تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

مدخل (٢)

باب في التشبيه

قال أبو العباس: وهذا باب طريف نصل به هذا الباب الجامع الذي ذكرناه وهو بعض ما مر للعرب من التشبه المصيب, وللمحدثين بعدهم.

فأحسن ما جاء بإجماع الرواة-: ما مر لامرئ القيس في كلام مختصر, أي بيت واحد، من تشبيه شيء في حالتين مختلفتين بشيئين مختلفين، وهو قوله:

كأن قلوب الطير رطباً ويابساًلدى وكرها العناب والحشف البالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

فهذا مفهوم المعنى، فإن اعترض معترض فقال: فهلا فصل فقال: كأنه رطباً العناب وكأنه يابساً الحشف! قيل له: العربي الفصيح الفطن اللقن يرمي بالقول مفهوماً، ويرى ما بعد ذلك من التكرير عيا، قال الله جل وعز، وله المثل الأعلى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، علماً بأن المخاطبين يعلمون وقت السكون ووقت الاكتساب.

ومن تمثيل امرئ القيس العجيب قوله:

كأن عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة

ومن ذلك قوله:

إذا ما الثريا في السماء تعرضتتعرض أثناء الوشاح المفصل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وقد أكثروا في الثريا فلم يأتوا بمن يقارب هذا المعنى. ولا بما يقارب سهولة هذه الألفاظ.

ومن أعجب التشبيه قول النابغة:

فإنك كالليل الذي هو مدركيوإن خلت أن المنتأى عنك واسع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

وقوله:

خطاطيف جحن في حبال متينةتمد بها أيد إليك نوازع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

وقوله:

فإنك شمس والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهن كوكب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

ومن عجيب التشبيه قول ذي الرمة:

وردت اعتسافاً والثريا كأنهاعلى قمة الرأس ابن ماء محلق
للشاعر ذو الرمة، اقرأ القصيدة

وقوله:

فجاءت بنسج العنكبوت كأنهعلى عصويها سابري مشبرق
للشاعر ذو الرمة، اقرأ القصيدة

وتأويله أنه يصف ماء قديماً لا عهد له بالوراد، فقد اصفر واسود فقال:

وماء قديم العهد بالناس آجنكأن الدبا ماء الغضا فيه تبصق
للشاعر ذو الرمة، اقرأ القصيدة

وقد أجاد علقمة بن عبدة الفحل في وصف الماء الآجن. حيث يقول:

إذا وردت ماء كأن جمامهمن الأجن حناء معاً وصبيب

فقال ذو الرمة في وصف هذا الماء، فقرن بتغيره بعد مطلبه، فقال:

فأدلى غلامي دلوه يبتغي بهاشفاء الصدى والليل أدهم أبلق
للشاعر ذو الرمة، اقرأ القصيدة

يريد أن الفجر قد نجم فيه. فجاءت - يعني الدلو - بنسج العنكبوت، كأنه على عصويها سابري مشبرق. والسابري: الرقيق من الثياب والدروع والمشبرق: الممزق. وأنشد أبو زيد:

لهونا بسربال الشباب ملاوةفأصبح سربال الشباب شبارقا

ومن التشبيه العجيب قول ذي الرمة في صفة الظليم:

شخت الجزارة مثل البيت سائرهمن المسوح خدب شوقب خشب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

الشخت: الضئيل اليابس الضعيف. والجزارة القوام. وقوله: مثل البيت سائره من المسح: يعني إذا مد جناحيه. وإنما أخذه من قول علقمة بن عبدة:

صعل كأن جناحيه وجؤجؤهبيت أطافت به خرقاء مهجوم
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «هل ما علمت وما استودعت مكتوم»

الصعل: الصغير الرأس. الخرقاء: التي لا تحسن شيئاً، فهي تفسد ما عرضت له. قال الحطيئة:

هم صنعوا لجارهم وليستيد الخرقاء مثل يد الصناع
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لنعم الحي حي بني كليب»

والمهجوم: المهدوم. وفي الخبر أنه لما قتل بسطام بن قيس لم يبق بيت في بكر بن وائل إلا هجم، أي هدم. والخدب: الضخم. والشوقب الطويل. والخشب: الذي ليس بلين على من نزل به.

ومن التشبيه المصيب قوله في صفة روضة:

قرحاء حواء أشراطية وكفتفيها الذهاب وحفتها البراعيم

قرحاء. يريد الأنوار. وقوله: حواء يقول: تضرب إلى السواد لشدة ريها وخضرتها، وكذلك قال المفسرون في قوله الله جل وعز: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. تضربان إلى الدهمة، لشدة خضرتهما وريهما.

وقوله: أشراطية ليس مما قصدنا له. ولكنه مما يجري فنفسره، ومعناه أنها مطرت بنوء الشرطين.

وحدثني الزيادي: قال: سمعت الأصمعي - وسئل بحضرتي، أو سألته عن قوله: أشراطية - فقال: باستة واست عرسه! وذاك أن الأصمعي كان لا ينشد ولا يفسر ما كان فيه ذكر الأنواء، لقول رسول الله ﷺ: "إذا ذكرت النجوم فأمسكوا". لأن الخبر في هذا بعينه. "مطرنا بنوء كذا وكذا"، وكان لا يفسر ولا ينشد شعراً فيه هجاء، وكان لا يفسر شعراً يوافق تفسيره شيئاً من القرآن، هكذا يقول أصحابه، وسئل عن قول الشماخ:

طوى ظمأها في بيضة القيظ بعدماجرى في عنان الشعر بين الأماعز
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «عفا بطن قو من سليمى فعالز»

فأبى أن يفسر في عنان الشعربين.

وقوله: الذهاب فهي الأمطار اللينة الدائمة، ويقال: إنها أنجع المطر في النبت، وكذلك العهاد، وأنشد الأصمعي:

أمير عم بالنعماء حتىكأن الأرض جللها العهاد

والبراعين، واحدها برعومة، وهي أكمة الروض قبل أن تتفتق، يقال

لواحدها: كم، وكمام، فمن قال: كمام، فمن قال: كمام، فجمعه أكمة، مثل صمام وأصمة، وزمام وأزمة، ومن قال: كم، فالجماع أكمام، قال الله ﷿ ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾.

ومن ذلك قول الآخر، أحسبه توبة بن الحمير.

[قال أبو الحسن: يقال إنه لمجنون بني عامر، وهو الصواب]:

كأن القلب ليلة قيل يغدىبليلى العامرية أو يراح
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «كأن القلب ليلة قيل يغدى»
قطاة غرها شرك فباتتتجاذبه وقد علق الجناح
[لها فرخان قد غلقا بكرفعشهما تصفقه الرياح]
فلا بالليل نالت ما ترجيولا بالصبح كان لها براح
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «كأن القلب ليلة قيل يغدى»

وقد قال الشعراء قبله فلم يبلغوا هذا المقدار.

وقال الشيباني للحجاج:

هلا برزت إلى غزالة في الوغىبل كان قلبك في جناحي طائر
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة

فهذا يجوز أن يكون في الخفقان وفي الذهاب البتة.

ومن التشبيه المحمود قول الشاعر:

طليق الله لم يمنن عليهأبو داود وابن أبي كثير
ولا الحجاج عيني بنت ماءتقلب طرفها حذر الصقور

وهذا غاية في صفة الجبان.

ونصب عيني بنت ماء على الذم، وتأويله: إنه إذا قال: جاءني عبد الله الفاسق الخبيث فليس يقوله إلا وقد عرفه بالفسق والخبث فنصبه أعني وما أشبهه من الأفعال، نحو أذكر، وهذا أبلغ في الذم، أن يقيم الصفة مقام الإسم، وكذلك المدح. وقول الله ﵎: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ بعد قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾. إنما هو على هذا. ومن زعم أنه أراد: "ومن المقيمين الصلاة" فمخطئ في قول البصريين، لأنهم لا يعطفون الظاهر على المضمر المخفوض، ومن أجازه من غيرهم فعلى قبح، كالضرورة. والقرآن إنما يحمل على أشرف المذاهب. وقرأ حمزة: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، وهذا مما لا يجوز عندنا إلا أن يضطر إليه شاعر، كما قال:

فاليوم قربت تهجونا وتشتمنافاذهب فما بك والأيام من عجب
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا»

وقرأ عيسى بن عمر: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. أراد: وامرأته في جيدها حبل من مسد، فنصب حمالة على الذم. ومن قال إن امرأته مرتفعة بقوله: ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾: فهو يجوز. وليس بالوجه أن يعطف المظهر المرفوع على المضمر حتى يؤكد، نحو: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ و: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، فأما قوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾.فإنه لما طال الكلام وزيدت فيه لا احتمل الحذف وهذا على قبحه جائز في الكلام، أعني: ذهبت وزيد، وأذهب وعمرو، قال جرير:

ورجا الأخيطل من سفاهة رأيهما لم يكن وأب له لينالا
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

وقال ابن أبي ربيعة:

قلت إذ أقبلت وزهر تهادىكنعاج الملا تعسفن رملا
للشاعر أبو الهدى الصيادي، من قصيدة «قلت إذ أقبلت وزهر تهادى»

ومما ينصب على الذم قول النابغة الذبياني:

لعمري وما عمري علي بهينلقد نطقت بطلا علي الأقارع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»
أقارع عوف لا أحاول غيرهاوجوه قرود تبتغي من تجادع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

وقال عروة بن الورد العبسي:

سقوني الخمر ثم تكنفونيعداة الله من كذب وزور

والعرب تنشد قول حاتم الطائي رفعاً ونصباً:

إن كنت كارهة معيشتناهاتا فحلي في بني بدر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «إن كنت كارهة معيشتنا»
الضربين، لدى أعنتهموالطاعنين وخيلهم تجري

وإنما خفضوهما على النعت، وربما رفعوهما على القطع والابتداء.

وكذلك قول الخرنق بنت هفان القيسي، من بني قيس بن ثعلب:

لا يبعدن قومي الذين همسم العداة وآفة الجزر
للشاعر الخرنق بنت بدر، من قصيدة «لا يبعدن قومي الذين هم»
النازلين بكل معتركوالطيبين معاقد الأزر

وكل ما كان من هذا فعلى هذا الوجه.

وإن لم يرد مدحاً ولا ذماً قد استقر له فوجهه النعت. وقرأ بعض القراء: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.

وأكثر ما تنشد العرب بيت ذي الرمة نصباً، لأنه لما ذكر ما يحن إليه ويصبو إلى قربه أشاد بذكر ما قد كان يبغي، فقال:

ديار مية إذ مي تساعفناولا يرى مثلها عجم ولا عرب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

وفي هذه القصيدة من التشبيه المصيب قوله:

بيضاء في دعج، صفراء في نعجكأنها فضة قد مسها ذهب

وفيها من التشبيه المصيب قوله:

تشكو الخشاش ومجرى النسعتين كماأن المريض إلى عاده الوصب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

والخشاش: ما كان في عظم الأنف، وما كان في المارن فهو برة، يقال: أبريت الناقة، فهي مبراة، قال الشماخ - وهذا من التشبيه العجيب:

فقربت مبراة تخال ضلوعهامن الماسخيات القسي المؤطرا
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «أتعرف رسما دارسا قد تغيرا»

وماسخة، من نصر بن الأزد، وإليهم تنسب القسي الماسخية. وأحسن ما قيل في صفة الضلوع واشتباكها قول الراعي:

وكأنما انتطحت على أثباجهافدر بشابة قد يممن وعولا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ما بال دفك بالفراش مذيلا»

الفادر: المسن من الوعل.

وذو الرمة أخذ ذلك من المثقب العبدي، قال المثقب:

إذا ما قمت أرحلها بليلتأوه آهة الرجل الحزين
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «أفاطم قبل بينك متعيني»

ومن التشبيه المستحسن قول علقمة بن عبدة:

كأن إبريقهم ظبي على شرفمفدم بسبا الكتان ملثوم
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «هل ما علمت وما استودعت مكتوم»

فهذا حسن جداً.

وقال أبو الهندي، وهو عبد المؤمن بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي الرياحي، من بني رياح بن يربوع. وكان شبث سيد بني يربوع بالكوفة:

مفدمة قزا كأن رقابهارقاب بنات الماء أفزعها الرعد
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.