من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)
باب في الأبنية والدور والصحون والقصور
من أحسن ما قيل في البناء قول عليّ بن الجهم في بناء المتوكّل:
مازِلْتُ أَسمَعُ أنّ المُلوكَ تَبْنِى على قَدْرِ أَقدارِها
ويُعرَفُ فَضْلُ عُقُولِ الرَجالِ بتَدْبيرها وبآثَارِهَا
فلمّا رَأَيْنَا بِنَاءَ الإِمَامَرَأَيْنَا الخِلافة في دارِهَا
بَدائعُ لهم تَرهَا فارِسٌولا الرُّومُ في طُولِ أَعْمارِها
صُحُونٌ تُسَافِر فيها العُيونُوتَحْسَرُ من بُعْدِ أَقْطارِها
وقُبَّةُ مُلْكٍ كأنّ النُّجومَ تُصغِىة إليْهَا بأَسْراَرِها
تَخرُّ الُوفودُ لها سُجَّداًإذا ما تَجَلَّتْ لأبْصارِها
لها شُرُفاتٌ كأنّ الرِّبِيعَكَسَاهَا الرِّياضَ بأَنْوارِها
نَظَمْن الفِسَافِسَ نَظْمَ الحُليّلِعُونِ النِّساءِ وأَبكارِهَا
فهُنّ كمُصطَحبَاتٍ بَرَزْنَلفِصْحِ النَّصَارَى وإِفْطَارِهَا
فمن بين عاقِصة شَعْرهَاومُرْسِلةٍ عَقْدَ زُنّارِهَا
وأَرْوِقةٌ شَطْرُهَا للرُّخامِوللتِّبرِ أَكْرَمُ أَشْطَارِهَا
إذَا لمَعتْ تَسْتَبِينُ العُيونُ فيها مَنَابِتَ أَشْفَارِهَا
إِذَا أُوقِدَتْ نَارُها بالعِرَاقِأضاءَ الحِجَازَ سَنَا نَرِهَا
وقول أبي عينية في قصر أنسٍ بالبصرة:
فياحُسْنَ ذاك القَصْرِ قصْراً ونُزْهَةًبأفْيَحَ سَهْلٍ غَيْرِ وَعْرٍ ولا ضَنْكِ
يُذكِّرني الفِرْدوس طَوْراً فأرعَوِىوطَوْراً يُوَاتِيني على القَصْفِ والفَتْكِ
بغَرْسٍ كأَبْقَارِ الجَوَارِى وتُرْبةٍكأّن ثَرَاها ماءُ وَرْدٍ على مِسْكِ
كأنّ قُصُور القَوْم تَنْظُرُ حوْلَهإلى مَلِكٍ مُوفٍ على مِنْبَرِ المُلْكِ
يُدِلُّ عليها مُسْتَطِيلاً بمُلْكِهِويَضْحك منها وهْيَ مُطْرِقةٌ تَبكيِ
وأيضاً:
قُصُورُ المَالكيّةٍ كالعّذارَىلبِسْنَ خُلِيَّهنّ ليَوْم عُرْسِ
مُطِلاّتٍ عليى بَطْنٍ كَسَاهُدَبِيبُ المَاءِ خِلقَةَ كُلِّ غَرْسِ
إذا بَردَ الظَّلام على ثَرَاهَاتَنَفَّس نَوْرُهَا من غَيْر نَفْسِ
يُفتِّقُها المِسَاءُ بكلِّ طِيبٍويُضحِكها مَطَالِعُ كلِّ شَمْسِ
وللمريميّ:
للهِ قَصْرٌ بنَاهُ ابنُ العلاءِ لقدْزِيدَتْ به الغُوطَةُ الحَسْنَاءُ تَحْسِينَا
مُذكِّرٌ جَنَّةَ اللهِ التي ذُكِرَتفي وَحْيِهِ وأُعِدَّت للمُطِيعينا
له مَحَاسِنُ أَعلاها كأَسْفلهانَقْشاً وفَرْشاً وتَزْويقاً وتَزْيِينَا
إِذا تَأَمَّلَ شِيْئاً من بَدَائعهاطَرْفٌ تأمَّلَ دُرَّاً مِنءه مَكْنُونَا
قَصْرٌ غَدَا الحُسْنُ مَقْصُوراً عليه بهِلمّا غَدَا مِسْكَناً للجُودِ مَسكُونَا
وللبحتريّ يذكر بناء المتوكّل ويصف القصر الذي سمّاه الجعفريّ، من قصيدة:
قد تَمَّ حُسْنُ الجَعْفَرِيّ ولم يكنلِيَتِمَّ إلاّ بالخَلِيفَةِ جعْفَرِ
مَلِكٍ تَبوَّأَ خَيْرَ دارٍ أُنشئَتْفي خَيْر دارٍ للأَنَامِ ومَحْضرِ
في رأْسِ مُشْرِفةٍ حَصَاهَا لُؤْلؤٌوتُرابُهَا مِسْكٌ يُشَابُ بعَنْبرِ
مُخضَرّةٌ والغيْثُ ليس يسَاكبٍومُضِيئَةٌ واللَّيلُ ليس بمُقْمِرِ
وفيها:
أَزْرَى على هِمَمِ المُلُوكِ وغَضَّ منبُنْيانِ كِسُرَى في الزَّمَان وقَيْصرِ
عالٍ على لحْطِ العُيُونِ كأنَّمايَنظُرْنَ منه إلى بَيَاضِ المُشْتَرِى
مَلأَتْ جَوَانبُهُ الفَضَاءَ وعَانقَتْشُرُفاتُه قِطَعَ السَّحَابِ المُمْطِرِ
وتَسِيرُ دجْلة تَحْتَه ففِنَاؤُهُمن لُجّةٍ غَمْرٍ ورَوْضٍ أَخْضَرِ
شَجَرٌ تُلاعِبُهُ الرِّياحُ فتَنثَنِىأعطافُه في سابحٍ متفَجِّرِ
قد جِئتُهُ فنزلتُ أَيْمَنَ مَنزِلٍورأيتُه فرأيْتُ أحسنَ منظرِ
فاعْمُرهُ بالعُمرش الطَّويل ونعْمَةٍتَبْقَى بَشَاشتُهَا بَقَاءَ الأَعْصُرِ
وله أيضاً:
مَقاصِيرُ مُلْكٍ أَقْبَلَت بوُجُوهِهَاعلى منْظَرٍ من عُرْضِ دجْلةَ مُونِقِ
كأنّ القِبَابَ البَيْض والشَّمْسُ طَلْقَةٌتُضَاحِكُهَا أنْصَافُ بَيْضٍ مُفَلَّقِ
ومِن شُرُفات في السَّمَاء كأنَّماقَوَادِمُ بِيضَانِ الحَمَام المُحَلّقِ
ولخالد الكاتب في برج المتوكّل:
بَنَى إمَامُ الهُدَى بُرْجاً يُقَال لهبُرْجُ السُّرورِ وبُرْجُ اليُمْنِ والظَّفَرِ
كأنّه، والّذي يُبْقِي الإمَامَ له،بُرْجٌ من السَّعْد بين الشَّمْسِ والقَمَرِ
وأنا أستحسن قول القِصَافيّ يصف بناءً ابتناه محمّد بن عبد الله بن طاهر:
بَارَكَ اللهُ للأَمِيرِ ابي العبّاسِ في المَنْزِلِ البّديِعِ البِنَاءِ
بالمَحَلِّ المُبَارَكِ العَطِرِ التُّرْبَةِ والمَرْبَعِ الرَّحِيبِ الفِنَاء
مَنْزِل فيه كلُّ ما صَبَت العَيْنُ إليه من بَهجَةٍ وبَهَاءِ
ولعمري لقد افتتح القول بأحسن افتتاحٍ وابتداءٍ وكذلك كانت ابتداءات القصافي حسنةً عذبةً.
منها:
راحُوا ولَمَّا يُؤْذِنُوا برَوَاحِ
وأيضاً:
غَيْرِي أَطاعَ مَلامَةَ العّذَّالِ
وأيضاً:
في دَمْعِهِ الجَارِي وإِعْوَالِهِما يُخْبِرُ السائِلَ عن حالهِ
وشعره كلُّه على هذا.
وللحسين بن الضَّحاك:
وحَسْبُك بالخيْر من مَنْظَرِإذا وَصَفَ الوَاصِفُونَ الخِيَارَا
زَهَا بمَجَالسَ رَقْرَاقةٍتَخالُ دُجَى اللَّيْل فيها نَهَارا
كأَن جَوَاسِقَهَا أَنْجُمٌيَزِينُ الأَكَابِرُ منها الصِّغارَا
ولا يَزْلقُ النَّعْلُ عن مَتْنِهَاإذا انْهمَر المُزْنُ فيها انْهِمَارَا
وله أيضاً:
يا وَاهِبَ الطّارِف والتَّلِيدِ
ما مِثْلُ بُنْيَانِكَ بالمَوجُودِ
فكَمْ به من جَوْسَقٍ مَشِيدِ
مُغْتَرِبٍ في وَصْفِه وَحِيدِ
قِبابُه في أَحْسنِ القُدُودِ
لأْلأُوها باقِيةُ الوُفُودِ
جالِسَةٌ للنَّظر الحَدِيدِ
فُضِّلْن في القِسْمَة والتَّحديدِ
على انْفِصَالِ أَنْجُمِ السُّعُودِ
كأَنّهَا في النَّظَرِ المشِيدِ
بَيْضُ أدَاحٍ لاحَ في صعدِ
وله أيضاً في بُرْج المتوكّل:
ما كان بالبُرْج مذْ كانتْ أوائلُنَاولا يَكُون بِناءٌ مِثْله أَبَدَا
كأنّه فَلَكٌ تَختالُ أنجمُهُإذا التَّهَلُّلُ من تِيجانِهِ اطَّرَدَا
يُضَاحِكُ الدُّرَّ في أكْنافِه فِلَقٌمن الزَّبَرْجَدِ ما يُحْصَى لَه عدَدَا
عَفَّى على عَرْش بلْقِيس ببهْجَتِهِوفَاتَ في الحُسْنِ حتّى جاوَزَ الأَمَدَا
فنضْرَةُ البُرْجِ بالفِرْدَوس مُذْكِرَةٌمَنْ قاسَ ما غَابَ عنه بالّذي شَهِدا
مُمَهَّدٌ بمِهَادٍ لا يُحِيطُ بهوَصْفُ البَليغِ إذا ما جدَّ واجتَهَدَا
من اللُّجيْنِ به والتِّبر آنِيَةٌلوْ صِيغَ من أُحُدٍ أَمثالُهَا نَفِدَا
وله أيضاً:
ما اجْتلَتْ عَيْنُ ناظِرٍ كجِنَانٍشِدُتَ فيها جَوَاسِقاً وقُصُورَا
مُشْرِفات على حَدَائقَ وُشِّينَ من النَّوْرِ سُنْدُساً وحَرِيرَا
فلنُوَّارِهَا إذا وَضحَ الصُّبْحُ دير الزور! فِيفٌ يكادُ يُعْشِى البَصيِرَا
قدَّسَ اللهُ ما ابتَنيت وأثَّلْتتَ ولازَال آهِلاً مَعْمورَا
وله أيضاً:
ما رأينا بشراً قبلك في صورة بدر
شيَّد اللهَ له قَصْراً على لُجَّةِ بَحْرِ
مُشْرِفاً مُعْتَدلَ الصَّنْعَةِ في أَحْسَنِ قَدْرِ
بِدْعَةٌ أَلَّفَهَا لَفْظُكَ عن أحْكَمِ فِكْرِ
هِمَّةٌ غالَبْتَ عن سَوْرَتِهَا أَغْلبَ نَهْرِ
فَتَبَوَّأتَ على أَمْواجِه أَثْبَتَ قَصْرِ
تَحْتَهُ هَمْهمةٌ للرِّيح في نفخ ونَخْر
ومَجَالٌ لمَحِطِّ الماءِ في أَفْيَحَ غَمْرِ
مَنْزِلٌ فاضَ به سَيْبُك سَحًّا غيْرَ نزْرِ
وَصَلَ اللهُ لك العُمْرَ، أبا الفضل، بعُمْرِ
وقال الغلابيُّ: حدَّثنا الفضل بن عبد الرحمن بن شبيب بن شيبة قال: دخل عمِّى عبد الصمد بن شبيبٍ على عيسى بن جعفر بن المنصور وقد بنى قصره على نهر ابن عمر وبالبصرة، فأراد منه أن يصف بناءه فقال: أعزّ الله الأمير.
بنيت أحسن بناءٍ، بأوسع فضاءٍ، وأطيب فناءٍ، على أصفى ماءٍ، وأرقَّ هواءٍ، بين صرارٍ رعاءٍ وحيتانٍ وطباءٍ.
فقال له عيسى: والله. لبناء كلامك أحسن من بنائي. ووصله.
وفي هذا القصر يقول عبد الله بن أبي عيينة المهلّبيّ:
زُرْ وَادِىَ القَصْر نِعْمَ القَصْرُ والوَادِىلا بُدّ من زَوْرةٍ عن غَيْرِ مِيعادِ
زُرْهُ فليَس له شِبْهٌ يُقَارِبُهمن مَنْزِلِ حاضرٍ إِنْ شِئْتَ أَو بَادِى
تُرْفَى قَرَاقِيرُهُ والعِيسُ وَاقفةٌوالنّونُ والضّبُّ والمَلاّحُ والحادِى
وحدَّثنا محمّد بن يحيى قال: حدَّثني مسبِّح بن حاتم العلكىُّ قال: حدَّثني يعقوب بن جعفر بن سليمان قال: قال أبي للأصمعيّ: ما أحسن ما قال هذا الفتى المهلَّبيُّ في قصر عيسى بن جعفر، وأنشده الأبيات، فهل سبقه أحدٌ إليها؟ قال: نعم: هذا خليفة بن خلف الأقطع دخل على يزيد بن عمرو بن هبيرة وقد بنى قصره، يريد القصر في طريق الكوفة فأنشده قصيدةً أوّلها:
قُرِنَتْ رُؤُوسُ ظِبَائِهابالزُّرْقِ من حِيتَانِهَا
مُكَّاؤُهَا غَرِدٌ يُجِيبُ الوُرْقَ من وَرشَانِهَا
هكذا أنشدنيه محمّد بن يحيى، وأنشدنيه عليُّ بن سليمان من ورشانها جمع ورشان، قال: وكذلك الكروان جمع كروان، وأنشد:
كأنّهم الكِرْوَانُ أَبصَرْن بَازِيَا
وللحسين بن الضَّحّاك في البديع:
إِنّ البَدِيعَ لَفَرْدٌ في مَحَاسِنهلا زالَ ظِلُّك عَمَّا تَبْتَنِى أَبَدَا
تَكَادُ تَختِلسُ الأَبصارَ بَهْجَتُهإِذا تَأَلَّقَ بالعِقْيانِ واتَّقَدَا
بالسَّعدِ والطّائِرِ المَيْمُون فاغْنَ بِهلا زَالَ عيشُك منه ناعِماً رَغَدَا
مُلِّيتَ مُلكَك تَطوِيه وتَنْشُرُهتِسْعِينَ كامِلَةً أَعْوَامُهَا عَدَدَا
وللمريمىّ:
إِنِّى سَأَنْعَتُ مَنْزِلاَ لمُهَذَّبٍلا نَعْتَ إِلاَّ دُونَه إِغْرَاقُهُ
يَسْمُو ببَابٍ للمَكَارمِ فَتْحُهوعلى الصِّيانَةِ والتُّقَى إِغْلاقُه
لو كان مُرْتَفِعاً على قَدْر العُلاَما كَان إِلاَّ في المَجَرَّةِ طَاقُه
مَعمورةٌ عَرَصاتُهُ ورِحَابُهبالجُودِ قائمةٌ بها أَسواقُهُ
دُخَّالُه رَجُلانِ مَطْبِقُ طَرْفِهأو شاخِصٌ قد عَزَّهُ إِطْبَاقُهُ
هذَا يُحَيّرُ عَقْلَه خِيْرِيُّهُويَرُوقُ ذا حِيتَانُه ورِوَاقُهُ
أَيُّ الصّفاتِ يَزينُهُ لمُشَاهِدٍإِنْ غابَ عنه فقَلْبُهُ يَشْتاقُه
أَحَلاَوَةُ التَّقْديرِ أَمْ إِحْكامُهأَم رَوْعَةُ البُنْيَانِ أَم إِيثاقُهُ
أَم صَحْنُهُ وسَماؤُه أَم سُفْلُهونَقَاؤُهُ أَمْ عُلْوُهُ وطِبَاقُهُ
تَحْكِى زَخَارِفهُ زَخَارِفَ ما حَوَىفكأَنّما أَقسامُه أَعْلاقُهُ
وكأَنّمَا نُشِرَتْ عليه تُخُوتُهفعَلَتْه أَو نُثِرَتْ عليه حِقَاقُهُ
حَسَنٌ أَجادَ بِنَاءَه بَنَّاؤُهُلأَغَرَّ حِسَّنَ خَلْقَه خَلاّقُهُ
باليُمْن يَسْكُنُه ويُزْغَمُ شَانِىءٌومُكَاشِرٌ بوِدَادِهِ مَذَّاقُهُ
ولابن طباطبا:
يا مَنْ رَأَىالقُبَّةَ الَّتِي اجْتَمَعَتْمَنَاقِبُ الخُلْدِ في مَنَاقِبِهَا
كأَنَّهَا جَنّة مُزَخْرَفَةٌزَيَّنَهَا رَبُّهَا لطَالِبهَا
تَظَلُّ فيها العُقُولُ حائِرةًويَقْصُرُ الوَهْمُ عن عَجَائِبِهَا
دانَتْ لَهَا الجِنُّ عند رُؤْيتهاللإِنْسِ إِذْ نحْن في غَرَائِبها
في سَمْكِها دِيمةٌ تَثُجُّ بلاّسَحابةٍ أُنشِئَتْ لسَاكِبِها
تَهمِى لنا والسَّمَاءُ مُصحِيَةٌلا يُرتَجَى الدَّرُّ من سَحائِبها
فيها نُقُوشٌ يَحكِى مُنَمْنَمُهَامُنَمْنَمَ الرَّوْضِ في جَوَانِبِهَا
وللحلبيّ في قبَّة آبنوسٍ:
بَنَيْتَ عليكَ قُبَّةَ آبنُوسٍتَتِيهُ على قِبَابِ الآبنُوسِ
تَطولُ برأْسها كِبْراً فتُضْحِىقِبَابُ النّاسِ خاضِعةَ الرُّوؤُسِ
كأَنَّ العَاجَ مُبتْمَسِماً عَلَيْهَاشُموسٌ يَبْتَسِمْنَ إلى شُموسِ
كأَنّ سَمَاءَهَا رَوضُ الأَقاحِىتُفَصَّلُ بالعُقُودِ وبالسُّلُوسِ
كأّنّ غِشَاءَها المُلْقَى قِنَاعٌعلى عَيْطَاءَ بَكْرٍ عَيْطَموسِ
مُعَصْفَرَة اللّبُوسِ وآلُ حامٍنِسَاؤُهُمُ مُعَصْفرةُ اللبُوسِ
كقيْنَةِ مَجْلِسٍ حَسناءَ تَعْلُوعلى الفَتَيَات في حُسْنِ الجُلُوسِ
تُكَفَّرُ في جَوَانبها الحَنَايَاكتَكْفيِر الشَّمَامِسِ والقُسُوسِ
لَئِنْ رَأَسَتْ لقد عَظُمَت وزَادَتْرِيَاسَتُها بصَاحِبِهَا الرَّئِيسِ
ولأبي طالبٍ الحسين بن عليٍّ في قصرٍ:
والقَصُرُ يَبْسِمُ في وَجْهِ الضُّحَى فتَرَىوَجْهَ الضُّحَى عندَمَا أَبدَى له شَحَبَا
يَبِيتُ أَعْلاَه بالجَوْزَاءِ مُنْتَطِقاًويَغْتَدِى يرِدَاءِ الغَيْمِ مُحْتَجِبَا
تَطامَنتْ نَحْوَه الإِيوانُ حينَ سَماذُلاًّ وكيف تُضَاهِى فَارِسُ العَرَبَا
إِذا القُصورُ إلى أَرْبَابها انْتَسَبَتْأَضْحَى إِلى القِمَّة العَلْيَاءِ مُنْتَسِبَا
فصِلْهُ لا وَصَلَتك الحادثاتُ ولازَالَتْ سُعُودُك حتَّى تُنفِدَ الحِقَبَا
بَرٌّ وبَحْرٌ وكُثْبَانٌ مُدَبَّحةٌتَرَى النُّفُوسُ الأَمَانِي بَيْنَهَا كَثَبَا
ومَنْزِلٌ لا تَزَالُ الدَّهْرَ عَقْوَتُهجَدِيدةَ الرَّوْض جَدَّ الغَيْثُ أَو لَعِبَا
حَصْباؤُهُ لُؤُلؤٌ نَثْرٌ وتُرْبَتُهمِسْكٌ ذَكِىُّ فلو لم تَحْمِهِ انْتُهِبَا
وكُلُّ ناحِيَةٍ منه زَبَرْجَدةٌأَجْرَى اللُّجَيْنُ عليها جَدْوَلاً سَرِبَا
وله أيضاً:
باليُمْنِ ما رَفَعَ الأَمِيرُ وشَيَّدَاوبجدَّةِ النَّعْماءِ ما قد جَدَّدَا
قَصرٌ أَنافَ على القُصُور يَحُلَّهمَلِكُ أَنافَ على المُلُوك مُؤَيَّدَا
قُلْنَا وقد أَعلاه جَدُّ صاعِدفي الجَوِّ حتى ما يُصَادِفُ مَصْعَدَا
أَبَنِيَّةٌ ببِنَائِهَا فُضِحَ البُنَىأَمْ فَرْقَدٌ بسَنَاهُ شَانَ الفَرْقَدَا
غُرَفٌ تأَلَّقُ في الظَّلام فلوْ سَرَىبضِيائِهَا سارِى الدُّجُنَّةِ لاهْتَدَى
عُنِىَ الرَّبيعُ بها فنَشَّرَ حَوْلَهَاحُلَلاً تُدَبِّجُ وَشْيَهَا أَيدِي النَّدَى
وكَأَنَّمَا تُزْجِى السَّحَائِبُ فَوْقَهَاجَيْشاً يَهُزُّ البَرقُ فيه مِطْرَدَا
وكَاّنّما نَشَرَ الهَواءُ بجَوِّهَامن كلِّ ناحيةٍ رِدَاءً مُجْسَدَا
وللحسن بن محمّد بن الحسن:
دارُ أَمْنٍ مَيْمُونةُ الإِنشاءِوعُلُوٌّ مُشَيَّدٌ بعَلاّءِ
بَرَزَتْ بَهْجَةُ التَّأَلُّقِ منهابين مَقْصُورَةٍ وبين خِبَاء
عَلِمَ النّاسُ أَنّهَا الفردُ في الحُسْن فدَانُوا لها بفَرْدِ البِنَاءِ
ورَأَوْا كَوْنَهَا بغَيْرِ نَدِيدٍفدَعَوها نِهَايَةَ الأَشْيَاءِ
مِثْل عَدْنِ الجِنَانِ يُدْرِكُ فيها المَرْءُ ما شَاءَهُ من الأَهْواءِ
وكَاَنّ الضِّياءَ وَقْفٌ عَلَيْهَافهْي تَكْسُو الآفَاقَ فَضْلَ ضِيَاءِ
مَنْزِلٌ أُسُّهُ الحَضِيضُ وأَعلاهُ يُسَاوِى كَوَاكِبَ الجَوزْاءِ
وفيها:
أُطُمٌ لا تكَاد تَبْلُغ بعضَ السَّمْكِ منها لَوَاحِظُ البُصَرَاءِ
فلَوَ أنّ الأَهْرَامَ أَهْرَامَ فِرِعونَ رَأَتْها أَغْضَتْ على الأَقْذاءِ
ولَوَ أنّ الإِيوان إِيوَانَ كِسْرَىرامَ منها لَسَاخَ في الغَبْرَاءِ
في فَضَاءٍ لوْ طَاوَلَت منه دَهناءُ تَمِيمٍ لم تُدْعَ أَرْضَ فَضَاءِ
في اسْتوَاءٍ يُضْحِى عِيَالاً عَلَيهمِن صُحُونِ الأَيّام كلُّ اسْتِوَاءِ
وفيها:
وكأَنّ الرِّوَاقَ حُكِّمَ في الحُسْنِ فلَمْ يَعْدُ كَثْرَةَ الإِحْتِوَاءِ
فاخِرٌ والمُحَنَّبَات بتيجانِ سُقوفٍ مَلْزُوزَةِ الأَصْلاءِ
ناظِرَات بأَعْيُنٍ بين كَحْلاَءَ ولمْ تَكْتحِلْ إِلى شَهلاءِ
ساكنَات إِذا العيُونُ تَحرَّكْنَ لشيْءٍ باللَّحْظِ والإِيماءِ
لم يُغَمِّضن مُذْ فتحْنَ يَدَ الدَّهْرِ لغَضٍّ يوماً ولا إِغْفَاءِ
مُحْدقات بها حَدائِق نورٍما غَذَتْهَا بَوَاكِرٌ الأَنْدَاءِ
وفيها:
دارُ مَجْدٍ حَوَتْ أَفانينَ كانتْأَعْيُنُ الخَلْقِ دُونَهَا في غِطَاءِ
نُزْهةٌ للعُيون مُذهِبَةٌ للْهَمِّ كَشّافةٌ جَوَى البُرَحَاءِ
لوْ سَعَتْ ساحةٌ بمِدْحَةِ بانٍلم تَكُنْ عَنْه سُوحُها ببِطَاءِ
كَعْبَةٌ حَجَّها العُفَاةُ فآبُوابعْدَ إِمْلاقِهم من الأَغنياءِ
ولعبد الله بن المعتزّ يصف الثريّا:
حَلَلْت الثُّرَيَّا خَيْرَ قَصْرٍ ومَنْزِلٍفلا زَالَ مَعْمُوراً وبُورِك من قَصْرِ
جِنَانٌ وأَشجارٌ تَلاَقَت غُصُونُهَاوحُلِّين بالأَثمار والوَرَقِ الخُضْرِ
تَرَى الطَّيْرَ في أَغْصَانِهِنّ هَوَاتِفاًتَنقَّلُ مِن وَكْرٍ لهنّ إِلى وَكْرِ
هَجَرْت سِوَاهَا كُلَّ دارٍ عَرَفْتهاوحُقّ لدَارٍ غَيْر دَارِكَ بالهَجْرِ
وأَنْهَارُ مَاءٍ كالسَّلاسِل فُجِّرَتلتُرضِعَ أَوْلادَ الرَّيَاحِينِ والزَّهْر
ومَيْدانُ وَحْشٍ تَرْكُضُ الخَيْلُ وَسْطَهُفيُؤْخَذُ منها ما يُشَاءُ على قَسْرِ
إِذَا ما رَأَتْ ماءَ الثُّرَيَّا ونَبْتَهَانَسِينَ وُثُوبَ الكَلْبِ فيهنّ والصَّقْرِ
وقلت في بيتٍ بناه الأمير أيَّده الله:
بَنَيْتَ بَيْتاً سَمَا للفَخْر مَصْعَدُهُواحْتَلَّ في ذِرْوَةِ العَلْيَا مُشَيّدُه
قد عَانَقَ الأُفْقَ حتَّى خِلْتَهُ كَلِفاًقد طالَ مِن وَجْدِه فيه تَلَدُّدُهُ
للنُّورِ في دَوْرِه لِعْبٌ ومُؤْتَلَقٌيَعلو ويَنْحِطُّ مُسْتَناٍّ تَوَقُّدُهُ
كأَنّه صارمٌ في كَفِّ مُدَّرِعٍيَسُلُّه في الدُّجَى طَوْراً ويَغْمِدُهُ
بَنَاهُ ذو هِمّةٍ عِلْماً وهَنْدَسَةًعَقْلاً ووَطَّدَهُ فِكْرٌ يُردِّدُهُ
أَسَاسُه مَجْدُه والجُودُ حَائِطُهوأَرْضُه فَضْلُه والسَّقْفُ سُؤْدَدُهُ
كأَنّه صَرْحُ بلْقِيسٍ وقد كَشَفَتْسَاقاً وظَنَّتْهُ ماءً خِيفَ مَوْرِدُهُ
أَقُول إِذْ كَلَّ وًصْفِي عنْه واعْتَذَرَتْشَوَاهِدُ الحُسْنِ عنِّي حِينَ تَشْهَدُهُ
بَيْتَانِ في الأَرْضِ بَيْتُ الله نَعْرِفُهُذِكْراً وذا البَيْتُ نَغْشَاه ونَقْصِدُهُ
مُبَارَكٌ عَرَّفَ اللهُ الأَمِيرَ بهيُمْنَ الجُلُوسِ ودَامَتْ فيه أَسْعُدُهُ
ولجعيفران الموسوس يصف قصراً ويهجو صاحبه:
يا قَصْرُ شانَكَ بُخْلُ صاحبك الّذيمافيه مَعْ إِمْسَاكِهِ مُسْتَمْتَعُ
أَنت العَروسُ لهَا جَمَالٌ فائِقٌلكِنَّهَا في كلِّ يَومٍ تُصْدَعُ
وأيضاً في مثله لغيره:
بَنَى أَبُو جعفرٍ دَاراً فشَيَّدَهَاومِثلُه لجِيَار الدُّروش بَنّاءُ
الجُوعُ داخِلُهَا والمَنْعُ طاهِرُهَاوفي جَوَانِبِهَا بُؤسٌ وضَرَّاءُ
ما يَنْفَعُ الدّارَ مِنْ تَزْوِيقِ صَاحِبِهاوليسَ في جَوْفِهَا خُبْزٌ ولا مَاءُ
ولأبي الطَّريف يذمُّ بيته:
فلو كانَ لي بَيْتٌ يَحِلُّ دُخُولُهلأَمْتَعتُكم بالقَصْفِ والشُّرْبِ والسُّكْرِ
ولكِنّما لي بَيْتُ سُوءٍ كأَنَّهبَقِيَّةُ نَاوُوسٍ على سَاحِلِ البَحْرِ
ولابن المعتزّ في بيتٍ ضيّقٍ كان فيه هو وجماعة من أصحابه:
يارُبّ بَيْتٍ زُرْتُهُ وكأَنَّمَاقد ضَمَّنى من ضِيقهِ سِجْنُ
ما يُحْسِنُ الرُّمّانُ يَجْمَعُ نَفْسَهُفي قِشْرِه إلاّ كما نَخْنُ
وأخذ أبو العبّاس السَّفَّاح بيد عبد الله بن عليٍّ يدوِّره في أبنيةٍ كانت نبنى له، فتمثَّل عبد الله:
أَلَمْ تَرَ حَوشَباً أَضْحَى يُبَنِّىبِنَاءً نَفْعُهَا لبَنِى بُقَيْلَهْ
يُرجِّى أَنْ يُعَمَّرَ عُمْرَ نُوحٍوأَمْرُ اللهِ يَطْرُقُ كلَّ لَيْلَهْ
فغضب السفّاح ونتر يده من يده. فحلف عبد الله أنه ما اعتمد سوءاً.
وبنى عليُّ بن محمّد بن عبد الله بن حسن داراً بالمدينة حسَّنها واجْتهد فيها، فلمّا فرغ منها قال:
حِسَّنْتُ دَارِى بعدَ عِلْمِى أَنَهسَيَفُوزُ بَعْدِى الوَارثونَ بحُسْنِهَا
فلَئِنْ بَنَيْتُ وكانَ غَيري نازِلاًفلَكَمْ نَزَلتُ مَنَازِلاً لم أَبْنِهَا
وقال محمّد بن يحيى: دخلت على أبي العبّاس عبد الله بن المعتزّ وقد هدم أكثر داره، وهو ينظر إلى الصُّنّاع كيف يبنون قبَّةً له، فكأنّى أشفقت من الغرم مع قلّة الدَّخل، فأومأت بالقول إلى ذلك، فأنشدني مساعداً لي:
أَلاّ مَن لِنَفْسٍ وأَشجانِهَاودَارٍ تَداعَتْ بحِيطانِهَا
أَظَلُّ نهارِىَ في شَمْسِهَامُلَقًّى مُعَنًّى ببُنْيَانِهَا
يُسَوَّدُ وَجْهِى بتَبْيِيضِهَاويخْرَبُ كِيْسِى بعُمْراَنِهَا
وقال وقد مدَّت دجلة فخرَّبت بعض داره:
أَتَتْنِىَ دِجْلَةُ لمْ أَدْعُهَافمَا صَنَعَ البَحْرُ ما تَصْنَعُ
طُفَيْلِيّةٌ لم تكن في الحساب تَأْكُلُ دارِى ولا تَشْبَعُ
فكَمْ مِنْ جِدَارٍ لنا مائِلٍوآخَرَ يَسْجُدُ أَو يَرْكَعُ
ويُمْطِرُنا السَّقْفُ من فَوقِنَاومِنْ تَحْتِنَا أَعْنُنٌ تَنْبُعُ
وأَصبَح بُسْتانُنا جَوْبَةًيُسَبِّحُ في مائِهِ الضِّفْدَعُ
وحدّثني أبو الحسن عليّ بن هارون بن عليّ بن يحيى بن أبي منصور قال: كان أبي نازلاً في جوار عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فانتقل عنها إلى دارٍ ابتاعها بنهر المهديّ، وهي دار إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، فكتب إليه عبيد الله بن عبد الله مستوحشاً:
يا منْ تَحَوَّلَ عنّا وهْو يَأْلَفُنَابَعُدْتَ جِدًّا فلأْياً صِرْتَ تَلْقَانَا
فاعْلَمْ بأنّك إِنْ بُدِّلْتَ جِيرتَنابُدِّلْتَ دَاراً وما بُدِّلْت جِيرَانَا
فأجابه أبو هارون بن عليّ:
بَعُدْتُ عنك بدارِى دُونَ خالِصَتيومَحْض وُدِّى وعَهْدِي كالّذِي كانَا
وما تَبَدَّلتُ مُذ فَارَقْتُ قُرْبَكُمُإلاّ هُمُوماً أُعانِيهَا وأَحْزَانَا
وهلْ يُسَرُّ بسُكْنَى دَارِهِ أَحَدٌوليسَ أَح
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع