من «الممتع في صنعة الشعر» لعبد الكريم النهشلي (ت ٤٠٥هـ)
باب في العفو عمن أذنب
روي أن أعرابيا كانت له ابنة عم ذات حسن وجمال، فتزوج بها، وكان ابن أم الحكم عاملا لمعاوية بن أبي سفيان. وبلغ ابن أم الحكم حسنها وجمالها فأرسل للأعرابي، وقال له: يا أعرابي! هل لك سلو عن زوجتك ورغبة في طلاقها؟!. فقال الأعرابي: لا والله ما أسلو عنها، ولا أفارقها إلا إذا فارقت روحي جسدي. فحسبه ابن أم الحكم، وضيق عليه. وكان له إبل وشويهات، فأنفقهن عليها حتى نفذ ما معه، وشق به الحال فطلقها على جهد جهيد ووصل إلى عند معاوية، فلما مثل بين يديه، ووقف عليه أنشد:
معاوية ذا الفضل والجود والبذلوذا العطف والإحسان والبرد والعدل
فخذ لي هداك الله حقي من الذيرماني بسهم كان أهوانه قتلي
فقال معاوية: ما خبرك يا أعرابي، وما شأنك؟
فوصف له الأعرابي القصة وأنشد:
والحب داءٌ عسيرفيه الطبيب يحار
فليس ليلي ليــل ولا نهاري نهار
فكتب معاوية إلى ابن أم الحكم ووبخه، وزجره، ونهاره عن هذه وقال في آخر الكتاب:
لقد ركبت حراماً يا ابن غاويةأستغفر الله من جور امرئٍ زاني
فلما وصل الكتاب إلى ابن أم الحكم وقرأه، فلما وسعه إلا أن أن يسيرها إلى معاوية وكتب الجواب:
وما ركبت حراماً حين أعجبنيفكيف سميت باسم الجائر الزاني
وسوف تأتيك شمس لا خفاء بهاأبهى البرية من إنس ومن جان
فلما مثلت بين يدي معاوية فإذا هي أحسن الناس جمالا وكمالا، فقال: يا أعرابي! هل تسلو عنها؟. فقال: إذا فرقت بين رأسي وجسدي. فقال معاوية: أختاري الأعرابي أو ابن الحكم أو أنا!. فقالت: الأعرابي، فأخذها الأعرابي وهو يقول:
المستعيذ بعمرو عند كربتهكالمستعيذ من الرمضاءِ بالنار
ويروى أنه دخل عطاء بن رباح على أبي مسلم وقد كان حصلت معه هفوة، وعاتبه أبو
مسلم، فقال عطاء: أقول لك، فان كنت للذنب معتمداً فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوباً، فالعفو يسعك. فقال له صاحب مرو: عظيم ديني منع قلبي من الهوى. فقال أبو مسلم: يا عجبا! أقابلك بإحسان.
قال أبو عمرو بن العلاء: قدم أعرابي من الطائف على زياد، فذكر عن عامله بالطائف جوداً، فقال له زياد: أحسبك كاذباً. فقال: لست بكاذب. فقال: والله ما أظنك تعرف الصلاة المفترضة. قال: قد عرفتها والحمد لله. قال: فكم أفترض الله عليك من ركعة؟. فقال:
هن أربع ثم ثلاث وأربع بعدهنوركعتان الصبح لا يضيع
فقال زياد: أصبت فقال له: أيها الأمير فمسألة بمسألة. قال: ذلك لك. فقال له: كم أفقره ظهرك؟. فحار زياد، فقال له: أيها الأمير كنت غنياً عما أرى. فأمر كاتبه له بكتاب إلى العامل بإنصافه وصلته. وتناول الأعرابي الصحيفة وأنشأ يقول:
عناء قليل عن أرامل جوعصحائف بيض بينهن خطوط
فأمر له زياد بتعجيل ما في الصحيفة.
قال أبو عبيدة: كان أبو المظراب العنزي قد طلبه جعفر بن سليمان الهاشمي لجباياته، فهرب من بين يديه إلى البادية، وكان مع الوحش حتى أضر به البرد والجوع فكان ينشد:
ألا يا ظباء الرمل أحسن صحبتيواخفينني إن كان يخفى مكانيا
أكلت عروق الشرى معكن والتوىبحلقي شوك القر حتى ورانيا
وبت ضجيع الأسود الفرد بالغضافليت سليمان بن زير يرانيا
فقد لاقت الغزلان مني بليةوقد لاقت الغيلان مني الدواهيا
كان أبو العتاهية له في كل سنة مائة دينار وألف درهم من عند زبيدة إذ خرجت السكة الحديدة، وكان الرشيد يحمل منها كل سنة، فأخذه القلق. قال: فصرت إلى بابها ومعي تكة وخاتم مليح ورقعة، فو الله إني لببابها إذ خرجت وصيفة، فلوحت لها بالخاتم والتكة، فقالت: يا عماه، أتبيع التكة والخاتم؟. فقلت: لا ولكن هما لمن أوصل هذه الرقعة إلى السيدة. قالت: هاتها. فأخذت الخاتم والتكة، فما كان إلا أن وصلت الرقعة إلى أم جعفر، وفي الرقعة بيتان وهما:
خبروني أن من ضرب السكةجدداً بيضاً، وصفراً حسنه
سككاً قد جددت لم أرهامثل ما كنت أرى كل سنه
قالت أم جعفر: هذه والله رقعة أبي العتاهية، وقد أغفلناه. يا جارية! ادفعي إليه مائة دينار، وألف درهم.
حدث يموت بن المزرع أن امرأة من العرب كانت أمها فارسية، وكان بنو عمها كثيراً ما يعيرونها بأمها، فلما كثر ذلك عليها أنشأت تقول:
من آل فارس أخوالي أساورةهم الملوك وقومي سادة العرب
وجدتي تلبس الديباج ملحفةمن الفرير ولم تقعد على قتب
ولم تكب على الأبراد تنسجهامعاذ ربي، ولم تشرب من العلب
فقلن لها أوصيت قومك؟. فقالت: هم والله أشد إيجاعا وما قصدت إلا دفع شرهم.
وقالت هند بنت عتبة في ضد هذا:
لبيت تنفح الأرواح فيهأحب إلي من قصر منيف
وظل سميرة ولحيم جديأحب إلي من عنب قطيف
ولبس عباءة وتقر عينيأحب إلي من لبس الشقوف
وكلب يطرد الطراق عنيأحب إلي من قط أليف
وخرق من بني عمي نجيبأحب إلي من علج عنيف
وقال شاعر من تميم في ذم رأى تميم في سكنى البدو، ومدح رأى كسرى في اتخاذه الريف:
لكسرى كان أعقل من تميمعشية فر من بلد الضباب
فأنزل أهله ببلاد ريفوجنات وأنهار عذاب
فصاروا في محلتهم ملوكاًوصرناً نحن أمثال الكلاب
فلا رحم الإله جدا تميمفقد أزرى بنا في كل باب
وقال بعض ثقيف:
لله در ثقيف أي منزلةحلوا بها بين الأرض والجبل
قوم تخير طيب العيش رائدهمفأصبحوا يلحقون الأرض بالحلل
ليسوا كمن كانت الترحال همتهأخبث بعيش على حل ومرتحل
قال بعض الرواة: كنت حاجاً فأبصرت في بعض الطريق بمنى قبة فيها امرأتان على غاية الجمال إذ تكلمت إحداهما بكلام أرفثت فيه، فقلت: سبحان الله! يا أمة الله أما أنت حاجة؟!. فقالت: أيها الرجل أنا من اللواتي قال فيهن هذيل الأشجعي:
أماطت كساء الخز عن حر وجههاوأدنت على الخدين برداً مهلهلاً
من اللائي لم يحججن بيغين حسبةولكن ليقتلن البري المغفلا
ثم قالت: يا شيخ. النجاة؟، وأحذر أن تكون منهم.
قال الأصمعي: كنت في مجلس أبي عمرو بن العلاء فتذاكروا جريرا وحلاوة شعره، فقال أبو عمرو: أجمعت العرب على أن أقسام الشعر تؤول إلى أربعة أركان فمنه افتخار، ومنه مديح، ومنه هجاء، ومنه نسيب.
فأما الافتخار فسبق الناس إليه جرير في قوله:
إذا غضبت عليك بنو تميمحسبت الناس كلهم غضابا
وأما المديح فبرز فيه على الناس في قوله:
ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح
وأما الهجاء فبرز فيه على الناس في قوله:
فغض الطرف إنك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
وأما النسيب فبرز فيه على الناس بقوله:
إن العيون التي في طرفها حورقتلننا ثم لم يحين قتلانا
قال أبو عمرو. ظلمني الحجاج فهربت إلى صنعاء، وكنت بها أخفي شخصي نهاراً وأظهره ليلا، فإني لفي غداة من الغدوات إذ سمعت رجلا ينشد هذا البيت ك
ربما تجزع النفوس من الأمرله فرجة كحل العقال
وسمعت آخر يقول: مات الحجاج. قال: والله ما أدري فرحي بموت الحجاج كان أكثر أم بقول المنشد: له فرجة.
وأنشد الأصمعي للسموأل بن عاديا الغساني اليهودي: وبعضهم يرويها لعبد لملك بن عبد الرحيم الحارثي:
تعيرنا أنا قليل عديدنافقلت لها إن الكرام قليل
وما ضر من كانت بقاياه مثلناشباب تسامى للعلا وكهول
وما ضرنا أنا قليل وجارناعزيز، وجار الأكثرين ذليل
لنا جبل يحتله من نجيرهمنيع يرد الطرف وهو كليل
رسا أصله تحت الثرى وسما بهإلى النجم فرع لا ينال طويل
ونحن أناس لا نرى القتل سبةإذا ما رأته عامر وسلول
يقصر من أعمارنا حبنا لهوتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا سيد في فراشهولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد السيوف نفوسناوليست على غير السيوف تسيل
صفونا فلم نكدر وأخلص سرناإناث أطابت حملنا وفحول
علونا إلى خير الظهور وحطنالوقت إلى خير البطون نزول
ونحن كماء المزن ما في نصالناكهام، ولا فينا يعد بخيل
وننكر إن شئنا على الناس قولهمولا ينكرون القول حين نقول
وأيامنا معلومة في عدونالها غرر معلومة وحجول
وأسيافنا في كل شرق ومغرببها من قراع الدارعين فلول
معودة أن لا تسل نصالهافتغمد حتى يستباح قبيل
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهمفليس سواءً عالم وجهول
إذ مات منا سيد قام سيدقؤول لما قال الرجل فعول
وما أخمدت نار لنا دون طارقولا ذمنا في النازلين نزيل
وكان السموأل شاعراً كريماً شجاعاً، وهو أحد الأوفياء المذكورين بالوفاء وكان من خبر وفائه انه أجار قطين امرئ القيس بن حجر وأدراعه وكراعه حين توجه إلى ملك الروم، فلما مات أمرؤ القيس بأنقرة بعث الحارث بن أبي شمر الغساني إلى السموأل فيما استودعه امرؤ القيس، فأبى أن يسلمه إلا لمستحقه. فبعث إليه جيشاً عليه رجل من أهل بيته يقال له الحارث وكان السموأل ينزل حصنا يعرف بالأبلق الفرد من أرض تيماء. وإنما قيل له ذلك لأنه من حجارة بيض وسود. وكانت الزباء سارت إلى الأبلق هذا وإلى مارد حصن دومة الجندل، فامتنعا عليها، فقالت: تمرد مارد، وعز الأبلق.
فلما أخبر بهم أغلق باب حصنه، وكان له ابن إما في صيد، وإما في سفر، فجاء ولم يعلم أنه أطيف بأبيه، فأخذه الحارث وقال: أن أسلمت إلي
الوديعة خليت عن ابنك، وإلا قتلته ز فأبى أن يسلمها، فأخذ الحارث ابنه فصرعه، ثم ناداه: أشرف سموأل فانظر، فو الله لأقتلنه أو لتدفعن إلي الوديعة، فقال: إن الغدر طوق لا يبلى، ولابني هذا إخوة، وأنا أرجو أن يعقبنيه الله تعالى إن قتلته. فقتله. فقال السموأل في ذلك:
وفيت بأدرع الكندي إنيإذا عاقدت أقواماً وفيت
بنى لي عاديا حصناً منيعاًوبئرا كلما شئت استقيت
وكان السموأل يهوديا من أهل تيماء
وقال الأعشى:
أرى عاديا لم يدفع الموت مالهوفرد بتيماء اليهودي أبلق
بناه سليمان بن داود حقبةله أزج عال وطي موثق
يوازي كبيدات السماء ودونهبلاط ودارات وقلس وخندق
له درمك في رأسه ومشاربومسك وريحان وراح تصفق
فذلك لم يعجز من الموت ربهولكن أتاه الموت لا يتأبق
وقال السموأل:
إن حلمي إذا تغيب عنيفاعلمي أنني عظيماً رزيت
ضيق الصدر بالخيانة لا ينقضفقري أمانتي ما حييت
كم فظيع سمعته فتصاممتوعي تركته فكفيت
ليت شعري وأشعرن إذاما قربوها منشورة ودعيت
ألي الفضل أم علي إذا حوسبت؟.إني على الحساب مقيت
ميت دهر قد كنت ثم حييتوحياتي رهن بأن سأموت
حكى أبو عبيدة أن عمرو بن ثعلبة بن الحارث الكلبي مر راجعاً من غزاة ومعه أسارى فلقي أعشى بني قيس بن ثعلبة يريد الشام يمدح آل جفنة، فانتسب إلى غير قومه، فقال أنا من تجار أهل البحرين، فأوثقه وطرحه في الأسر، ثم سار من فوره حتى نزل على شريح بن السموأل بن عاديا، فأحسن نزوله، وأكرمه، فسأل الأعشى: من الذي أنزله؟ فقيل له:
شريح فقال: والله لقد كنت امتدحت السموأل، فأرسل إلى شريح بذلك، وسأله أن يخلصه من ضيفه، وأعلمه أنه لا يعرف من هو. فاجتمع شرب عند الكلبي وفيهم شريح، فعرف الأعشى، فقال: من هذا؟ فقال: خشاش التقطته. فقال له: أحب أن تهبه لي. فقال: ما ترجو من هذا الأعمى الزمن؟. بل خذ أسيراً فداؤه مائة من الإبل. قال: بل هذا الأعمى، فاني أرحمه. فوهبه له، فأدخله شريح قصره، وذبح له شاة، وسبأ له خمراً، فلما نفذت فيه الكأس ترنم بهجاء الكلبي وقال:
بنو الشهر الحرام فلست منهمولست من الكرام بني العبيد
ولا من رهط خبار بن قرطولا من رهط حارثة بن زيد
فبلغ عمرو بن ثعلبة هجاؤه، وقيل له إنه الأعشى، فأرسل إلى شريح أن رد إلي هبتي قال: لا سبيل إلى ذلك، ولكن احتكم في المال ما شئت. قال: فانه قد هجاني. فقال: لا يأتيك منه إلا ما تحب. وأرسل شريح إلى الأعشى أن الرجل قد وهبك لي وأحسن ثم هجوته بئسما صنعت. فقال الأعشى: والله لا أهجوه أبداً، ثم أنشأ الأعشى يقول يخاطب شريح:
شريح لا تتركني بعد ما علقتببطن كفك بعد القيد أظفاري
قد طفت ما بين بانقيا إلى عدنوطال في العجم تطوافي وتسياري
فكان أوفاهم عهداً وآمنهمجاراً أبوك بعرف غير إنكار
كالغيث ما استمطروه جاد اللهوعند ذمته المستاسد الضاري
كن كالسموأل إذ طاف الهمام بهفي جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزلهحصن حصين وجار غير غدار
خيره في خطتي خسف فقال لهمهما تقله فإني سامع داري
فقال: ثكل وغدر أنت بينهمافاختر فما فيها حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال لهاقتل أسيرك إني مانع جاري
وسوف يعقبنيه إن ظفرت بهرب كريم وبيض ذات أطهار
فاختار أدراعه أن لا يسب بهاولم يكن عهده فيها بختار
وشريح الذي يقول:
آت الكرام إذا وجدتإلى إخائهم سبيلاً
واشرب بكأسهم وإنشربوا بها السم الثميلا
أأسيد إن مالاً ملكتفسر به سيراً جميلا
أأسيد إن المال لايبكي إذا فقد الخليلا
إن الكريم إذا تؤاخيه وجدت له فضولا
وقال الفرزدق في مدحه سليمان بن عبد الملك حين أجار بني المهلب:
لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤهعلى كل حال جار آل المهلب
وفاء أخي تيماء إذ هو مشرفيناديه مغلولاً فتى غير أجنبي
أبوه الذي قال اقتلوه فإننيسأمنع جاري أن يسب به أبي
فأدى إلى آل امرئ القيسبزه أدراعه معروفة لم تغيب
فأخبره بوفائه، وإيثاره مأثور الحديث على أن أسلم ولده لقاتله ولا يسب بغدره. ولو لم تضمن هذه الفعالة في الشعر لذهبت مع ما ذهب من سائر المنثور، ولذلك خاف جميل بن بدر على حذيفة بن بدر حين عرض على قيس بن زهير ما عرض ليكف عن قتله يوم الهباءة، وذلك بعد ما رأى شداد بن
معاوية واقفا على حفر الهباءة، وقد حال بينهم وببينه الجبل. فقال حذيفة: يا بني عبس أين العوذ والأحلام؟!، فضرب جميل بن بدر بين كتفيه. وقال له: أتق مأثور الحديث بعد اليوم. أراد ما يقع في شعر يروى فيه، فيبقى على وجه الدهر.
وقال الفرزدق يذكر وفاء الحارث بن ظالم لجاره:
ولم أر جاراً لامرئٍ يستجيرهكجاري أوفى لي جواراً وامنعا
رمى بي إليه الخوف حتى أبيتهوقد يمنع الحامي إذا ما تمنعا
فشمر عن ساقيه حتى تطامنتأنابيب نفسي واستقرت بها معا
كمنع أبي ليلى عياض بن ديهثعشية خاف القوم أن يتنزعا
أبو ليلى هو الحارث بن ظالم المري، وكان عياض بن ديهث التميمي مجاورا في غظفان. فأغارت بنو مرة بن ذبيان على ماله، فأتى أعلاق الحارث بن ظالم فعلق دلوه بها، وناداه يا حارثاه، فقال الحارث: والله ما أنت لي بجار. فقال: هذه دلوي قد علقت معالقها بدلاء رعائك. قال: جوار والله. فقام في قومه حتى رد عليه جميع ماله. فقال الفرزدق:
وقام أبو ليلى إليه بسيفهوكان متى ما يسلل السيف يضرب
وما كان غير جاراً دلو تعلقتبأعلاق حبل محكم العقد مكرب
وقال حبيب في ذلك:
لي حرمة لك لولا ما رعيت وماأوحيت من حقها ما خلتها تجب
بلى لقد سلفت في جاهليتهمفي الحق ليس كحقي نصرة عجب
إن تعلق الدلو بالدلو الغريبة أويلابس الظنب المستحصد الطنب
وأنشد الأخفش لنصيب الأشقر وذكر إبلا:
وردن بنا وابن الليالي كأنهحسام جلت عنه القيون صقيل
فما زلت أفنى كل يوم شباتهإلى أن أتتك العيس وهو ضئيل
وأنشد لغيره:
لقد زاد الهلال إلي حباعيون تلتقي عند الهلال
إذا ما لاح وهو سناً صغيرنظرن إليه من خلل الحجال
حدث بعضهم قال: لما كان يزيد بن المهلب بالشام مع سليمان أتاه رجل من أهل الشام اسمه عقيل لما ولى يزيد العراق، فقال له: أحب أن تأذن لي في صحبتك فقال له: إذا كنا بواسط لحقتنا، فانصرفت عنه، ولم أر أنه أذن لي، فقيل لي: دون هذا يكفيك من يريد إذناً فلحقته بواسط، فأنزلني بدار الضيافة.
وأجرى علي ما يجري على أضيافه. فلما كان في الليلة الرابعة أحضرني سمره، فتحدث القوم وتحدثت معهم، فأعجب بي، ثم أفاضوا في ذكر الجواري، فسكت، فقال لي: مه!، فقلت:
أفاض القوم في ذكر الغوانيوقال القوم مهيم يا عقيل
فقلت يقول أصحاب الجواريفأما الأعزبون فلن يقولوا
فضحك يزيد وقال: سنلحقكم بهم. فلما انصرفت أتبعني جارية وخصيا وبغلة، وفرش بيت، وعشرة جارية آلاف درهم، ثم تابع ذلك لي خمسة عشر يوماً، فأخذت خمس عشرة جارية وخمسة عشر خصيا، وخمس عشرة دابة، وخمسة عشر بيتاً، ومائة وخمسين ألف درهم. فقلت له: لقد بلغت فوق الأمل، فأذن لي باللحاق بقومي ليروا أثر نعمتك علي. فقال: اختر،
إن شئت أقمت ووليناك، وإن انصرفت وصلناك. فقلت: أبعد الذي كان صلة؟! فقال: مه يا عقيل، إنما ذلك لطف للمقيم، ولك عندنا هبة الشاخص. فوصلني وانصرفت.
ذكر بعض المؤلفين أن قوماً من الروم يدعون أنهم من غسان من آل أولاد جبلة بن الأيهم، لمسير جبلة إلى بلاد الروم، وقوم منهم يدعون أنهم من إياد وأنه دخل مع هرقل لما هزمه المسلمون من الشام وسبعين ألف عربي، ونزلوا أنقرة. والديلم يدعون أنهم من بني ضبة، وكان باسل بن ضبة نافر اخوته فمضى إلى الدليم فأقام ببلادهم.
والترك يدعون أنهم من اليمن، ويزعمون أن تبع الأكبر لما ارتحل عن غسان أنزل بها خلقاً عظيما من أهل اليمن، فافترقوا في البلاد، وصار بعضهم إلى أن نزل آستانة. والأكراد يزعمون أنهم من قيس بن هوزان، والأدرية يزعمون أنهم من العرب. وكان بابك يدعى أنه من خزاعة. تدعى أنهم من بني أمية، وأنه لما ظهرت دولة بني العباس هرب قوم من أمية فتزوجوا فيهم، وولدوا لهم الأولاد، على أنهم على دين اليهود.
والبربر كلهم يزعمون أنهم من العرب، فأما لواته، ومزاية (زناته) فيدعون أنهم من قيس. وفزان يدعون أنهم لخم، وهوارة يدعون أنهم من عاملة انتقلوا من الشام. وزويلة يدعون أنهم من جرهم، وصنهاجة وكتامة تزعم أنها من حمير. ومن النساب من يثبت ذلك لهاتين القبلتين خاصة.
والحبشة تزعم أنها من عرب اليمن لمسيرهم كان إلى أرض اليمن ومقامهم بها أربعين سنة. ونصارى الحيرة يزعمون أنهم من بلحارث بن كعب، ومنهم من يزعم أنهم من لخم من رهط النعمان بن المنذر. ومنهم من يزعم أنه من رهط عدي بن زيد الشاعر، ورهطه نصارى.
كان محمد بن يزيد بن المهلب في حياة أبيه غير نبيه، ثم ملك الأمر بعده فخرج أسخى الناس وأكرمهم وأعفهم. قال له أبوه يوماً ورأى سفهه: أحسبوه فلا يخرج من الحبس حتى تظهر له توبة، فأقام في الحبس سنة وكتب إلى أبيه من الحبس:
ما قراه لمكرهٍ يقراهقد رواه الأمير عن فقهائه
قد جفاني لكي أتقرافتقريت خائفا لجفائه
والذي انطوى عليه المعاصييعلم الله نيتي من سمائه
فقال: صدقنا عن نفسه، أخرجوه، ومروا له بعشرة آلاف درهم يستعين بها على شأنه.
وأنشد بعضهم:
حظ الأديب من الدنيا هو العدموللرقيع الرضيع المال والخدم
ترى الأديب طوال الدهر في خلقوالفدم يبرى على أظفاره القلم
هذا عني فقير النفس محتقروذا فقير قد أغنى نفسه الكرم
حسب الأديب بأن قد قل مشبههوذاك تشركه في جهله الأمم
وأنشد أبو هفان:
جمعت الذي لو كان يؤلم من أذىفيشتكى لهانت عنده أم ملدم
غباوة أصحاب الحديث ونوكهموتيه المغنى مع جنون المعلم
وقال آخر:
يا باكي الأموات إنك ميتفاجعل بكاءك إن بكيت عليكا
لا تبك غيرك وابك نفسك إنهاأولى النفوس بذاك من عينيكا
وقال آخر:
إذا أنت لم تستقل الأمر لم تجدلكفيك من إدباره متعلقا
إذا أنت لم تترك أخاك وزلةإذا زلها أو شكمتا أن تفرقا
كان يقال: خمس يقبحن من خمس: الحرص من القراء، والحدة من الأمراء، والبخل من الأغنياء، والفحش من ذوي الأحساب، والقسوة من ذوي الأسباب:
حشو قلبي أدب وافروبين ثوبي فتى شاعر
والرزق عنى نازح شاسعوالفقر عندي راكد حاضر
وما رجوت الغنى طرفةإلا كبا بي جدي العاثر
وليس لي عندك يا ذا الندىعون على الدهر ولا ناصر
فاكس جناحي يا شقيق العلاريشاً فإني حامد شاكر
وأنشد الأصمعي لذي الرمة قوله:
على أنني في كل سير أسيرهوفي نظري من نحو أرضك أصور
فإن تصرف الأيام يامي بيننافلا ناشر سراً ولا متغير
ألا إنما مي فصبراً بليةوقد يبتلى الحر الكريم فيصبر
يذكرني ميامن الظبي عينهمراراً. وفاها الأقحوان المنور
خراعيب أملود كأن بنانهابنات النقا تخفي مراراً وتظهر
قال موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي: خرجت من منازلنا بسويقة بجنح من الليل، وذلك قبل خروج محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن فإذا أنا بنسوة فظننت أنهن خرجن من دارنا، فنالتني عليهن غيرة، فاتبعتهن لأنظر إليهن أين يردن حتى إذا كنا بطرف الحميري التفتت إلى إحداهن وهي تقول:
سويقة بعد ساكنها بنفسيلقد أمست أجد بها الخراب
فعلمت أنهن من الجان، فخرج محمد وإبراهيم بعد ذلك فقتلا وخرجت فقال موسى:
يقول ألا تبكي أخاك وقد أرىمكان البكا أن تبيت على الصبر
قال سعيد بن عقبة: نزلت بسويقة فاستوحشت لخرابها، فقلت:
إني مررت على دار فأحربنيلما مررت عليها منظر الدار
وحشاً خراباً كأن لم تغن عامرةبخير أهل لمعتر ومزدار
من للأرامل والأيتام تجمعهمشتى الموارد من ورد وصدار
مأوى الغريب وساري الليل معتسفاًوعصمة الضيف والمسكين والجار
لا يبعد الله حيا كان يجمعهمكهلا سويقة أخيار لأخيار
الدافعين عن المحتاج حاجتهحتى يجوز الغنى من بعد إقتار
والرافعين لساري الليل نارهمحتى ينام على ضوءٍ من النار
لما قدم بشر بن أرطأة إلى الكوفة اخذ القراء فقتل منهم ستة نفر، وكان فيهم حجر بن عدي، فلما اتصل قتله بأهله أنشأت أخته تقول:
ترفع أيها القمر المنيرترفع هل ترى حجراً يسير
تحيرت الجنائز بعد حجروطاب لها الخورنق والسدير
ألا يا حجر حجر بني عديتلقيك السلامة والسرور
فإن تهلك فكل عميد قومإلى ملك من الدنيا يسير
وقال له بشر لما قدمه ليضرب عنقه: أراك جزعاً من الموت. فقال: إن جزعت من الموت
فقد رأيت قبرا يحفر، وكفناً ينشر، وسيفاً يشهر.
مات رجل من أهل الشام فحضر الحجاج جنازته، فقال رجل من الحاضرين: رحمك الله أبا فلان أن كنت لتجيد الغناء وتسرع رد الكأس. فقال له الحجاج: أفي مثل هذا المكان تقول هذا الكلام؟. فقال: أعز الله الأمير لو سمعته يغني:
يا لبينا أوقدي الناراإن من تهوين قد سارا
فقال الحجاج: قاتلكم الله يا أهل الشام. ما أوضح حجة أهل العراق في جهلكم.
وقال علي ﵁: إن بين الحق والباطل أصابع، ووضع يده بين أذنه وعينه فقال الحق هو أن تقول رأيت بعيني والباطل هو أن تقول سمعت بأذني. يريد أن لا يصدق المرء عن أخيه بكل ما سمع.
قال أبو عبيدة: قطع الحجاج وهو بواسط الميرة من البصرة بعقب خروجهم مع ابن الأشعث، فكتب وجوه أهل البصرة إلى عبد الملك في ذلك، فأمر أن ينظر كتاب الأحنف بن قيس فنظر فإذا برقعة لطيفة كأذن القط مكتوب فيها:
(بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإن الجائع تبلغ همته صنعاء، وإن الشبعان تقصر همته عن سفوان. وقد حبس عنا الطعام، وعليك السلام).
فلما قرأه عبد الملك قال: أبو بحر يخبرنا في رقعته أنه ما بقي عليه إلا أن يعوذ بقائم سيفه. فكتب إلى الحجاج بإطلاق الطعام إلى البصرة.
قال عيسى بن عمر: لما احتضر ذو الرمة بأصبهان رفع رأسه إلى من كان عند رأسه وقال: هذا والله يومي وليس بيوم قلت:
كأني غداة الزرق يامي مدنفأعالج نفساً قد أتاها حمامها
اللهم إني لا قوي فأنتصر، ولا بريء فأعتذر، ولكني، ولكني أشهد أن لا إله إلا أنت ثم مات.
قال أبو عبيدة: لما أوقع الجحاف السلمي ببني تغلب بالبشر وهو ماء على الفرات وقف الأخطل بين يدي عبد الملك بن مروان فأنشده:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعةإلى الله منها المشتكي والمعول
فإلا تغيرها قريش بملكها يكنعن قريش مستمار ومرحل
فقال له عبد الملك: إلى اين يا ابن النصرانية؟. قال: إلى النار: قال: أما والله لو غيرها قلت لفرقت بين رأسك وجثمانك.
قال الجاحظ: ركب المأمور في بعض الليالي متظرفا، فإذا هو بثمامة يتمايل على سرجه سكرا، فحرك المأمور دابته حتى لحق ثمامة، فضرب عجز بغلته بسوطه وقال له: ثمامة؟! قال: إي والله!. قال: سكران؟! قال: لا والله قال: أعرفتني؟. قال: أي والله. قال: فمن أنا؟. قال: لا أدري والله. فقال له المأمون: لعنة الله عليك. فقال: تترى يا أمير المؤمنين!
قال أبو عبيدة: ما رأيت رجلا مدخول النسب أجرأ على أحساب العرب من يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري. كان قد صحب عباد بن زياد، فلم يحمد صحبته فهجاه وطعن في نسبة فأهانه عبيد الله وضربه، وأركبه على بعير، وطاف به، وجعل بين يديه صورة خنزير، وخلفه صورة قرد، وسقاه النبيذ الذفل، وكان يحث كلما مشى به، ونفاه إلى القندهار من بلد الهند، وكتب إلى من بالشام من اليمن:
أصبحت لا من بني قيس فتضربنيبكر العراق ولم تغضب لنا مضر
ولم تكلم قريش في حليفهمإذ غاب ناصره بالشام واحتضروا
لو أنني شهدتني حمير غضبتوكان حقاً لها في أمرنا غير
بقندهار ومن تكتب منيتهبقندهار يرجم دونه الخبر
فلما قرأ أهله اليمانية هذه الأبيات رحل مائة رجل من حمير من حمص إلى دمشق فلقوا معاوية داخلا إلى المسجد، فشكوا إليه ما نيل من صاحبهم، ثم قالوا عليهم الطلاق لئن لم يرد إلينا يا أمير المؤمنين لنقتلن به خير رجل من عبد شمس. فكتب إلى ابن زياد فيه فأرسله إليهم.
قال الجاحظ: كانت بنو مالك تجاور الغوث من طيء، فأنشدني عمارة لنفسه:
لمن طلل بذات السدر حافعفاه القطر بعدك والسوافي
سلمى، لو علمت بلاء قوميوقودهم على بعد المساف
جيادهم إلى الأعداء حتىلقينا الغوث بالموت الذعاف
بكل مجرب في الحرب صدقومؤتنف يجالد بالجزاف
إذاً لحمدتنا ولقلت قوميفداكم كل منتعل وحافي
حدث أبو عبيدة عن رجل من الميسرين قال: كنت أسير مع ركب من أصحابي فأنا بالفدفد وقد جن الليل وأضللنا الطريق وجاذبتني الراحلة زمامها، فتركتها وسرت وحدي بسيرها، فإني لكذلك إذ سمعت كلاماً فعدلت نحوه، فإذا أنا بشيخ منحني الصلب، فحرصت على إتيانه، فأتى فقال: هل لك إلى رجل إلى مثلك بالأشواق. قلت: بلى قال: فمشى واتبعته إذ دنا من شجرة فقال له: هذا رجل من العرب. فقال لي: إيه. فقال لي. من أي العرب أنت؟، فقلت من المحضرة. قال من أيها؟. قلت: من المبقرشة. قال: انتسبت. قلت: من ولد قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ابن مدركة. قال ابن أخي: أنا ترب كنانة. أتعرف جياداً فقعيقعان؟: قلت: نعم. قال: فتدري لم سمي جياداً قلت: لا. قال: نحن قوم من جرهم أجلتنا خزاعة فاستبسلنا للموت، وجاد الوادي بالدم فسمى جيادا، أنا عمرو بن مضاض الجرهمي أنا الذي أقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفاأنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأزالناصروف الليالي والجدود الغواثر
فأخرجنا منها المليك بقدرةكذلك، يا للناس تجري المقادر
فصرنا أحاديثاً وكنا بغبطةكذلك عضتنا السنون الغوابر
فسحت دموع العين تجري لبلدةبها حرم أمن وفيها المشاعر
ثم خفق كأن لم يقل شيئاً،واسترشدت الطريق فأرشدت
وأنشد الأصمعي لشوسة الفقسعي يصف صيده للذئب:
لله در أبي الحصين لقد بدتمنه مخايل حولي قلب
ورد الحبائل وهي صور نحوهطمعاً لتعلقه وإن لم تنشب
حتى إذا شملت مقاعد طرفهأرجاؤها بتأنس وتأدب
ويداه واسطتان لما تقدماأو تنكصا لورود عزم المنكب
صرخت به نفس النجي مخافةإن النجاح لأثغر متشعب
فاستبدرت إحدى يديه القهقرىوثنت به الأخرى ثني تهيب
فنجا وهل ينجو من خطو الردىفي العود من أيدي الردى المتأوب
لم ينج بعد نجائه من ساعةإن قام قومه نافض مترقب
فظلت منه رانياً في شخصهفي كل حال أمها أم مذهب
متعانيا طورا لدى استشرافهفإذا توهد في مجال أرتب
حتى دنوت وقام مني شخصهبمقام دان للرماية مكثب
فنحوته سهمي فأنفذ منتهشكا وأي فريسة لم أنشب
ثم انصرفت إلى بني مالئاًكفي متغبطاً بعيش مخصب
أبني أية خلة محمودةٍصعبت على الطلاب أو لم تصعب
ألفيتني أهويت نحو طلابهافأطلت كدك من كريم المطلب
لا تشرئب إذا عنيت بصالحوإذا عنيت بسوأة فاشر أبب
كم ليلة ليلاء ملبسة الدجىأفق السماء سريت غير مهيب
ربط السحاب بها فضول ردائهفمتى يقل برق له اسكب يسكب
فصبرت حتى شق ثوب ظلامهعن لون ثوب مثل لون الأشهب
وأنشد الأصمعي لرجل من بني فقعس:
صب الإله على عبيد حيةلا تنفع النفثات منها والرقى
جبلية تسرى إذا ما جنهاليل، وتكمن بالنهار فلا ترى
مهروته الشدقين ينطف نابهاسما ونفحتها تهاب وتتقى
قصرت لها عنق وسائر خلقهاعين تبص كمثل مصباح الدجى
وكأنما سلمت بأعلا جلدهابرداً من الأفواف أنهجه البلى
رقشاء ترتصد الطريق إذا دنامنها المساء كأنها سنا رشا
قرناء أنشأها الإله فأدركتعاداً فليس لنهشة منها شفا
أوحية ذا طعنتين أحلهآباؤه في شامخ صعب الذرى
فنشا بغار مظلم أرجاؤهلا الريح تصرده ولا برد الندى
في عينه قتل وفي خيشومهفطس وأنياب له مثل المدى
يلقا بريراً جامشاً متخلفاعن رفقة قدمته طول السرى
فتخوضه في عقبه بمذربماض إذا نحا على عظم فرا
وأنشد علي بن سليمان الأخفش لأبي علي البصير:
يا جامعاً مانعاً والدهر يرمقهمفكراً أي باب فيه يغلقه
حميت مالاً، ففكر هل جمعت لهيا جامع المال أياماً تفرقه
المال عندك مخزون لوارثهما المال مالك إلا يوم تنفقه
ارفه ببال فتى يغدو على ثقةإن الذي يقسم الأرزاق يرزقه
فالعرض منه مصون ليس يدنسهوالوجه منه مصون ليس يخلقه
إن القناعة من ينزل بساحتهالا يلق في ظلها هما يؤرقه
بل روح عز وريا كل مكرمةووجه رشدٍ يلاقيه فيونقه
وقال منصور بن عمار الفقيه، وكان حلو المقطعات:
قد قلت لما استقلوابالدير ميتاً وراحوا
لأهم فدوه ولا همبكوا عليه وناحوا
كأنما فارقوا منهظالماً فاستراحوا
لو كان للدين أهلشقوا عليه وصاحوا
وقال محمد بن عبد الملك الزيات الوزير لما قدم ليلقى في تنور نار:
سل ديار الحي ما غيرهاوعفاها ومحا منظرها
وهي الدنيا إذا ما أدبرتصيرت معروفها منكرها
النص من طبعة منشأة المعارف بالإسكندرية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع