع مار، وإن خفي ذلك على البصر، قال الله جل وعز: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾.

والعرب تشبه المرأة بالشمس، والقمر، والغصن، والكثيب، والغزال، والبقرة الوحشية، والسحابة البيضاء، والدرة، والبيضة؛ وإنما تقصد من كل شيء إلى شيء.

قال ذو الرمة:

ومية أحسن الثقلين جيداًوسالفة وأحسنهم قذالا
فلم أر مثلها نظراً وعيناًولا أم الغزال ولا الغزالا
تريك بياض غرتها ووجهاًكقرن الشمس أفتق ثم زالا
أصاب خصاصة فبدا كليلاًكلا وانغل سائره انغلالا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أراح فريق جيرتك الجمالا»

الجيد: العنق، والسالفة: ناحية العنق، والقذالان: ناحيتا القفا من الرأس.

وقوله: أفتق ثم زالا، يقال: أفتق السحاب، إذا انكشف انكشافة فكانت منه فرجة يسيرة بين السحابتين. تقول العرب: دام علينا الغيم ثم أفتقنا، وإذا نظر إلى الشمس والقمر من فتق السحاب فهو أحسن ما يكون وأشده استنارة.

وقوله: كلا يريد في سرعة ما بدا ثم غاب.

وقال الله ﷿: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾، وقال ﵎: ﴿كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾.

والمكنون: المصون، يقال: كننت الشي، إذا صنته. وأكننته، إذا أخفيته، فهذا المعروف، قال الله ﵎: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ وقد يقال: كننته، أخفيته.

وقد قال جرير في يزيد بن عبد الملك، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن سفيان:

الحزم والجود والإيمان قد نزلواعلى يزيد أمين الله فاحتلفوا
ضخم الدسيعة والإيمان، غرتهكالبدر ليلة كاد الشهر ينتصف

وقال ذو الرمة:

فيا ظبية الوعساء بين جلاجلوبين النقا آأنت أم أم سالم

وقال ابن أبي ربيعة:

أبصرتها ليلة ونسوتهايمشين بين المقام والحجر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا من لقلب متيم كلف»
يرفلن في الريط والمروط كماتمشي الهويني سواكن البقر

فهذه تشبيهات غريبات مفهومة.

وقال أبو عبد الرحمن العطوي:

قد رأينا الغزال والغصن النجمينشمس الضحى وبدر الظلام
فوحق البيان يعضده البرهان ماقط ألد الخصام
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
ما رأينا سوى الحبيبة شيئاًجمع الحسن كله في نظام
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
فهي تجري مجرى الأصالة في الرأي ومجرى الأرواح في الأجسام
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة

البرهان: الحجة، قال الله ﷿: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي حججكم. والماقط: موضع الحرب، فضربه مثلاً لموضع المناظرة والمحاجة. والألد: الشديد الخصومة، قال الله ﵎: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً﴾، وقال: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.

وقالت ليلى الأخيلية:

كأن فتى الفتيان توبة لم ينخبنجد ولم يطلع مع المتغور
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
ولم يقدع الخصم الألد ويملأ الجفان سديفاً يوم نكباء صرصر

السديف: شقق السنام.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.