من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)
الباب السابع والعشرون في التداوي بالخمر من الخمار
الأعشى:
وكأسٍ شربْتُ على لذّةٍوأخرى تداويْتُ منها بها
لكيْ يعلمَ الناسُ أنّي امرؤٌأتيتُ المعيشةَ من بابِها
هذا الشعر من الكلام الذي لفظه طبقٌ على معناه، لا قاصر عنه، ولا زائد عليه.
محمد بن أبي أمية:
حدّثَتْ عن تغيُّري الأتراباومشيبي فقُلنَ: باللهِ شابا
نظرَتْ نظرةً إليَّ وصدّتْكصدودِ المخمورِ شَمَّ الشرابا
المجنون:
تداويتُ من ليلى بليلى منَ الهوىكما يتداوى شاربُ الخمرِ بالخمرِ
هيَ البدرُ حُسناً، والنساءُ كواكبٌفشَتّانَ ما بينَ الكواكبِ والبدرِ
وأخذه أبو عبادة فأساء العبارة وأساء المعنى فقال:
تداويتُ من ليلى بليلى فما اشتفىبماء الرُّبا مَن ظلَّ بالماءِ يشرَقُ
إلا أنه عفى عليه بإحسانه في قوله يريد هذا المعنى:
هوىً أُعفّي على آثارِهِ بهوىًكمُطفئٍ من لهيبِ النارِ بالنارِ
وهذا قد سبقه إليه دِعبلٌ في قوله:
ولمّا أبى إلاّ جِماحاً فؤادُهُولم يَسْلُ عنْ ليلى بمالٍ ولا أهْلِ
تسلّى بأخرى غيرِها فإذا التيتسلّى بها تُغري بليلى ولا تُسلي
وتقدمه أبو العتاهية فقال:
كم عائبٍ لكِ لم أسمعْ مقالتَهُولمْ يزدْكِ لدينا غيرَ تحسينِ
كأنَّ عائبَكُمْ يُبدي محاسنَكمْعندي ويمدحُكمْ جهراً فيُغريني
ما فوقَ حُبّيكِ حُبٌّ حيثُ أعلمُهُفما يضرُّكِ ألاّ تستزيديني
وقال أبو نواس:
ما حطَّكَ الواشونَ عن رُنةٍعندي ولا ضرَّكَ مُغتابُ
كأنّهم أثنَوا ولمْ يعلمواعليكَ عندي بالذي عابُوا
وقال عروة:
كأنّما عائبُها عامداًزيَّنها عندي بتزيين
قال ابن ميادة:
وإذا الواشي بها يوماً وشىنفعَ الواشي بما كان يَضُرْ
وأخذه إبراهيم بن العباس فطرَّده إلى غير معنى الحب فقال:
وإنّي وإعدادي لدهري محمداًكمُلتمسٍ إطفاءَ نارٍ بنافخِ
وقال محمد بن حازم الباهلي:
وكمْ تلهَّى بهوى غيرِهِقلبي فأغراهُ ولمْ يُلهِهِ
والمعنى الواحد إذا تعاورته الألسنة، وتداولته القرائح، واستعملته الطباع صفا جوهره، وخلص رونقه، وجاد سبكه، وحسن نحته.
أبو نواس:
دعْ عنكَ لَومي فإنَّ اللَّومَ إغراءُودواني بالتي كانتْ هيَ الداءُ
صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتَهالوْ مسَّها حجرٌ مستْهُ سَرّاءُ
ابن المعذّل:
وصفراءَ من لذّةِ الشاربينَيُطيّبُ عيشي بها خفضُها
سماءُ مزاجٍ همتْ فضةًومن ذهَبٍ خالصٍ أرضُها
أزحْتُ خُماري بها إنّهاهي السمُّ تِرياقُها بعضُها
العطوي:
وندمانِ صدقٍ أدرْتُ الكؤوسَعلى رأسِهِ جهرةً فاستدارا
إلى أنْ تَوسَّدَ يُمنى اليدينِوردَّ على عارضيهِ اليسارا
تأنَّيتُ من سُكرِهِ كي يفيقَفلمْ يصحَ منهُ ونامَ النهارا
فنبّهتُهُ ثم عاطيتُهُسُلافَ الأباريقِ تشفي الخُمارا
فثابَتْ لهُ نفسُهُ واستقلَّوشمّرَ للهوِ منهُ الإزارا
أبو نواس:
داوِ يحيى منْ خُمارِهِبابنةِ الدنِّ وقارِهْ
بشرابٍ خُسروانٍما تعنَّوْا باعتصارِهْ
طبختْهُ الشمسُ لمابخلُ العِلجُ بنارِهْ
فتجلَّتْ عن شرابٍيترامى بشرارِهْ
كُشاجم:
داوِ خُماري بكأسِ خمرِوانفِ سُكرَ الهوى بسُكْرِ
ورقِّقِ الماءَ ذَوبَ دُرٍّوشعشِعِ الخمرَ ذَوبَ تِبرِ
مُدامةٌ عُتِّقتْ فجاءتْكلمعِ برقٍ وضوءِ فجرِ
اليعقوبي:
وفتيةٍ حثحثوا مَطيَّهمُحاملةَ الراحِ ليلةَ العرسِ
وقد تصلّيتُ نارَ شُربِهمُكما تَصلّى المقرورُ من قَرْسِ
تضْرَجُ عنها القذاةَ طافيةًفي الكأسِ ضرْجَ الجوامحِ الشمسُ
غنمتُ أُنسي بهمْ وأُنسَهموقد يُصابُ السرور في الخَلْسِ
أقمت صرعاهمُ وقد ثمِلوابطيّباتِ المذاقِ والنفسِ
فاستقبلوا ليلَهمْ بلذّتِهِوشيّعوهُ باللهوِ والأُنسِ
أبو نواس:
دعْ لباكيها الدياراوانفِ بالخمرِ الخُمارا
واسقنيها منْ كُميتٍتُذرُ الليلَ نهارا
لم تزلْ في قعرِ دنٍّمشعراً زفتاً وقارا
ثمّ شُجّتْ فأدارتْفوقَها طوْقاً فدارا
كاقترانِ الدرِّ بالدُّرِّ صغاراً وكبارا
الحسين بن الضحاك:
وصهباءَصِرفٍ صريفيّةٍشربتُ على الريقِ سَلسالَها
كأنَّ مطارحَ أنوارِهاتجرُّ على الأرضِ أذيالَها
أُداوي بهِ فتراتِ الخُمارِمُداواةَ نفسِكَ أعلالَها
أعودُ إليها وموتي بهاكما تجرحُ الحربُ أبطالَها
وقال:
قدْ حنَّ مخمورٌ إلى خمرِوجادَكَ الغيثُ على قَدْرِ
هاتِ التي يُعرفُ وجدي بهاواكنِ بما شئتَ عنِ الخمرِ
حسبي بتمويهِكَ لي شُبهةًلعلَّها تطمعُ في العُذرِ
وقد أخذه من قول الرمّاح وهو ابن ميادة:
ألا رُبَّ خَمّارٍ طرقْتُ بسُحرةٍمن الليلِ مُرتاداً لنَدمانيَ الخمرا
وأنهلتهُ خمراً وأحلفُ أنّهاطلاءٌ حلالٌ كيْ يُحمّلَني الوِزْرا
وتبع ابن ميادة عبيدَ بن الأبرص في قوله:
هي الخمرُ يكْنونَها بالطِّلاكما الذئبُ يُكنى أبا جعْدَهْ
ويمكن أن نستدل بها على أن الخمر قد حرموها في الجاهلية، وقد حرمها علقمةُ بن نضلة فقال:
لعمركَ إنَّ الخمرَ ما دمتُ شارياًلمُذهبةٌ مالي ومُنسيةٌ حِلمي
وجاعلتي بينَ الضِّعافِ قُواهُمُومورثتي حربَ الصديقِ بلا جُرمِ
وشرب قيس بن عاصم فلما سكر مد يده يلتمس القمر، فلما أصبح أُخبر بذلك من فعله، فاستسفه فعله، وحرّمها، وقال: لا أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم.
وقال:
تركتُ القداحَ وعزفَ القِيانِوالخمرَ تصليةً وانتهالا
فيا ربِّ لا أغبنن ببيعتيفقدْ بعتُ أهلي ومالي بَدالا
ولا خلاف أن السكر محرّم بين أهل الديانات والملل، وأما في الشريعة فإن التنزيل حرم الخمر بعينها، وبالسنة حرم كل مسكر.
وما أحسن ما قال المأمون:
سأشربُها وأزعمُها حراماًوأرجو عفوَ ربٍّ ذي امتنانِ
ويشربُها ويزعمُها حلالاًوتلكَ على الشقيِّ خطيئتانِ
وقال ابن الرومي، وهو من أخبث ما قيل في معناه:
أحلَّ العراقيُّ النبيذَ وشُربَهُوقال: الحرامانِ المُدامةُ والسكرُ
وقال الحجازيُّ: الشرابانِ واحدٌفحلٌ لنا من بينِ قولَيْهما الخمرُ
سآخذُ من قوليهِما طرفَيْهماوأشربُها لا فارقَ الوازرَ الوزرُ
وسمع بعض العلماء قولَ الشاعر:
هذهِ المنهيُّ منهاوأنا المحتجُّ عنها
ما لها تحرُمُ في الدُّنْيا وفي الجنةِ منها
فقال: لصداع الرأس، ونزف العقل.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع