من «التشبيهات» لابن أبي عون (ت ٣٢٢هـ)
باب ٣٦ في النرجس
ومن جيد ما قيل في النرجس ما أنشدناه المبرد
نرجسةٌ لا حظني طرفهايشبهُ ديناراً على درهمِ
وقال عبيد الله بن عبد الله فيه المنسرح
ترنو بأبصارها إليك كماترنو إذا خافت اليعافيرُ
مثلَ اليواقيتِ قد نظمنَ علىزمردٍ فوقهنَّ كافورُ
كأنها والعيونُ ترمقهادراهمٌ وسطها دنانيرُ
وقال أبو نواس
لدي نرجسٍ غضِّ القطافِ كأنهإذا ما منحناهُ العيونَ عيونُ
مخالفةٌ في شكلهنَّ فصفرةٌمكانَ سوادٍ والبياضُ جفونُ
وقال وذكر العلةَ في أنه كعينٍ لا تطرفُ فصار التشبيه تاماً وهو
كأنما النرجسُ يحكي لناعينَ محبٍّ أبداً تنظرُ
لا تطرفُ الدهرَ لإشفاقهاتخوفاً من نظرةٍ تقصرُ
وقال آخر
وكأنّ العيونَ في النرجسِ الغضِّ عيونٌ قد وكلتْ بالسهودِ
وقال ابن الرومي يفضل النرجس على الورد
خجلتْ خدودُ الوردِ من تفضيلهِخجلاً توردها عليه شاهدُ
لم يخجل الوردُ الموردُ لونهُإلا وناحلهُ الفضيلةَ عاندُ
للنرجسِ الفضلُ المبينُ وإنْ أبىآبٍ وحادَ عن الطريقةِ حائدُ
فصلُ القضيةِ إنَّ هذا قائدٌزهرَ الربيعِ وإنَّ هذا طاردُ
شتانَ بينَ اثنينِ هذا موعدٌبتسلبِ الدنيا وهذا واعدُ
وإذا احتفظتَ به فأمتعُ صاحبٍبحياتهِ لو أن حياً خالدُ
ينهي النديمَ عن القبيحِ بلحظةٍوعلى المدامةِ والسماعِ مساعدُ
أطلبْ بعقلكَ في الملاحِ سميهُيوماً فإنكَ لا محالةَ واجدُ
والوردُ لو فتشتَ فرداً في اسمهِما في الملاحِ له سميٌّ واحدُ
هذي النجومُ هي التي ربتهمابحيا السحابِ كما يربي الوالدُ
فانظرْ إلى الأخوينِ من أدناهماشبهاً بوالدهِ فذاك الماجدُ
أين الخدودُ من العيونِ نفاسةًورئاسةً لولا القياسُ الفاسدُ
وقال الناشي المتقارب
أخص الصفات التيتناولها من كثبْ
عيونٌ بلا أوجهٍلها حدقٌ من ذهبْ
وقال ابن المعتز
كأنَّ عيونَ النرجسِ الغضِ بيننامداهنُ درٍّ بينهنَّ عقيقُ
إذا بلهنَّ القطرُ خلتَ دموعهابكاءَ عيونٍ كحلهنَّ خلوقُ
وقال ابن الرومي يستهدي نبيذاً
أدركْ ثقاتكَ أنهمْ وقعوافي نرجسٍ معه ابنةُ العنبِ
فهمُ بحالٍ لو بصرتَ بهاسبحتَ من عجبٍ ومن طربِ
ريحانهمْ ذهبٌ على دررٍوشرابهمْ دررٌ على ذهبِ
يا نرجسَ الدنيا أقمْ أبداًللاقتراحِ ودائرِ النخبِ
هذبَ العيونُ إذا مثلنَ بهادررُ الجفونِ زبرجدُ القضبِ
وأنشدنا زبير بن بكار
شموسٌ وأقمارٌ من الزهرِ طلعُلذي اللهوِ في أكنافها متمتعُ
نشاوَى تثنيها الرياحُ فتنثنيويلثمُ بعضٌ بعضها ثمَّ يرجعُ
كانَّ عليها من مجاجةِ طلهالآلئ إلا أنها هي ألمعُ
ويحدرُها عنها الصبا فكأنهادموعٌ مراها البينُ والبين يفجعُ
وقال ابن المعتز في قصيدة له يصف فيها جملة الأنوار
أما ترى البستانَ كيفَ نوراونشرَ المنشورَ برداً أصفرا
وضحكَ الوردُ على الشقائقِواعتنقَ الغصنَ اعتناقَ وامقِ
في روضةٍ كحللِ العروسِوخرمٌ كهامةِ الطاؤوسِ
وياسمين في ذرى الأغصانِمنتظمٌ كقطعِ العقيانِ
والسروُ مثلُ قضبِ الزبرجدِقد استمدّ الماء من تربٍ ندِي
على رياضٍ وثرًى ثريِّوجدولٍ كالمبردِ المجلي
وفرخَ الخشخاشُ حيناً وفتقْكأنه مصحفةٌ بيضُ الورقْ
أو مثلُ أقداحِ من البلورِتخالها تجسمتْ من نورِ
تبصرهُ بعدَ انتشارِ الوردِمثلَ الدبابيسِ بأيدي الجندِ
والسوسنُ الآزاذُ منشورُ الحللْكقطنٍ قد مسهُ بعضُ البللْ
وقد بدتْ فيه ثمارُ الكسبرِكأنها جماجمٌ من عنبرِ
وحلقُ البهارِ حولَ الآسِجمجمةٌ كهامةِ الشماسِ
وجلنارٌ كاحمرارِ الوردِأو مثلُ أعرافِ ديوكِ الهندِ
والأقحوانُ كالثنايا الغرِّقد فصلتْ أنوارها بالقطرِ
ومن جيد التشبيه فيها في ذم الشتاء
وقد نسيتُ شررَ الكانونِكأنه نثارُ ياسمينِ
وتركَ البساطُ بعد الخمدِذا نقطٍ سودٍ كجلدِ الفهدِ
وتشبيه البهار بهامة الشماس مأخوذ من قول ابن الرومي في صفة روضة
وروضةٍ عذراء غيرِ عانسهْجادتْ لها كلُّ سماءٍ راجسهْ
كأنما الألسنُ عنها لاحسهْفيها شموسٌ للبهارِ وارسهْ
كأنها جماجمُ الشمامسهْتروقكَ النورةُ منها الناكسهْ
بعينِ يقظَى وبجيدِ ناعسهْلؤلؤةُ الطلِّ عليها فارسهْ
وقال ابن المعتز
يا ربما نازعتهُروح دنانٍ صافيه
في روضةٍ كأنهاجلدُ سماءٍ عاريهْ
وقال الأخيطل الواسطي
سقياً لأرضٍ إذا ما نمتُ ينبهنيبعد الهدوءِ بها قرعُ النواقيسِ
كأنه سوسنها في كل شارفةٍعلى الميادين أذنابُ الطواويسِ
وقال ابن المعتز
ظللتُ بملهى خيرَ يومٍ وملعبِتدور علينا الكأسُ في فتيةٍ زهرِ
لدي نرجسٍ غضٍ وسرو كأنهُقدودُ جوارٍ ملنَ في أزرٍ خضرِ
وقال سعيد بن حميد يذكر روضةً
حفتْ بسروٍ كالقيانِ تلبسْخضرَ الحريرِ على قوامٍ معتدلْ
فكأنها والريحُ تخطرُ بينهاتنوي التعانقَ ثم يمنعها الخجلْ
وله
وترى الغصونَ إذا الرياحُ تنفستْملتفةً كتعانقِ الأحبابِ
وقال ابن الرومي
ورياضٍ تخايلُ الأرضُ فيهاخيلاء الفتاةِ في الأبرادِ
ذاتِ وشيٍ تكلفتهُ سوراٍلبقاتٌ تحوكهُ وغوادِ
شكرتْ نعمةَ الوليِّ على الوسميِّ ثمَّ العهدَ بعدَ العهدِ
هي تثنِي على السماءِ ثناءًطيبَ النشرِ شائعاً في البلادِ
من نسيمٍ كأنَّ مسراهُ في الأرواحِ مسرى الأرواحِ في الأجسادِ
منظرٌ معجبٌ تحيةُ إلفٍريحها ريحُ طيبِ الأولادِ
تتداعى بها حمائمُ مشتىكالبواكي وكالقيانِ الشوادِ
وقال آخر
إلى الروضِ الذي قد أضحكتهُشآبيبُ السحائبِ بالبكاءِ
كأنَّ شقائقَ النعمانِ فيهثيابٌ قد روينَ من الدماءِ
وقال الأخيطل
هذي الشقائق قد أبصرتُ حمرتهامستشرفاتٌ على عيدانها الذللِ
كأنها دمعةٌ قد مسحتْ كحلاًفاضتْ بها غبرةٌ في وجنتي خجلِ
وقال ابن المعتز
فطافَ بها ساقٍ أريبٌ بمبزلٍكخنجرِ عيارٍ صناعتهُ الفتك
وحملَ آذريونةً فوقَ أذنهِككأسِ عقيقٍ في قرارتها مسكُ
وقال آخر في البنفسج
وكأنّ البنفسجَ الغضَّ يحكيأثر اللطمِ في خدودِ الغيدِ
وقال العلوي الكوفي
دمنٌ كأنَّ رياضهايكسينَ أعلامَ المطارفْ
وكأنما غدرانهافيها عشورٌ في مصاحفْ
وكأنما أنوارهاتهتزَّ بالريحِ العواصفْ
طررُ الوصائفِ يلتقينَ بها إلى طررِ الوصائفْ
باتتْ سواريها تمخضُ في رواعدها القواصفْ
وكأنَّ لمعَ بروقهافي الجوِ أسيافُ المثاقفْ
ثم انبرتْ سحاً كباكيةٍ بأربعةٍ ذوارفْ
وقال البحتري
أتاكَ الربيعُ الطلقُ يختالُ ضاحكاًمن الحسنِ حتى كاد أن يتكلما
وقد نبهَ النوروزُ في غلسِ الدجىأوائلَ وردٍ كنَّ بالأمسِ نوما
يفتحهُ بردُ الندى فكأنمايبثُّ حديثاً كان قبلُ مكتما
ومن شجرٍ ردَّ الربيعُ لباسهُعليه كما نشرتَ وشياً منمنما
أحلَّ فأبدَى للعيونِ بشاشةًوكان قذًى للعينِ إذ كان محرما
وقال ابن الرومي
أصبحتِ الدنيا تروقُ من نظرْبمنظرٍ فيه جلاءٌ للبصرْ
واهاً لها مصطنعاً لقد شكرْأثنتْ على اللهِ بالآلاءِ المطرْ
فالأرضُ في روضٍ كأفوافِ الحبرْتبرجتْ بعدَ حياءٍ وخفرْ
تبرجَ الأنثى تصدتْ للذكرْ
وقال ابن المعتز في روضةٍ
جلا لنا وجهُ الثرى عن منظرِكالعصبِ أو كالوشيِ أو كالجوهرِ
من أبيضٍ وأصفرٍ وأحمرِوطارِفٍ أجفانهُ لم تنظرِ
تخالهُ العينُ فماً لم يفغرِوفاتقٍ كادَ ولم ينورِ
كأنه مبتسمٌ لم يكشرِوأدمعُ الغدرانِ لم تكدرِ
كأنها دراهمٌ في منشرِأو كعشورِ المصحفِ المنشرِ
فيه الندى مستوقفاً لم يقطرِكدمعةٍ حائرةٍ في محجرِ
وقال عبد الصمد بن المعذلِ وينسب بعضهم هذه الأبيات إلى خالد الكاتب
رأتْ منه عيني منظرينِ كما رأتْمن الشمسِ والبدرِ المنيرِ على الأرضِ
عشيةَ حياني بوردٍ كأنهخدودٌ أضيفتْ بعضهنَّ إلى بعضِ
ونازعني كأساً كأنَّ رضابهادموعِيَ لما صدَّ عن مقلتِي غمضي
وولَّى وفعلُ السكرِ في حركاتهِمن الراحِ فعلُ الريحِ بالغصنِ الغض
وقال علي بن الجهم
ما أخطأ الوردُ منك شيئاًطيباً وحسناً ولا ملالا
أقام حتى إذا أنسنابقربهِ أسرعَ انتقالا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع