من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
عود إلى المختار من شعر مروان بن أبى حفصة: (٢)
ونعود إلى ما كنا وعدنا به من الكلام على شعر مروان؛ فمما يختار قوله من قصيدة أوّلها:
طرقتك زائرة، فحىّ خيالهابيضاء تخلط بالحياء دلالها
يقول فيها:
مالت بقلبك فاستقاد ومثلهاقاد القلوب إلى الصّبا فأمالها
وكأنّما طرقت بنفحة روضةسحّت بها ديم الرّبيع ظلالها
باتت تسائل فى المنام معرّسابالبيد أشعث لا يملّ سؤالها
فى فتية هجعوا غرارا بعد ماسئموا مراعشة السّرى ومطالها
فكأنّ حشو ثيابهم هنديّةنحلت وأغفلت العيون صقالها
/ المراعشة: تحريك الرأس فى السّير من النوم.
أما ذكره فى أول القصيدة طروق الطيف؛ فإنه لم يأت فيه بمعنى غريب؛ ولا لفظ مستعذب؛ وقد قال الناس فى الطّيف والخيال فأكثروا، وقد سبق فى ذلك قيس بن الخطيم إلى معنى؛ كلّ الناس فيه عيال عليه، وهو قوله:
أنّى سربت وكنت غير سروب!وتقرّب الأحلام غير قريب
ما تمنعى يقظى فقد تؤتينهفى النّوم غير مصرّد محسوب
كان المنى بلقائها فلقيتهافلهوت من لهو امرئ مكذوب
وقد أحسن جرير فى قوله:
أننسى إذ تودّعنا سليمىبفرع بشامة، سقى البشام
بنفسى من تجنّيه عزيزعليّ، ومن زيارته لمام
ومن أمسى وأصبح لا أراهويطرقنى إذا هجع النّيام
وهذه الأبيات وإن خلت من معنى فى ذكر الطيف غريب، فلم تخل من لفظ مستعذب.
ولأبى عبادة البحترىّ فى وصف الخيال الفضل على كل متقدّم ومتأخّر؛ فإنه تغلغل فى
أوصافه، واهتدى من معانيه إلى ما لا يوجد لغيره، وكان مشغولا بتكرار القول فيه لهجا بإبدائه وإعادته؛ وإن كان لأبى تمام فى ذلك مواضع لا يجهل فضلها، ومحاسن لا يبلغ شأوها؛ فمما لأبى تمام قوله:
زار الخيال لها، لا بل أزاركهفكر إذا نام فكر الخلق لم ينم
ظبى تقنّصته لمّا نصبت لهمن آخر اللّيل أشراكا من الحلم
ثمّ اغتدى، وبنا من ذكره سقمباق، وإن كان مشغولا من السّقم
وقوله:
عادك الزّور ليلة الرّمل من رملة بين الحمى وبين المطالى
ثم ما زارك الخيال ولكنّك بالفكر زرت طيف الخيال
وقوله:
اللّيالى أحفى بقلبى إذا ماجرحته النّوى من الأيام
/ يا لها لذّة تنزّهت الأرواح فيها سرّا من الأجسام
مجلس لم يكن لنا فيه عيبغير أنّا فى دعوة الأحلام
فأما البحترىّ فقوله فى هذا المعنى أكثر من أن يذكر جميعه هاهنا؛ غير أنا نشير إلى نادره، فمن ذلك قوله:
فلا وصل إلّا أن يطيف خيالهابنا تحت جؤشوش من اللّيل أسفع
ألمّت بنا بعد الهدوّ فسامحتبوصل متى تطلبه فى الجدّ تمنع
وما برحت حتّى مضى الليل وانقضىوأعجلها داعى الصّباح الملمّع
فولّت كأنّ البين يخلج شخصهاأوان تولّت من حشاى وأضلعى
وربّ لقاء لم يؤمّل وفرقةلأسماء لم تحذر ولم تتوقّع
أرانى لا أنفك فى كلّ ليلةتعاود فيها المالكيّة مضجعى
أسرّ بقرب من ملمّ مسلّموأشجى ببين من حبيب مودّع
فكائن لنا بعد النّوى من تفرّقترجّيه أحلام الكرى، وتجمّع
وكقوله:
وإنّى وإن ضنّت عليّ بودّهالأرتاح منها للخيال المؤرّق
يعزّ على الواشين لو يعلمونهاليال لنا نزدار فيها ونلتقى
فكم غلّة للشّوق أطفأت حرّهابطيف متى يطرق دجى الليل يطرق
أضمّ عليه جفن عينى تعلّقابه عند إجلاء النّعاس المرنّق
وقوله:
بلى وخيال من أثيلة كلّماتأوّهت من وجد تعرّض يطمع
إذا زورة منه تقضّت مع الكرىتنبّهت من وجد له أتفزّع
ترى مقلتى ما لا ترى فى لقائهوتسمع أذنى رجع ما ليس تسمع
ويكفيك من حقّ تخيّل باطلتردّ به نفس اللهيف فترجع
وقوله:
/ إذا ما الكرى أهدى إلى خيالهشفى قربه التبريح أو نقع الصّدى
إذا انتزعته من يدىّ انتباهةعددت حبيبا راح منّى أو غدا
ولم أر مثلينا ولا مثل شأننانعذّب أيقاظا وننعم هجّدا
وقوله:
فما نلتقى إلّا على حلم هاجديحلّ لنا جدواك وهى حرام
إذا ما تباذلنا النّفائس خلتنامن الجدّ أيقاظا ونحن نيام
وقوله:
وليلة هوّمنا على العيس أرسلتبطيف خيال يشبه الحقّ باطله
فلولا بياض الصّبح طال تشبّثىبعطفى غزال بتّ وهنا أغازله
وقوله:
أمنك تأوّب الطّيف الطّروبحبيب جاء يهدى من حبيب
تخطّى رقبة الواشين كرهاوبعد مسافة الخرق المجوب
يكاذبنى وأصدقه وداداومن كلف مصادقة الكذوب
وقوله:
ما تقضّى لبانة عند لبنىوالمعنّى بالغانيات معنى
هجرتنا يقظى وكادت على مذهبها فى الصّدود تهجر وسنى
بعد لأى وقد تعرّض منهاطائف عرّجت على الرّكب وهنا
قال المرتضى رضى الله عنه: ووجدت أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدىّ مع ميله إلى البحترىّ وانحطاطه فى شعبه، واجتهاده فى تأويل ما أخذ عليه من خطأ وزلل يزعم أن البحترىّ أخطأ فى قوله:
هجرتنا يقظى وكادت على مذهبها فى الصّدود تهجر وسنى
قال: لأن خيالها يتمثل له فى كل أحوالها؛ يقظى كانت أو وسنى. قال: ولكنّ الجيد فى هذا المعنى قوله:
أردّ دونك يقظانا ويأذن لىعليك سكر الكرى إن جئت وسنانا
قال: والّذي أوقع البحترىّ فى هذا الغلط قول قيس بن الخطيم:
/ ما تمنعى يقظى فقد تؤتينهفى النّوم غير مصرّد محسوب
وكان الأجود أن يقول: ما تمنعى فى اليقظة فقد تؤتينه فى النوم، أى ما تمنعينه فى يقظتى فقد تؤتينه فى حال نومى؛ حتى يكون النوم واليقظة منسوبين إليه؛ لأن خيال المحبوب يتمثّل فى حال نومه ويقظته جميعا، قال: إلّا أنه يتّسع من التأويل فى هذا لقيس ما لا يتّسع للبحترىّ لأن قيسا قال: «فقد تؤتينه فى النوم» ولم يقل نائمة؛ وقد يجوز أن يحمل على أنه أراد:
ما تمنعى يقظى وأنا يقظان؛ فقد تؤتينه فى النوم، أى فى نومى؛ ولا يسوغ مثل هذا فى بيت البحترىّ لأنه قال: «وسنى» ولم يقل فى الوسن.
قال سيّدنا أدام الله علوّه: وقد يمكن من التأويل للبحترىّ ما أمكن مثله لقيس؛ لكنّ الآمدىّ قد ذهب عن ذلك؛ لأن البحترىّ لما قال: «وسنى» دلّ على حال الوسن؛ والحال المعهودة للوسن حال يشترك الناس فيها فى النوم بالعادة، كما أنّ الحال المعهودة لليقظة حال مشتركة بالعادة؛ فقوله: «وسنى» ينبئ عن كونه هو أيضا نائما؛ وإنما أراد المقابلة فى زنة اللفظ بين يقظى ووسنى.
وقوله: «يقظى» متى لم يحمل أيضا على هذا المعنى لم يصحّ؛ لأنه لا بدّ أن يريد بذلك:
هجرتنا فى أحوال اليقظة؛ ويكون معنى «يقظى» يتعدّى إليه؛ ألا ترى أن الآمدىّ حمل قول قيس: «يقظى» على معنى: «وأنا يقظان» وإن لم يبيّن الوجه!؛ فكيف ذهب عليه مثل ذلك فى قول البحترىّ!
وقوله: «وسنى» و «يقظى» مثل قول قيس: «يقظى»، ولو مكّن قيسا وزن الشعر من أن يقول؛ «وسنى» فى مقابلة:
«يقظى» لقاله وما عدل عنه إلى النوم؛ لأنه لم يكن عليه فى «وسنى» إلا ما عليه فى «يقظى»، وما يتأوّل له فى أحد الأمرين يتأوّل له فى الآخر.
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ولي فى الخيال وطروقه معنى ما علمت أنه سبق إليه، من جملة قصيدة:
وزور تخطّى جنوب الملافناديت أهلا بذا الزّائر
أتانى هدوّا وعين الرّقيب مطروفة بالكرى الغامر
فأعجب به يسعف الهاجعينوتحرمه مقلة السّاهر
/ وعهدى بتمويه عين المحبّينمّ على قلبه الطّائر
فلمّا التقينا برغم الرّقاد موّه قلبى على ناظرى
ومعنى البيت الآخر أن الأحلام إنما هى اعتقادات تحصل فى القلب لا حقيقة لأكثرها؛ لأن الإنسان يعتقد أنه راء لما لا يراه على الحقيقة، ومدرك لما ليس بمدركه على الحقيقة؛ فالقلب يخيّل فى النوم للعين ما لا حقيقة له؛ كما أنّ العين تخيّل فى كثير من الأحوال للقلب ما لا حقيقة له.
فأما قول مروان:
فكأنّما طرقت بنفحة روضةالبيت
فيشبه أن يكون مأخوذا من قول نهشل بن حرّىّ:
طرقت أسيماء الرّحال ودونهاثنيان من ليل التّمام الأسود
ومفاوز وصل الفلاة جنوبهابجنوب أخرى، غير أن لم تعقد
رمل إذا أيدى الرّكاب قطعنهقرعت مناسمها بقفّ قردد
وكأنّ ريح لطيمة هنديّةوذكىّ جادىّ بنصع مجسد
وندى خزامى الجوّ، جوّ سويقةطرق الخيال به بعيد المرقد
أو من قول الآخر:
طرقتك زينب والمزار بعيدبمنى ونحن معرّسون هجود
فكأنّما طرقت بريّا روضةأنف يسحسح مزنها ويجود
وهذا المعنى كثير فى الشعر المتقدم والمتأخر جدّا.
فأما قوله:
باتت تسائل فى المنام معرّسا
البيت، والبيتان اللذان بعده؛ فقد قال الناس فى وصف قلة النوم، ومواصلة السّرى، والإدلاج، وشعث السارين فأكثروا، فمن أحسن ما قيل فى ذلك قول لبيد:
ومجود من صبابات الكرىعاطف النّمرق صدق المبتذل
/ قال هجّدنا فقد طال السّرىوقدرنا إن خنى الدّهر غفل
قلّما عرّس حتّى هجتهبالتّباشير من الصّبح الأول
يلمس الأحلاس فى منزلهبيديه كاليهودىّ المصلّ
يتمارى فى الّذي قلت لهولقد يسمع قولى حيّهل
ومن ذلك قول ذى الرمة:
وليل كأثناء الرّويزىّ جبتهبأربعة، والشّخص فى العين واحد
- والرّويزىّ، هو الطيلسان. وقد روى أيضا: «كجلباب العروس ادّرعته»؛ وكل ذلك وصف له بالسواد؛ لأن الطيلسان أسود، وجلباب العروس أخضر، والعرب تجمع بين الخضرة والسواد-
أحمّ علافىّ، وأبيض صارم،وأعيس مهريّ، وأشعث ماجد
أخو شقّة جاب الفلاة بنفسهعلى الهول حتّى طوّحته المطارد
وأشعث مثل السّيف قد لاح جسمهوجيف المهارى والهموم الأباعد
سقاه الكرى كأس النّعاس فرأسهلدين الكرى من آخر الليل ساجد
أقمت له صدر المطىّ فما درىأجائرة أعناقها أم قواصد!
ترى النّاشئ الغرّيد يضحى كأنهعلى الرّحل ممّا منّه السّير عاصد
ومن ذلك قول أبى حيّة النميرىّ:
وأغيد من طول السّرى برّحت بهأفانين نهّاض على الأين مرجم
سريت به حتّى إذا ما تمزّقتتوالى الدّجى عن واضح اللّون معلم
أنخنا فلمّا أن جرت فى دماغهوعينيه كأس النّوم قلت له: قم
فما قام إلّا بين أيد تقيمهكما عطفت ريح الصّبا خوط ساسم
خطا الكره مغلوبا كأنّ لسانهلما ردّ من رجع لسان المبلسم
وودّ بوسطى الخمس منه لو أنّنارحلنا وقلنا فى المناخ له: نم
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع