تجاوز إلى المحتوى

من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)

في الطرد والجوارح وما يصطاد من السوانح والبوارح

أول من افتنَّ في فنون الطَّرد وأبدع فيه أبو نواس، لأنّه عمل في سائر الجوارح، مثل الكلب والبازي والزُّرّق والشاهين والصَّقر واليؤيؤ والباشق والفهد الزُّمَّج والعقاب وعناق الأرض وجميع ما يصطاد به من الآلات مثل قوس البندق والفخّ وقصب الدِّبق وما شاكل ذلك، ولم يأت للعرب في الطَّرد شعرٌ مفردٌ، بل كانت تصف النّاقة وتشبِّهها بالبقرة الوحشيّة إذا آسد عليها القنّاص الكلاب، افتناناً منها في أشعارها، ثمّ تصف الكلاب والطَّرد، كقول النابغة في الكلاب:

أَهْوَى له قانِصٌ يَسعَى بأَكْلبِهِعارِى الأَشَاجِع مِن قُنّاص أَنْمَارِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار»
يَسْعَى بغُبْسٍ طَوضاها، فَهْي طاوِيةٌ،طُولُ ارْتحالٍ بها مِنْهُ وتَسْيَارِ

وكقوله أيضاً:

فبَاتَ كأنّه قاضِي نُذُورٍسَرَى لله يَنْتَطِرُ الصَّبَاحَا
فصَبَّحَهُ كِلاَبُ بني تَمِيمٍبجَنْبِ الرَّدْهِ مِن جَدَهٍ كِفَاحَا
فلمَّا أَنْ تَبَيَّنَ ضارِياتٍوكَلاّباً يَعنُّ بهنّ سَاحَا
فأَعملَ للنَّجاءِ مُخَذْرَفَاتٍنَوَائِمَ أَذْرَفَتْ دَمْعاً صحَاحَا
فهنّ شَوَارِعٌ يَطْمَعنَ فيهولن يَتْرُكْنَه لَجَرَىصِفَاحَا
فلمّا أَنْ دَنَونَ له تَأَبَّىولولاَ بَأْوُهُ لَنَجَا طِمَاحَا

وله أيضاً:

فارْتَاعَ مِن صوتِ كَلاّبٍ فبَاتَ لَهُطَوْعَ الشَّوامِتِ من خَوْفٍ ومن صَرَدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»
فبَثَّهُنّ عليه فاسْتَمَرَّ بِهِصُمْعُ الكُعُوبِ بَرِيئَات مِن الحَرَدِ

وللبيد بن ربيعة:

حتّى إِذا يَئِس الرُّمَاةُ وأَرسَلواغُضْفاً دَوَاجِنَ قَافِلاً أَعْصَامُهَا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»
فلَحِقْنَ واعْتَكَرتْ لهَا مَدَرِيَّةٌكالسَّمْهَرِيَّةِ حَدُّها وتَمَامُهَا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»
لتَذُودَهنّ وأَيْقَنتْ إِنْ لم تَذُدْأَنْ قَدْ أَحَمَّ مَعَ الحُتُوفِ حِمَامُهَا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»
فتَقَصَّدَتْ منها كَسَابِ وضُرِّجَتْبدَمٍ وغُودِرَ في المَكَرّ سُحَامُهَا

وكقول زهير بن مسعودٍ الضَّبِّيّ:

فَنَالَ شَيْئاً ثُمَّ هاجَتْ بهِمُؤْسَدَةٌ فيهنّ تَدرِيبُ
للشاعر الأعسر الضبي، من قصيدة «أقفر من سلمى يناضيبُ»
غُضْفٌ ضَوَارٍ طُوِيَتْ فانْطَوتْكأَنّهَا ضُمْراً يَعَاسِيبُ
فجَال في وَحْشِيِّها نافِراًرَهْبَتَهَا والشَّرُّ مَرْهُوبُ
حتَى إِذَا قُلْتَ تَلاَقَيْنَهُوالحيْنُ.. للحينِ مجْلُوبُ
ثَنَّى لَها يَهْتِك أَسْحَارَهابمُتْمَئرٍّ فيه تَحْرِيبُ
حتَّى تَسَاقَطْنَ وخَلَّيْنهُورَوْقُهُ بالدَّمِ مَخْضوبُ
للشاعر الأعسر الضبي، من قصيدة «أقفر من سلمى يناضيبُ»

وللأخطل:

فأَرْسَلُوهنّ يُذْرِينَ التُّرابَ كمايُذْرِى سَبَائِخَ قُطْنٍ نّدْفُ أَوْتَارِ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «تغير الرسم من سلمى بأحفار»
حتَّى إِذا قُلْتُ نالَتْهُ سَوابِقُهَاوأَدرَكتْهُ بأَنْيَابٍ وأَظْفَارِ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «تغير الرسم من سلمى بأحفار»
أَنْحَى إِليهنّ عَيْناً غَيْرَ غافِلةٍوطَعْنَ مُحتَقِرِ الأَقْرَانِ كَرَّارِ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «تغير الرسم من سلمى بأحفار»

وله أيضاً:

هَاجَتْ به ذُبَّلٌ مُسْحٌ جَوَاعِرُهَاكأَنّمَا هُنَّ مِن نَبْعِيَّعٍ شِقَقُ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «يا مي هلا يجازي بعض ودكم»
فَظَلَّ يَهْوِى إِلى أَمْرٍ يُسَاقُ لَهوأَبْبَعَتَهُ كِلاَبُ الحَىِّ تَسْتَبِقُ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «يا مي هلا يجازي بعض ودكم»
لمَّا لَحِقْنَ به أَنْحَى بمِغْوَلِهِيَمْلاَ فَرَائِصَها من طَعْنِهِ العَلَقُ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «يا مي هلا يجازي بعض ودكم»

وله أيضاً:

أَمَّ الخُرُوجَ فأَفْزَعَتْهُ نَبْأَةٌزَوَتش المَعَارِفَ فَهْوض منها أَوْجَرُ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «بينا يجول بها عرته ليلة»
مِن مُخْلِقِ الأَطمارِ تَسْعَى حَوْلَهغُضْفٌ ذَوَابِلُ في القَلائِدِ ضُمَّرُ

ولبعض الرُّجّاز:

مُوَلَّعٌ يَقْرُو صَرِيماً قد بَقَلْ

صُبَّ عَلَيْه قانِصٌ لمَّا غَفَلْ

والشَّمْسُ كالمِرْآة في كَفِّ الأَشَلّْ

مُقَلدَّاتِ القِدِّ يَقْرُونَ الدَّغَلْ

وكانت أيضاً تصيد بالكلاب وبالخيل، ولم نجد لها إلاّ أبياتاً أنشدناها إبراهيم بن محمّد قال: أنشدنا أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابيّ، لأعرابيّ:

قد أَغْتَدِى واللَّيْلُ كالزّنجىِّ

يَنْهَضُ نَهْضَ العاتِبِ الوَجِىِّ

والصُّبْحُ خَلْفَ الفَلَق الدَّجِىِّ

بأَمعَرِ السَّاقَيْنش تَوَّجِىِّ

قَيدِ الإِوَزِّ ولَهَا البُنْجىِّ

ليس بمُحْثَلٍّ ولا عَجِىِّ

العاتب: الذي به ظلعٌ فهو يمشي على ضعفٍ، يقال: عتب يعتب عتباناً. ومن العتاب عتباً ومعتبةً، والفلق: الفجر، والدَّجِىّ: الذي فيه شيءٌ من سوادٍ، لهاً جمع لهاةٍ، البنجىّ: الكركيُّ، المحثلُّ، أصله التخفيف، أحثل فهو محثلٌ، إذا أسىءغذاؤه، العجىُّ: اليتيم من الحيوان من أمه، و: اليتيم من الناس من أبيه، وجمعه عجايا، وأنشد ابن الأعرابيّ:

عَدَانِي أَن أَزورَك أَنّ بَهْمِيعَجَايَا كُلُّها إلاّ قليلا

وما جاء للعرب من صفات العقبان والصُّقور فإنّما ذكروا أفعالها لأنفسها، لا أنّهم ضرَّوها على صيدها، فلمّا جاء الإسلام سئل النبي صلَّى الله عليه عن الصِّيد، فأنزل الله ﷿ يسألونك ماذا أحلَّ لهم قل أحلَّ لكم الطِّيِّبات وما علَّمتم من الجوارح مكلِّبين تعلِّمونهنَّ ممّا علَّمكم الله فكلوا ممّا أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتَّقوا الله إنّ الله سريع الحساب ونحن نأتي بما نختاره من شعر أبي نواس في فنون الطَّرد مختلطاً بشعر غيره بعد قطعةٍ لبعض الأعراب في ثعلبٍ صاده، أنشدها محمّد بن الحسن له:

للهِ دَرُّ أَبي الحُصَيْن لَقَد بَدَتْمنه مَحَاوِلُ حُوَّليٍّ قُلَّبِ
وَرَدَ الحِبَالَةَ وهْيَ صُورٌ نحوَهطَمَعاً لِتَعْلَقَهُ ولمَّا يَرْتَبِى
حتَّى إِذا شَملَت مَعَاقِدُ طَرْفِهِأَرْجاءَهَا تبأَمُّلٍ وتَأَرُّبِ
ويَدَاهُ وَاسِطتانِ لمَّا تَنْكُصَاأَو تقْدمَا لوُرُودِ عَزْمِ المَنْكبِ
صرَحَتْ به نَفْسُ النجىِّ مَخافَةًبادِرْ نَجَاءَكَ لا تُغَرّ فتشْعَبِ
فاسْتَدْبَرتْ إِحدَى يَدَيْهِ القَهْقَرَىوثَنَتْ به الأُخْرَى ثنِىَّ تَهَيُّب

فنَجَا وهَلْ يَنجو مَنَ اخطَأَهُ الرَّدَىفي البَدْءِ مِن عَوْدِ الرَّدَى المُتَأَوِّبِ

لم يَعْدُ بعْدَ نَجَائِهِ مِنْ ساعَةٍأَنْ قامَ قَوْمةَ نافِضٍ مُتَرقِّبِ
فظَللْتُ منه بمُرتأًى من شَحْصهفي كلِّ حالٍ أَمَّهَا أَو مَذْهَبِ
مُتَضَابِئاً طَوْراً لَدى اسْتِشْرَافهفمَتى يُوَهِّدْ في مَجَالٍ أَرْتَبِ
حتّى اطْمأَنّ وقامَ منَى شَخصُهُبمَكَانِ دانٍ للرِّمايَة مُكْثِبِ
فنَحَوْتُه سَهْمِى فأَنْشَبَ صُلْبَهشَكّاً وأَيّ رَمِيَّةٍ لمْ أُنْشِبِ
ثمّ انثنَيتُ إِلى بُنَيِّى مالِئاًكَفَّىَّ مُغْتَبِطاً بعَيْشٍ مُخْصِبِ
أَبُنَىّ أَيَّةُ خَلّةٍ محمودةِصَعُبَت على الطُلاَّب أَمْ لمْ تَصْعُبِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأنوار ومحاسن الأشعار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.